النص المفهرس

صفحات 21-40

٢٠ - باب الصلاة على الحصير
الحديث : ٣٨٠
%
وهذه الروايةُ من روايةٍ قيسِ بنِ الربيعِ، عن المقدامِ بنِ شَريحٍ، عن
أبيه(١) .
وخَرَّج بقيُّ بنُ مخلدٍ في («مسنده» من روايةِ يزيد بنِ المقدام بن
شُرَيح، عن أبيه، عن جدِّ قالَ: قلتُ لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين! إن أناسًا
يُصلُّونَ على هذه الحصرِ ولم أسمعِ اللّهَ يذكرها في القرآنِ إلا في مكان
واحدٍ ﴿للكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أفكانَ النبيُّ وَّةِ يصلّي على
الحصيرِ؟ قالتْ: لم يكنْ رسولُ اللهِ بَّهِ يصلِّي على الحصيرِ.
وهذا غريبٌ جدّاً، ويزيد بن المقدام، قال أبو حاتم: يكتب حديثه(٢).
وخرَّجَ الإمامُ أحمد: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ: ثنا يُونسُ، عن الزُّهريِّ،
عن عروة، عن عائشةَ أنَّ رسولَ الله وَالهِ كان يُصلِّي على خُمرة فقال:
((يا عائشةُ ارفعي حصيرك(٣)؛ فقد خشيتُ أن يكون يفتن النَّاسَ)(٤).
وهذا غريبٌ جدّاً، ولكنَّه اختلف فيه على يونسَ :
فرواه مُفَضَّلُ بنُ فَضَالَةَ، عن يُونسَ، عن الزهريِّ، عنْ أنسٍ أنَّ النبيَّ
وَ ل﴿ كان يصلِّي على الخُمرة ويسجدُ عليها.
ورواه شبيبُ بنُ سعيد، عن يونسَ، عن الزهريِّ مُرسلا.
ورواه ابنُ وهب في ((مُسنده))، عن يونسَ، عن الزهريِّ قال: لم أزلْ
أسمعُ أن رسولَ الله وَلّهِ صلَّى على خُمرة، وعن أنسِ بنِ مالكِ قالَ:
كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يصلِّي على الخُمرة ويسجدُ عليها.
(١) ((الأوسط)) للطبراني (٥٧٧٧).
(٣) في ((المسند)): ((ارفعي عنا حصيرك)).
(٢) ((الجرح والتعديل)) (٢٨٩/٩).
(٤) («المسند» (٢٤٨/٦).
٢١

الحديث : ٣٨٠
كتاب الصلاة
فرواه بالوجهين - جميعًا.
وأما روايةُ عثمانَ بن عمرَ، عن يونسَ: فالظَّاهرُ أنَّها غيرُ محفوظة،
ولا تعرفُ تلك الزيادةُ إلا فيها.
٢٢

الحديث : ٣٨١
٢١ - بَابُ
الصَّلَاة عَلَى الْخُمْرَة
٣٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليد: أَبْنَا(١) شُعْبَةُ: ثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنٍ شَدَّاد، عَنْ مَيْمُونَةً قَالَّتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ.
ء
الخُمرةُ: الحصيرُ، كذا جاء تفسيرُهُ في بعض روايات هذا الحديث،
و كذا فسَّرَه الإمامُ أحمدُ وغيره (٣٤٧ - ب/ق).
وقال أبو عُبيدِ (٢): الخُمرةُ شيءٌ منسوجٌ يُعمل من سعف النخل
ويُرمَلُ بالخُيوط، وهو صغيرٌ على قدر ما يسجدُ عليه المصلي أو فُوَيْقُ
ذلك، فإن عظم حتى يكفي الرجل لجسده كله في الصَّلاة أو مضطجعًا
أو أكثر من ذلك فهو حينئذٍ حصيرٌ، وليس بخُمْرَةَ.
وقد سبقَ في البابِ الماضي من روايةٍ أخرى أن النبيَّ ◌َِّ كان يصلِّي
على الخمرة ويسجدُ عليها.
وقد رُوِيَ صلاةُ النبيِّ وَِّ على الخمرة من رواياتٍ عِدَّةً من الصَّحابةِ
من طرق كثيرة(٣).
ولم يُخَرَّجْ في ((الصّحيحين)) سوى حديث ميمونة، ولم يخرج في
بقية الكتب الستة سوى حديث لابن عباس خرجه الترمذي (٤).
(١) في ((اليونينية)): ((حدثنا)).
(٢) ((غريب الحديث)) (١٧٧/١).
(٣) راجع كلام الترمذي بعد الحديث رقم (٣٣١)، و((مجمع الزوائد)) (٥٦/٢ - ٥٧).
(٤) (الجامع)) (٣٣١).
٢٣

