النص المفهرس

صفحات 61-80

٢٩- باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
أبي معشرٍ نجيح السِّنديِّ، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمةَ، عن أبي
هريرةَ، عن النَّبِيِّ ◌ََِّ.
وأبو معشرٍ ضعيفُ الحديثِ.
وتابَعَه عليه: عَلَيُّ بنُ ظبيان؛ فرَوَاه، عن محمدِ بنِ عمرو كما رَوَاه.
خرَّجَهَ ابنُ عديٍ (١).
وعليّ ابنُ ظبيان ضعيفٌ - أيضًا.
وفيه (٥٨ - ب / ك١) حديثٌ مرسلٌ:
رَوَاه الإمامُ أحمدُ في رواية ابنِهِ صالحٍ، عن أبي سعيدٍ مولى بني
هاشمٍ: حدَّثني سليمانُ بنُ بلال، قال: قال عمرو بن أبي عمرو عن
المطّلبِ بنِ حنطب؛ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ قال: ((ما بينَ المشرق والمغربِ
قبلةٌ، إذا وجهَّتَ وجهكَ نحوَ البيتِ الحرامِ)) .
ورَوَى عبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ قال:
إذا جعلتَ المغربَ عن يمينك، والمشرقَ عن يسارك فما بينهما قبلةٌ (٢).
وهذا هو الذي قالَ فيه أحمدُ: إنه صحيحٌ عن عمرًا(٣).
وقد رواه يحيى القطانُ، وغيرُ واحد، عن عبيد الله (٤)، ورواه حمَّادُ
(١) في ((الكامل)) (١٨٨/٥)، وراجع كلام البخاري الذي نقله الترمذي على الحديث رقم
(٣٤٣) في ((جامعه)).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٢/٢)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢
.: / ٣٤٥)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢ /٩).
(٣) وقد نقل المصنف قوله قبل أسطر.
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢ /٩).
٦١

كتاب الصلاة
ابنُ مسعدةَ، عن عبيد الله، وزادَ فيه: ((إلا عندَ البيتِ)).
ورُوِيَ عن ابن نمير، وحمَّد بن سلمةَ، عن عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ، عن النَّبِيِّ ◌ِلَّ(١).
ورفعُه غيرُ صحيحٍ عند الدار قطنيٍ (٢)، وغيرِهِ من الحفّاظِ.
وأمَّا الحاكمُ فصحَّحَه وقال: على شرطِهما(٣). وليس كما قالَ (٤).
وكذلك رواه محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مُجبر، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ مرفوعًا(٥). وابنُ المجبر مختلف في أمره. وقال أبو زرعة: هو وهم،
والحديث حديث ابن عمر موقوف(٦).
ورُويَ هذا المعنى - أيضًا - عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس
- رضي الله عنهم(٧) -، ولا يُعرف عن صحابيٌّ خلافُ ذلك.
وكذلك قالَ إبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ : (٨) ما بينَ المشرقِ والمغربِ
(١) أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (١ /٢٧٠).
(٢) ((العلل)) (٢/ ٣١ - ٣٣) للدار قطني، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢ /٩).
(٣) ((المستدرك)) (١/ ٢٠٥).
(٤) وكذلك تعقبه الذهبي في ((التلخيص)) (١ /٢٠٦) فقال: ((لكن وقفه جماعة رَوَوْهُ عن
عبيد الله وصححه أبو حاتم الرازي موقوفًاً على عبد الله والله أعلم)» ا. هـ.
كذا قال، والذي في ((العلل)) (١٨٤/١): ((أبو زرعة)) وليس ((أبو حاتم))، وهو موافق لما
نقله المصنف بعد سطر .
(٥) أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (١ /٢٧١) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢ /٩).
(٦) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١ / ١٨٤).
(٧) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢ / ٣٦٢)، و((التمهيد)) (١٧ /٥٨).
(٨) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢ / ٣٦٢)، و((المصنف)) (٢ /٣٤٤، ٣٤٥) لعبدالرزاق،
و («التمهيد)» (٥٩/١٧).
٦٢

٢٩- باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
قبلة(١) زاد سعيد بنُ جبيرٍ: لأهلِ المشرقِ.
وقالَ مجاهدٌ - فيمن مالَ عن القبلة -: لا يضرّه؛ ما بينَ المشرق
والمغرب قبلةٌ.
وقال الحسنُ(٢) - فيمن التفت في صلاته: إن استدبرَ القبلةَ بطلتْ
صلاتُه، وإن التفتَ عن يمينه أو شماله مضت صلاتُه.
ورُويَ عن حميدِ بنِ عبد الرحمنَ، أَنَّه أعادَ صلاةً(٣) صلاَّها فى
مسجدٍ، قيل له: إنَّ في قبلته تَيَاسُرًاً.
ومذهبُ مالك(٤): أنَّه إن علمَ فِي الصَّلاةِ أنَّه استدبرَ القبلةَ، أو
شرَّقَ، أو غرَّبَ قطعَ وابتدأَ الصَّلاةَ وإن علم بذلك بعدَ الصَّلاةِ أعادَ فِي
الوقت، وإن عَلِمَ أنَّه انحرفَ يسيرًا فلينحرف إلى القبلةِ، ويبني، ذكره
في ((تهذيب المدوَّنَةِ))(٤).
ومذهبُ أحمدَ: أنَّ ما بين المشرقِ والمغربِ قبلةٌ، لم تختلفْ نصوصُهُ
في ذلك، ولم يذكر المتقدِّمونَ من أصحابه فيه خلافًا (٣٥٧ - أ /ق)،
وإنَّما ذكرَه القاضي أبو يعلى، ومن بعده، وأخذوه من لفظ له محتمل،
ليسَ بنصٍ ولا ظاهرٍ، والمحتملُ يُعرضُ عى كلامِه الصَّرِيحِ، ويُحْمِّلُ
عليه، ولاَ يُعد مخالفاً(٥) لمجردِ احتمالٍ بعيدٍ .
ولكنَّ الشَّافعيَّ له قولان في المسألة (٦).
(١) كلمة: ((قبلة)) ليست في ((ك١)).
(٣) في ((ق)): ((صلاته)).
(٢) في ((ك)): ((حسن)).
(٤) ((راجع التمهيد)) (١٧ / ٥٦).
(٥) فى ((ك١)): ((مخالفة)).
(٦) ((الأم)) (١ / ٩٤ - ٩٥).
٦٣

