النص المفهرس
صفحات 421-440
١٤ - باب إذا صلى في ثوب له أعلام الحديث : ٣٧٣ رجعَ فإذا هو لا يدري كم صلَّى؟ فقال: لقد أصابتْني في مالي هذا فتنةٌ، فأتى النَّبِيِّ وَّهِ فذكر ذلك له فقال: يا رسولَ الله، هو صدقةٌ لله عز وجل، فضعْه حيثُ أراك اللهُ. وذكر مالك(١) - أيضًا - عن عبد الله بن أبي بكر أَنَّ رجلاً من الأنصار كان يُصلِّي في حائطِ له بالقفِّ في زمنِ الثَّمرِ والنَّخلُ قد ذُلِّلت(٢) وهي مُطوَّقَةٌ بثمرِها فنظرَ إلى ذلك فأعجبَه ما رأى من ثمرِها، ثم رجعَ إلى الصَّلاةِ فإذا هو لا يدري كم صلَّى؟ فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنةٌ، فأتى عثمانَ بنَ عفَّانَ - رضي اللهُ عنه - فذكر ذلك له فقال له: إنَّه صدقةٌ، فاجعلْه في سبيلِ الخيرِ، فباعه عثمانُ بخمسينَ ألفًا، فكان اسمُ ذلك المال: الخمسينَ. والخميصةُ: كساءٌ رفيعٌ يلبسُه أشرافُ العرب، وقد يكون له عَلَمٌ وقد لا يكونُ، وقد يكون أبيض وأحمرَ وأسودَ وأصفرَ. والأنبجانيُّ: كساءٌ غليظٌ بغير عَلَمٍ. ذكر ذلك ابن (٣٣١ - أ/ ق) عبد البرِّ (٣)، وغيرُه. وقال الخطابيَّ(٤): الخميصةُ: كساءٌ أسود، والأنبجانيةُ: كساءٌ له زثْبَر. وقال أبو عبيد(٥): الخمائصُ: ثيابٌ من خزٍّ أو صوف مُعلّم، وهي سود، كانت من لباسِ النَّاسِ . = (٩٩/٢)، وانظر ((لسان العرب)) مادة (دبس). و((التمهيد)) (٣٩٥/١٧) قال: والدبسي: طائر يُشبه اليمامة، وقيل: هو اليمامة نفسها. (١) ((الموطأ)) (ص ٨٢). (٢) في ((ق)): ((زيت))، وفي المطبوع من ((الموطأ)) ((ذُلِّت)) - كما في رواية يحيى، وأبي مصعب. (٤) ((أعلام الحديث)) (١/ ٣١٤). (٣) («التمهيد)) (٢٠ /١١٠). (٥) ((غريب الحديث)) (٢٢٦/١). ٤٢١ الحديث: ٣٧٣ كتاب الصلاة وإنما خَصَّ بها أبا جهم بنَ حذيفة لأنَّه كان أهداها إلى النبيِّ وَّه فردَّها إليه وطلبَ منه عوضًا عنها كساءً له غليظًا تطييبًا لقلبه حتى لا يحصلَ له انكسارٌ بردٍّ هديته عليه، ولذلك أعلمه بسبب الردِّ، وفيه تحذيرٌ له من أن يشتغلَ بها أو بغيرِها عن صلاته. هذا هو الذي ذكره ابنُ عبدالبرِّ. ويدلُّ على ذلك: ما خرجه مالك في ((الموطأ))(١)، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشةَ قالت: أهدى أبو جهم بنُ حذيفةَ إلى رسول الله وَّجُلّ خميصةً شاميةً لها عَلمٌ فشهد فيها الصلاةَ، فلما انصرف قال: ((رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي جهمٍ؛ فإني نظرتُ إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني)). وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ (٢) من طريقِ مالكٍ . ولفظُ الفتنة إنما يُعرفُ في هذا الحديثِ من هذا الوجه؛ فأما من رواية هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ - كما علقه البخاري - فغيرُ معروفٍ. وقد رُويَ عن معمرٍ عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ هذا الحديثُ، وفيه: أنَّ النبيَّ ◌َّ قالَ: ((فإنِّي كنتُ إذا رأيتُ علمَهَا ذكرتُ الدنيا)». وروى نعيمُ بنُ حماد(٣)، عن ابن عيينةَ أن النبيِّ وَِّ لم يكره الخميصةَ في نفسها، وإنما أخرجها عن ملكه لما كانت سببَ شغله عن صلاته كما أخرجَ أبو طلحةَ مالَه الذي ألهاه عن صلاته. وهو يؤيدُ ما ذكرناه من قبل . (١) ص (٨١). (٣) ((التمهيد)) (١٠٩/٢٠). (٢) ((المسند)) (٦/ ١٧٧). ٤٢٢ ١٤ - باب إذا صلى في ثوب له أعلام الحديث : ٣٧٣ واعلم أنَّ الصَّلاةَ في الثَّوب الحسنِ غيرُ مكروه؛ إلا أن يخشى منه الالتهاءَ عن الصَّلاةِ أو حدوث الكبر. وقد كانَ لتميم الداريِّ حُلٌ اشتراها بألف درهم یقومُ بها الليل. وقد كان النبيُّنَ ﴿ أحيانًا يلبس حُللاً من حُللِ اليمن وبُرودًا حَسنةً، ولم ينقلْ عنه أنه كان يَتجنَّبُ الصَّلاةَ فيها، وإنما