الحديث: ٣٨١
كتاب الصلاة
وأسانيدُها كلُّها لا تخلو من مقالٍ.
وقد كانَ ابنُ عمرَ، وغيرُهُ من الصَّحابة يصلُّونَ على الخمرة، وإنَّما
يكره ذلك من يكرهُ السَّجودَ على غير الأرضِ .
وقد رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنَّه كان يصلِّي على الخمرة ويؤتى
بتراب حُرٍّ فيُوضع عليها في موضعٍ سجودِه فيسجد عليه(١).
(١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٩٩/١)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١١٥/٥).
٢٤

٢٢ - بَابُ
الصَّلَاة عَلَى الْفرَاشِ
وَصَلَّى أَنَسٌّ عَلَى فِرَاشِهِ، وَقَالَ أَنَسٌّ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّوَ فَيَسْجُدُ
أَحَدُنَا عَلَى ثَوْبه
ر ورُ
حديثُ أنسِ المرفوع: قد خرّجه البخاريُّ بإسنادِه في الباب الآتي،
ويأتي في موضعه مع الكلام عليه إن شاء الله.
وحديثُه الموقوف: خرَّجه ابنُ أبي شيبةً: ثنا ابْن المبارك، عن حُميد،
عن أنسٍ أنَّه كان يُصلي على فراشه.
ثنا حفصٌ، عن ليث، عن طاوس أنَّه كان يصلِّ على الفراشِ الذي
مرض علیه .
وأصلُ هذه المسائل: أَنَّه تجوزُ الصَّلاةُ على غيرِ جنسِ ما يَنْبُتُ من
الأرضِ، كالصوفِ والجلودِ.
ورخَّصَ في الصلاةِ على ذلك أكثر أهلِ العلمِ.
وقد رُوِيَ معناه عن: عمرَ، وعليٍّ، وأبي الدرداءِ، وابنِ عباسٍ،
وأنسٍ. ورُويَ عن ابن مسعودٍ، وضَعَّف الروايةَ في ذلك عنه الإمامُ
أحمدُ.
وهو قولُ أكثرِ العلماء بعدَهُم من التَّابعين وفقهاءِ الأمصارِ، وهو قولُ
(٣٤٨ - أ/ ق) الشَّافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عبيدٍ.
٢٥

كتاب الصلاة
وقال ابن المنذر: كرهتْ طائفةٌ السجودَ إلا على الأرض. كان جابر
ابنُ زيد يكرهُ الصَّلاةَ على كلِّ شيءٍ من الحيوان، ويستحبَّ الصلاةَ على
كلِّ شيءٍ من نباتِ الأرض(١) .
وقال مالكٌ في الصلاة على بساطِ الصوفِ والشعرِ: إذا وضع المصلي
جبهتَه ويديه على الأرض فلا أرى بالقيامِ عليها بأسًا. انتهى(٢).
ومذهبُ مالك - فيما ذكره صاحبُ ((تهذيب المُدَوَّنَة)) -: أنه يُكرهُ
السجودُ على الطنافسِ وثيابِ الصوفِ والكتانِ والقطنِ، وبُسْطِ الشَّعْر،
والأدَم، وأحلاسِ الدواب، ولا يضعُ كفيه عليها؛ ولكن يقومُ عليها
ويجلسُ ويسجدُ على الأرضِ، ولا بأسَ أن يسجدَ على الخمرة والحصيرِ
وما تنبتُ ويضع كفيه عليها(٣). انتهى.
وقال مجاهدٌ: لا بأسَ بالصلاة على الأرض وما أَنبتتْ.
وقولُ مجاهد، وجابر بن زيد - الذي حكاه ابن المنذر - قد يدخلُ
فيه: القطن والكتان؛ لأنهما مما ينَبتُ من الأرض (٤).
وقال المرُّوذيُّ: كان أبو عبد الله - يعني: أحمد - لا يرى السجودَ
على ثوب ولا خِرقة إلا من حَرٍّ أو بَرْد.
قال القاضي أبو يعلى: يحتملُ أن يكونَ أراد بذلك ثوبًا متصلاً به،
ويحتملُ أن يكونَ أراد به منفصلاً عنه ليَحصُلَ تتريبُ وجهه في سجودِه.
قلتُ: والأولُ أظهرُ؛ لأنَّ نصوصَه بجوازِ الصَّلاةِ على البُسطِ ونحوه
متكاثرةٌ .
(١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١١٧/٥).
(٣) ((المدونة)) (٧٦/١).
(٢) انظر ((المدونة الكبرى)) (٧٥/١).
(٤) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٤٠١/١)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١١٨/٥).
٢٦
:٠