كتاب الصلاة
وأما أحمدُ فلم يختلفْ قولُه في ذلك وقد صرَّحَ بمخالفةِ الشَّافعيِّ
فيه .
قال أحمدُ - في روايةِ جعفر بن محمدٍ -: بينَ المشرقِ والمغرب قبلةٌ،
ولا يبالي مغربَ الصيف، ولا مغربَ الشتاء، إذا صَلَّى بينهما فصلاته
صحيحة(١) جائزةٌ إلا أنَّا نستحبُّ أن يتوسَّطَ القبلةَ، ويجعلَ المغربَ عن
يمينهِ، والمشرقَ عن يساره، يكون وسطًا بين ذلك، وإن هو صَلَّى فيما
بينهما، وكانَ إلى أحد الشِّقَّين أميلَ، فصلاتُه تامةٌ إذا كان بين المشرق
والمغرب، ولم يخرجْ بينهما(٢).
ونقلَ عنه جماعةٌ كثيرونَ هذا المعنى(٣).
ورُويَ عنه أَنَّه سُئِلَ عن قولِه: ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلة. فأقامَ
وجهَه نحوَ القبلة، ونحا بيديه اليمنى إلى الشّفقِ، واليسرى إلى الفجرِ،
وقال: القبلةُ بينَ هذين وقال في رواية الأثرمِ: إذا طلعتِ الشَّمسُ من
المشرق فقد ثبتَ أنَّه مشرقٌ، وإذا غربتْ فقد ثبت أنَّه مغربٌ، فما بين
ذلك قبلةٌ لأهلِ المشرقِ إذا كان متوجّهًا إلى الكعبة .
وقد أنكرَ أن يكونَ المرادُ مشرقَ الشِّنَاءِ خاصةً(٤)، وقال لا يبالي بمغربِ
الشِّتاءِ(٥) (٥٩ - أ / ك١)، ولا مغرب الصَّف إذا صَلَّى بينهما فصلاتُه جائزةٌ.
(١) كلمة: ((صحيحة)) سقطت من: ((ك١)).
(٢) المثبت من ((ق)) وَخَطَّ علامة لحق بين كلمة: (يخرج)) وكلمة: ((بينهما))، وكتب في
الهامش: (لعله عما)) وفي ((ك)): ((منهما)).
(٣) منهم ابنه عبد الله في ((مسائله)) (ص ٦٩).
(٤) راجع ((مسائل ابن هانئ)) (١/ ٦٥ - ٦٦).
(٥) في ((ق)): ((مغرب)).
٦٤

٩ ٢ باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
ومرادُه: أنَّ ما بينَ أقصى المشارقِ إلى أقصى المغاربِ في الشتاء
والصيف فهو قبلةٌ، والمستحبُّ أن يُصَلِّيَ وسطًا من ذلك.
ولم يُرِدْ أحمدُ أنَّه في كلِّ فصلٍ من فصولِ العامِ يُصَلِّي وسطًا بين
مشرق الشمس ومغربها فيه حينئذ؛ لأنَّه(١) يلزمُ من ذلك الانحرافُ إلى
المشرقِ أو المغربِ(٢) في بعضِ الأزمانِ. وإنَّما قالَ أحمدُ هذا؛ لأنَّ مِن
النَّاسِ من فسَّرِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلة بمشرقِ الشِّتاء ومغربه خاصةً،
منهم: أبو خيثمة، وسليمانُ بنُ داودَ الهاشمىُّ، فإنَّ الشِّتَاءَ له مشرقٌ
ومغربٌ، والصيفَ كذلك؛ ولهذا ثنَّاهما(٣) الله تعالى في قوله(٤): ﴿ربُّ
المشرقين ورب المغربين﴾ [الرحمن: ١٧]، وجمعَهما في قوله: ﴿بربّ(٥)
المشَارِقِ والمغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠ ]باعتبار مشارق الشِّتاء والصّيف والخريف
والرَّبيع، فإنَّ لكلِّ يومٍ من السَّنّةِ مطلعًا مشرقًا(٦) خاصًا، ومغربًا خاصًا،
وأفردهما في قوله (٣٥٧ - ب/ق) تعالى (٧): ﴿ربَّ المشرقِ والمغربِ﴾
[الشعراء: ٢٨] باعتبارِ الجنسِ.
نقل الأثرمُ، عن أحمدَ أَنَّه قيلَ له: قبلةُ أهلِ بغدادَ على الجَدي؟
فجعلَ ينكرُ أمر الجدي، فقال: أَيش الجَدْيُ؟! ولكن على حديث عمرَ:
((ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلةٌ))(٨).
(١) فى ((ق)): (كأنه).
(٢) في ((ك)): ((الشرق أو الغرب)).
(٣) في ((ق)): ((سماهما)).
(٤) قوله: ((في قوله)) سقطت من: ((ك١)).
(٥) في ((ق)) و ((ك١): (رب)).
(٦) كلمة: ((مشرقًا)) سقطت من: ((ك١).
(٧) كلمة: ((تعالى)) سقطت من ((ق)).
(٨) ونقل المصنف إنكار الإمام أحمد - رحمه الله - في الاستدلال بالجدي في جزئه الموسوم بـ
((فضل علم السلف على الخلف)» (ص١٤) ونصه: ((وقد أنكر الإمام أحمد الاستدلال
بالجدي، وقال: إنما ورد ما بين المشرق والمغرب قبلة يعني: لم يرد اعتبار الجدي ونحوه من
النجوم)) ا. هـ.
٦٥