ترك هذه الخميصةَ لما وقع له من تلك النظرة إلى عَلَمها، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ ﴿خُذُوا زينَتَكم عندَ كُلِّ مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] وسبق قولُ ابن عمرَ (١): ((الله أحقُّ أن تزین(٢) له)). وخرَّجَ أبو داودَ في مراسيله(٣) من حديث عبيد الله (٣٣١ - ب/ق) ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ قال: كان رسولُ اللهِ وَّ إذا قام إلى الصَّلاةِ مما تعجبه الثياب النقية والريح الطيبة . ولم يزلْ علماءُ السَّف يلبسونَ الِّيّبَ الحسنةَ ولا يَعُدُّونَ ذلك كبرًا. وقد صحَّ عن النبيِّ وََّ أنه سُئِلَ عن الرجلِ يُحب أن يكونَ ثوبُهُ حسنًا ونعلُه حسنًا؟ فقال: ((ليس ذلكَ من الكبر؛ إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمال)(٤). وقال جَرير بن حازمٍ: رأيتُ على الحسنِ طيلسانًا كُرديًّا حسنًا (١). ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣٥٧/١، ٣٥٨) والبيهقي في ((الكبرى)) (٢٣٥/٢ - ٢٣٦)، و((مسند الفاروق)) لابن كثير (١٤٩/١)، راجع كلام المصنف تحت ترجمة الباب الثاني من كتاب الصلاة . (٢) في ((ق)): ((يتزن)) خطأ، والمثبت من ((المصنف)) لعبد الرزاق. (٣) ((المراسيل)) (ص ٨٧). (٤) مسلم (١٤٧/٩١)، و((المسند)) (١٣٣/٤) وغيرهما. ٤٢٣ ٠٠ الحديث: ٣٧٣ كتاب الصلاة وخميصةٌ أصبهانيةً جيدةً ذاتَ أعلام خُضر وحُمر أُريها من إبريسم، وكان يرتدي بِبُردٍ له يمَانِيٍّ أسودَ مُصَلَّب، ويُردٍ عَدَني وقباء من برد حَبرةٍ وعِمامةِ سَوداءَ. وقال حربٌ: سألتُ إسحاقَ عن الصَّلاة في المنديل وأريتُه منديلاً له أعلام خُضر وخطوط؟ فقال: جائزٌ. ٤٢٤ الحديث : ٣٧٤ ١٥ - بَابٌ إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ فِيهِ (١) تَصَاوِرُ هَلْ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ؟ وَمَا يُّنْهَى مِنْ ذَلِكَ(٢). خرَّج فیه حدیث: ٣٧٤ - عَبْد الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيَبٍ(٣)، عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لعَائِشَةً سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْهَا، فَقَالَ النَِّّ ◌َ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا؛ فَإِنَّهَ لا تَزالُ(٤) تَصَاوِرُهُ تَغَرِضُ في صَلاتي)). القرامُ: قيلَ: إنَّه ثوبٌ من صوفِ فيه ألوانٌ من العهونِ، ويتخذُ سِترًا أو كلِّه(٥). وقال الخطابيُّ(٦): هو سترٌ رقيقٌ. قال: ويشبه أن تكونَ عائشةُ سترتْ به موضعًا كان عورةً من بيتِها لنهي النبي ◌ُِّلّ عن سترِ الجدر(٧). قلتُ: حديث النهي عن سترِ الجدرِ إسنادُه ضعيفٌ. ولكن خرَّجَ مسلمٌ(٨) من حديث عائشةَ أنَّها أخذتْ نمطًا فسترتْه على (١) ((فيه)) ليست في ((اليونينية))، وهي ملحقة بهامش ((ق)) ومصححة. (٢) قال القسطلاني: و ((ما ينهى عن ذلك)) ولابن عساكر في نسخة وأبي الوقت والأصيلي: ((وما ينهى عنه)) بالضمير، ولأبي ذر: ((وما ينهى من ذلك)) بدل ((عن)). (٣) اختصر ابن رجب الإسناد كالآتي :- حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، والاستدارك من ((اليونينية». (٥) كذا في ((ق)). (٤) في ((ق)) بالتاء، والياء معًا . (٦) أعلام الحديث (٣٥٨/١). (٨) مسلم (٢١٠٧). (٧) ((سنن أبي داود)) (١٤٨٥). ٤٢٥ الحديث : ٣٧٤ كتاب الصلاة الباب، فلما قدمَ النبيَّ بِّهِ رأى النمطَ فعرفت الكراهةَ في وجهه، فجذبه حتَّى هتكه أو قطعه وقال: ((إنَّ اللهَ لم يأمرْنَا أن نكسوا الحجارةَ والطِّينَ)). وفي ((مسند)) الإمامِ أحمدَ (١)، عنها في هذا الحديث أنَّ النبيّ (٣٣٢- أ/ ق) وَله قال لها:((أَتَسْتُرِينَ الجُدرَ يا عائشة؟!)) قالت: فطرحتهُ فقطعتهُ مرفقتين، فقد رأيتُه متكئاً