٢ ٢ باب الصلاة على الفراش
الحديث : ٣٨٢
خرَّجَ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديث.
الحديثُ الأول:
٣٨٢ - ثَنَا إِسْمَاعِيلُ - هُوَ: ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ - : ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ
مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَمَّةَ بْنِ عَبِّدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجٍ
النَّبِّنَِّ أَنَّهَا قَالَتَّ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَمِيْ رَسُولِ اللهِ بَّهِ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ،
فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيْ، فَإِذَا قَامَ بَسَطُهُمَا (١). وَالْبُيُوتُ يَوْمَئَذ
ـو
لَيْسَ فيهَا مَصَابِيحَ.
وجهُ الاستدلالِ بهذا الحديثِ على جوازِ الصَّلاةِ على الفراشِ: أنَّ
عائشةَ رضي الله عنها كانت تنامُ (٣٤٨ - ب/ق) على فراشِ النبيِّ وَّه
الذي ينامُ هو وعائشةُ عليه، وكان يقومُ فيصلِّي من الليلِ وهي نائمةٌ
معترضةٌ بين يديه على الفراشِ، وكانتْ رجلاها في قبلته فإذا أرادَ أن
يسجدَ غمزها فقبضتْ رجليها ليسجدَ في موضعها.
وهذا يدلُّ على أنَّه كان يسجدُ على طرفِ الفراشِ الذي كانتْ نائمةً
عليه وكانت رجلاها عليه، واللهُ أعلم. مع أنَّه يحتملُ أن تكونَ رجلاها
خرجتْ عن الفراشِ حتَّى صارتْ على الأرضِ في موضعِ سجودِهِ، ويدلُّ
على ذلك :
ما رواه عُبيدُ الله بنُ عمر، عن القاسم أنَّ عائشةَ قالت: كانَ رسولُ الله
رَّ يُصلِّي فتقعُ رِجلي بين يديه أو بحذائه فيضربها فأقبضُها(٢).
(١) في ((ق)): ((بسطهما))، والمثبت من ((اليونينية)) وزاد فيها: ((قالت))، وانظر القسطلاني.
(٢) هو بنفس الإسناد وبغير هذا اللفظ عند البخاري، وأبي داود والنسائي وأحمد.
٢٧

الحديث: ٣٨٣
كتاب الصلاة
الحديثُ الثَّاني: قال:
٣٨٣ - ثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ [قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ](١)، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ
ابْنِ شِهَبٍ: أَخْبَرَنِي عُرَوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِّ كَانَ يُصَلِّي
وَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الْجِنَازَةِ(٢).
الظَّاهرُ أَنَّه إنما خرجَ هذا الحديثَ بهذا اللفظِ في هذا الباب؛ لأنَّه فهم
منه أن قولَه «على فراشِ أهلِه)) يتعلق بقولها «كان يُصلِّي)) وأنَّ المرادَ: أن
النبيَّ وَّةَ كان يصلِّي على فراشِ أهلِه وعائشة بينه وبين القبلة اعتراضَ
الجنازة، فيكونُ في الكلامِ تقديمٌ وتأخير.
وقد خرَّجَه في أبواب ((المرورِ بينَ يدي المصلِّي)) من طريق ابنِ أخي ابنٍ
شهاب، عن عمه: أخبرني عروةُ أنَّ عائشةَ قالت: لقد كانَ رسولُ اللهِ وَّ
يقومُ فيصلِّي من الليلِ وإنِّي لمعترضةٌ بينه وبين القبلةِ على فراشِ أهلِهِ(٣).
وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: كان
النبيُّ نَّهِ يصلِي وأنا راقدةٌ معترضةٌ على فراشِهِ(٤) .
وخرجه أبو داودَ من هذا الوجه ولفظه: إنَّ النبيَّ وَِّ كان يُصلِّى
صلاتَه من الليلِ وهي معترضةٌ بينه وبين القبلةِ راقدةٌ على الفراشِ الذي
يَرَقُدُ عليه(٥) .
(١) سقطت من ((ق)) وأثبتناها من ((اليونينية)).
(٢) في ((اليونينية)) بالفتح. وقال القسطلاني في شرحه على البخاري (٤٠٧/١): ((الجنازة
بكسر الجيم وقد تفتح، وهي التي في الفرع فقط)» ا. هـ.
(٣) (٥١٥ - فتح).
(٥) أبو داود (٧١١) .
(٤) (٥١٢ - فتح) .
٢٨