كتاب الصلاة
ومرادُه: أنَّ الاستدلالَ بالجَدْي، وغيرِه من النُّجومِ كالقطبِ، ونحوِه
لم يُنْقَلْ عن السلف، وأنَّه لا يجبُ الاستدلالُ بذلك، ولا مراعاتُه،
وإنَّما المنقولُ عنهم الاستدلالُ بالمشرق والمغرب(١)، ولم يُرِدْ أَنَّ الجَدْيَ لا
دلالةَ له على القبلة؛ فإنَّه قال في رواية أخرى عنه(٢) الجَدْيُ يكون على
قفاه ـ ويعني(٣) المصلِّي - وكلامُه يدلُّ على أنَّ الاستدلالَ على العينِ بما
يستدل به من يستدلُّ على العين غيرُ مستحبٍ .
وقد تقدَّمَ نصُّه أَنَّ من مَال(٤) في صلاتِه إلى أحدِ الشِّقِينِ، ولم يخرج
عمَّا بينَ المشرقِ والمغرب فصلاتُه تامةٌ، وإن كان الأفضلُ أن يتوخَّى
الوسطَ بينهما، ويدلُّ على ذلك أنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - لما فتحوا
الأمصارَ وضعوا قِبَل كثيرٍ منها على الجهةِ، بحيثُ لا يطابقُ ذلك
سَمْتَ(٥) العين على الوجه الذي يعرفُه أهلُ الحسابِ وصَلُّوا إليها وأجمعَ
المسلمونَ بعدَهم على الصَّلاةِ إليها، وهذا يدلُّ على أن تحريرَ حسابِ
مسامتة العين ليس هو الأفضلَ، فضلا عن أن يكونَ واجبًا .
ولهذا لما خالفَ في ذلك كثيرٌ من الفقهاءِ المتأخِّرِينَ، واستحبُّوا مراعاة
العين(٦)، أو أوجبوه، واستدلُّوا على ذلك بالنُّجوم ونحوها رأوا أنَّ كثيرًاً
من قِبلِ البلدانِ منحرفةٌ عن القبلة، فأوجبَ لهم ذلك الحيرةَ والشكّ في
حالِ سلفِ الأمةِ من الصَّحابةِ، ومَنْ بَعْدَهُم، وقد أوجبَ بعضُهم مراعاة
ذلك، وأمرَ بهدمِ كلِّ قِبلة موضوعة على خلافه كما ذكره(٧) حربٌ
(١) في ((ك)): ((بالمغرب والمشرق)).
(٢) في ((ك)): ((عنه أخرى)).
(٣) في ((ك)): ((قفاه يعني)) بإسقاط ((الواو).
(٤) في ((ك١)): ((قال))، خطأ .
(٥) ((سمت)) أي: الطريق أو الجهة، راجع ((القاموس المحيط)) مادة سمت.
(٦) في ((ك)): ((مراعاة ذلك)).
(٧) في ((ك)): ((ذكر)).
٦٦

٢٩ - باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
الكرمانيُّ، وهذا يُفْضِي إلى تضليلِ سلف الأمةِ والطعنِ في صلاتهم.
واستحبَّ بعضُهم الاستدلالَ بعروضِ البلدانِ، وأطوالِها ومراعاة ذلك
في الاستقبالِ وإن لم يوجبوه، كما قالَه يحيى بنُ آدَمَ، وغيرُه.
والصَّحيحُ: ما قَاله الإمامُ أحمدُ: أنَّ ذلك كلَّه غيرُ مستحب مراعاتُه،
وبذلك يُعلَمُ أنَّ من أوجبَ تعلمَ هذه الأدلةِ، وقال: إنَّه فرضُ عين، أو
كفاية ممن ينتسبُ(١) إلى الإمامِ أحمدَ فلا أصلَ لقولِهِ، وإنَّما تلقَّه من
قواعدِ قومٍ آخرينَ تقليدًا لهم، ويدلُّ(٢) (٣٥٨- أ/ق) على ذلك من الأدلة
الشَّرعيةِ: قَولُ النَّبِيِّ وَّهِ: ((إِنَّا أُمَّةٌ أميةٌ، لا تكتبُ ولا تحسبُ، الشَّهرَ
هكذا وهكذا وهكذا(٣)) (٥٩ - ب/ ك١) وخنسَ إبهامَه في الثَّالثةِ(٤)، ثم
قال: ((صُوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته(٥)، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة))(٦).
فبَيَّن أن دينا لا يحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ كما يفعلُهُ أهلُ الكتاب
من ضبطِ عباداتِهم بمسيرِ الشَّمسِ وحُسباناتها، وأنَّ دينَنا فى ميقات
الصِّيامِ مُعَلَّقٌ، بما يُرَى بالبصر، وهو رؤيةُ الهلال، فإن غُمَّ(٧) أكملنا عدةَ
الشَّهرِ، ولم نحتجْ إلى حسابٍ، وإنَّما عُلِّقَ بالشَّمسِ مقدارُ النَّهارِ الذي
يجبُ الصِّمُ فيه، وهو متعلقٌّ بأمرٍ مشاهدٍ بالبصرِ - أيضًا.
فأولُه: طلوعُ الفجرِ الثَّاني(٨): وهو مبدأُ ظهورِ الشَّمسِ على وجه
(٢) ((الواو)) سقطت من: ((ك١)).
(١) في ((ق)): (ينسب)).
(٣) كررها في ((ك١)) مرتين فقط.
(٤) أخرجه البخاري (فتح: ١٩٠٨ - ١٩١٣) مختصرًا، ومسلم (١٦،١٥/١٠٨٠)، وغيرهما.
(٥) قوله: ((وأفطروا لرؤيته)) سقطت من: ((ك١)).
(٦) أخرجه البخاري (فتح: ١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١ / ١٨ - ١٩)، وغيرهما.
(٨) في ((ك١)): ((والثاني)).
(٧) في ((ك١)): ((غمي)).
٦٧