على إحداهما وفيها صورةٌ. وخرَّجَ مسلمٌ(٢) من حديث عائشةَ قالت: كان في بيتي ثوبٌ فيه تصاوير فجعلتُه إلى سَهوة في البيت، وكان رسولُ اللهِ وَ لَ يُصلِّ إليه، ثم قال: (يا عائشةُ، أخِّرِيه عنِّي))، فنزعتُه فجعلتُه وَسائدَ. وفي ((الصحيحين))(٣)، عنها قالت: قدم رسولُ الله ◌َلِ من سفرٍ وقد سترتُ بقرام لي على سَهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسولُ الله ◌َّتِ هتكه وقال: ((أشدُّ النَّاسِ عذابًا يوم القيامةِ الذين يُضاهُون بخلقِ الله عز وجل))، قالتْ: فجعلناه وسادةً أو وسادتین. وفي «صحيحِ مسلمٌ(٥)، عنها قالتْ: كان لنا سترٌ فيه تمثالُ طائر، وكان الداخلُ إذا دخلَ استقبلَه، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((حَوِِّي هذا؛ فإِنِّي كلما دخلتُ فرأيتُه ذكرتُ الدنيا». فهذه ثلاثُ عِللٍ قد عَلَّلَ بها النبيُّ بِّهِ كراهةَ السِّتْرِ. ويشهدُ للتَّعليلِ الثالث: ما روى سعيد بنُ جمهان، عن سفينةَ أن النبيّ وَ ◌ّه جاء إلى بيت فاطمةَ فأخذ بعضادتي الباب وإذا قِرامٌ قد ضُرِبَ في (١) («المسند» (٢٤٧/٦). (٢) مسلم (٢١٠٧/ ٩٣). (٤) مسلم (٢١٠٧ / ٨٨). (٣) ((فتح)) (٥٩٥٤)، مسلم (٢١٠٧). ٤٢٦ ١٥ - باب إن صلى في ثوب مُصلب الحديث : ٣٧٤ ناحية البيت، فلما رآه رسولُ اللهِ وَّهِ رجعَ، فتبعه عليٌّ فقال: ما رَجَّعَك يا رسولَ الله؟ قال: ((إنَّه ليس لي ولا لنبيِّ أن يدخلَ بيتًا مُزْوَّقًا)». خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه(١). ويشبه هذا: ما خرَّجه النسائيُّ (٢) من حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ بَ ◌ّهِ اتخذَ خاتمًا ولبسه وقال: ((شغلَني هذا عنكم اليومَ، له نظرةٌ ولكم نظرةٌ)) ثم ألقاه. وخرَّجَ الترمذيُّ في ((كتاب العلل))(٣) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن ابنِ عمرَ أن رسولَ اللهِ وبَّ جعلَ خاتمَه في يمينه ثم إنه نظر إليه وهو يصلِّي ويدُه علی فخذه، فنزعه ولم يلبسه . وقد رُويَ هذا الحديثُ عن طاوسٍ مرسلاً، وفيه: أن هذا الخاتم كان من ذهب (٣٣٢ - ب/ق). وهذا إنَّا كان النبيُّ نَ لِّ يفعلُه امتثالاً لما أمره الله به أن لا يَمُدَّ عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا، فكان يتباعدُ عنها بكلِّ وجه؛ ولهذا قال: ((ما لي وللدنيا، إنَّّا مثلي ومثلُ الدنيا كراكبٍ قال في ظِلِّ شجرةٍ ثم راح وتركها)»(٤). فكان حالُهُ كُلُّه في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حالَ مسافر يقنع في مُدةٍ سفرِه بمثل زادِ الراكب من الدنيا ولا يلتفتُ إلى فضولها الملهيةِ الشَّاغلةِ عن الآخرة، وخصوصًا في حالِ عباداته ومناجاته لله ووقوفِه بين يديه واشتغاله بذكره؛ فإنَّ ذلك كان هو قرة عينه فكان يحذرُ من تلمحِ شيءٍ من متاع الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال؛ فإنَّه يُكَدر (١) ((المسند)) (٢٢٠/٥ - ٢٢١ - ٢٢٢)، وأبو داود (٣٧٥٥)، وابن ماجه (٣٣٦٠). (٣) ((علل الترمذي الكبير)) (ص ٢٨٧). (٢) ((سنن النسائي)) (١٩٤/٨ - ١٩٥). (٤) ((جامع الترمذي)) عن ابن مسعود (٢٣٧٧) وقال: حسن صحيح. ٤٢٧ الحديث : ٣٧٤ كتاب الصلاة ذلك الصفا، فلذلك كان تباعُدُه عنه غايةَ المباعدة، وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله: ((فإنه لا يزال (١) تصاويره تَعرِضُ في صلاتي)). وفيه دليلٌ على أنَّ المصلِّيَ لا ينبغي أن يتركَ بين يديه ما يشغلُه النظرُ إليه عن صلاته. وفي سنن أبي داودً(٢)، عن عثمانَ بنِ طلحةَ أنَّ النبيَّ نَِّ قال: ((إِنِّي نسيتُ أن آمرَك أن تُخِّرِ القَرنَين؛ فإنَّه ليس ينبغي أن يكونَ في البيتِ شيءٌ يشغلُ المصلِّي)). وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٣) من حديث أمِّ عثمانَ بنت سفيانَ أن النبيّ وَلّ قال له في هذا الحديث: ((إِنَّه لا ينبغي أن يكونَ في البيتِ شيءٌ يلهي المصلِين)). والمراد بالقَرنينِ: قرنا الكبش الذي فُديَ به إسماعيلُ عليه السلام، فإنَّهما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريقِ البيتِ في زمنِ ابنِ الزبيرِ . 