النص المفهرس
صفحات 381-400
٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها الحديث : ٣٦٤ خمس عشرةً(١) سنةً قال معمرٌ، عن (٢) الزَّهريِّ: كان ذلك حينَ بلغَ النبيّ وو - وَلَّهِ الحُلُمَ. وأما سقوطُهُ مَغشيًا عليه: فقيلَ: كان من شدة حيائه وَله من تعرِّيّه؛ فإنَّه كانَ مجبولاً على أجمل الأخلاق وأكملها منذ نشأ، ومن أعظمها: ٠ شدةُ الحياء. وقيل: بل كانَ لأمرٍ شاهده ورآه أو لنداء سمعه ينهى عن التَّعري. وقد خرَّجَ البخاريُّ هذا الحديثَ في بابِ ((بنيان الكعبة)) من كتابٍ مناقب(٣) الأنصار من طريق ابن جريجٍ، عن عمرو بنِ دينارٍ، وفيه قال: ((فخرَّ إلى الأرض وطمحتْ عيناه إلى السَّماءِ، ثم أفاقَ فقال: إزاري إزاري، فشدَّ علیه إزاره. وقد رَوَى الأزرقي (٤) في كتاب ((أخبار مكة): ثنا جدِّي: ثنا مسلمُ ابنُ خالدٍ، عن ابنِ أبي نجيح، عن أبيه قال: جلسَ رجالٌ من قريشٍ في المسجدِ الحرام فيهم: حويطبُ بنُ عبد العُزَّى، ومخرمةُ بنُ نوفلٍ، فتذاكروا بنيانَ قريشِ الكعبةَ، فذكر حديثًا طويلاً في ذلك، وفيه(٥): فنقلوا الحجارةَ ورسولُ الله ◌َّهِ يومئذٍ غلامٌ لم ينزلْ عليه الوحي ينقلُ معهم الحجارةَ على رقبته، فبينا هو ينقلُها إذ انكشفتْ (٣٢٠ - أ/ ق) نمرةٌ كانتْ عليه فنُودي: ((يا محمدُ، عورتك)). وذلك أول ما نُودي - والله (١) في ((ق)) وهي نسخة مصححة على نسخة المؤلف - حاشية من الراجح أنها للمصنف رحمه الله وقيل : «كان ابن خمس وثلاثين وهذا بعيد جدًا» أ. هـ. (٢) ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٥٧/٢)، و((فتح الباري)) (٤٤١/٣). (٣) في ((ق)) كتاب بدء الخلق وهو خطأ، ((فتح)) (٣٨٢٩). (٤) ((أخبار مكة)) (١٥٩/١). (٥) ((أخبار مكة)) (١٦١/١). ٣٨١ الحديث : ٣٦٤ كتاب الصلاة أعلمُ - فما رُؤِيتْ لرسول الله وَلَهُ عورةٌ بعد ذلك، ولُبج برسولِ اللهِ وَ ل ﴾ من الفزعِ حين نُودي فأخذَه العباسُ بنُ عبد المطلب فضمّه إليه وقال: لو جعلت بعضَ نمرتكَ على عاتقك تقيك الحجارة، فقال: ما أصابني هذا إلا من التَّعري. فشدَّ رسولُ اللهِ وَ له إزارَه وجعلَ ينقل معهم، وذكر بقيةَ الحدیثِ. وقال(١) - أيضًا -: ثنا جَدِّي، وإبراهيمُ بنُ محمد الشَّافعيَّ قالا: ثنا مسلم بنُ خالدٍ، عن ابنِ خثيمٍ قال: كان رسولُ اللهِ وَّةٍ غلامًا حيث هُدمَتِ الكعبةُ، فكان ينقلُ الحجارةَ فوضعَ على ظهرِهِ إزارَهَ يتَّقي به، فلُبَجَ به، فأخذه العباسُ فضمَّه إليه، فقالَ رسولُ اللهِ وَلَهَ: ((إني نُهِيتُ أن أتعری)) . یقال: لُبحَ بفلان، ولُبطَ به إذا صُرِعَ، وهو معنى ما في حديث جابرٍ : فسقط مغشيًا عليه . وروى الإمامُ أحمدُ (٢): ثنا عبد الرزاق: أنبأ(٣) معمر، عن ابن خُثيمٍ، عن أبي الطفيلِ، وذكر بناءَ الكعبة في الجاهلية قال: فهدمتْها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملُها قريشٌ على رقابها فرفعوها في السَّماء عشرينَ ذراعًا، فبينا النبيُّ ◌َِّ يحمل حجارةً من أجياد وعليه نمرةٌ فضاقتْ عليه النمرةُ فذهبَ يضعُ النمرةَ على عاتقه فبدا(٤) عورتُه من صغرِ النمرة، فُنُودِيَ: ((يا محمدُ، خمر عورتَك)) فلم يُرَ عُريانًا بعد ذلك. وروى ابن سعد(٥) بإسنادٍ ضعيفٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: أول شيء # (١) ((أخبار مكة)) (١٦٩/١). (٣) في ((المسند)): ((ثنا)). (٥) («الطبقات)» (١٥٧/١). (٢) («المسند» (٤ / ٤٥٤ - ٤٥٥). (٤) كذا في ((ق))، وكتب في الهامش: ((لعله: فبدت)). ٣٨٢ ٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها الحديث : ٣٦٤ ٦٣ ٠٠٩ رأى النبيِّ وَّهَ من النبوة: أن قيلَ له: ((استتر)) وهو غلامٌ، فما رُؤيتْ عورتُه من يومئذٍ . ويروى بإسناد أجود(١) منه، عن سماك، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن أبيه أن النبيَّ ◌ََِّ قال: ((نُهِيتُ أن أمشي عريانًا !. .](٢) . ... وبعض رُواتِه لم يذكر في إسنادِه (١) العباسَ. وخرج البزارُ(٣) من حديث مسلمٍ المُلائي - وفيه ضعفٌ -، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسِ قال: كان رسولُ اللهِ وَ لِ يغتسلُ من وراءِ الحُجرات، وما رُؤي عورتُه قط)) (٣٢٠ - ب/ق) وقال: لا نعلم رُوي من وجه متصلٍ بإسنادٍ أحسن من هذا. وفي صحيح مسلمٍ(٤)، عن المسور بن مخرمةَ قال: أقبلتُ بحجر أحمله ثقيل وعليّ إزار فانحل إزاري ومعي الحجرُ فلم أستطع أن أضعَه حتى بلغتُ به إلى مَوضعه فقالَ رسولُ اللهِ بَل: ((ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراةً)» . وفي مسند الإمام أحمدَ (٥) بإسناد جيدٍ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بن ء ے جَزْء أنَّه مرَّ وصاحبٌ له بأيمن وفتية من قريشٍ قد خلعوا أزرَهم فجعلوها مخاريقَ يجتلدون(٦) بها وهم عراةٌ، قال: فلما مررْنَا بهم قالوا: إنَّ هؤلاء القسيسون فدعوهم، ثم إنَّ رسولَ اللهِ وَله خرجَ عليهم فلما أبصروه تَبَدَّدُوا، فرجعَ رسولُ اللهِ وَهِ مُغْضَبًا حتَّى دخلَ، وكنت أنا وراء (١) ((الصحيحة)) (٢٣٧٨). (٢) بياض بالأصل قدر ثلاث كلمات. (٣) ((كشف الأستار)) (٢٤٥٩). (٥) («المسند» (١٩١/٤). (٤) مسلم (٣٤١). (٦) في ((ق)) ((يجتلتدون)) والصواب ماأثبتناه، راجع ((المسند)) للإمام أحمد (١٩١/٤)، و ((أطراف المسند)) (٦٩٩/٢). ٣٨٣ الحديث : ٣٦٤ كتاب الصلاة الحجرة فأسمعه يقول: ((سبحانَ الله، لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا)) وأمَّ أيمن عنده تقولُ: استغفرْ لهم يا رسولَ الله، فبلأي ما استغفر لهم. وقوله: ((فبلأي)) أي: بشدَّةً، ومنه اللأواءُ. والمعنى: أنَّه استغفرَ لهم بعد شِدَّةِ امتناعه من ذلك. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابن ماجه، والترمذيُّ(١) وحسَّنَهُ من حديث بَهز بنِ حكيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قلتُ: یا رسولَ اللهِ، عَوراتُنا ما نأتي منهنَّ وما نَذَرُ؟ قال: ((احفظْ عورتَكَ إلا من زوجتكَ أو ما ملكتْ يِمِينُكَ)). فقال: الرجلُ يكونُ مع الرجلِ. قال: ((إن استطعتَ أن لا يراها أحدٌ فأفعلْ)). قلت: فالرجلُ يكونُ خالياً، قال: ((فاللهُ أحقُّ أن يُسْتَحیی منه)). وقد ذكره البخاريّ في موضع آخر (٢) من كتابه هذا تعليقًا مختصرًا، ](٣) . فقالَ: وقال بهز، عن أبيه، عن جده [ .. وقد أجمعَ العلماءُ على وجوبِ سترِ العورةِ بينَ النَّاسِ عن أبصارٍ النَّاظِرِينَ. واختلفوا في وجوبِ سترِها في الخلوة لغيرِ حاجة على قولين، هما وجهان لأصحابنا وأصحابِ الشَّافعيِّ. ويجوز كشفُها للحاجة إليه بقدرها بغيرِ خلافٍ، وقد سبقَ في كتاب ((الغسل)) ذكرُ بعضِ ذلك. (١) ((المسند))(٣/٥-٤)، و((السنن)) لأبي داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٩٤)، والنسائي (٣١٣/٥) وابن ماجه (١٩٢٠). (٢) ((فتح)) (٣٨٥/١). (٣) بياض في ((ق)) قدر كلمتين. ٣٨٤ الحديث : ٣٦٥ ٩- بَابُ الصَّلاةِ فِي الْقَمِيصِ، وَالسََّاوِيلِ وَالنَّانِ وَالْقَبَاءِ خرَّجَ فيه حدیثینِ : الحديث الأول : ٣٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب: ثنا(١) (٣٢١ - أ/ ق) حَمَّادُ بْنُ زَيْد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّوَِّ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: ((أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟)). ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ الَهُ عَلَيْكُمْ(٢) فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِذَارِ وَرِدَاءِ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، في إِذَارٍ وَقَبَاءِ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءِ، فِي سَرَاوِيِلَّ وَقَمِيصٌٍ، فِي سَّرَاوِيَلَ وَقَبَاءٍ، فَي تُبَّانِ وَقَبَاءِ، فِي تُبَّانِ وَقَمِيصٌٍ قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فَي ◌ُبَّانِ وَرِدَاءٍ. قد تقدَّمَ حديثُ أبي هريرةَ هذا من(٣) وجه آخر عنه، وذكرنا أَنَّ قولَه: ((أو لكلكم ثوبان؟)) ((أوكلّكم يجدُ ثوبين؟)) إشارةٌ إلى أنَّه لو لم تشرع (٤) الصَّلاةُ في ثوب واحد لشقَّ على كثيرٍ منهم؛ فإنَّه كان فقيرًا لا يجدُ ثوبین. وفيه إشارةٌ - أيضًا - إلى أنَّ الصَّلاةَ في الثوبِ الواحدِ إنما شرعتْ ° (١) في (ق)): ((قال: حدثنا)). (٣) ((فتح)) (٣٥٨). (٢) ((عليكم)) ليست في ((اليونينية)). (٤) في ((ق)) بالتاء والياء، معًا. ٣٨٥ الحديث : ٣٦٥ كتاب الصلاة لقلةِ الثيابِ حينئذٍ، فلما كثرت الثِّيابُ ووسّعَ اللهُ على المسلمين بفتحِ البلادِ عليهم، وانتقالِ ملكِ فارس والرومِ إليهم أمرَ عمرُ - رضي الله عنه - حينئذٍ بالصَّلاةِ في ثوبين ثوبين لزوالِ المعنى الذي كان لأجلِه شُرعت الصَّلاةُ في ثوبٍ واحدٍ، وكل ما يلبس على البدن فهو ثوبٌ سواء كان شاملاً له أو لبعضه، وسواءً كان مَخيطًا أو غيرَ مَخيط؛ فالإزارُ ثوبٌ والرداءُ ثوبٌ، والقميصُ ثوبٌ، والقَبَاءُ ثوبٌ، والسَّراويلُ ثوبٌ، والتُّبَان ثوبٌ؛ فلهذا قالَ عمرُ: إذا وسَّعَ اللهُ عليكم فأوسعوا، جمعَ رجلٌ عليه ثيابَه، صلَّى رجلٌ في إزارٍ ورداء - والإزار: ما يشدّه على وسطه، والرداء: ما يُلقيه على منكبيه -، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ وقباءٍ، في سراويل ورداءٍ، في سراويلَ وقميصٍ، في سراويلَ وقَبَاءٍ، في تُبانٍ وقباءِ، في تبانٍ وقميصٍ. وشكَّ الراوي هل قال: «في تُبَّانِ ورداء)». والتُّبَانُ والرداءُ بمنزلة السَّراويلِ والرداءِ؛ فكلٌّ من هذه الأنواعِ التي ذكرها عمرُ - رضي الله عنه - صلاةٌ في ثوبين ثوبين. وقد روى الجُريريُّ، عن أبي نضرةَ قال: قال أُبَيُّ بنُ كعبٍ: الصَّلاةُ في الثَّوبِ الواحدِ: سَنَّةٌ، كنا نفعلُه مع النبيِّ ◌َّهِ ولا يُعابُ علينا، فقال ابنُ مسعود: إنَّما كان ذاكَ إذْ كان في الثِّيّاب قلةٌ، فأما إذا وسَّعَ اللهُ فالصَّلاةُ في الثَّوبين أزكى. خرَّجَهَ عبدُ الله ابنُ الإمام أحمد فى ((المسند))(١)؛ وفيه انقطاع. (١) ((زوائد عبد الله على المسند)) (١٤١/٥). ٣٨٦ ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل الحديث : ٣٦٥ وخرَّجه الدارقطنيّ في (٣٢١ - ب/ق) ((علله)) من روايةِ داود بنِ أبي هندٍ، عن أبي نضرةَ، عن أبي سعيد (١)، فصار متَّصلاً، وذكر أنَّه رُوِيَ عن داودَ، عن أبي نضرةَ، عن جابر. وروى وكيعٌ في كتابه، عن مباركِ بنٍ فَضالة، عن الحسنِ قال: اختلفَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ في الصَّلاةِ في الثَّوبِ الواحد، فقال أُبَيٌّ: في ثوب. وقال ابنُ مسعودٍ: في ثوبين. فبلغَ ذلك عمرَ، فقال: القولُ ما قال أُبَيٌّ، ولم يألُ ابنُ مسعودٍ عن الخيرِ. وهذا منقطعٌ - أيضاً -. وروى ابنُ وهب، عن مخرمةَ بنِ بكيرٍ، عن أبيه، عن سعيد قالَ: .. ] (٢): كُنَّا نصلِّي في ثوبٍ واحدٍ حتى جاءَ اللهُ بالثِّياب قال [. فقالوا: صَلُّوا في ثوبينِ، فقالَ أُبَيُّ بنُ كعبٍ: ليسَ هذا في شيءٍ، قد كنَّا نصلّي على عهدِ رسولِ اللهِ وَّةِ فِي الثَّوبِ الواحدِ ولنا ثوبانٍ. قيلَ لعمرَ بنِ الخطَّبِ: ألا تقضي بين هذينٍ؟ - وهو جالسٌ - قال: أنا مع أُبَّيِّ. وظاهرُ كلامٍ أُبَيِّ بن كعب: أَنَّ الصَّلاةَ في ثوب واحد أفضلُ، وكذلك كان يفعلُه جابرُ بنُ عبد الله وغيرُهُ، ويحتملُ أنَّهم أرادوا بذلك بيانَ الجوازِ؛ لئلا يتوهم مُتُوهمٌ، أَنَّه لا تجوزُ الصَّلاةُ في ثوب واحدٍ، ويدلُّ على هذا الاحتمال: أنَّ عمرَ قد صحَّ عنه الأمرُ بالصَّلاةِ في ثوبين كما خرَّجَه عنه البخاريُّ؛ فعلم أنه أرادَ تارةً بيانَ الجائزِ، وتارةً بيانَ الأفضلِ. (١) ((ابن أبي شيبة)) (٣١٣/١)، وعبد الرزاق (٣٥٦/١) (٢) بياض في (ق)) ووضع عليها علامة لحق وكتب في الهامش ((لعله ابن مسعود)). ٣٨٧ الحديث : ٣٦٥ كتاب الصلاة وأكثرُ العلماء على استحبابِ الصّلاةِ في ثوبين. وقد تقدَّمَ عن ابنِ عمرَ، وغيرِهِ، وهو قولُ أكثر الفقهاء، منهم: مالكٌ، والثَّوريُّ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ، ويتأكَّدُ استحبابُه عند مالك وأحمدَ في حقِّ الإمامِ أكثر من غيره . وظاهر كلام أحمد كراهته للإمام دون المنفردِ. وكره مالكٌ ذلك لأئمةِ المساجدِ إلا من يؤمُّ في سفرٍ أو في بيتِه؛ فإنَّ ذلك من زينةِ الصَّلاةِ المأمورِ بها، والإمامُ هو المنظورُ إليه فيتأكد استحبابٌ الزينةِ في حقه. ويدَلُّ على هذا: أنَّ صلاةَ النبيِّ نَّهَ في الثَّوبِ الواحدِ إنَّما كانت تارةً في بيتِه كما في حديثِ عمرَ بنِ أبي سلمةً وتارةً في السَّفْرِ كما في حديث جابرٍ . وقد رُوِيَ عن طائفةٍ من السَّلْفِ تفضيلُ بعضِ أنواعِ الثَّوبينِ عِلى بعضٍ؛ فقال أبو مالك: الصَّلاةُ في الإزارِ والقَباءِ أحَبُّ إلَيَّ من الصَّلاةِ في القميصِ والإزارِ. وعن النَّخعيِّ قال: الصَّلاةُ في التبان (٣٢٢ - أ/ق) والرداءِ أحبُّ إليَّ من الصَّلاةِ في القميصِ والرداءِ. والظَّاهِرُ أَنَّه فضَّلَ التَّبَّانَ والسراويلَ على الإزارِ؛ لأنَّه يواري العورةَ عن الأرضِ؛ فقد رُوِيَ عنه أنَّه كره أن يفضيَ بفرجهِ إلى الأرضِ في الصَّلاة. وأمَّا إن صلَّى في ثوبٍ واحدٍ؛ فقال الشَّافعيُّ وأصحابُنا: أفضلُ ذلك: القميصُ ثم الرداءُ، ثُم الإزَارُ، ثم السَّراويلُ. ومن أصحاب الشَّافعيِّ(١) قال: السراويلُ أولى من الإزارِ؛ لأنَّه أسترُ. وهذا مقتضى كلامٍ (١) كتب في هامش ((ق)): ((لعله من))، يريد: لعله سقط من الكلام ((من)). ٣٨٨ ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل الحديث : ٣٦٥ النَّخعيِّ كما سبق. واستدلَّ من رجَّحَ الإزارَ بأنَّه يتجافى عنه ولا يصف الأعضاءَ بخلاف السَّراويلٍ، وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ: السَّراويلُ أحبُّ إليك أم الميازرُ؟ فقال: السراويل مُحدَث ولكنه أسترُ، وقال - أيضًا - الأُزُرُ كانت لباسَ القومِ، والسَّراويلُ أسترُ. قال: والحديثُ: ((من لم يجد الإزارَ فليلبسِ السَّراويل))(١)، وهذا دليلٌ أنَّ القومَ قد لبسوا السَّراويلاتِ. وقد سبق حديثُ سلمةَ بنِ الأكوعِ فِي الصَّلاةِ في القميصِ وأنه يَزْرُّهُ ولو بشوكة. وفي سنن أبي داودً (٢)، عن جابرٍ أنَّه أَمَّ في قميصٍ ليس عليه رداءٌ، فلمَّا انصرفَ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَّ يُصلِّي في قميصٍ. وروى أبو نعيم: الفضلُ بن دُكينِ: ثنا إسرائيلُ، عن عبد الأعلى: ثنا شيخٌ قال: أَمَّنَا الحسنُ بنُ عليٍّ - رضي اللهُ عنهم - في قميصٍ خفيفٍ ليس عليه إزارٌ ولا رداءٌ، فلمَّا صلَّى قال: هذه السَّنَةُ - أو -: من السنّةِ؛ وإنما فعلتُه لتنظروا، إن عندنا الثياب. وإذا صلَّى في قميصٍ فإِنَّه ينبغي أن يزرَّه؛ وقد تقدَّمَ قولُ من كره الصَّلاةَ في قميصٍ غير مزرورٍ استدلالاً بحديثٍ سلمةَ بنِ الأكوعِ. فإن لم يزرّ القميصَ: فإن كان تحته إزارٌ أو سراويلُ صحَّتْ صلاتُه؛ الاستتارِ عورتِه. وقد رُويَ عن نافع أنَّ ابنَ عمرَ كان لا يصلِّي إلا وهو متْزِرَ، وربما اتزر تحتَ قميصِه وفوقه في السَّفْرِ وإن لم يكنْ عليه إزارٌ ولا سراويل: فإن كانَ له لحيةٌ كبيرةٌ تستر جَيْبَه بحيثُ لا يَرى منه عورتَه صحَّتْ صلاتُه. نصَّ عليه أحمدُ في رواية الأثرمِ، وهو قولُ داودَ الطَّائِيِّ، (١) ((المسند)» (٣٣٧/١). (٢) ((سنن أبي داود)) (٦٣٣). ٣٨٩ الحديث : ٣٦٥ كتاب الصلاة وأصحُّ الوجهينِ للشَّافعيةِ . وإن لم يكن كذلك؛ بل كان يَرى عورةَ نفسِهِ من جَيْبهِ: لم تصحّ صلاتُه عند الشَّافعيِّ، وأحمد. وتصح عند مالكٍ، وأبي حنيفة (٣٢٢- ب/ ق)، وأبي ثورٍ كما لو رُؤيتْ عورتُه من أسفل ذَيله. وقد رخَّصَ في الصَّلاةِ في قميصٍ غير مزرر : سالمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وغيرُهُ من السَّلْف، وقال مالكٌ: هو أسترُ من الذي يُصلِّي متوشحًا بثوب . وقال إسماعيلُ بنُ سعيدِ الشَّالنجيُّ: سألتُ أحمدَ عمَّن صلَّى ولم يزر عليه ولم يَحْتَزِمْ؟ فقالَ: جائزٌ، فقلت له: إنه لو نظر إلى فرجه رآه، فقال: لا يمكنُ أن يرى ذاك. وقال أبو أيوبَ - يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: يزر عليه؛ فإن لم يفعلْ وكان إذا ركعَ لا يستتر فرجه عن النَّظر أعادَ الصَّلاةَ. وقال أبو خيثمة: نأمره أن يزرّ عليه، ولا أرى عليه إعادةً؛ لحديث النبيِّ وَِّ حين قالَ النِّساء: ((لا(١) ترفعنَ رءوسكنَّ قبلَ الرجالِ)) من ضيقِ الأُزُرِ، وحديث عمرو بن سَلمةً: غَطُّوا عنا استَ قارئکم . قال الجوزجانيّ: والقولُ في ذلك على ما قال أبو خيثمةً لما احتج به، ثم قال: ثنا أبو حذيفةَ: موسى بنُ مسعود: ثنا زهيرُ بنُ محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، عن سعيد بن المسيبِ، عن أبي سعيدِ أنَّه سمع رسولَ الله وَلَه يقول: ((يا معشرَ النِّساء إذا سجدَ الرجالُ فاخفضنَ أبصاركن؛ لا تَرِينَ عوراتِ الرجالِ)) من ضيقِ الأُرُر . (١) ((فتح)) (٣٦٢). ٣٩٠ ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل الحديث : ٣٦٦ وروى الطبراني(١) بإسنادٍ ضعيفٍ، عن ابنِ عباس قال: دخلتُ على رسول الله وَلُّ وهو يُصلِّي مُّحْتَبًِا مُحَللَ الأزْرَارِ. الحديثُ الثَّاني: ٣٦٦ - حَدَثْنَا عَاصِمُ بْنُ عَلَي: ثَ(٢) ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله ◌ِّهِ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: ((لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَّ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوبًا مَسَُّ زَعْفَرَنُ أَوْ وَرْسٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلَيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ)». وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّيِّ ◌َِ مِثْلَهُ. القائلُ: ((عن نافع)) هو ابنُ أبي ذئبٍ، وقد سبقَ الحديثُ عنه بالوجهين - أيضًا - في آخرِ كتاب ((العلم))(٣). والمقصودُ من تخريج (٣٢٣ - أ/ق) هذا الحديث في هذا الباب: أنَّه يدلُّ على أنَّ لُبْسَ ما ذكر فيه من اللباسِ كان متعارفًا بينهم، وقد عدَّ النبيُّ وَّهِ، ونهى المحرمَ عن لبسِهِ، ففيه إقرارٌ لغيرِ المحرمِ على لباسِهِ. وقد سبقَ من كلامِ الإمامِ أحمدَ استدلالُهُ به على لباسِ السَّراويلِ . وإذا أقرَّ النبيُّ نَّهِ أمتَه على لبسِ هذه الثِّيابِ في غيرِ الإحرامِ فهو إقرارٌ لهم على الصَّلاة فيها، ولو كان ينهى عن الصّلاةِ في شيءٍ منها لتبيِّنَ لهم ذلك. (١) الطبراني في ((الكبير)) (١٥٢/١١). (٣) ((فتح)) (١٣٤). (٢) في ((اليونينية)): ((قال: حدثنا)). ٠ ٣٩١ الحديث : ٣٦٦ كتاب الصلاة وقد وردَ النَّهيُ عن الصَّلاةِ في السَّراويلِ في حديثِ رواه الحسينُ بنُ وردان، عن أبي الزّبيرِ، عن جابر قال: نهى رسولُ اللهِ وَله أن يُصلَّى فِى السَّراويلِ . خرَّجَه الطبرانيُّ والعقيليُّ(١)، وقال: لا يُتابعُ حسينٌ عليه، ولا يُعرف إلا به. ولو صحَّ لُحُمِلَ على الاقتصارِ على السَّراويل فِي الصَّلاةِ مع تجريدِ المنکبین. يدلُّ على ذلكَ: ما رواه أبو الُنِيب: عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ العتكي، عن عبدِ اللهِ بنِ بُريدةَ، عن أبيه قال: نهى رسولُ اللهِ وَّهِ أن يُصلَّى في لحافٍ لا يتوشّحُ به. والآخر أن تصلي في سراويلَ ليس عليك رداءٌ. خرَّجَهَ(٢) أبو داودَ، وخرَّجَه الطبراني والعقيليُّ ولفظُه: نهى أن يصلِّيَ الرجلُ في السَّراويلِ الواحدِ ليس عليه شيءٌ غيرُه. وخرجه ابن عدي ولفظُه: نهى رسولُ اللهِ وَل عن ملبسين، أحدهما: المصلِّ في ثوبٍ واحدٍ لا يتوشَّح به، وأما الآخرُ: أن يُصلَّي في سراويلَ ليس عليه رداءٌ. وأبو المنيبِ: وثَّقَه ابنُ معين، وغيرُهُ، وقال البخاريُّ: عنده مناكيرُ. وقال ابنُ عدي: عندي أَنَّه لا بأسَ به. وقال العقيلي(٣) في هذا الحديث: (١) الأوسط)) (٧٨٣٧)، و((ضعفاء العقيلي)) (٢٥١/١). (٢) أبو داود (٦٣٦)، و((الأوسط)) للطبراني (١٩٣٩)، والعقيلي (١٢٢/٣)، و((الكامل)) لابن عدي (٣٢٩/٤ - ٣٣٠). (٣) ((ضعفاء العقيلي)) (١٢١/٣). ٣٩٢ ٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل الحديث : ٣٦٦ لا يُتابعُ عليه، ولا يُعرفُ إلا به. وقد رُويَ عن عمرَ أَنَّه كتبَ إلى بعضِ جنودهِ: إذا رجعتم من غزاتِكم هذه فألقوا السَّراويلَ والأقبيةَ والبسوا الأُزُرَ والأرديةَ. وهو محمولٌ على أنَّ لباسَ العربِ المعهودَ بينهم أفضلُ من لباس ءُ العَجم، فخشى على من رجعَ من بلادِ العجمِ أن يستمرَّوا على لباسِ العَجم، فربما هُجِرَ لباسُ العربِ بالكليةِ؛ ولهذا رُويَ عنه أَنَّه قالَ: إِيَّاكِم (١) وزيَّ الأعاجمِ. ويدلُّ على هذا أنَّه قد رخَّصَ في الصَّلاة في السّراويل(٣٢٣ - ب/ق) والأقبية كما خرَّجَه البخاريّ عنه. (١) ((كشف الخفا)) (٣٢١/١). ٣٩٣ الحديث: ٣٦٨،٣٦٧ كتاب الصلاة ١٠ - بَابُ مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ خَرَّجَ فيه ثَلاثةَ أحاديثَ. الحديثُ الأولُ: من رواية: ٣٦٧ - الزُّهريّ(١)، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ(٢): نَهَىَ رَسُولُ اللهِ وَ عَّنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ. الحديثُ الثّاني: من روايةِ : ٣٦٨ - أَبِي الزََّادِ(٣)، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَسَة صَلىالله عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ اللّمَاسِ والنَّاذِ. وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتِيَ الرجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدَ. ء قد تضمَّنَ الحديثان - معًا - النَّهيَ عن لُبستينِ، وسواء في ذلك حالُ الصَّلاةِ وغيرها. وقد رَوَى سفيانُ الثَّوريُّ، عن أبي الزِّادِ حديثَ أبي هريرةَ، وقال فيه: نهى رسولُ الله وَله عن لُبستين في الصَّلاة، وذكر الحديثَ؛ إحداهما: (١) اختصر المؤلف الإسناد، وهو في الصحيح: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث، عن ابن شهاب)) . (٢) في ((اليونينية)): ((أنه قال)). (٣) اختصر المؤلف الإسناد، وهو في ((الصحيح)): ((حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد)». ٣٩٤ ١٠- باب مايستر من العودة الحديث: ٣٦٨،٣٦٧ اشتمال الصَّماءِ، ولم يذكرْ تفسيرَهَا. وقد خرَّجَه في كتابٍ ((اللباسِ)) من روايةِ الزهريِّ، عن عامرِ بنِ سعيد بسياق مُطُولٍ، وفيه: أنَّ النبيَّ نَله نهى عن لُبستينِ: اشتمالَ الصَّمَّاءِ - والصَّمَّاءُ: أن يجعلَ ثوبَه على أحد عاتقيه فيبدو أحدُ شقَّيهِ ليس عليه ثوبٌ - واللبسةُ الأخرى: احتباؤه بثوبه وهو جالسٌ ليس على فرجه منه شيءٌ(١). وهذا التَّفَسيرُ الظَّاهِرُ أنَّه من قولِ الزُّهريِّ أُدرِجَ في الحديثِ . وعند الزهريِّ فيه إسناد آخر رواه عن عطاء بن يزيدَ، عن أبي سعيدٍ . وقد خرَّجَهَ البخاريُّ في موضعٍ آخر، وذكر جماعةً ممن رواه عن الزُّهريِّ كذلك(٢). وخرَّجَ - أيضًا - فى ((اللباس)) من روايةِ مالك، عن أبي الزَّنَادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ: نهى رسولُ اللهِ وَلَه عن لُبستينِ: أن يحتبيَ الرَّجلُ في الثَّبِ الواحدِ ليسَ على فرجِهِ منه شيءٌ، وأن يشتملَ بالقَّوبِ الواحدِ ليسَ على أحدٍ شقيه(٣). وقد رَوَى حديثَ أبي سعيد: جعفرُ بنُ بُرقان، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه قال: نهى رسولُ اللهِ وَله عن لُبستين: الصَّمَّاء - وهو أن (٣٢٤ - أ/ ق) يلتحفَ الرجلُ في الثَّوبِ الواحدِ، ثُم يرفع جانبَه على منكبِه ليس عليه ثوبٌ غيره - أو يحتبي الرجلُ في الثَّوبِ الواحدِ ليس بينه وبين السّماءِ شيء - يعني: سِترًا . خرَّجَه النسائي، وهذا لم يسمعْه جعفرٌ من الزّهريِّ؛ بل بلغه عنه، (١) (٥٨٢٠ - فتح). (٣) (٥٨٢١ - فتح). (٢) (٤ ٦٢٨ - فتح). ٣٩٥ الحديث: ٣٦٨،٣٦٧ كتاب الصلاة وقد أنكره عليه جماعةٌ من الأئمة، وقالوا: رواياتُه عن الزُّهريِّ ضعيفةٌ جدّاً، وهو قولٌ رابعٌ عن الزُّهريِّ في إسنادِهِ، إلا أنَّه لا يصحُ(١). ورُويَ تفسيرُهُ - أيضًا - من حديث أبي هريرةَ. خرَّجَه أبو داودَ، وغيرُهُ من روايةٍ أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ قال: نهى رسولُ الله ◌َله عن لُبستينِ: أن يحتبيَ الرَّجلُ مفضيًا بفرجه إلى السَّماءِ، ويلبس ثوبَه وأحدُ جانبيه خارجٌ ويلقي ثوبَه على عاتقِهِ(٢). وخرَّجَه النسائيُّ من وجه