كتاب الصلاة
الأرض، وآخرُه: غروبُ الشَّمسِ، كما عَلَّقَ بمسيرِ الشَّمس أوقاتَ الصَّلاة،
فصلاةُ الفجر أولُ وقتها طلوع هذا الفجر: وآخره(١): طلوع الشمس،
وأول وقت الظهر: زوال الشمس، وآخرُهُ: مصيرُ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثلَه وهو
أول وقت العصرِ، وآخرُهُ: اصفرارُ الشَّمسِ، أو غروبُها، وهو أولُ وقت
المغرب، وآخره: غروبُ الشَّفْق، وهو أولُ وقتِ العشاء، وآخرُه نصف
الليل أو ثلثُه، ويمتدُّ وقتُ أهلِ الأعذارِ إلى طلوعِ الفجرِ.
فهذا كلُّه غيرُ محتاجٍ إلى حسابٍ ولا كتابٍ، وكذلك القبلةُ لا تحتاج
إلى حسابٍ ولا كتابٍ(٢)، وإنَّما تعرفُ في المدينة وما سَامَتَها(٣) من
الشَّامِ، والعراقِ، وخراسان بما بين المشرق والمغرب، ولهذا رُويَ عن
عثمانَ بنِ عفان، أنَّه قالَ: كيفَ يخطئُ الرجلُ الصَّلاةَ وما بينَ المشرقِ
والمغربِ قبلةٌ ما لم يتحيَّز(٤) المشرقَ عمدًا.
وقد أجمعت الأمةُ على صحةِ الصفِّ المستطيلِ مع البعدِ عن الكعبةِ،
مع العلمِ بأنَّه لا يمكنُ أن يكونَ كلُّ واحد منهم مستقبلاً لعينها بحيثُ أنَّه
لو خرجَ من وسطِ وجهِهِ خطّ مستقيمٌ لوصَلَ إلى الكعبة على الاستقامة،
فإنَّ هذا لا يمكنُ إلا مع التقوس ولو شيئًا يسيرًا، وكلما كثرَ البعدُ قَلَّ
هذا التقوسُ لكن لابد منه(٥)، ومن حكى عن الإمامِ أحمدَ روايةً بوجوبِ
النَّقوُّسِ لطَرَفَي الصفِّ الطويل فقد أخطأً، وقال عليه ما لم يقله، بل لو
سمعَه لبادرَ إلى (٣٥٨ - ب / ق) إنكاره، والتبرؤ من قائله، وهو خلافُ
عملِ المسلمين في جميعِ الأمصار والأعصارِ .
(١) في ((ق)): (واخر))، والمثبت أولى.
(٢) في ((ك١)): ((كتاب ولا حساب)).
(٣) في ((ق)): ((مسامتها)).
(٤) في ((ك١)): (يتحر)).
(٥) قوله: ((لكن لابد منه)) سقط من: ((ك١)).
٦٨

٩ ٢ باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
وأمَّا قولُ الله عزَّ وجلَّ ﴿وبالنَّجم هُمْ يَهْتَدُون﴾ [النحل: ١٦]، وقول
ابن عمر(١): [تعلموا من النَّجوم ما تعرفونَ به القبلةَ والطريق(٢). ورُويَ
عنه، أَنَّه قال](٣): تعلَّموا من النُّجُوم ما تهتدون به (٤) في برِّكم وبحركم،
ثم أمسكوا(٥).
فمرادُه - واللهُ أعلم -: أنَّه يتعلمُ من النُّجومِ الشَّرقيةِ والغربيةِ
والمتوسطة ما يهتدى به إلى جهة القبلةِ بعد غروبِ الشّمسِ، وفي حالٍ
غيبوبةِ القمرِ، فيستدلُّ بذلك على الشَّرْقِ والغربِ كما يستدلُّ بالشَّمسِ
والقمرِ عليهما، ولم يُرِدْ - والله أعلمُ - تَعَلُّم ما زادَ على ذلك ولهذا أَمَرَ
بالإمساكِ لما يؤدي التَّوغلُ في ذلك إلى ما وقع فيه المتأخِّرون من إِساءةِ
الظنِّ بالسَّفِ الصَّالِحِ.
وقد اخْتُلِفَ في تعلُّم منازلِ القمرِ، وأسماءِ النُّجومِ الْمُهتدى بها،
فرخَّص فيها (٦): النَّخعيُّ(٧) ومجاهدٌ، وأحمدُ، وَكَرِهَ قتادةُ، وابن عيينةَ
تعلُّمَ منازلِ القمِرِ.
وقال طاوسٌ: رُبَّ ناظرٍ في النُّجومِ، ومتعلِّمٍ حروفَ أبي جادٍ ليسَ
(١) في ((ك١)): ((عمر)).
(٢) رُوي نحوه عن ابن عباس عند ابن جرير في ((التفسير)) (٧ / ١٩٠).
(٤) قوله: ((به)) سقطت من: ((ق)) .
(٣) ما بين المعقوفين سقط من ((ك١)).
(٥) الأثر: أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨ / ٤١٤)، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر
في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٤٧٤).
وأخرج هناد في ((الزهد)) (٩٩٧) من طريق عمارة بن القعقاع عن عمر: تعلموا من
النجوم ما تهتدون بها، وتعلموا من الأنساب ما تواصلون بها.
وذكر السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣ / ٣٤) أن الخطيب وابن مردويه أخرجا هذا الأثر عن
ابن عمر ۔ أيضًا.
(٧) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٨ /٤١٤).
(٦) في ((ق)): ((فیه)).
٦٩

الحديث: ٣٩٤
كتاب الصلاة
له عندَ الله خلاقٌ.
[ورُوي ذلك عنه، عن ابنِ عبَّاس](١).
قال البخاريُّ - رَحِمَهُ اللهُ -:
٣٩٤ - حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ(٢): ثَنَا الزُّهرِيُّ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوَبَ الأَنصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((إِذَا
أَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَشْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكَنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرَّبُوا)).
قَالَ أَبُو أُوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأَمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبِلَ الْقِبْلَةِ،
فَتَنْحَرفُ(٣) وَنَسْتَغْفِرُ اللّهَ عَزْ وَجَلّ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ: سَمِعْتُ أَبَا أُوبَ، عَنِ النَّبِيِّ (٦٠ - ١٥/٢)
﴿لچر - مثله.
قَدْ تقدمَّ هذا الحديثُ في كتابِ ((الوضوء)) من وجهِ آخر (٤)، عن
الزَّهريِّ، ولم يذكرْ فيه قولَ أبي أيوبَ، والروايةُ التي ذكرَها آخِرًاً
مصرِّحةٌ بسماعٍ عطاء بن يزيد له(٥) من أبي أيوبَ. وقد سبقَ الكلامُ على
اختلافِ إسنادِهِ في أبوابِ ((الوضوء)).
وإنَّما ذكر هَاهُنَا قولَ أبي أيوبَ، ليدلَّ على أنَّ أبا أيوبَ - وهو راوي
الحديث عن النَّبِيِّ وَّهِ - قد فهمَ مَمَّا رواه أنَّ القبلةَ المنهي عن استقبالِها
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨ /٤١٤). وما بين المعقوفتين سقط من (ك١)).
(٢) في (ق)): ((قال سفيان)) وأقحم بين: ((قال)) و((سفيان)): ((ثنا)) وأشار إلى أنها نسخة، وفي ((ك)):
((قال: ثنا سفيان)). وفي ((اليونينية)): ((قال)): ((حدثنا سفيان)) ولم يشر إلى اختلاف النسخ.
(٣) في ((اليونينية)) أشار إلى وجود نسخة فيها: ((فنتحرف)).
(٤) (فتح: ١٤٤).
(٥) قوله: ((له)) سقطت من: ((ك١).
٧٠

