النص المفهرس

صفحات 101-120

٣٢ - باب ما جاء في القبلة
الحديث : ٤٠٣
يبلغْهُم إلا في أثناءِ الصَّلاةِ.
فإن قيلَ: إنَّ النسخَ لا يثبتُ في حَقِّهم إلا بعدَ بلوغِهم، فلم يثبتْ
في حقُّهم إلا في أثناءِ صلاتِهم، فلذلك بَنَوا على ما مَضَى فيها.
وإن قيلَ: ثبتَ في حَقِّهم قبلَ ذلك، فقد تمسّكوا بنصٍ لا يجوزُ لهم
تركُه، ولا الاجتهادُ في خلافِه، ولا يلزمُهم البحثُ عن استمرارِهِ، فلا
يُنْسَبَونَ إلى تفريطٍ بخلافِ المجتهدِ المخطئِ.
ويمكنُ أن يجابَ عن ذلك: بأنَّ أهلَ قباءِ، قد صحَّ أَنَّهم(١) بلغَهم
ذلك في صلاةِ الصَّبحِ، وقد ثبتَ بحديث البراءِ أَنَّ القبلةَ حُوِّلتْ في
العصر وبينهما (٣٦٦ - ب/ ق) زمانٌ طويلٌ في مثله تَنتشرُ الحوادثُ المهمةُ
الواقعةُ؛ ولا سيَّما مثل هذه الحادثةِ المتعلّقةِ بالصَّلاةِ، فإذا لم ينسبوا ذلكَ
إلى نوعٍ تفريطٍ ، فالمجتهدُ في طلبِ القبلةِ بما يسوغُ له الاعتمادُ عليه أولى
أن لا يُنسبَ إلى تفريطِ وتقصيرٍ إذا استفرغَ جهدَه في الاستدلال
٠
والطَّلب؛ فإنَّ ذلكَ يقعُ في الأسفارِ كثيرًا، فالأمرُ بالإعادة يشقّ بخلاف
الأمرِ بإعادة صلاة واحدة.
هذا (٢) حكمٌ من خفيتْ عليه القبلةُ واجتهدَ في طلبها وأخطأً؛ فإنْ
تعذَّرَ الاجتهادُ لظلمةٍ ونحوها (٦٥ - أ/ ك١) أو فُقدت الأماراتُ أو تعارضتْ
وصلَّى بحسبِ حالِهِ: ففي الإعادةِ وجهانِ لأصحابِنا، أصحُّهما: لا يعيدُ.
وهو مذهبُ الثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ وغيرِهما؛ لأنَّه شرطٌ عجزَ عنه،
فسقطَ كالطَّهارِةِ والسترة، وكذا الجاهلُ بأدلةِ القبلةِ إذا لم يجدْ من يسألُه.
ومن أصحابنا من قالَ: لا إعادةَ عليه وجهًا واحدًا. وهذا كلَّه في السَّفْرِ.
(١) في ((ك١)): («أنه)).
(٢) في ((ك١)): ((فهذا».
١٠١

الحديث: ٤٠٤
كتاب الصلاة
فأمّا في الحضرِ: فلو أخطأً فيه القبلةَ أعادَ عندَ الثَّوريِّ، وأحمد في
ظاهرِ مذهبهِ.
الحديثُ الثَّالثُ:
٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْيَى، عَن شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َ خَمْسًا (١)، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي
الصَّلاة؟ قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَّيْتَّ خَمْسًا فَثَنَى رِجْلَيْهِ فَسَجَدَ(٢)
٥٠٠٠٠
سجدتین.
قدْ بَيّنَ البخاريَّ في أول البابِ وجهَ الاستدلالِ بحديثٍ سجود السَّهو
على أنَّ السَّهوَ (٣) عنِ استقبال القبلةِ لا يُبطلُ الصَّلاةَ وهو أَنَّ النبيَّ نَه
سلَّمَ من ركعتينِ في الظَّهرِ وأقبلَ على النَّاسِ بوجهِه ثم أتمّ ما بَقِيَ،
وهذا إشارةٌ منه إلى حديث أبي هريرةَ في قصةِ ذي اليدينِ، وقد خرَّجَه
البخاريّ في ((أبواب سجودِ السهو)) (٤)؛ لكن ليسَ عنده أَنَّ أقبلَ على
النَّاسِ بوجهِهِ، وإنَّما فيه: أَنَّه قامَ إلى خشبةٍ فى مقدمِ المسجدِ فوضعَ يَده
عليها. وفي ((صحيحٍ مسلمٍ)): (٥) أَنَّه أَتى جِذْعًا في قبلة المسجد فاستند
إليها، وهذا يدَّل على أَنَّه ولَّى ظهرَه إلى القبلة واستقبلَ النَّاسَ بوجهه،
إلا أن يكونَ استندَ إليها وظهرهُ إلى النَّاسِ ووجهُه إلى القبلةِ.
٠٠
وإنما يعرفُ لفظُه ((ثم أقبلَ على النَّاسِ بوجهِه)) في حديثِ ابنِ مسعودٍ
(١) كذا في: ((ق)) و (ك١))، وفي («اليونينية)): ((الظُّهر خمسًا)).
(٢) في ((اليونينية)): ((وسجد)).
(٣) قوله: ((على أن السهو)) زيادة من ((ق)).
(٤) برقم (١٢٢٩).
(٥) برقم (٥٧٣).
١٠٢