93 وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ الصَّلاةِ في الكعبة. وقدْ نصَّ أحمدُ على كراهةٍ أن يكونَ في القبلة شيءٌ معلَّقٌ من مصحفٍ أو غيره. ورُوِيَ عن النخعيِّ قال: كانوا يكرهونَ ذلك. وعن مجاهد قال: لم يكنِ ابنُ عمرَ يدعُ شيئًا بينه وبين القبلة إلا نزعه (٣٣٣ - أ/ ق) سيفًا ولا مصحفًا. ونصَّ أحمدُ على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى. وكذا مذهبُ مالكٍ. (١) في ((ق)): تقرأ على الوجهين بالياء والتاء، معًا . (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٠٣٠). (٣) («المسند» (٦٨/٤)، (٣٧٩/٥ - ٣٨٠). ٤٢٨ ١٥ - باب إن صلى في ثوب مُصلب الحديث : ٣٧٤ وقد ذكرَ البخاريُّ(١) تعليقًا عن عمرَ أنَّه أمرَ ببناء المسجد وقال: أكنَّ النَّاسَ من المطرِ وإياك أن تحمِّرَ أو تصفِّرَ فتفتن النَّاسَ، وسيأتي في موضعه إن شاء اللهُ تعالى(٢). ويُستدلُّ بحديث عائشةَ هذا على كراهةِ الصَّلاةِ إلى التَّصاويرِ المنصوبة؛ فإنَّ في ذلك مشابهةً للنَّصارى وعُبَّاد الأصنام المصلين لها، ولا يترك في المسجد صورة في بناء، سُئِلَ الحسنُ، عن ساجة(٣) في المسجد فيها تصاوير؟ قال: انجروه(٣). وتكرُهُ الصَّلاةُ في الكنائسِ التي فيها صورٌ عند كثيرٍ من العلماء. وهو مرويٌّ عن عمرَ، وابن عباس، وقولُ مالكِ وأحمدَ وغيرِهما. ہے وأما الصَّلاةُ في ثوبٍ فيه تصاوير: ففيه قولانٍ للعلماءِ بناءً على أنه: هل يجوزُ لبس ذلك أم لا؟ فرخَّصَ في لبسه جماعةٌ، منهم أحمدُ في رواية الشَّالَنْجِيّ(٤)، وكذلك قال أبو خيثمةَ، وسليمانُ بنُ داودَ الهاشمي، واستدلُّوا بالحديث الذي جاء فيه: ((إلا رقمًا في ثوبٍ)). وقدخرجَه البخاريّ(٥) في كتاب ((اللباس)) من حديث أبي طلحةً، (١) ((فتح)) (٥٣٩/١) باب: ((بنيان المسجد)). (٢) في ((ق)) - وهي نسخة مصححة على نسخة المؤلف - حاشية من الراجح أنها للمصنف رحمة الله عليه: ((رخص الحسن وغيره في الصلاة وبين يديه نهر جار، من مسائل حرب)) ا. هـ. (٣) ((الساجة)) هى: الخشبة الواحدة المنحوت أطرافها وتكون مربعة وتجلب من الهند ((تاج العروس)) مادة سوج. والنجر بمعنى: القطع فمعنى الأثر: اقطعوا وأزيلوا هذه الخشبة. والله أعلم. (٤) هو إسماعيل بن سعيد الشالنجي أبو إسحاق. من أصحاب الإمام أحمد. ترجمته في ((طبقات الحنابلة)) (١٠٤/١) و((المقصد الأرشد)) (٢٦١/١). (٥) (فتح)) (٥٩٥٨)، و(«المسند» (٤٨٦/٣)، والترمذي (١٧٥٠)، والنسائي (٢١٢/٨). ٤٢٩ الحديث : ٣٧٤ كتاب الصلاة وخرجه الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ، والترمذيُّ وصحَّحه من حديثِ أبي أيوبَ وسهلِ بنِ حُنيف، عن النبيِّ وَلِّهِ. وكان كثيرٌ من السَّفِ يلبس خاتمً عليه صورةُ حيوانٍ منقوشة في فَصِّهِ . وقالت طائفةٌ: يكره ذلك. وهو قولُ مالك والثوريِّ وطائفة من أصحابنا . وقالت طائفةٌ: يحرم لبسُه. وهو رواية عن أحمدَ اختارها القاضي أبو يعلى(١) وغيرُه. وروى وكيعٌ في كتابه، عن علي بنِ المبارك، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عمرانَ بنِ حطَّانَ، عن عائشةَ قالتْ: كان النبيِّ وَلِّ لا يرى في ثوبٍ تصاويرَ إلا نقضه. وقد خرَّجَه البخاريُّ(٢) في كتابه(٣٣٣ - ب/ ق) هذا من طريقِ هشامٍ، عن يحيى، ولفظُه: لم يكنِ النبيُّ وَّ يترك في بيتِه شيئًا فيه تصاليبُ إلا نقضه . وظاهرُ تبويب البخاريِّ يدلُّ على كراهة الصَّلاة