٢٩ باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق
الحديث: ٣٩٤
هي جهةُ ما بينَ المشرق والمغرب، وأنَّ الانحراف لا يخرج به(١) عن
استقبالها المنهيِّ عنه، ولذلك احتاجَ مع ذلك إلى الاستغفارِ (٣٥٩ -
أ/ق)، وإذا ثبتَ أنَّ القبلةَ المنهيّ عن استقبالها، واستدبارها عند التخلِي
هي ما بينَ المشرقِ والمغربِ فهي القبلةُ المأمورُ باستقبالِها في الصّلاةِ -
أيضًا .
والمراحيضُ: قال الخطَّبيُّ(٢): هو جمعُ مرحاضٍ، وهو المُغْتَسَلُ
مأخوذٌ من رحضتُ الشيءٍ إذا غسلتُه.
قلتُ: لما كانتْ بيوتُ التخلِّي بالشَّامِ يُستعملُ فيها الماءُ عادةً سُمِّيتْ
مغتسلاً، ولم يكن ذلك معتادًا في الحجازِ؛ فإنهم كانوا يستنجونَ
بالأحجارِ، فكانت المواضعُ المعدَّةُ للتخلِّي بينَ البيوتِ تُسمَّى عندهم كُنْفًا.
والكنفُ: السترةُ، وكلُّ ما يسترُ فهو كنيفٌ، ويسمَّى التُّرسُ كنيفًا
لسَّتْرِهِ.
(١) في (ك١)): لا تخرج عن استقبالها)).
(٢) ((معالم السنن)) (١ /١٦)، ونصه: ((والمراحيض جمع المرحاض وهُو المغتسل، يقال:
رحضت الثوب إذا غسلته)» أ. هـ.
٧١

الحديث : ٣٩٦،٣٩٥
كتاب الصلاة
٣٠ - بَابُ
قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾
حديثُ عمرَ في سببٍ نزول هذه الآيةِ قد خرَّجَه البخاريُّ فيما بعدُ،
وسيأتي في موضعه قريبًا - إن شاء الله تعالى.
وخرّجَ البخاريُّ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديث.
الحديثُ الأولُ:
٣٩٥ - حَدَّثَنَا (١) الْحُمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَار قَالَ:
سَأَلْنَا (٢) ابْنَ عُمَرَ عَن رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ لِلْعُمْرَةِ(٣)، ولَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا
والْمَرْوَةِ: أَيَّتِي امْرَأَنَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَِّيُّ ◌َهِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى
خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ في
رَسُولِ اللهِ وَّةِ(٤) أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
٣٩٦ - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْد الله، فَقَالَ: لا يَقْرَبَنَّها حَتّى يَطُوفَ بَيْنَ
الصَّفَا والْمَرْوَة.
(١) في ((ق)): ((ثنا)).
(٢) في ((ك١)): ((سألت))، وفي ((اليونينية)) كما هو مثبت.
(٣) المثبت من ((ك١))، وفي ((ق)): ((العمرة)) وكتب فوقها: ((للعمرة - خ))، إشارة إلى وجود
نسخة أخرى، وكذلك أشار فى ((اليونينية)).
قال الحافظ في ((الفتح)) عند هذا الموضع: ((كذا للأكثر، وللمستملي والحموي: ((طاف
بالبيت لعمرة)) بحذف ((اللام)) من قوله: ((العمرة)) ولابد من تقديرها ليصح الكلام)» ا. هـ.
(٤) قوله: (َّلا)) من ((ق))، وبدونها في ((ك١)) و ((اليونينية)).
٧٢

٣٠ - باب قول الله عز وجل ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾
الحديث: ٣٩٦
مقصودُه من هذا(١) الحديث هاهنا: أنَّ النَّبِيَّ - وَهِ - لما اعْتَمَرَ طافَ
بالبيت، وصَلَّى خلفَ المقامِ ركعتينٍ، وكذلك فعلَ في حجّتْه - أيضًا.
وقد رَوَى جابرٌ أَنَّ النَّبِيِّ
وَيُ تلا هذه الآيةَ عندَ صلاته خلفَ المقامِ
﴿وانَّخذوا من مقامٍ إِبراهيم مصلّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
خرَّجَه مسلمٌ (٢)، وهذا كلُّهُ يدلُّ على أَنَّ المرادَ بمقامٍ إِبراهيمَ في الآيةِ
مقامُه المسمَّى بذلك عند البيتِ، وهو الحجرُ الذي كان فيه أثرُ قدمه -
عليه السَّلامُ -، وهذا قولُ كثيرٍ من المفسِّرِينَ، وقال كثيرٌ منهم: المرادُ بمقامٍ
إبراهيمَ: الحجُّ كلُّه، وبعضُهم قال (٣٥٩ - ب/ ق): الحرمُ كلُّه. وبعضُّهم
قال: الوقوفُ بعرفةَ، ورمي الجمارِ، والطَّوافُ وفسَّروا المصلَّى بالدعاء،
وهو موضعُ الدعاءِ.
ورُوِيَ هذا المعنى، عن ابنِ عبَّاسٍ، ومجاهدٍ، وغيرهما(٣).
وقد يجمعُ بين القولين بأن يقالَ: الصَّلاةُ خلفَ المقام المعروفِ داخلٌ
فيما أُمَرَ به من الاقتداءِ بإبراهيمَ - عليه السّلامُ- مما (٤) في أفعاله في مناسكِ
الحجِّ كلِّها، واتخاذِها مواضعَ للدعاءِ وذكرِ اللهِ كما قالتْ عائشةُ(٥).
ورُويَ مرفوعًا: إنَّما جعلَ الطَّوافُ بالبيتِ، والسَّعَيُ بين الصَّفَا
والمروةِ، ورمي الجمارِ لإقامة ذكرِ الله.
(١) في ((ق))، ((ك١)) العبارة هكذا: ((هذا الباب الحديث)) وضرب على كلمة: ((الباب)) في
((ق))، ((ك١) جميعًا.
(٢) (١٢١٨ / ١٤٧) وهو حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي وَله.
(٣) راجع ((التفسير)) لابن جرير الطبري (١ /٤٢١ - ٤٢٣)، فقد ذكر هذه الأقوال وغيرها.
(٤) في ((ك١)) بدون: ((مما)).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤ / ٣٢).
٧٣