٣٢ - باب ما جاء في القبلة
الحديث ٤٠٤
الذي خرَّجَه البخاريُّ(١) هاهنا. وقد خرَّجَه (٣٦٧ - أ/ ق) النَّسائيُّ(٢) من
طريقِ شعبةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبد الله،
ولفظُه: ((إنَّ رسولَ الله وَّهِ صَلَّى صلاةَ الظُّهرِ ثم أقبلَ عليهم بوجهِهِ
فقالوا: أَحَدَثَ في الصَّلاةِ حدثٌ؟ قال(٣): ((وما ذاكَ؟)) فأخبروه بصنيعه
فثنى رجلَه واستقبلَ القبلةَ فسجدَ سجدتينِ ثم سلَّمَ)).
ولكن هنا لم يكن قد (٤) بقيَ عليه غيرُ سجدتي السَّهوِ على تقديرِ أن
يكونَ زادَ في الصَّلاةِ؛ فإنَّ إبراهيمَ شكَّ هل كانَ زادَ فيها أو نقصَ؟ كذا
في ((صحيحِ مسلمٍ(٥)) التصريحُ بأنَّ هذا الشَّكَّ من إبراهيمَ ..
وفي ((صحيح مسلمٍ)) - أيضًا -، عن عمرانَ بنِ حصينٍ قالَ: سَلَّمَ
رسولُ اللهِ وََّ في ثلاث ركعاتٍ من العصرِ، ثم قامَ فدخلَ الحجرةَ،
فقامَ رجلٌ بسيطُ اليدينِ فَقالَ: أَقْصِرَتِ الصَّلاةُ يا رسولَ اللهِ؟ فخرجَ
مُغضبًا فصلَّى الركعةَ التي كانَ تركَ، ثم سلَّمَ، ثمَّ سجدَ سجدتي السَّهوِ،
ثم سلَّمَ (٦).
ودخولُهُ الحجرةَ يلزمُ منه الانحرافُ عن القبلة بالكلية؛ لأنَّ الحجرةَ
کانت عن يساره.
ومقصودُ البخاريِّ: أَنَّ استدبارَ القبلة والانحرافَ عنها في الصَّلاةِ
سهوًا عن (٧) غيرِ تعمد لا تبطلُ به الصَّلاةُ كما دلَّ عليه حديثُ سجود
(١) برقم (٤٠١).
(٢) في ((السنن)) (٣ / ٢٩) بتمامه.
(٣) في (ك١)): ((قالوا))، والمثبت من: ((ق)) و((سنن النسائي)).
(٤) قوله: ((قد)) زيادة من ((ق)).
(٦) برقم (٥٧٤ / ١٠٢).
(٥) برقم (٥٧٢).
(٧) قوله: ((عن)) زيادة من ((ق)) .
١٠٣
٠

الحديث: ٤٠٤
كتاب الصلاة
السَّهوِ، وقد نصَّ عليه أحمدُ، وغيرُه.
فيستدلُّ بذلك على(١) أنَّ من صلَّى إلى غيرِ القبلة عن غيرِ تعمد أنَّه
لا تبطلُ صلاتُه بذلكَ، ولا إعادةَ عليه، واللهُ أعلمُ.
وروايةُ النَّسائيِّ لحديثِ ابنٍ مسعودٍ: يُستدلُّ بها على(٢) أَنَّ من نسيَ
سجودَ السَّهِ حتَّى سلَّمَ ثمَّ ذكرً فإنَّه يسجدُ وإن كانَ قد صرفَ وجهَه عن
قبلته .
وهو قولُ الجمهور (٦٥ - ب/ ك١) خلافًا للحسنِ، وابن سيرينَ في
قولهما: ((لا يسجدُ حينئذ)).
ء
وقصةُ ذي اليدينِ يُستدلُّ بها على أَنَّ كلامَ النَّاسِ لا يبطلُ كما هو
قولُ الشَّافِعِيِّ، وأحمدَ في إحدى الرواياتِ عنه وعلى (٣) أَنَّ العملَ الكثيرَ
في الصَّلاةِ نسيانًا يُعْفَى عنه. وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولٌ للشَّافعي(٤).
واستدلَّ به بعضُهم على أَنَّ من سلَّمَ من نقصانٍ فإنَّه يبني على ما
مضى من صلاته وإن طالَ الفصلُ وهو قولُ الأوزاعيِّ وغيرِهِ. وسيأتي
ذكرُ ذلك مُفْصَّلًا في مواضعِه إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى.
(١) قوله: ((على)) زيادة من ((ق)).
(٢) في ((السنن)) (٣ / ٢٩)، وقد سبق قبل أسطر.
(٣) في «ك١)): ((عنه على أن)).
(٤) في ((ك)): ((الشافعي)).
١٠٤

الحديث ٤٠٥
٣٣ ۔ باب
حَكِّ البُزَاق باليد من المسجد (٣٦٧- ب/ ق)
لَّ ذکرَ البخاريُّ - رحمه اللهُ - ((أبوابَ استقبالِ القبلةِ في الصَّلاةِ»
أتبعَها بما تصانُ منه (١) قبلةُ المصلِّي التي يُصلِّي إليها من البصاقِ ونحوِهِ.
وخرَّجَ في هذا الباب ثلاثةَ أحاديث.
الحديثُ الأولُ:
٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَس أَنَّ
النَّبِّوَ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقَبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤْيَ ذلكَ(٢) فِي
وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَمَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّه يُنَاجِي
رَبَّهُ - أَوْ: إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ
يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ(٣) ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى
بَعْضِ فَقَالَ: ((أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا)).
وخرَّجَه البخاريُّ في موضعٍ(٤) آخر من كتابِهِ من طريقِ زُهيٍ، عن
حميدٍ، ولم يخرِّجْه مسلمٌ لما تقدّم من قولِ حمادِ بنِ سلمةَ: أَنَّ(٥) أكثرَ
(١) في ((ك)): ((من)) وكتبها فوق ((تصان قبلة)).
(٢) قوله: ((ذلك)) ليست في ((اليونينية))، وفي ((ق)) كتبها فوق: ((فشق)).
(٣) في: ((اليونينية)): ((قدميه)) وأشار إلى نسخ فيها: ((قدمه)).
(٤) برقم (٤١٧).
(٥) قوله: ((أنَّ) ليست فى ((ك١)).
١٠٥