فيه استدلالاً بقولهِ وَ الَى: ((لا تزالُ تصاويره تعرضُ في صلاتي))؛ ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضعٍ لا يقعُ بصره عليه في الصلاةِ، وصرّحَ أصحابنا بكراهة استصحابه في الصّلاةِ، وسواء قلنا: يجوز لبسُه أو لا. ومذهبُ مالكِ أنه لا يُلْبَس خاتمٌ فيه تماثيل ولا يُصلَّى به ويُلبس (١) كتاب ((أحكام الخواتم وما يتعلق بها)) لابن رجب (ص١٢٣). (٢) (فتح)) (٥٩٥٢). ٤٣٠ ١٥ - باب إن صلى في ثوب مُصلب الحديث : ٣٧٤ ثوب فيه تصاوير. وأما الصَّلاةُ على بساط فيه تصاوير: فرخَّصَ فيه أكثرُ العلماء، ے ونصَّ عليه أحمدُ وإسحاقُ؛ لأنهم أجازوا استعمالَ ما يوطأ عليه من الصَّورِ. وكره ذلك طائفةٌ قليلة، منهم: الجوزجانيَّ، ورُويَ عن الزهريِّ . . وذكر ابنُ أبي عاصمٍ في كتاب ((اللباس)) له، ((باب من قال: لا بأسَ بالصَّلاة على البساط إذا كان فيه الصور)): ثنا أبو يحيى: محمد بن عبد الرحيم: ثنا روحُ بن عبادة: ثنا شعبةُ، عن الشيباني، عن عبدِ الله بن شداد، عن ميمونَة قالتْ: كان النبيُّ وَلّه يُصلِّي على الخمرة وفيها تصاويرُ. وهذا الحديثُ مخرجٌ في الصَّحيحينِ(١) من حديث شعبة بدون هذه الزيادة، وسيأتي بسطُ هذه المسائل في موضعها من الكتاب إن شاء اللهُ تعالی . وقد بَوَّب البخاريُّ في كتاب ((اللباس))(٢) على كراهةِ الصَّلاةِ في التصاوير، وأعادَ فيه حديثَ عائشةَ الذي خرَّجَه هاهنا. وظاهرُ ذلك يدلُّ على أنه يكره الصَّلاةَ في ثوبٍ فيه صورة وعلى بساط عليه صورة؛ فإن ذلك كله يَعرِضُ للمصلِّي في صلاته. ءِ وبَوَّب هناك - أيضًا(٣) - على الرخصة فيما يُوطأ من الصّور، وعلى كراهة ذلك - أيضًا - فأشارَ إلى الاختلاف فيه. (١) ((فتح)) (٣٨١)، وليس في مسلم من طريق شعبة كما في ((تحفة الأشراف)) (١٢/ ٤٨٧). (٢) باب (٩٣) (٥٩٥٩) ((فتح)). (٣) باب (٩١ - ٩٢). ٤٣١ الحديث : ٣٧٥ كتاب الصلاة ١٦ - بَابُ مَنْ صَلَّى فِي فَرُوجٍ حَرِيرٍ ثُمَّنَزَعَهُ ٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَُ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلى النَّبِّ ◌َ فَرُّوُجُ حَرِيرِ، فَلَبَِهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ (٣٣٤ - ٢/ق) انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعاً شَدِيداً كَالْكَارِهُ لَهُ وقال: ((لا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ)). يزيدُ هو: ابنُ حبيب، وأبو الخير هو: مَرَثد بنُ عبدِ الله اليَزَني، وهما مصريان جليلان. والفروجُ قباءٌ له فرج من ورائه هكذا قال أبو عبيد وغيره. وقال يحيى بنُ بكيرٍ: سألتُ الليثَ بنَ سعدٍ عن الفروج؟ فقال: هو القباءُ. وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ لبسِ الأقبيةِ والصَّلاة فيها. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلم. وسُئِل عطاءٌ (١) عن القباء يُصلِّي فيه الرجلُ وحدَه؟ فقال: إنَّ القباءَ مفروجٌ؛ ولكن ليأتزرْ عليه إزار(٢) تحته. قال حربٌ: سُئِلَ أحمدُ عن الصّلاةِ في الدراج؟ فقال: وما بأسُهُ؟ قيل: إنَّه ذكر عن ابنِ المباركِ ووكيع أنهما كرهاه، فرخَّصَ فيه وقال: ما أنفعَه من ثوبٍ. وممن كره لبس الدراج: إسحاقُ، نقلَه عنه: ابنُ منصورٍ . (١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٦٠/١). (٢) كذا فى ((ق))، والصواب ((إزارًا)). ٤٣٢ ١٦- باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه الحديث : ٣٧٥ واستدلَّ الخطَّابيُّ(١) وغيرُهُ بهذا الحديثِ على صحةِ الصَّلاةِ في الحرير مع كراهته. وَالاله إنما لبسه وصلَّى فيه قبل تحريمه، وهذا غيرُ صحيحٍ فإنَّ النبي وهذا أمرٌ لا شكَّ فيه، فكيف يُستدلُّ به على صحة الصَّلاة بعد تحريمه؟! وقد استدلَّ إسحاقُ لصحةِ الصَّلاةِ في الحريرِ بأن النبيَّ ◌َِِّ رخَّص للزبيرِ وعبدِ الرحمنِ في قمصِ الحرير و(٢) للحكة. وهذا - أيضًا - لايصحُّ؛ فإنَّه من رُخِّصَ له في الحريرِ أبيح له لبسُهُ والصَّلاةُ فيه كالنساءِ . وإنما اختلفَ النَّاسُ في صلاةِ الرجال في الحريرِ بعد تحريمه، وأكثر أهلِ العلمِ على أنَّ الصلاةَ فيه تجزئُ وتبرأُ بها الذمةُ ولا يلزمُ إعادتُها . وعن أحمدَ في ذلك روايتان . ومذهبُ أهلِ الظاهر: أنَّ الصَّلاةَ فيه غيرُ مجزئة وتلزم الإعادة. وهو اختيارُ كثيرٍ من أصحابنا. وهو قولُ إسحاقَ إذا كان عالمًا بالنهي عنه . وقال ابنُ القاسم - صاحبُ مالك -: يُعيدُ مادامَ في الوقتِ . وكذا الخلافُ في الصَّلاةِ في ثوبٍ مغصوبٍ أو مشترى بعينِ مال حرامٍ . وفي ((المسند))(٣) من حديث ابنِ عمرَ مرفوعًا: ((من اشترى ثوبًا بعشرةٍ دراهم وفيه درهمٌ حرامٌ لم تقبل له صلاةٌ مادام عليه)) . (١) ((أعلام الحديث)) (٣٥٧/١). (٣) ((المسند)) (٩٨/٢). (٢) كذا في ((ق))، والأليق بدن الواو . ٤٣٣ الحديث : ٣٧٥ كتاب الصلاة وقد ضعََّ الإمامُ أحمدُ هذا الحديثَ في رواية أبي طالب، وقال: هذا ليسَ بشىءٍ، ليس له إسنادٌ - يشيرُ إلى ضعف إسناده؛ فإنه من روايةٍ بقية، عن يزيدَ بنِ عبد الله الجهنيِّ، عن هاشم الأوقص، عن نافع. وقال أحمدُ في روايةٍ مهنا: لا أعرف (٣٣٤ - ب/ق) يزيدَ بنَ عبد الله ولا هاشم الأوقص . وقد اشتدَّ نكيرُ عبدِ الرحمنِ بنِ مهدي لقولِ من قال: إن من اشترى ثوبًا بدراهم فيها شيءٌ حرامٌ وصلَّى فيه أنه يعيد صلاته، وقال: هو قولٌ خبيثٌ ما سمعتُ بأخبثَ منه، نسأل الله السلامةَ. ذكره عنه الحافظُ: أبونعيم في ((الحلية)) بإسناده . وعبد الرحمنِ بنُ مهدي من أعيانِ علماءِ أهلِ الحديث وفقهائهم المطلعين على أقوال السَّلف، وقد عَدَّ هذا القولَ من البدع، فدلَّ على أنه لا يُعرفُ بذلك قائل من السلف . وأكثرُ العلماء على أن العبادات لاتبطلُ بارتكاب ما نُهي عنه إذا كان النهيُ غيرَ مختصِّ بتلك العبادة، وإنما تبطلُ بما يختصّ النهي بها؛ فالصلاةُ تبطلُ بالإخلالِ بالطهارة فيها وحملِ النجاسة وكشفِ العورة ولو في الخلوةِ، ولا تبطلُ بالنَّظرِ إلى المحرماتِ فيها ولا باختلاسِ مالِ الغير فيها ونحو ذلك مما لا يختصَّ النهيُ عنه بالصلاة. وكذلك الصيام: إنما يبطلُ بالأكلِ والشربِ والجماع ونحو ذلك دون مايختصّ النهىّ عنه بالصيام كقولِ الزورِ والعمل به عند جمهور العلماء. وكذلك الاعتكاف: لا يبطلُ إلا بما نُهيَ عنه بخصوصِ الاعتكافِ وهو الجماعُ أو ما نُهي عنه لحقِّ المساجد كالشكرِ عند طائفة منهم ولا تبطلَ بسائرِ المعاصي عند ٤٣٤ ١٦- باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه الحديث : ٣٧٥ و الأكثرين؛ وإن خالفَ في ذلك طائفةٌ منهم وكذلك الحج: إنما يبطل بارتكابِ بعضِ ما نُهي عنه فيه وهو: الرفث، دون الفسوق والجدال، واللهُ أعلم . وقد رُوِيَ عن النبيِّ وَليهِ أنه علَّلَ كراهةَ لبسِ الحريرِ في صلاته بأنَّه نظرَ إليه فألهاه عن صلاته . خرجه ابنُ وهبٍ في («مسنده))، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أبي الزاهرية: حُدَيْرِ بن كريب أنَّ أكيدرَ أهدى للنبيِّ وَِّ حُلّةَ حريرٍ، فشهدَ النبيُّ ◌َّ فيها الصَّلاةَ فسها فصلَّى الظهرَ سَبْعَ(١) ركعاتٍ، فلما انصرفَ نزعها وقال: ((إِنِّي نظرتُ إليها فألهتني عن صلاتي)) . وهذا مُرُسَلٌ . (١) كتب فوقها ((صح)) في ((ق)). ٤٣٥ الحديث : ٣٧٦ كتاب الصلاة ١٧ - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ ٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ (٣٣٥ - أ/ق) أَبِيه قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمِ، وَرَأَيْتُ بِلالاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ الله ◌ِ، وَرَأَيْتُ الَّاسَ بَيْتَدِرُونَ(١) ذَلِكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَّمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بلالاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِوَ فِى حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنٍ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ، يَمُرُّونَ بَيْنِ بَدَيِ الْعَنَزَةِ. هذا الحديثُ قد خرَّجَه في مواضعَ (٢) متعددة مختصراً وتامًا، وقد سبقَ في ((أبواب الوضوء)) بعضه، ويأتي في مواضعَ متفرقة - أيضًا. والمقصودُ منه هاهنا: أن النبيِّ وَّ خرجَ في حلةِ حمراءَ مشمِّرًا وصلَّى بالناسِ يدلُّ على جوازِ الصَّلاةِ في الثّوبِ الأحمر . قال أبو عبيد(٣): الحلةُ برودُ اليمنِ من مواضعَ مختلفة منها. قال: والحلةُ: إزارٌ ورداء، لا يسمى حُلة حتَّى يكونَ ثوبين. انتهى . وكذلك فسَّرَ سفيانُ الثوريُّ الحلة الحمراءَ في هذا الحديثِ ببرد (١) في ((ق)): ((يتبدرون)) والتصويب من ((اليونينية)). (٢) انظر أطرافه ((فتح)) (١٨٧). (٣) ((غريب الحديث)) (٢٢٨/١). ٤٣٦ ٧ ١ - باب الصلاة في الثوب الأحمر الحديث : ٣٧٦ الحَبرة. حكاه عنه عبد الرزاق، وهو في مسند الإمام أحمدَ وكتاب الترمذي(١) . وَلَّه إنما كانت بُردًا مُخططًا وحينئذ فالجلة الحمراء التي لبسها النبي فيه خُطَطٌ حمر ولم يكن كلَّه أحمر . وقد بَوَّبَ البخاريُّ في كتاب ((اللباس))(٢) باب ((الثوب الأحمر)) ثم خرَّجَ فيه من حديث البراء بن عازب قال: رأيتُ النبيّ وَّ في حلةٍ حمراء. والقولُ في هذا الحديثِ كالقولِ في حديث أبي جحيفةً، ثم قال: ((بابُ الميثرة الحمراء)) وخرَّجَ فيه من حديث البراء قال: نهانا رسولٌ اللهِ وَّهُ عن لبسِ الحريرِ والديباجِ والقَسِِّ والإستبرقِ ومياثرِ الحمرِ. المياثرُ: مَراكب؛ سميتْ مياثر لوثارتها - وهو: لينُها ووطآتها -، وكانتْ من زيِّ العجم. وقد قيل: إنها كانتْ من ديباجٍ أو حريرٍ. قاله أبو عبيد(٣)، وغيرُهُ. وَفَسَّرَ يزيدُ بنُ أبي زياد الميثرةَ بجلودِ السباع. وقد خرَّجَ النسائيُّ(٤) من حديثِ المقدامِ بنِ معدي كرب (٣٣٥. ب/ ق)، عن النبيِّ بَّ أَنَّه نهى عن مياثرِ النمورِ . وفي الصَّلاةِ فِي الثَّوبِ الأحمر حديثٌ آخر: خرَّجَه الطبراني(٥) من روايةٍ سعدِ بنِ الصّلتِ، عن جعفر بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٌّ بنِ حسينٍ، عن ابنِ عباس قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَ يلبسُ يومَ العيد بردةً حمراء . ورواه حجاجُ بنُ أرطاةَ، عن أبي جعفرٍ: محمد بن علي، عن جابرِ (١)((المسند)) (٢٩٠/٤، ٣٠٠)، و((جامع الترمذي)) (٢٨١١). (٢) باب (٣٥- فتح) (٣٠٥/١٠) (٥٨٤٨ - ٥٨٤٩). (٣) ((غريب الحديث)) (٢٢٨/١). (٥) ((الأوسط)) (٧٦٠٩) . (٤) («السنن)) (١٧٦/٧). ٤٣٧ الحديث : ٣٧٦ كتاب الصلاة ابنِ عبد الله قال: كانَ رسولُ اللهِ وَ ظَهَ يلبس بُردَهُ الأحمرَ في العيدين والجمعة. كذا رواه حفصُ بنُ غياثٍ، عن حجاجٍ . وخالفه هشيمٌ فرواه عن حجاجٍ، عن أبي جعفرٍ مرسلاً أنَّ رسولَ الله وَّ كانَ يلبسُ يومَ الجمعةِ بُرْدَهُ الأحمر ويَعْتَمَّ يوم العيدين. خرَّجه ابنُ سعدِ (١) من هذين الوجهين والمُرسلُ أشبهُ . وقد اختلفَ العلماءُ في لبس الأحمر، فرخَّصَ فيه: ابنُ المسيّب، والشَّعَبِيُّ، والنَّخعيُّ، والحسنُ، وعَليُّ بنُ حسينٍ، وابنُه: أبو جعفر . ورُويَ عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ أنَّه كان يلبس بُردًا أحمر . وفي صحيح مسلمٍ(٢): أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ أرسلتْ إلى ابنِ عمرَ تقولُ له: بلغني أنَّك تحرِّمُ مياثرَ الأرجوان، فقال: هذه