الحديث : ٣٩٧
كتاب الصلاة
خرَّجَه أبو داودَ، والترمذيُّ(١).
فدلالةُ الآية على الصَّلاةِ خلفَ مقامِ إبراهيمَ - عليه السّلامُ - لا تنافي
دلالتَهَا على الوقوفِ في جميعِ مواقفِه (٦٠ - ب/ك١) في الحجِّ لذكرِ الله،
ودعائه، والابتهالِ إليه، واللهُ أعلم.
وبكلِّ حالٍ فالأمرُ باتِّخاذِ مقامٍ إبراهيمَ مصلّى لا يدخلُ فيه الصَّلاةُ
إلى البيتِ إلا أن تكونَ الآيَةُ نزلتْ بعد الأمرِ باستقباله.
وحديثُ عمرَ قد يُشعرُ بذلك فيكون حينئذ مما أُمِرَ به من اتِّخاذِ مقامٍ
إِبراهيمَ مصلّى استقبالُ البيتِ الذي بناه في الصَّلاةِ إليه. كما كانَ إبراهيم
ءُ
يستقبلُه، وخصوصًا إذا كانتِ الصَّلاةُ عنده.
وعلى هذا التقديرِ يظهرُ وجهُ تبويبِ البخاريِّ على هذه الآيةِ في
أبوابِ استقبال القبلة وإلا ففيه قلقٌ، واللهُ أعلمُ.
الحديثُ الثّاني:
٣٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: فَنَا يَحْيَى، عَنْ سَيْف(٢) قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهدًا
قَالَ: أُنِيَ ابْنُ عُمَرَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ الله - بِّه ◌ِ دخَلَ الْكَعْبَةَ. فَقَالَ أَبَّنُ
عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبيُّ - ◌ََّ - قَدْ خَرَجَ، وأَجِدُ بِلالا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ(٣)،
فَسَأَلْتُ بِلالا فَقُلْتُ: أَصَلَّى(٤) النَّبِيُّ - ◌ِ فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَكْعَتَيْنِ
(١) أبو داود (١٨٨٨) والترمذي (٩٠٢) واللفظ لأبي داود.
(٢) أشار في ((اليونينية)) إلى زيادة في نسخة، فقال: ((يعني ابن سليمان)».
(٣) كتب فوق كلمة ((البابين)) في ((ق)): ((الناس - خ))، إشارة إلى أنها نسخة، وأشار الحافظ
في ((الفتح)) (٣٩٧) إلى أنها من رواية ((الحموي)) ويأتي كلام المصنف على هذا الموضع بعد
أسطر .
(٤) وفي ((اليونينية)) أشار إلى أنها عند أبي ذر والأصيلي: ((صلى)).
٧٤

٣٠ - باب قول الله عز وجل (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾
الحديث: ٣٩٧
بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ الََّيْنِ عَلَى يَسَارِهِ(١) إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ(٢)
الكعبة ركعتين.
سيفٌ: هو ابنُ أبي سليمانَ، وقيل(٣): ابنُ سليمانَ المكيُ(٤) مولى
بني مخزومٍ. وقولُه «قائمًا بينَ البابين)» هكذا في أكثرِ النَّخِ، وفي بعضِها
((بين النَّاسِ)) ولعله أصحُّ(٥)، وإنْ قيلَ: إنَّ المرادَ [قيامه في الموضع الذي
هو] (٦) بينَ البابينِ بعد فتحِهِما الذي فعلَه ابنُ الزُّبِيرِ اقتضى ذلكَ أن يكونَ
واقفًا في جوفِ الكعبةِ.
وقد خرَّجَ النسائيُّ(٧) هذا الحديثَ وفيه: أنَّه وجدَ بلالا واقفًا (٣٦٠ -
أ / ق) على الباب، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكنْ في الكعبة.
وخرَّجَه البخاريُّ في ((المغازِي))(٨)، وعنده: فوجَد بلالا وراءَ الباب،
وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكنْ في وسطِ البيتِ .
وقولُه: ((صَلَّى ركعتين)) يخالفُ ما رَوَاه نافعٌ، عن ابن عمرَ أَنَّه قالَ:
نسيتُ أن أسأل بلالا كم صَلَّى.
وقد خرَّجَه البخاريُ(٩) في موضع آخر.
(١) أشار في ((اليونينية)) أنها في إحدى النسخ: ((يسارك)).
قال العيني في ((عمدة القاري)) (٣ / ٣٨٣) والقسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٤١٤/١).
إن ما في رواية أبي ذر، عن الكشميهني أنسب - يعني ((يسارك)).
(٢) في ((ك ٩١ مكان قوله (وجه)) بياض.
(٣) في ((ق)): ((ويقال)).
(٤) ترجم له البخاري في ((التاريخ)) (٤ /١٧١) فقال: سيف بن سليمان المكي، قال وكيع:
سيف أبو سليمان، وقال ابن المبارك: سيف بن أبي سليمان.
(٥) وكذا قال العيني والقسطلاني كما تقدم في التعليق قريبًا.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من ((ق)).
(٨) (فتح: ٤٤٠٠).
(٧) في ((السنن)) (٥ / ٢١٧).
(٩) (فتح: ٥٠٦).
٧٥