الحديث: ٤٠٥
كتاب الصلاة
ما رَوَاه حميدٌ، عن أنس لم يسمعْه منه؛ إنَّما سمعه من ثابت(١)، وقد
قالَ ذلك في هذا الحديثِ بخصوصِهِ.
فذكرَ عليّ بنُ المدينيِّ قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: كانَ حمادُ
ابنُ سلمةَ يقولُ: حديثُ حميدٍ عن أنسٍ أَنَّ النبيَّ ◌َلِّ بزقَ في ثوبِه ثم
دلكَ بعضَه ببعضٍ؛ إِنَّما رَوَاه حميدٌ، عن ثابتٍ، عن أبي نضرةَ. قال
يحيى: ولم يقلْ شيئًا. هذا رَوَاه قتادةُ، عن أنسٍ، فجعل يحيى القطانُ
روايةَ قتادة عن أنسِ لهذا الحديثِ شاهدةً لروايةٍ حميدٍ، عن أنسٍ وإن لم
يصرِّحْ بسماعه منه واكتفى بذلك، وتَبعَه البخاريُّ على ذلك، وقد خرَّجَ
حديثَ قتادةَ، عن أنسٍ فيما بعد(٢).
وُ
وقد أشارَ البخاريّ في ((كتابِ الوضوء))(٣) في بابِ ((البصاقِ والمخاط
٠
يصيبُ الثَّوبَ)) أنَّ سعيدَ بنَ أبي مريم رَوَى هذا الحديثَ عن يحيى بنِ
أيوبَ، عن حميدٍ: سمعتُ أنسًا، فذكره(٤)، فصرَّح فيه بالسَّماءِ، وقد
تقدَّمَ القولُ(٥) في قولٍ (٦) يحيى بنِ أيوبَ: ((ثنا)) .
وهذا الحديثُ دالٌّ على كراهةٍ أن يبصقَ المصلِّي في قبلتِهِ التي يصلِّي
إليها سواءً كان في مسجدٍ أو لا. فإن كان في مسجد تَأَكَّدت (٧) الكراهةُ
بأنَّ البزاقَ في المسجدِ خطيئةٌ - كما يأتي الحديثُ بذلك في بابِهِ. فإن كان
(١) وقد تقدم كلام الحافظ ابن رجب - رحمه الله - على هذه المسألة تحت الحديث رقم
(٤٠٢) .
(٢) برقم (٤١٣).
(٣) ((كتاب الوضوء)) ساقط من مجموع النسخ التي بين أيدينا.
(٥) (ص٥٤، ٩٤) تحت الحديث (٣٩٣) و(٤٠٢).
(٤) (فتح: ٢٤١).
(٦) قوله: ((قول)) ليست فى ((ق)).
(٧) في ((ك)): ((فأكدت)).
١٠٦

٣٣٠ - باب حك البزاق باليد من المسجد
الحديث ٤٠٥
في قبلة المسجد كان أشدَّ كراهةً.
وقد أمرَ النبيِّ وَّ ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ وأن (١) تنظَّفَ وتُطَيَّبَ،
وسنذكرُهُ في موضعٍ آخر إن شاء اللهُ تعالى(٢).
وقد فُسِّرَ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ (٣٦٨ - أ/ ق) ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أن
ترفع﴾ [النور: ٣٦] بصيانتها وتطهيرِها وتنزيهِها عما لا يليقُ بها.
وفي الحديثِ: نَهْيُ المصلِّي أن يبزقَ وهو في الصَّلاةِ قبلَ قبلتِهِ بكلِّ
حالٍ، وليسَ فيه التَّصريحُ بالَّهي عن أن يبزقَ عن يمينِهِ. ووردَ التَّصريحُ
به في أحاديثَ أُخر.
وهو يُفْهَمُ من أمرِهِ بأن يبزقَ عن يسارِهِ أو تحتَ قدمه أو في طرفٍ
ردائه. وذكرَ اليسارَ وتحتَ القدمِ بلفظِهِ، والبصاقُ في طرفِ ردائِه بيّنَه
بفعله، فكان (٦٦ - أ/ ك١) دليلا على طهارةِ البزاقِ.
وهو ردٌّ على من قالَ بنجاستِه (٣) - كما سبقَ ذكرُهُ في «أبوابٍ
الوضوء))(٤)، ودليلا على أنَّ تلويثَ طرفِ الثَّوبِ بالبزاقِ لحاجةٍ إليه ليسَ
ثمّ ينبغي استقذارُهُ والتنزُّهُ منه؛ فلهذا بيَّنَه بالفعلِ معَ القولِ .
وفي هذا الحديثِ أَنَّه حكَّه بيدهِ، فيحتملُ أنَّه أرادَ أَنَّه باشرَ ذلك
(١) في ((ك)): ((بينا المسجد في الدور أن)).
(٢) قوله: ((تعالى)) زيادة من ((ق)).
(٣) قال الخطابي في ((معالم السنن)) (١٤٤/١): ((وفيه من الفقه: أن النخامة طاهرة، ولو لم
تكن طاهرة لم يكن يأمر المصلي بأن يدلكها بثوبه. ولا أعلم خلافًا في أن البزاق طاهر
إلا أن أبا محمد الكُداني حدثني قال: سمعت الساجي يقول كان إبراهيم النخعي يقول:
البزاق نجس)).
(٤) ((كتاب الوضوء)) ساقط من مجموع النسخ التي بين أيدينا.
١٠٧

الحديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
بنفسِه ولم يولّه غيرَه من أصحابه. وبهذا فسَّرَّه الإسماعيليّ.
ءِ
ويحتملُ أنَّه أرادَ أنه(١) باشرَ حكَّه بيده من غيرِ حائلِ حكَّه به،
وتبويبُ البخاريِّ يدلُّ على هذا؛ ولهذا بوَّبَ بعدَه: باب ((حكِّ المخاط
بالحصى من المسجد)).
وقد رَوَى عائذُ بنُ حبيبٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ أَنَّ النبيَّ وَِّ رَأَى
نُخامةً في قبلة المسجد فغضبَ حتَّى احمرَّ وجهُهُ فجاءتْهُ امرأةٌ من الأنصارِ
فحكَّتها وجعلت مكانَها خلوقًا. فقالَ رسولُ اللهِ وَخلَّ: ((ما أحسنَ هذا)).
خرَّجَهَ النسائيُّ، وابنُ ماجه، وابنُ خزيمةَ في ((صحيحه)(٢)، وقال الأثرمُ:
سمعتُ أبا عبد الله - يعني: أحمدَ - ذكر عائذَ بنَ حبيبٍ فأحسنَ الثَّنَاءَ
عليه. قلتُ له: روى عن حميد، عن أنس - وذكر له هذا الحديث -،
فقال: قد رَوَى النَّاسُ هذا على غيرِ هذا الوجه (٣)، يشيرُ إلى روايةٍ حميد
التي خرجَها البخاريُّ؛ فإنَّها مخالفةٌ لروايةٍ عائذٍ في حكِّه بيدهِ، وليسَ
فيها ذكرُ الخلوق؛ ولكنَّها(٤) زيادةٌ لم تنفها روايةُ البخاريِّ ولم تثبتها.
وصرَّحَ بعضُ أصحابنا بوجوبِ حكِّ النخامة من حائط المسجد
وباستحبابِ تخليقٍ مكانها(٥).
(١) قوله: ((أنه)) زيادة من ((ق)).
(٢) النسائي (٢ / ٥٢ - ٥٣) وابن ماجه (٧٦٢) - واللفظ له -، وابن خزيمة (٢٧٠/٢ - ٢٧١)
- أيضا - وقال بعد أن أخرجه: ((هذا حديث غريب غريب)).
(٣) وبهذا - أيضا - أعله إمام هذا الفن الإمام البخاري في ((تاريخه)) (٧ / ٦٠)، فبعد أن ساق
رواية عائذ قال: «وروى إسماعيل بن جعفر وحفص، عن حميد، ولم يقولا: الخلوق،
وقالا: حكه النبي ◌َّل بيده. وهذا أصح)) ا. هـ.
وتقدم قول ابن خزيمة في هذا الحديث في التعليقة السابقة .
(٤) في ((ك ١)): (لكنها)).
(٥) في ((ك١)): ((موضعها)).
١٠٨

٣٣ باب حك البزاق باليد من المسجد
الحديث : ٤٠٥
وإنما يُكرهُ البصاقُ إلى القبلة (٣٦٨ - ب/ ق) في الصّلاةِ أو في المسجدِ؛
فأمَّا من بصقَ إلى القبلة في غيرِ مسجد فلا يكره له ذلك، وقد سبقَ
ذكرهُ في ((استقبالِ القبلةِ بالغائطِ والبول)) (١).
وقولُهُ وَّهِ: ((إذا قامَ أحدُكم يصلِّي فإنَّما يناجي ربَّه - أو: إنَّ ربَّ بينَه
وبينَ القبلة)) يدلُّ على قربِ اللهِ تعالى من المصلِّ في حالٍ صلاته، وقد
تكاثرت النصوصُ بذلكَ، قال تعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
وفي (صحيح مسلمٍ))(٢)، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَلّ قالَ: ((أقربُ ما
يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ فأكثروا الدُّعاء)).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ، وابن حبان في
((صحيحيهما))(٣) من حديث الحارثِ الأشعريِّ، عن النبيِّ وَلِلّ قالَ: ((إنَّ
اللهَ أمرَ يحيى بن زكريا بخمسٍ كلماتِ أن يعملَ بهنَّ ويأمرَ بني إسرائيلَ
أن يعملوا بهنَّ))، فذكر الحديث وفيه: ((وأَمَركم بالصَّلاة؛ فإنَّ اللهَ ينصبُ
وجهَه لوجهِ عبدِهِ ما لم يلتفتْ فإذا صلَّيتم فلا تَلْتَفتُوا)). وصحَّحَه
(١) من ((كتاب الوضوء))، وقد سبق الإشارة إلى أنه ساقط من مجموع النسخ التي بين أيدينا.
(٢) برقم (٤٨٢).
(٣) ((المسند)» (١٣٠/٤-٢٠٢) والترمذي (٢٨٦٣) وابن خزيمة (٢ / ٦٤) وابن حبان (الإحسان
- ١٤ / ١٢٤ - ١٢٧). وليس له في الستة غير هذا الحديث.
وقال ابن حبان بعد أن ساق الحديث: ((والحارث الأشعري هذا: هو أبو مالك الأشعري،
اسمه الحارث بن مالك، من ساكني الشام)» ا. هـ.
وقال الترمذي: ((قال محمد بن إسماعيل: الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا
الحديث)) ا. هـ.
والبحث في أنه غير ((أبو مالك الأشعري)) أو هو نفسه أبو مالك يطول، وراجع في ذلك
كلام الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (١٣٧/٢-١٣٨) و(٢١٨/١٢) و((الإصابة)) (٥٦٦/١).
وأخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٥١٠).
١٠٩

الحديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
الترمذيُ (١).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ خزيمةَ في
(صحيحه) (٢) من حديث أبي ذرِّ، عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((لا يزالُ اللهُ مقبلا
على العبدِ وهو في صلاتِه ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرفَ عنه)).
ورَوَى عبدُ الرَزَّاقِ (٣)، عن ابن جريجٍ، عن عطاءِ قالَ: سمعتُ أبا
هريرةَ يقولُ: إذا صلَّى أحدُكم فلا يلتفتْ؛ فإنَّه يناجي ربَّه، إنَّ ربَّه أمامه
وإنَّه يناجيه.
قالَ عطاءٌ: وبلغنا أَنَّ الربَّ عزَّ وجلَّ يقولُ: ((يا ابنَ آدمَ إلى من
تلتفتُ؟ أنا خيرٌ لك ممَّنْ تلتفتُ إليه)).
وقد رَوَاه إبراهيمُ بنُ يزيدَ، وعمرو بنُ قيسٍ، عن عطاءِ، عن أبي
هريرةَ مرفوعًا كلَّهِ(٤).
وروايةُ ابنِ جريجٍ أصحٌّ، قالَه (٦٦ - ب/ ك١) العقيليُّ، وغيرُه.
وكان مقصودُ النبيِّ وَّ بذكر هذا(٥) أن يستشعرَ المصلِّي في صلاتِه
قربَ الله منه، وأَنَّه بمرأى منه ومسمعٍ وأنه مناجٍ له، وأنَّه يسمعُ كلامَه
ويردُّ عليه جوابَ مناجاتِه له. كما في ((صحيحِ مسلمٍ)) (٦)، عن أبي هريرةَ،
وَّ: ((إنَّ العبدَ إذا قالَ: الحمدُ لله ربِّ العالمين قالَ اللهُ:
عن النبيِّ
(١) ولفظه في المطبوع: ((هذا حديث حسن صحيح غريب)).
(٢) ((المسند))(٥ / ١٧٢)، وأبو داود (٩٠٩) - واللفظ له - والنسائي (٣ /٨)، وابن خزيمة
(٢٤٤/١) وساقه المزي في ((تهذيب الكمال)) (٣٣ / ١٨ - ١٩) في ترجمة أبي الأحوص.
(٤) عند العقيلي (١ / ٧٠ - ٧١).
(٣) في ((المصنف)) (٢ / ٢٥٧).
(٥) في (١٥)): ((بهذا)) وفي ((ق)): ((بذكر هذا)).
(٦) رقم (٣٩٥ / ٣٨).
١١٠