٢ ٢- باب الصلاة على الفراش
الحديث : ٣٨٤
وكلُّ هذه الألفاظ تبينُ أنَّ المرادَ: أنَّ نومَها كان على الفراشِ، لا أنّ
صلاتَهُ وَّ كانت(١) على الفراشِ.
الحديثُ (٣٤٩ - أ/ ق) الثَّالثُ: قَالَ:
٣٨٤ - ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ - هُوَ: ابْنُ
أَبِي حَبِيبٍ -، عَنْ عِرَاكَ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ
مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَّهُ وَبَيْنَ الْقِبَةِ عُلَى الْفِرَاشِ الذي يَنَامَانِ عَلَيْهِ .
هذا مرسلٌ من هذا الوجهِ، ودلالةُ لفظه كدلالة الذي قبله .
وقد رُويَ حديثُ هشام، عن أبيه بلفظ يدلُّ على ما فهمه البخاريّ؛
فرواه أبو العباسِ السَّرَّاجُ الحافظُ (٢): ثنا هنَّدُ بنُ السَّريِّ: ثنا أبو معاويةً،
عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ قالتْ: كان رسولُ اللهِ وَلِّ يصلِّي من
الليلِ على الفراشِ الذي ينامُ عليه وأنا بينَه وبين القبلة .
وهذا من تغييرِ بعضِ الرواةِ بالمعنى الذي فهمه من الحديث؛ لاتفاق
الحفاظِ من أصحابِ هشام ومن أصحاب عروةً على غيرِ هذ اللفظ؛
وليس أبو معاويةَ بالحافظِ المتقِن لحديثِ هشامٍ بنِ عروةَ؛ إنّما هو متقنٌ
لحديث الأعمش .
(١) في أصل ((ق)): ((كان)) وكتب تحتها ((كانت)) وأشار أنها نسخة: (خ).
(٢) هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم الإمام الحافظ الثقة، محدث خراسان، وصاحب ((المسند
الكبير)» على الأبواب والتاريخ .
ترجمته في ((تاريخ بغداد)) (٢٤٨/١ - ٢٥٢)، و((السير)) (٣٨٨/١٤ - ٣٩٨) وغيرهما.
٢٩

مسـ
كتاب الصلاة
٢٣ - بَابُ
السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ
وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْفَلَنَسُوَةِ وَيَدَاهُ فِي
کُمِّه .
رَوَى ابنُ أبي شيبةَ: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ أنَّ أصحابَ
رسول الله وَجٍ﴿ كانوا يسجدونَ وأيديهم في ثيابهم، ويسجدُ الرجلُ منهم
و
على عمامته (١) .
فقد تضمَّنَ ما قاله الحسنُ في هذا مسألتين:
إحداهما: سجودُ المصلِّي ويداه في كمه أو في ثوبِهِ، وقد حكى عن
الصحابة أنَّهم كانوا يفعلونَه .
وروى أبو نعيمٍ، ووكيعٌ في كتابيهما، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن
إبراهيمَ قال: كانوا يُصلَّونَ في بَرانسهم ومسَاتِقهم وطيالستِهم، لا
يخرجونَ أيديَهم .
وروى وكيعٌ، عن الأعمش، عن محارب(٢) - أو: وبرة - قال: كان
ابن عمرَ يلتحفُ بالملحفةِ ثم يسجدُ فيها لا يُخرج يديه(٣) .
(١) ((المصنف)) (٢٦٦/١).
(٢) في ((المصنف)) لابن أبي شيبة، عن وكيع: ((مجاهد))، وهو الصواب. والأعمش معروف
بالرواية عن مجاهد، ولم يذكر المزي له رواية عن محارب .
(٣) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٦٥/١).
٣٠

٢٣ - باب السجود على الثوب في شدة الحر
والصَّحِيحُ عن ابنِ عمرَ: مارواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنَّه
كانَ إذا سجدَ يضع كفيه على الذي يضعُ عليه وجهَه. قال: ولقد رأيتُهُ
في يومٍ شديدِ البردِ ويخرجُ يديه من تحتِ برنسٍ له(١) .
وثمَّنْ كان يسجدُ ويداه في ثوبه لا يخرجُهما: سعيدُ بنُ جبيرٍ،
وعلقمةُ، ومسروقٌ، والأسود .
وحكى ابنُ (٣٤٩ - ب/ق) المنذرِ عن عمرَ الرخصةَ في السّجودِ على
الثَّوبِ في الحر، وعن عطاء وطاوسٍ. قال: ورخَّصَ فيه للحرِّ والبرد:
النَّخعيُّ، والشَّعبيُّ، وبه قالَ مالكٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ،
وأصحابُ الرأي، ورخَّصَ الشَّافعيُّ في وضعِ اليدين على الثَّوبِ في الحرِّ
والبردِ. انتهى (٢).
ونقلَ ابنُ منصور، عن أحمدَ وإسحاقَ: لا يسجدُ ويداه في ثوبِه إلا
ے
من برد أو عِلَّةِ. وكذا نقلَ غيرُ واحدٍ عن أحمدَ أنَّه لا يفعلُ ذلك إلا من
عِلةٍ ولا يفعلُه من غيرِ علةٍ. وروى عنه جماعةٌ من أصحابه أنَّه لا بأسَ
بذلك ولم يقيِّدْه بالعلة، فيحتملُ أن يكونَ ذلك روايةً عنه بعدمِ الكراهةِ
مطلقًا، ويحتمل أنْ تُحمَلَ رواياتُه المطلقة على رواياته المقيدة، وكلام
وَ
أكثرِ أصحابنا يدلُّ على ذلك .
وفيه نظرٌ؛ وبكلِّ حال فيجزئُ السُّجودُ وإن لم يباشرِ الأرضَ بيديه
روايةً واحدةً، ولا يصحُّ عن أحمدَ خلافُ ذلك البتة .
وإنما أصلُ نقلِ الخلافِ في ذلك عَنْ أحمدَ مأخوذٌ من كتب مجهولة
(١) ((الموطأ)) (ص١١٩)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١٨٢/٣).
(٢) («الأوسط)) (٣/ ١٧٧ - ١٧٨).
٣١