الحديث : ٣٩٨
كتاب الصلاة
والمقصودُ من هذا الحديثِ في هذا الباب: صلاةُ النَّبِيِّ وَّهِ، لَّا خرجَ
من الكعبةِ، ركعتينِ في وجهِ الكعبةِ، والمرادُ بوجهِ الكعبةِ: عند بابٍ
البيتِ، ويأتي مزيدُ بيانٍ لذلك فيما بعدُ ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
الحديثُ الثَّالثُ:
٣٩٨ - ثَّا إسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَبْنَا(١) ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ
عَطَاءٍ قَالَ: سَمَعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّ دَخَلَ النَِّيُّ ◌َّهِ الْبَيْتَ دَعَا فِي
نَوَحِيْهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خُرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ
الْكَعْبَةِ(٢) وقالَ: ((هَذِه الْقَبْلَةُ)).
هكذا خرَّجَه البخاريُّ، عن إسحاقَ بنِ نصر، عن عبد الرزاق.
وقد رَوَاه أصحابُ عبد الرزاقِ كلهم، منهم: الإمامُ أحمد وإسحاق
ابن راهويه(٣) فجعلوه عن ابنِ عبّاسٍ، عن أسامةَ بنِ زیدٍ .
وكذا رواه أصحابُ ابن جريجٍ، عنه، منهم: محمدُ بنُ بكر
البُرسانيُّ(٤)، وأبو عاصم، ويحيى بنُ سعيدٍ، وغيرُهم، فسقطَ من إسناد
البخاريِّ ذكرُ أسامة بن زيد، وقد نبَّه على ذلك الإسماعيليُّ،
والبيهقيُّ(٥). لكنْ رَوَاه همَّامٍ(٦)، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، لم يذكرْ فيه
أسامةَ [وهذا مما كان ابن عباس يرسله أحيانا ويسنده أحيانا .
(١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)) وأشار إلى أنه عند الأصيلي وأبي الوقت: ((حدثنا))، وكذا قال
القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (١ / ٤١٤).
(٢) قوله: ((في قبل الكعبة)) سقطت من (١٥)).
(٣) قوله: ((وإسحاق بن راهويه)) سقطت من (ك١)).
(٥) في ((السنن الكبرى)) (٢ / ٣٣٠).
(٤) عند مسلم (١٣٣٠ / ٣٩٥).
(٦) عند مسلم (١٣٣١ / ٣٩٦).
٧٦

الحديث: ٣٩٨
٣٠ - باب قول الله عز وجل ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾
وكذلك خرجه البخاري في ((الحج)) من حديث عكرمة، عن ابن عباس
إلا أن رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج فيها ذكر أسامة](١). فإسقاطه
منها وهم (٢)، وقد تعارضَ ما نقلَه ابنُ عمرَ، عن بلال، وما نقلَه ابنُ
عبّاسٍ، عن أسامةً في صلاةِ النَّبِيِّ - وََّ - في الكعبة.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ (٣)، عن أسامةَ وبلال، وعثمانَ، وطلحةً أنَّ
النَّبِيَّ - نَّهِ - صَلَّى في الكعبةِ - أيضًا - بخلافِ روايةٍ (٦١ - أ/ ك١) ابنِ
عبّاسٍ، عن أسامةَ، وهو في رواية لمسلمٍ (٤) في ((صحيحه)) على اختلاف
وقعَ في لفظِهِ خارج ((الصحيح)) فإنَّ من رواة الحديث من أسنَد الصَّلاةً
فيها إلى بلال (٣٦٠ - ب/ق) دون صاحبيه اللَّذين كانا معه في الكعبةِ.
وقد رُويَ ذلك عن أسامةَ من وجهينِ آخرينِ خرَّجَهما الإمامُ أحمدُ
في ((المسند))(٥).
وقد اختلفَ النَّاسُ في الجمع بينَ إثباتِ صلاةِ النّبِيِّ - بَّ - في
الكعبةِ ونفيها، فمنهم من حملَ الصَّلاةَ على (٦) اللغوية وهي الدُّعاءُ،
وجمعوا بذلك بين حديثيّ أسامةَ وبلالٍ، لا سيما وقد رُوِيَ، عن أسامةَ
إثباتُ الصَّلاة، ونفيُها.
(١) ما بين المعقوفين زيادة من ((ق)).
(٢) ورجح الحافظ - أيضًا - أنه عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. انظر (الفتح: ٣٩٨).
وكذلك قال العيني في ((عمدة القاري)) (٣ / ٣٨٥) بعد أن نقل كلام الحافظ في ترجيح
أن صواب الرواية أن تكون من مسند أسامة بن زيد، كعادته في عدم الإشارة إلى أنه أخذ
من الحافظ، ثم قال: ((قلت: هذا يدل على أن هذا الحديث من مراسيل ابن عباس.
وأيضًا - لم يثبت أن ابن عباس دخل الكعبة مع النبي (بَ لٍ)) ا. هـ.
(٤) (١٣٣٠).
(٣) سبق برقم (٣٩٧).
(٥) (٥ / ٢٠٩ - ٢١٠).
(٦) وضع هنا في ((ق)): علامة لحق، وفي الهامش: ((لعله الصلاة)).
٧٧

الحديث: ٣٩٨
كتاب الصلاة
والأكثرونَ حملوا الصَّلاةَ على الصَّلاةِ الشَّرعيةِ، وهو الأظهرُ، ثُمَّ
اختلفوا، فمنهم من رجَّحَ حديثَ الإثبات على حديثِ النفيِّ وقال: مع
تعارضِ النَّفي والإثبات يقدَّمُ الإثباتُ، لأنَّ المثبتَ معه زيادةُ علمٍ خَفَيتْ
على النَّافي، وهذه طريقةُ الشَّافعيِّ، وأحمد، وغيرهما من العلماء.
وذكرَ الأزرقيُّ في كتابِهِ(١)، عن عبدِالعزيزِ بنِ أبي روَّادِ قال: بلغني أنَّ
الفضلَ بنَ عباس دخلَ مع النَّبِيِّ بَّهِ ثُمَّ أرسلَهَ النَّبِيُّ - وَلَِّ - في حاجةٍ
فجاءَ وقد صَلَّى النَّبِيِّ - وَهـ ولم يَرَه؛ فلذلك كان ينكرُ أنَّهِ صَلَّى.
وحديثُ الفضلِ في إنكارِهِ الصَّلاةَ: قد خرَّجَه الإمامُ أحمد(٢)، من
رواية أخيه عبد الله.
ومنهم من قال: المثبتُ الصَّلاة: أرادَ به صلاتَه في عامِ الفتحِ، والنّافي
لها أرادَ صلاتَه في حجَّةِ الوداعِ، وهذا قولُ ابن حبان(٣)، وهو ضعيفٌ
جدّا لوجهينِ:
أحدُهما: أَنَّ ابنَ عبَّاسٍ لم ينفِ صلاةَ النَّبِيِّ - وَّ ـــ في الكعبةِ في
وقتِ دونَ وقتٍ، بل كان ينكرُ ذلك جملةً، وكان يكرهُ الصَّلاةَ في
ے
الكعبة، ويقولُ: لا يُسْتدبرُ من البيت شيءٍ.
والثَّاني: أنَّ النَّبِيَّ - وَِّـ لم يدخلِ الكعبةَ في حجَّةِ الوداعِ بالكليةِ
حتى يقالَ: إنَّه دخل، ولم يصلِّ، وابنُ عبَّاسِ قال: إنَّه دخلَ ودعا ولم
يصلِّ.
(١) ((أخبار مكة)) (١٦٥/١).
(٢) في («المسند)) (١ / ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٤).
(٣) انظره في (الإحسان: ٣٢٠٨).
٧٨