٣٣ باب حك البزاق باليد من المسجد
الحديث : ٤٠٥
حمدني عبدي)) وذكرَ ردَّه عليه في آياتِ الفاتحةِ إلى آخِرِها.
فمن استشعرَ هذا في صلاته أوجبَ له ذلك حضورَ قلبه بينَ يدي
ربِّه وخشوعَه له وتأدَّبُه في وقوفِه بينَ يديهِ، فلا يلتفتُ إلى غيرهِ بقلبه ولا
ببدنه ولا يعبثُ وهو واقفٌ بينَ يديه (٣٦٩ - أ/ق) ولا يبصقُ أمامَه
فيصير(١) في عبادته في مقامِ الإحسانِ يعبدُ اللهَ كأنَّه يراه كما فسَّرَ النبيُّ
وَه الإحسان بذلك في سؤالٍ جبريلَ عليه السَّلامُ له - وقد سبقَ حديثُه
في كتابِ ((الإيمانِ)). وخرَّجَ النسَّائِيُّ(٢) من حديثِ ابنِ عمرَ قال: أخذَ
النبيِ وَل ببعضِ جسدي فقالَ: ((اعبد اللهَ كأنَّك تراه)).
وقد كانَ ابنُ عمرَ قَبَلَ هذه الوصيةَ وامتثلَهَا فكانَ يستحضرُ في جمیعِ
أعماله وعباداته قُربَ الله منه واطلاعَهُ عليه.
وكانَ عروةُ بنُ الزُّبِرِ قد لقيه مرةً في الطَّوافِ بالبيتِ فخطبَ إليه
ابنتَه: سودةَ، فسكتَ ابنُ عمر، ولم يردَّ عليه شيئًا ثم لقيه بعدَ ذلك
بعدما قدمَ (٣) المدينةَ فاعتذر له عن سكوتِهِ عنه بأنَّا كنَّا في الطَّوافِ نتخايلُ
اللهَ بينَ أعينِنَا .
وقد أخبرَ اللهُ تعالى بقربِهِ مَمَّنْ دعاه وإجابته له تعالى (٤) فقالَ: ﴿وإذَا
سَأَلِكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دعوةَ الدَّاعِ(٥) إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة:
(١) كلمة: ((فيصير)) من ((ق)).
(٢) عزاه المزي في ((التحفة)) (٧٣٠٤) إلى ((الكبرى)) في كتاب ((الرقاق))، وفي ((الفتح)) (١١/
٢٣٤) عزاه الحافظ للنسائي - أيضًا - وكذلك عزاه المصنف في ((جامع العلوم والحكم))
(٤١٣/٢)، وكتاب ((الرقاق)) لم يطبع حتى الآن.
(٣) في ((ق)) و ((ك١)): ((تقدم)) بتاء في أولها، وفيها سقم.
(٤) قوله: ((تعالى)) زيادة من ((ق)).
(٥) في ((ق)): ((الداعي))، وأثبتناها على رسم المصحف.
١١١

الحديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
١٨٦] وقد رُوِيَ في سببٍ نزولِها أَنَّ أعرابيّا قَالَ: يا رسولَ الله! أقريبٌ
رَبَنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه؟ فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ ﴿وإذا سألكَ عبادي عَنِّي
فإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].
خرَّجَهَ ابنُ جرير(١)، وابنُ أبي حاتمٍ (٢).
ورَوَى عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ
قالَ: سألَ أصحابُ رسول الله وَخلفه: أين ربْنَا؟ فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ:
﴿وإذا سألكَ عبادي عنِّي فإنِّي قريبٌ﴾(٣) [البقرة: ١٨٦].
وروى عَبْدُ بنُ حُمَيَدٍ بإسنادِهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبيدِ بنِ عميرٍ (٤)
قالَ: نزلتْ هذه الآيةُ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قَالُوا: كيفَ لنا
به أَنْ نلقاه حَتَّى ندعوَه؟ فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيِّهِ وَ لِّ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ(٥) إِذَا دَعَان(٥)﴾ [البقرة: ١٨٦]
فقالُوا: صدقَ ربِّنَا، هو بكلِّ مكان.
وقد خرَّجَ البخاريُّ في ((الدعواتٍ))(٦) حديث أبي موسى أنَّهم رَفَعوا
أصواتَهم بالتَّكبيرِ فقالَ لهمُ النبيُّ نَّهِ: ((إِنَّكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبًا،
(١) في ((ك١)): ((خزيمة)) بدلا من: ((جرير)). وهو عند ابن جرير في ((التفسير)) (٢ / ٩٢).
(٢) ذكره الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) (٣١٣/١) بإسناد ابن أبي حاتم ومتنه.
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره)) (١ / ٣١٣) من طريق عبد الرزاق، به.
(٤) في ((ك١)): ((عمر)) خطأ، وهو مترجم في ((تهذيب الكمال)) (١٥ / ٢٥٩).
(٥) في ((ق)) و((ك١)): ((الداعي إذا دعاني)) وأثبتناها على رسم المصحف.
(٦) برقم (فتح: ٦٦١٠) مع اختلافٍ في بعض ألفاظه، ولكن أخرجه البخاري في ((صحيحه))
بهذا اللفظ في ((كتاب المغازي)) (فتح: ٤٢٠٥).
١١٢