كتاب الصلاة
لايُعرفُ أصحابُها، فلا يُعْتَمدُ عليها .
ومذهبُ مالك: أنَّه إن كان حرُّ أو بردُ جازَ له أن يبسطَ ثوبًا يسجدُ
عليه ويجعلَ عليه كفيه مع قوله: يكرهُ السُّجودُ على الثيابِ من غيرٍ
عذرِ - كما سبق .
وللشَّافعيِّ قولان في وجوبِ السُّجودِ على الكفين، وعلى قوله
بالوجوبِ فهل يجبُ كشفُهما أو يجوزُ السُّجودُ عليهما وهما في كمهِ؟
على قولين له - أيضًا - أصحهما أَنَّه يجوزُ. وعلى القول الآخر: فإنّما
يجبُ كشفُ أدنى جزء منهما، لا كشف جميعهما .
المسألةُ الثَّانيةُ: سجودُ الرجلِ على كورِ عمامتِهِ وعلى قَلَنسُوتِهِ.
وقدحكَى الحسنُ عن الصحابةِ أنَّهم كانوا يفعلونه .
وممنْ رُويَ عنه أَنَّه كانَ يسجدُ على كور عمامته: عبدُ الله بنُ أبي
أوفى؛ لكن من وجه فيه ضعفٌ(١) .
وروى عَبدُ الله بن عمرَ العمريِّ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ أنَّه كان
يسجدُ على كورِ عمامته. وقد خالفَه من هو أحفظُ منه - كما سيأتي.
ورويَ عن عبد الله بن يزيد (٢) الأنصاري، ومسروقٍ، وشريحٍ
السجودُ على كور العمامة والبُرنس، ورخَّص فيه ابن المسيب، والحسنَ،
ومكحولٌ، والزهريَّ، والثوريُّ، والأوزاعيَّ، وإسحاقُ (٣).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٧/١).
(٢) في ((ق)) بميم مكان الياء الأولى، والياء الثانية بدون نقط وفي الحاشية: ((لعله: يزيد)).
وهو الصواب، وهو اللخمي .
(٣) انظر ((الأوسط)) (٣/ ١٨٠).
٣٢

٢٣ - باب السجود على الثوب في شدة الحر
وكان عبدُ الرحمن بنُ يزيد(١) يسجد على كور عمامة له غليظة تحولُ
بينه وبينَ الأرضِ (٢). وقد رُويَ ذلك عن النبيِّوَ لَّ أَنَّه كانَ (٣٥٠ - أ/ق)
يفعلُه من وجوهِ كُلِّها باطلةٍ لايَصحُّ منها شيءٌ، قالَه البيهقيُّ، وغيرُه(٣).
ورُوِي عن النبي ◌ِِّ النهيُ عنه من وجوهِ مُرْسَلَةٍ، وفيها ضعفٌ .
أيضًا.
ورُوِيَ عن علي قال: إذا صلَّى أحدكم فليتحسِرِ العمامةَ عن
جَبْهَتَه(٤). وكان عبادةُ بنُ الصَّامت يفعلُه. وروى أيوبُ، عن نافعٍ أن ابنَ
عمرَ كان لا يسجدُ على كورِ العمامة(٥) .
وروى عبيدُ الله، عن نافعٍ أن ابنَ عمرَ كان يحسرُ عن جبهته كُورَ
العمامة(٦) إذا سجد، ويخرج يديه ويقولُ: إنَّ اليدين تسجدانِ معَ
الوجه .
وكَرِهَ ابنُ سيرينَ السجودَ على كورِ العمامةِ . وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ
ما يدلُّ على ذلك. وقال النخعيُّ، وميمون بن مهران: أُبرز جبيني أحب
إليّ. وقالَ عروةُ: يُمكِّنُ جَبهتَه من الأرض(٧) .
(١) أشار في حاشية ((ق)) أنه في نسخة: ((عبد الرحمن بن مهدي)). والحديث في ((المصنف))
كما في أصل ((ق)).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٦٧/١).
(٣) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٠٦/٢).
(٤) كتب فوقها في أصل ((ق)): ((صح)) وفي الحاشية: ((لعله: جبينه)).
(٥) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٦٨/١)، و((الأوسط)) (١٧٩/٣).
(٦) في ((ق)): ((العامة)) خطأ.
(٧) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٦٨/١).
٣٣