الحديث: ٣٩٨
٣٠ - باب قول الله عز وجل ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)
وقد اختلفَ العلماءُ في حكمِ الصَّلاةِ في الكعبةِ، فكان ابنُ عباسٍ
يكرهُ الصَّلاةَ فيها بكلِّ حال: الفرضَ والنَّفْلَ. وهو قولُ طاوسٍ، وأصبغَ
من المالكيةِ، وابنِ جريرِ الطَّبريِّ.
وقالت طائفةٌ: تجوزُ (١) فيها صلاةُ الفرضِ والنَّفْلِ. وهو قولُ الثَّورِيِّ،
وأبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ.
وقالت طائفةٌ: يُصلَّى فيها النَّلُ دونَ الفرض (٣٦١ - أ/ق) وهو قول
عطاء، ومالك، وأحمدَ في ظاهر مذهبِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ - وَّهِ - صَلَّى فيها
نفلاً. والنَّوافلُ يُخفَّفُ فيها في استقبالِ القبلةِ دونَ الفرائضِ، بدليلٍ
صحة النَّفلِ على الراحلة في السَّفْرِ إلى غيرِ القبلة، وأمَّا الفرضُ فلا
يجوزُ إلا إلى القبلةِ معَ القدرةِ، فيشترطُ له استقبالُ جميعِ البيتِ، وأن لا
يكونَ مستدبرًا لشيءٍ منه.
وقالَ أحمدُ: إذا صَلَّى فيها لا يُصَلِّي إلى أيِّ جهةٍ شاءَ، بل يستقبلُ
الجهةَ التي استقبلها النَّبِيُّ - وَلَهــ، وهي تجاه البابِ إذا دخل، ويجعلُ
البابَ وراءَ ظهرِهِ. ولم يرخِّصْ في الصَّلاةِ فيها إلا على هذا الوجه.
وحملَ أصحابُنَا ذلك على الاستحبابِ، وفيه نظرٌ.
وقولُهُ: ((ركِعَ ركعتينِ فِي قُبُلِ القبلةِ))- قُبُل بضمِّ الباء ويجوز إسكانُها.
والمرادُ به وجهُ الكعبةِ كما في حديث ابنِ عمرَ المتقدِّمِ.
وقد تقدَّمَ أن المرادَ به(٢) عند بابِ البيتِ .
وقد رُويَ (٦١ - ب/ ك١) أَنَّ المقامُ الذي أمَّ فيه جبريلُ النَّبِيَّ - وَه ـ
(١) في ((ك١)): ((يجوز)).
(٢) قوله: ((به)) زيادة من: ((ق)) ..
٧٩

الحديث: ٣٩٨
كتاب الصلاة
عندَ فرضِ الصَّلاةِ(١).
خرَّجَه الأزرقيُّ(٢) من حديثِ مسلمٍ بنِ خالدٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ
و
الحارث، عن حكيمٍ بنِ حكيمٍ، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن ابنِ
عِبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((أَمَّنِي جبريلُ عند بابِ الكعبةِ مرَّتِين)).
وكذا خرَّجَه ابنُ وهبٍ في ((مسندِه)) عن يحيى بنِ عبدِ الله بنِ سالمٍ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ به. وقد خرّجَه
أبو داودَ، والتّرمذيُّ(٣)، وعندهما: ((أَمَّنَي جبريلُ عند البيتِ مرَّتِينٍ)).
ورَوَى ابنُ جريٍ(٤) من طريق عطاء بن السَّائِبِ، عن سعيدِ بنِ جُبِيٍ،
عن ابنِ عبَّاسِ قالَ: البيتُ كلُّهُ قبلةٌ، وقبلةُ البيت: البابُ.
وروى الأزرقيُّ(٢) بإسنادِهِ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ قالَ: قال عبدُ الله بنُ
عمرو بنِ العاص: البيتُ كُلُّه قبلةٌ، وقبلتُه: وجهُه؛ فإن أخطأكَ وجهُه فقبلةُ
النَّبِيِّ وَّهِ، وقبلتُه: ما بينَ الميزابِ إلى الركنِ الشَّامِيِّ الذي يلي المقامَ.
وكأنَّه يريدُ أن هذه الجهةَ هي التي كانَ النبيّ وَلَّهِ يُصلِّي إليها وهو
ءِ
بالمدينةِ؛ فإنَّها قبلةُ أهلِ المدينةِ.
ورَوَى(٥) - أيضًا - بإسنادِهِ، عن ابن جريجٍ، عن محمدِ بنَ عبَّادِ بنِ
جعفرٍ، عن ابنِ السَّائِبِ أنَّ النبيَّ وَ صَلَّى يومَ الفتحِ (٣٦١ - ب/ق) في
(١) في ((ك١)): ((الصلا)).
(٣) أبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩).
(٢) ((أخبار مكة)) (١ / ٣٥٠، ٣٥١).
(٤) في ((التفسير)) (٢ / ١٤).
(٥) ((أخبار مكة)) (٣٥١/١)، ووقع في المطبوع خطأ في الإسناد، فجاء الإسناد هكذا: ((ابن
جريج،- عن محمد بن عباد، عن جعفر، عن ابن السائب)) ا. هـ.
والصواب: محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن السائب.
٨٠