٣٣- باب حكـ البزاق باليد من المسجد
الحديث : ٤٠٥
إِنَّكم تدعونَ سميعًا قريبًا)) - وفي روايةٍ(١): ((إِنَّه أقربُ إليكم من أعناقِ
رواحلکم».
ولم يكنْ أصحابُ النَّبِيِّ نَّهِ يفهمونَ من هذه النُّصوصِ غيرَ المعنى
الصّحيحِ المرادِ بها، فيستفيدونَ بذلك معرفةَ عظمة الله، وجلالهِ، واطّلاعِهِ
على عباده (٣٦٩ - ب/ ق) وإحاطته بهم وقربه من عابدِيه، وإجابته لدعائهم
فيزدادونَ به خشيةً لله، وتعظيمًا، وإجلالا، ومهابةً، ومراقبةً، واستحياءً،
ويعبدونَه كأنَّهم يرونَه.
ثم حدثَ بعدَهم من قلَّ ورعُه وساء فهمه وقصدُه، وضعفتْ
عظمةُ(٢) الله وهيبتُه في صدرِه، وأرادَ أن يرى النَّاسُ امتيازَه عليهم (٦٧ -
أ/ ك١) بدقةِ الفهمِ وقوةِ النَّظَرِ، فزعمَ أنَّ هذه النُّصوصَ تدلُّ على أنَّ اللهَ
بذاتِه في كلِّ مكانٍ.
كما يُحكى ذلك عن طوائفَ من الجهميةِ، والمعتزلةِ، ومن وافقَهم.
تعالى اللهُ عَمَّا يقولونَ عُلوًا كبيرًا.
وهذا شيءٌ ما خطرَ لمن كانَ قبلهم من الصَّحابةِ - رضي اللهُ عنهم.
وهؤلاءِ مِمَّنْ يتبعُ ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويله، وقد حذرَ
النبيُّ ◌َّهِ أَمْتَه منهم في حديث عائشةَ الصَّحِيحِ المَنَّفْقِ عليه(٣).
وتعلَّقوا - أيضًا - بما فهموه، وبفهمهم القاصرِ مع قصدِهم الفاسدِ،
بآياتٍ في كتابِ اللهِ تعالى(٤) مثل قولِهِ تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾
(١) أخرجها الإمامُ أحمد في ((المسند)) (٤ / ٤٠٢).
(٢) في ((ك١)): ((عظمت)).
(٣) البخاري (فتح: ٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).
(٤) قوله: ((تعالى)) ليست في ((ق)).
١١٣

الحديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
[الحديد: ٤] وقوله ﴿مَا يكونُ مِن نَّجْوى ثَلاثَة إلا هو رابعهم﴾ [المجادلة:
ے
٧] الآية .
فقالَ من قالَ من علماءِ السّلف حينئذٍ: إنَّما أرادَ أنَّه معهم بعلمِهِ،
وقصدُوا بذلكَ إبطالَ ما قالَهُ أولئكَ مِمَّا لم يكن أحدٌ قبلهم قالَهُ ولا
فَهِمَه من القرآنِ .
وَمَّنْ قالَ: إنَّ هذه المعيةَ بالعلمِ: مقاتلُ بنُ حيان، ورُويَ عنه أَنَّه
رَوَاه عن عكرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وقالَه الضَّحاكُ قَالَ: اللهُ فوقَ عرشه،
وعلمُهُ بكلِّ مكانٍ.
ورُويَ نحوُهُ عن مالكِ، وعبدِ العزيزِ الماجشون، والثَّوريِّ، وأحمدَ،
وإسحاقَ، وغيرهم من أئمةِ السَّلْف.
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ: ثنا عبدُ اللهِ بنُ نافعٍ قَالَ: قَالَ مالكٌ: اللهُ فِي
السَّماءِ، وعلمُه بكلِّ مكانٍ .
ورُويَ هذا المعنى عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ - أيضًا.
وقالَ الحسنُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]
قال: علمُهُ بالنَّاسِ.
وحَكَى ابنُ عبد البرِّ، وغيرُهُ إجماعَ العلماءِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ في
تأويلِ قولِهِ تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أَنَّ المرادَ علمُهُ(١).
وكلَّ هذا قصدوا به ردَّ قول من قالَ: إنَّه تعالى بذاته في كلِّ مكان.
(١) ((التمهيد)) (١٣٨/٧-١٣٩-١٤٥-١٤٨) في غير ما موضع، نص فيه على مذهب أهل السنة،
وتَحَذْلَقَ الغماري - محقق هذا المجلد من ((التمهيد)» - بما يثقل القلم عن نقله.
١١٤

٣٣٣ باب حكـ البزاق باليد من المسجد
الحديث : ٤٠٥
وَزَعَمَ بعضُ من تحذلقَ أَنَّ ما قالَه هؤلاء الأئمةُ خطأٌ؛ لأنَّ علمَ الله
صفةٌ لا تفارقُ ذاتَه.
وهذا سوءُ ظَنَّ منه بأئمة الإسلام؛ فإنَّهم لم يريدوا ما ظنَّه (٣٧٠ - أ
/ق) بهم وإنَّما أرادُوا أَنَّ علمَ الله متعلقٌ بما في الأمكنةِ كلِّها، ففيها
معلوماتُه لا صفةُ ذاته كما وقعت الإشارةُ في القرآنِ إلى ذلك بقوله
تَعَالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شيءٍ علما﴾ [طه: ٩٨] وَقَولِهِ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيٍ
رَّحْمةً وعلمًا﴾ [غافر: ٧] وَقَوله ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العرشِ يَعْلمُ ما يلجُ
في الأرضِ وما يخرجُ منها، وَمَّا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرِجُ فيها وَهُو
مَعَكم أَيْنَمَا كُنْتم﴾ [الحديد: ٤].
وقالَ حربٌ: سألتُ إسحاقَ بنَ راهويه(١) عن قولِهِ ﴿مَا يكونُ مِن
نَّجْوى ثَلاثة إلا هو رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: حيثُ ما كُنْتَ هو أقربُ
إليكَ من حَبْلِ الْوريدِ، وهو بائنٌ من خلقهِ.
ورَوَى عمر(٢) بنُ أبي سلمةَ، عن أبيه أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ مرَّ بقاصِّ
وقد رفعوا أيديهم، فقال: ويلكم إِنَّ ربَّكم أقربُ مما ترفعونَ، وهو أقربُ
إلى أحدِكم من حبلِ الوريدِ .
(١) قوله: ((ابن راهويه)) ليست في ((ق)).
(٢) في ((ك)): ((عمرو))، ولعل الصواب الذي في ((ق))، وهو الذي أثبتناه. وعُمر بن أبي
سلمة مترجم في ((تهذيب الكمال)) (٢١ / ٣٧٥) وغيره، وهو متقدم الوفاة يروي عن
طبقة التابعين، مات سنة (١٣٢)، وهو مشهور بالرواية عن أبيه، وأنكر الأئمة من روايته
عن أبيه أشياء.
أما عمرو بن أبي سلمة فإنه من طبقة أخرى متأخرة، ووفاته سنة (٢١٤) تقريبًا، وهو
يروي عن طبقة أتباع التابعين، أمثال مالك، والأوزاعي، ولم يذكروا في ترجمته أن له
رواية عن أبيه .
١١٥

الحديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
وخرَّجه أبو نعيم وعنده أنَّ المارَّ والقائلَ لذلك هو ابن عمر .
وخطبَ عمر بنُ عبدِ العزيزِ فذكرَ في خطبتِهِ: إنَّ اللهَ أقربُ إلى عباده
من حبلِ الوريدِ. وكانَ مجاهدٌ حاضرا يسمعُ فأعجبَه حسنُ كلامٍ عمرَ.
وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ قربَ اللهِ من خلقِهِ شاملٌ لهم، وقربه من
أهلِ طاعته فيه مزيدُ خصوصية كما أَنَّ معيتَه مع عباده عامة حتَّى مَمَّنْ
عصاه، قال تعالى (٦٧ - ب / ١٥) ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ
من الله وَهُوَ مَعَهم إذْ يبيتون ما لا يرضى مِنَ الْقول﴾ [النساء: ١٠٨]
ومعيتُهُ مع أهلِ طاعتِه خاصةٌ لهم(١) فهو سبحانَه مع الذين انَّقوا ومعَ
الذين هُمْ محسنونَ، وقالَ لموسى وهارونَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأَرَى﴾
[طه: ٤٦] وقال موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ ربِّي سَيَهدينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقَالَ
في حقِّ محمدٍ وصاحبِه: ﴿إِذْ يقولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزِنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾
[التوبة: ٤٠] ولهذا قَالَ النبيّ ◌َُّ لأبي بكرِ في الغارِ: ((ما ظنَّك باثنين
اللهُ ثالثُهما؟))(٢).
فهذه معيةٌ خاصةٌ غير (٣) قولِهِ: ﴿مَا يَكونُ مِن نَّجْوى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ
رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].
فالمعيةُ العامةُ تقتضي التَّحذيرَ من علمهِ، واطّلاعِهِ، وقدرته، وبطشه،
٠٠
٠٠
وانتقامه. والمعيةُ الخاصةُ تقتضي حسن الظنِّ بإجابته، ورضاه، وحفظه،
٠٠
وصيانته، فكذلك القربُ، وليس هذا القربُ كقربِ الخلقِ المعهودِ منهم،
(١) قوله: ((لهم)) زيادة من ((ق)).
(٢) أخرجه البخاري (فتح: ٣٦٥٣) ومسلم (٢٣٨١).
(٣) في (ك١)) كأنها: ((عن)).
١١٦

٣٣ باب حك البزاق باليد من المسجد
الحديث : ٤٠٥
كما ظنَّه من ظنّه من أهل الضَّلال؛ وإنَّما هو قربٌ ليسَ (٣٧٠ - ب/ق)
يشبهُ قربَ المخلوقينَ، كما أَنَّ الموصوفَ به ﴿ليسَ كمثله شيءٌ وهو
السَّمِيعُ البصيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وهكذا القولُ في أحاديث النُّزول إلى سماء الدنيا؛ فإنَّه من نوع قربِ
الربِّ من داعیه، وسائلیه، ومستغفریه.
وقد سُئِلَ عنه حمَّدُ بنُ زيدٍ فقال: هو في مكانِهِ يقربُ من خلقِهِ
كما (١) يشاءُ.
ومرادُه: أنَّ نزولَه ليسَ هو(٢) من مكان إلى مكان کنزول المخلوقين.
وقالَ حنبلٌ: سألتُ أبا عبد الله: ينزلُ اللهُ إلى سماء الدُّنْيا؟ قال:
نعمْ: قلتُ: نزولُه بعلمه أو بِمَاذَا؟ قالَ: اسكُتْ عن هذا، مالكَ ولهذا،
أمضِ الحديثَ على ما رُويَ بلا كيفٍ ولا حَدٍّ إلا بما جاءتْ به الآثارُ،
وجاءَ به الكتابُ، قالَ اللهُ تعالى(٣): ﴿فلا تَضْرِبُوا لله الأمْثَالَ﴾ [النحل:
٧٤] ينزلُ كيفَ شاءَ: بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا،
لا يبلغُ قدرَه واصفٌ، ولاَ ينأى عنهَ هَرَبُ هَارَبٍ عزَّ وجلَّ.
ومرادُه: أنَّ نزولَه تعالى ليسَ كنزولِ المخلوقِ؛ بل هو نزولٌ يليقُ
بقدرته، وعظمته، وعلمِهِ المحيطِ بكلِّ شيءٍ، والمخلوقونَ لا يحيطونَ به
علما؛ وإنَّما ينتهونَ إلى ما أخبرَهم به عن نفسِهِ، أو أخبرَ به عنه رسولُه.
فلهذا اتَّفْقَ السَّلْفُ الصَّالِحُ على إمرارِ هذه النُّصوصِ كما جاءتْ من
(١) في ((ك١)): ((كيف)).
(٢) زاد فى ((ك١)): ((انتقال)) بعد قوله: ((ليس هو))، وصوابها: ((انتقالا)).
(٣) قوله: (تعالى)) زيادة من (١٥)).
١١٧

الحديث: ٤٠٧،٤٠٦
كتاب الصلاة
غيرِ زيادة ولا نقصٍ، وما أشكلَ فهمُه منها، وقَصرَ العقلُ عن إدراكه،
وُكُلَ إلى عالِهِ(١).
الحديثُ الثَّاني:
٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌّ، عَن نَافِعِ، عَنِ ابْنَ عُمَرَ
أَنَّ رَسُولَ اللهَِِّ رَأَى بُصَافًّاً فِي جِدَارِ الْقِبْلَة، فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ
فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا
صَلَّى)).
الحديثُ الثَّالثُ:
٤٠٧ - حَدَّثْنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا(٢) مالكٌ، عَنْ هشَام بْن عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطًا - أَوْ
بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةٌ - فَحَكَّهُ.
قد ذكرنا في الكلامِ على حديث أنسٍ (٣) ما يكونُ شرحًا لهذين
الحديثينِ فلا حاجةَ إلى إعادتِهِ.
(١) وقد تكلم المصنف - رحمه الله - على هذا المعنى بأوفر من هذا عند شرحه لحديث
النزول (٢٧٧/٩-٢٨١).
(٢) قوله: ((ثنا)) جاءت في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٣) وهو أول حديث شرحه المصنف في هذا الباب برقم (٤٠٥).
١١٨

٣٤ - بَابُ
حَكِّ الْمُخَاطِ بِالْحَصَى (١) مِنَ الْمَسْجِدِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس(٢) (٣٧١ - أ/ ق): إِنْ وطئْتَ عَلَى قَذَر رَطْب فَاغْسلُهُ،
(٦٨ - أ/ ك١) وَإِن كَانَ يَابِسًا فَلَا(٣)
رَوَى وكيعٌ في كتابه (٤)، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن يحيى
ابنِ وثابٍ قالَ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: أتوضأُ ثم أمشي إلى المسجدِ حافيًا،
قال: صلِّ(٥) لا بأسَ به؛ إلا أن يصيبَكَ نتنُ رطبٌ فتغسلَه. قال: وثَنَا
أصحابُنَا، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللهِ قَالَ: لقد رأيتُنَا ومَا
نتوضَّأُ من موطئ إلا أن يكونَ رطبًا فنغسل أثرَهُ(٦).
ومعنى هذا: أنَّ من كان حافيًا فوَطِئ على نجاسةٍ يابسةٍ لم تعلق
برجليه؛ فإنَّه يُصلِّي ولا يغسلُ رجليه، وإن أصابتْه نجاسةٌ رطبةٌ غسلَهَا.
ورُويَ هذا المعنى عن كثيرٍ من التَّابعينَ، منهم: الحسنُ، والشَّعبيّ،
وعطاءٌ، والنَّخعيُّ، وهو قولُ مالكِ، والأوزاعيِّ، والثَّورِيِّ، والشَّافعيِّ،
(١) كتب فوقها في ((ق)): ((الحصباء - خ)) إشارة إلى أنها نسخة، وفي ((ك١)) كتب فوقها:
((خ))، وإلى هذا الاختلاف أشار في ((اليونينية)).
(٢) قول ابن عباس ليس في متن ((اليونينية))، وأشار في الهامش إلى أنها مثبتة في عدة نسخ
من ((الصحیح)).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٥٥ - ٥٦).
(٤) وهو عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٥٥ - ٥٦) من طريق الأعمش، عن يحيى بن
وثاب بنحوه
(٥) قوله: ((صل)) زيادة من ((ق)).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٥٦) من طريق الأعمش به مختصرًا. وعنده
(١ / ٥٧) من طريق وكيع بنحوه.
١١٩

الحديث: ٤٠٩،٤٠٨
كتاب الصلاة
وأحمدَ، ولا نعلمُ عن أحدٍ من العلماء خلافَ ذلك.
وأمَّا إن كانَ ماشيا في نعلِ أو خُفٍّ فأصابَ أسفلَه نجاسةٌ، فقد سبقَ
ذكرُ الاختلافِ في وجوبِ غسلِهِ والاكتفاءِ بمسحِه ودلكِه(١) بالتراب(٢).
ولعلَّ البخاريَّ إنَّما أدخلَ هذه المسألةَ في هذا البابِ ليستدلَّ بها على
طهارة المخاطِ والبصاق؛ فإنه لو كانَ نجسًا لوجبَ غسلُه من حائط المسجد
ولم يُكْتفَ بمسحِه بالحصى.
قالَ البخاري(٣) رحمه اللهُ:
٤٠٨ و ٤٠٩ - ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا(٤) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعد: أَبْنَا
ابْنُ شِهَبٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً وَأَبَا سَعيد حَدَّثَاهُ أَنَّ
رَسُولَ اللهِِّ رَأَى نُخَامَةً في جِدَارِ الْمَسجِد فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا (٥)
فَقَالَ: ((إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلا عَن يَمِينِهِ، وَلَيْصُقْ
عَنْ يَسَارِهِ أَو تَحْتَ قَدَمِه الْيُسْرَى)).
والظَّاهرُ أنَّ مرادَ البخاريِّ بهذا الحديث في هذا البابِ: أنَّه يجوزُ
حكُّ النُّخامةِ بحصاةٍ من المسجدِ؛ فإنَّ الظَّاهرَ يدلُّ على أنَّه تناولَ من
المسجد حصاةً وحكَّ بها ما في قبلته. وقد يكونُ ذكره لقول ابنِ عبَّاسِ
في اليابسِ أنه لا يغسلُه من رجلِه ثم يدخلُ ويصلِّي به؛ ليبيَّنَ به أنَّ ما
يصيبُ ترابَ المسجد وحصاه من اليابسات المستقذرة لا يجبُ صيانتُها
(١) في ((ك١)): ((وذلكه)) بإعجام الدال.
(٢) كلمة ((بالتراب)) زيادة من ((ق)).
(٣) كلمة ((البخاري)) زيادة من ((ق)).
(٤) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)) وأشار إلى أنه في بعض النسخ: ((حدثنا)).
(٥) وهكذا في ((اليونينية)) إلا أنها في عدة نسخ: ((فحتها)) ..
١٢٠