كتاب الصلاة
وقال مالكٌ: من صلَّى على كورِ العمامةِ كرهتُه ولا يعيدُ، وأحبُّ إليَّ
أن يرفعَ عن بعضِ جبهتِهِ حتَّى تمسَّ الأرضَ بذلك. نقلَه صاحبُ ((تهذيب
المدونة))(١) .
ومذهبُ الشَّافعيِّ: لايجزُه أن يسجدَ على كورِ عمامته ولا على
طرفِ ثوبِه، وما هو متصلٌ به حتى يكشفَ عن بعضِ محلِّ سجودِهِ
فيباشر به المُصَلَّى(١) .
وكَرِهَ أحمدُ السجودَ على كورِ العمامةِ إلا لِعلَّةٍ من حَرٍّ أو بَردٍ يؤذيه
فلم يكرهْه كذلك(١). وقال في روايةٍ صالِحٍ: لابأسََ بالسُّجودِ على كورٍ
العمامة، وأعجبُ إليَّ أن يُبرزَ جبهتَه ويسجد عليها. وقال في رواية أبي
داود(٢) : لا يسجدُ على كورِ العمامةِ ولا على القلنسوةِ، قِيلَ له: فمن
صلَّى هكذا يعيدُ؟ قال: لا ؛ ولكن لا يسجدُ عليها(٣) .
ولم يذكرِ القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير))(٤) وغيرِه من كتبِه في
صحة صلاته على كورِ العمامة ونحوِها خلافًا. وحكى ابنُ أبي موسى
روايةٌ أخرى أَنَّه إذا سجدَ على كورِ عمامتِه لغيرِ حَرٍّ ولا بَرْدٍ أنه لا
يجزئُه، ولم نجدْ بذلك نصّا عنه صريحًا بالإعادة؛ إنَّما النصّ عنه
بکراهته والنهي عنه .
وقد نقلَ أبو داود النّهيَ عنه مع الإجزاء، ونهى أحمدُ ابنَه عبدَ الله
(١) ((الأوسط)) (١٧٩/٣).
(٢) (ص ٣٦) .
(٣) وانظر ((مسائل ابن هانئ)) (٤٧/١، ٥٩).
(٤) ذكره ابنه في ترجمة والده من ((طبقات الحنابلة)) (٢٠٥/٢) فقال: ((وقطعة من الجامع
الكبير فيها: الطهارة، وبعض الصلاة، والنكاح، والصداق، والخلع، والوليمة، والطلاق)).
٣٤

٢٣ - باب السجود على الثوب في شدة الحر
الحديث : ٣٨٥
عن سجوده في الصَّلاةِ على كمه ولم يأمره بالإعادةِ .
وأما من نقلَ روايةٌ عن أحمدَ بالإعادة مُطلقًا بذلك فلا يصحُ نقلُه.
وقولُ ابنِ أبي موسى: ((إن سجدَ على قلنسوتِه لم يجزئْهُ قولا واحدًا»
لا يَصحَّ، وروايةُ أبي داودَ، عن أحمد تَردُّه .
ولو كان جَبِينُهُ جَرِيحًا وعصبه بعصابة (٣٥٠ - ب/ق) جازَ السجودُ
عليها عند الشَّافعيِّ ولا إعادةَ عليه. ومن أصحابِه من حكى وجهًا ضعيفًا
بالإعادة .
ولم يُرِخِّصْ عَبِيدَةُ السَّلْمانيُّ في السجودِ على العصابةِ للجرحِ، وهذا
حرجٌ شديدٌ تأباه الشريعة السَّمْحةُ .
قال البخاريّ رحمه الله :
٣٨٥ - ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبّدِ الْمَلِكِ - هُوَ: الطَّيَالِسِيُّ -: ثَنَا بِشْرُ
ابْنُ الْمُفَضَّلِ: ثَنَا(١) غَالِبٌ الْقَطََّنُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِّ ◌َ فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَّفََ الثَّوْبِ مِن شِدَّةِ الْخَرِّفِيّ
عُ و
مَكَان السّجُود .
وقد خرجَه في موضعٍ آخر من كتابِهِ (٢) من طريقِ ابنِ المبارك، عن
خالدِ بنِ عبدِ الرحمن - وهو بكير السلمي البصري -: حدَّثني غالب
القطان، عن بكرِ المزنيِّ، عن أنس قال: كُنَّا إذا صلَّيْنَا خلفَ رسول الله
وَّر بالظَّهائرِ سجدنا على ثيابِنَا اتقاءَ الحرِّ.
(١) فى ((اليونينية)): ((حدثني))
(٢) رقم (٥٤٢).
٣٥