ميثرتي أرجوان . والأرجوانُ: الشَّديدُ الحمرة . وكرهتْ طائفةٌ الثيابَ الحمرَ، منهم: طاوس، ومجاهدٌ، وعطاءٌ. ورُويَ عن الحسنِ، وابن سيرين قالا: هو زينةُ آل قارون. وهو المنصوصُ عن أحمدَ في رواية المروذيِّ، وسوِّي بين الرجال والنساءِ في كراهته (٣). ورُويَ عن عطاءِ، وطاوس، ومجاهد الرخصةُ فيه للنِّساء خاصةً . ورُوي عن عائشةَ أنَّها كانت تلبسُ درعًا أحمر . وفي كراهةِ الأحمرِ من اللباس أحاديثُ متعددةٌ: وخرَّجه أبو داودَ (٤)، وغيرُهُ يطولُ ذكَرُها هاهنا، وربما تُذْكَرُ في موضعٍ آخر إن شاءَ اللهُ تعالى. ومنهم من رخَّصَ فيما حُمرتُه خفيفةٌ، وكره الشَّديدَ الحمرة. ورُوِيَ (١) ((الطبقات)) (٤٥١/١). (٣) ((الورع)) (ص: ١٧٣). (٢) مسلم (٢٠٦٩) . (٤) ((السنن)) (٤٠٦٦ - ٤٠٧١) . ٤٣٨ ١٧ - باب الصلاة في الثوب الأحمر الحديث: ٣٧٦ ذلك عن مالك، وأحمدَ، ورجَّحه كثيرٌ من أصحابنا . وفي ((صحيح مسلمٍ(١))، عن علي أنَّ النبيَّ بَلّ نهى عن لبس المعَصْفَرِ، وخرَّجه النسائيّ وزاد فيه: ((المقدم))، والمفدَّمُ: المُشَبَعُ بالعُصْفرِ. وفي ((صحيح مسلمٍ)) (١) - أيضًا -، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٣٣٦ - أ/ق) قال: رأى رسول اللّهِ وَله عليّ ثوبين مصفرين، فقال: ((إنَّ هذه من ثيابِ الكفارِ فلا تلبسْهَا)) . وقد اختُلِفَ في لبسِ المعصفر. فكرهه طائفةٌ، روي عن عمرَ، وعثمان، وابن عمرَ، وأنسٍ، وهو قولُ الزهريِّ، وسعيد بن جبير، ومالك، ء وأحمدَ، ورخَّصوا فيه للنِّساء، وحكى ابنُ عبدِ البر الإجماعَ على جوازِهِ لهن . وفي الرخصةِ لهنَّ: فيه حديثٌ مرفوعٌ خرجه أبو داود (٢)؛ وهذا قد يخالفُ روايةَ المروذيِّ، عن أحمد بكراهةِ الأحمرِ للنساء كما تقدم (٣)؛ لكن تلك مقيدةٌ بإرادة الزينة به، فقد تكون الرخصةُ محمولةً على من لم يردْ به الزينة وهذا القولُ يُروى عن ابنِ عباس أنه يُكره المعصفرُ للتزينِ به، ويُرخَّصُ فيما امتُهنَ منه .. ورخَّصتْ طائفةٌ في المعصفر - مطلقًا - للرجال والنساء. رُويَ عن أنسٍ، وعن أبي وائلٍ، وعروةَ، وموسى بن طلحة، والشَّعبيِّ، وأبي قلابةَ، وابن سيرين، والنخعيِّ، وغيرِهم، وهو قولُ الشَّافعيِّ. وكرهت طائفةٌ المتشبَعَ منه - وهو: المقدَّم دون الخفيف - رُويَ عن (١) مسلم (٢٠٧٧ - ٢٠٧٨)، والنسائي (١٦٧/٨). (٢) ((السنن)) (٤٠٦٦). (٣) ((الورع)) (ص: ١٧٣) . ٤٣٩ الحديث :٣٧٦ كتاب الصلاة عطاء، وطاوس، ومجاهد، وحُكيَ عن مالك، وأحمدَ - أيضًا - فإنه قال في المصبوغِ بالدم: إن كانت حمرتُه تشبه المعصفرَ أكرهه، وقال : لا بأسَ بالمُوَرَّدِ وما كان خفيفًا. وحكى الترمذيُّ في كتابه(١) هذا القولَ عن أهلِ الحديث أنَّهم كرهوا لبسَ المعصفر ورأوا أن ماصُبغ بالمدَر أو غير ذلك فلا بأسَ به إذا لم يكن معصفراً . وقد رُوِيَ عن علي، وابنِ عمرَ الرخصةُ في المصبوغ بالمشق - وهو المغرة - وقالا: إنما هو مَدَرٌ أو ترابٌ. وفي كراهةِ المصبوغِ بالمغرة: حديثٌ خرجه أبو داودَ (٢)، في إسناده مقال . ومن الناس من قال: يكره المعصفرُ خاصةً دون سائر ألوان الحمرة، وقال: لم يصحّ في غيرِهِ نهيٌّ . ومنهم من حمَل أحاديثَ الرخصة على الجوازِ، وأحاديثَ النهي على كراهة التنزيه، وهذه طريقُ ابن جرير الطبري. وزعمَ الخطابيُّ (٣) أنَّ المكروهَ من الأحمر: ماصُبغ من الثِّابِ بعد نسجِه، فأما ما صُبغ غزلُه ثم نُسجِ كعصبِ اليمنِ فغيرُ داخلٍ في النهي . وكذلك الشَّافعيُّ فرَّق في المصبوغات (٣٣٦ - ب/ق) بين ما صُبْغَ قبلَ نسجِه وبعده، واستحسنَ لبس ما صبغ غزله دون ما صُبْغ بعدَ نسجه للزينة . واختلف القائلونَ بكراهة الأحمر فيما إذا كان في الثّوبِ شيءٌ من (١) ((الجامع)) (٢٨٠٧). (٣) («معالم السنن)) (٤/ ١٩٣). (٢) ((السنن)) (٤٠٧١). ٤٤٠