الحديث : ٣٨٥
كتاب الصلاة
وقد خرجه مسلمٌ من طريقِ بشرِ بنِ المفضَّلِ، عن غالبٍ، ولفظه:
(كُنَّا نصلِّي مع رسولِ اللهِ وَّ في شدةِ الحرِّ، فإذا لم يستطعْ أحدُنا أن
يمكنَ جبهته من الأرضِ بسط ثوبَه فسجدَ عليه (١).
وخرجه البخاريّ في أواخرِ الصلاة كذلك(٢).
وقد خرجه الترمذيّ من طريقِ خالد بن عبد الرحمن، وقال: حسن
ءِ
صحيحٌ (٣) .
وإنما ذكرتُ هذا لأنَّ العقيليَّ قال: حديثُ أنسٍ في هذا فيه لينٌ،
ولعله ظن تَفْردَ خالد به، وقد قال هو في خالد: يخالفُ في حديثه،
وقد تبينَ أنَّه تابعه بشرُ بنُ المفضل على جلالته وحفظه (٤) .
وقد أدخلَ بعضُ الرواة في إسناد هذا الحديث الحسن البصريّ بين
لُه) .
بكرٍ وأنس، وهو وهم. قاله الدار قطنيّ
ومن تأوَّل هذا الحديثَ على أنَّهم كانوا يسجدونَ على ثيابٍ منفصلةٍ
عنهم فقد أبعدَ. ولم يكن أكثرُ الصحابةِ أو كثيرٌ منهم يَجدُ ثوبَين يُصلِّي
فيهما، فكانوا يُصلُّونَ في ثوب واحد - كما سبق - فكيف كانوا يجدون
ثيابًا كثيرةً يصلُّون في بعضها ويتَّقونَ الأرضَ ببعضها؟!
وقد رُوِيَ عن أنسٍ حديثٌ يخالفُ هذا: أخرجه أبو بكر بنُ أبي داود
في كتاب ((الصلاة)) له: ثنا محمد بنُ عامر الأصبهاني: حدَّثني أبي: ثنا
يعقوبُ، عن عنبسةَ، عن عثمانَ الطويل، عن أنسِ بنِ مالك قال: كُنَّا
(١) مسلم (٦٢٠) .
(٣) الترمذي (٥٨٤) .
(٢) رقم (١٢٠٨ - فتح).
(٤) وانظر ((الكامل)) (٦/٦).
(٥) انظر ((العلل)) للدار قطني (٤/ ٤٠ - ب) .
٣٦

٢٣ - باب السجود على الثوب في شدة الحر
الحديث : ٣٨٥
نصلِّي مع النبيِّ وَّ في الرمضاء (٣٥١ - أ/ق) فإذا كان في ثوبِ أحدِنا
فضلةٌ فجعلها تحتَ قدميه، ولم يجعلُ تحتَ جبينه؛ لأنَّ صلاةَ النبيِّ أَ
كانت خفيفةً في إتمامٍ .
= ماالله
وسلم
وقال: سُنَّةٌ تفرد بها أهلُ البصرة .
قلتُ: يشيرُ إلى تفردِ عثمانَ الطويل به عن أنسٍ، وهما بَصْريان.
وعثمان هذا قد روى عنه شعبة، وغيره. وقال أبو حاتمٍ فيه: هو شيخ(
وأما مَن قبلَ عثمان فهم ثقاتٌ مشهورون: فعنبسة هو [ابن](٢) سعيد
قاضي الرَّي، أصلُه كوفيٌّ ثقةٌ مشهورٌ، وثَّقه أحمد، ويحيى(٣) . ويعقوب
هو: القُمِّي (٤)، ثقةٌ مشهورٌ أيضًا. وعامر هو: ابن إبراهيم الأصبهاني،
ثقة مشهورٌ من أعيان أهل أصبهان(٥). وكذلك ابنُه: محمد بن عامر (٦) .
ولكن إسنادُ حديثِ بكرٍ أَصحُ ورُواتُه أشهرُ؛ ولذلك خُرج في
الصحيحِ دونَ هذا، والله أعلم .
واستدلَّ بعضُ من لم يَرَ السجودَ على الثوب بما روى أبو إسحاقَ،
عن سعيدِ بنِ وهبٍ، عن خَبّاب قال: شكونا إلى رسول الله وَلَهِ الصَّلاةَ
(١) (الجرح والتعديل)) (٦/ ١٧٣).
(٢) سقطت من (ق)).
(٣) ((الجرح والتعديل)) (٣٩٩/٦)، و((تاريخ الدارمي)) (٦٧٠). و((تهذيب الكمال))
(٤٠٦/٢٢ - ٤٠٧) .
(٤) ((القمى)) بضم القاف، نص عليه ابن السمعاني في ((الأنساب))، وياقوت في ((معجم
البلدان)) وابن حجر في ((التقريب)) نسبة إلى بلدة ((قُم)) بين أصبهان وساوة. وجاء في ((ق))
بفتح القاف. وهو خطأ .
(٥) ((أخبار أصبهان)) (٣٦/٢) .
(٦) ((أخبار أصبهان)) (١٩١/٢).
٣٧

الحديث : ٣٨٥
كتاب الصلاة
في الرمضاء فلم يُشْكنا .
خرجه مسلم، وفي رواية له - أيضًا -: أتينا رسولَ الله وَله فشكونا
إليه حرَّ الرمضاء فلم يُشكنا(١) .
قالوا: والمرادُ بذك أنَّهم شكوا إليه مشقةَ السَّجودِ على الحصَى في
شدة الحرِّ، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم فلم يُجبهم إلى ما سألوا،
ولا أَزَالَ شكواهم. واستدلُّوا على ذلك: بما روى محمد بنُ جُحادة، عن
سليمانَ بن أبي هندٍ، عن خَبَّابِ قال: شكونًا إلى رسول الله وَله شدةً
الحرِّ في جباهنا وأَكُفَّنا فلم يُشكنا .
ويُجَابُ عن ذلك: بأنَّ حديثَ خَبَّبِ اخْتُلِفَ في إسنادِه على أبي
إسحاقَ .
فرويَ عنه، عن سعيد بن وهبٍ، عن خَّبٍ(٢).
ورُويَ عنه، عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ(٣)، عن خَبَّاب(٤).
وقد قيل: إنَّهما من مشايخٍ أبي إسحاقَ المجهولين الذين لم يَروِ
عنهم غيرُه .
وفي إسناده اختلافٌ كثيرٌ؛ ولذلكَ لم يخرِّجه البخاريّ .
93
وأما معنى الحديث: فقد فسَّرَه جمهورُ العلماء بأنَّهم شكوا إلى
(١) مسلم (٦١٩). وانظر كلامًا للمؤلف سيأتي (٢٤٣/٤) تحت الحديث (٥٣٨).
(٢) ورواه عن أبي إسحاق بهذا الوجه جماعة. أخرجه مسلم وأحمد وغيرهما. وراجع
(أطراف الغرائب)) (٢٠٦٤، ٢٠٦٧) بتحقيقنا .
(٣) في ((ق)): ((جارية بن مصرف)) تصحيف.
(٤) ورُوي عن حارثة، عن بعض أصحابه، عن خباب، أخرجه البزار في ((مسنده)) (٨١/٦).
٣٨

٢٣ - باب السجود على الثوب في شدة الحر
الحديث : ٣٨٥
رسول الله وَ له الصَّلاةَ في شدة الحرِّ وطلبوا منه الإبرادَ بها فلم يُجبهم.
وبهذا فسَّرَهَ رُواةُ الحديثِ، منهم: أبو إسحاقَ، وشريكٌ .
وقد خرَّجَه البزارُ في ((مسنده))، وزاد فيه: وكان رسولُ الله
وسيلة
صَلَ الله
عَليـ
يُصلِّي الظُّهرَ بالهجير(١) .
وخرَّجَهَ ابنُ المنذرِ، وزاد في آخرِه: وقال: ((إذا زالتِ الشَّمْسُ
فصَلُّوا))(٢) .
وأما (٣٥١ - ب/ق) روايةُ من زاد فيه: ((في جباهنا وأَكُفِّنا)) فهي
منقطعةٌ؛ حكى إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن يحيى بنِ معينٍ أَنَّه قال: هي
مرسلةٌ - يعني : إنَّ سليمانَ بنَ أبي هندٍ لم يسمعْ من خَبَّاب(٣).
وعلى تقديرِ صحتِها فقد يكونُ شكوا إليه ما يلقَونَه من شِدةِ حرِّ
الحصى في سجودهم وأنه لا يقيهم منه ثوبٌ ونحوُه. وأيضا، فلو كانوا
قد طلبوا منه السَّجودَ على ثوبٍ يقيهم حرَّ الرمضاء لأمرهم بالسجود
على ثوبٍ منفصلٍ؛ فإنَّ ذلك لا يكره عند الشافعيُّ ولا عند غيرِه لشدةٍ
الحرِّ - كما سبق.
فإن قيلَ: فحملُه على هذا تَردُُّ(٤) أحاديثُ الأمرِ بالإبرادِ بالظُّهرِ في
شدة الحرِّ، قيل: عنه جوابان .
أحدُهما: أنَّ ذلك كان قبل أن يُشْرَعَ الإبرادُ بها ثم نُسخ؛ وقد رُوِيَ
من حديث المغيرةِ ما يدلُّ على ذلك .
(١) ((مسند البزار)) (٧٨/٦).
(٣) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص ٨٤).
(٢) ((الأوسط)) (٣٥٨/٢).
(٤) في ((ق)) بالتاء والياء، معًا .
٣٩

الحديث : ٣٨٥
كتاب الصلاة
والثَّاني: أنَّ شدةَ الحرِّ في الصَّيفِ لايزولُ في المدينةِ إلا بتأخرِ الظُّهر
إلى آخرٍ وقتها، وهو الذي طلبوه فلم يجبهم إلى ذلك؛ وإنما أمرهم
بالإبرادِ اليسيرِ، ولا يزولُ(١) به شدةُ حرِّ الحصى .
وقد قيل: إنَّهم إنما شكوا إليه أنَّهم كانوا يُعذَّبون في الله بمكةَ في حرِّ
الرمضاء قبل الهجرة وطلبوا منه أن يدعو لهم ويستنصِرَ فأمرهم بالصبرِ
في الله .
وقد روى قيسُ بنُ أبي حازم، عن خَبَّبِ هذا المعنى صريحًا، وبهذا
فسَّرِه علي بنُ المدينيِّ وغيرُه، والصَّحيحُ الأولُ، واللهُ أعلمُ .
(١) في ((ق)) بالتاء والياء، معًا .
٤٠