آخر، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَلَلِ أَنَّه نهى أن يلبسَ الرجلُ الثوبَ الواحدَ فيشتمل به ويطرح جانبيه على منكبيه، أو يحتبي بالثَّوبِ الواحدِ(٣). ويُروى من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرَة، عن النبيِّ وَّ في هذا الحديث قال: وأن يشتملَ الصَّماء على أحدٍ شقيه. ويُروى من حديثِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ: نَهى رسول الله وَّل أن يشتملَ بالثَّوبِ ثم يرفعه على منكبه. وخرَّجَه البخاريُّ مختصرًا؛ إلا أنَّه قال: نُهي، ولم يصرِّحْ برفعه (٤). (١) النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٦/٥) عن كثير بن هشام، عن جعفر، عن الزهري. و((المجتبى)) (٢٦١/٧) و((الكبرى)) (٤٩٦/٥) عن زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر قال: بلغني عن الزهري. وأخرجه أبو داود - مختصرًاً - (٣٧٧٤) عن كثير بن هشام، قال: ((هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري، وهو منكر))، ثم أتبعه (٣٧٧٥) بطريق ابن أبي الزرقاء. وأعلَّه العقيلي (١٨٤/١ - ١٨٥)، وأبو زرعة في ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٤٧٤) وانظر ((شرح العلل)) للمؤلف (٧٩٠/٢ - ٧٩٣). و((التمييز)) لمسلم (ص٢١٨). (٣) النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٦/٥ - ٤٩٧). (٢) أبو داود (٤٠٨٠). (٤) البخاري (٢١٤٥ - فتح). ٣٩٦ ١٠- باب مايستر من العورة الحديث: ٣٦٨،٣٦٧ وروى معمرٌ، عن همَّامٍ بنِ مُنْبِه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَ لَأَنَّه نهى أن يشتملَ في إزارِه إذا ما صلَّى إلا أن يخالفَ بين طرفيه على عاتقه. وخرَّجَ النسائي من حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ وَّ أَنَّه نهى أن يلبسَ ثوبًا واحدًا يأخذ بجوانبه فيضعه على منكبه، فتلك تُدْعَى الصماء(١). ورَوَى عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريجٍ: أخبرني عمرو بنُ دينارِ، عن عطاءِ بنِ مِينَاء أَنَّه سمعه يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ قال: نهى عن لُبْستينِ وبَيْعتينِ، فذكر الحديثَ قالَ: وأمَّا اللبسةُ الأخرى: فأن يلقي داخلةَ إزارِهِ وخارجتَه على أحد عاتقيه ويُبرزَ صَفْحةَ شقه. قال ابنُ جريجٍ: قلتُ لعمرو: إن جمعَ بين طرفي الثَّوب على شقِّه الأيمن؟ قال: ما رأيتُهم إلا يكرهونَ ذلك(٢). فحاصلُ ما دلَّتْ عليه الأحاديثُ في لُبسة (٣٢٤ - ب/ق) الصَّمَّاء هو أن يلبسَ ثوبًا واحدًا وهو الرداء فيشتمل به على بدنِه من غيرِ إزارٍ، ثم يضع طرفيه على أحد منكبيه ويبقى منكبهُ الآخرُ وشقه مكشوفًا فتبدو عورتُه منه. وبذلك فسَّرِ الصَّماءَ أكثرُ العلماء، ومنهم: سفيانُ الثّوريّ، وابنُ وهبٍ، وأحمدُ، وأبو عبيد، وأكثرُ العلماءِ. قال الإمامُ أحمدُ: هو الاضطباعُ بالثَّوبِ إذا لم يكنْ عليه غيرُه. وإنما سُنَّ الاضطباعُ للمحرم؛ لأنَّ عليه إزارًا، فلو كانَ على المصلِّي إزارٌ وقميصٌ جازَ له الاضطباعُ بردائِه في ظاهرِ مذهبِ الإمامِ أحمدَ، ورُويَ عنه أنه يكره ذلك وإن كان عليه غيره. (١) النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٧/٥). (٢) عبد الرزاق (٢٢٨/٨ - ٢٢٩). ٣٩٧ الحديث: ٣٦٨،٣٦٧ كتاب الصلاة وقال ابنُ وهب: وقد كان مالكٌ أجازها على ثوبٍ ثم كرهها(١). ونقل ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ قال: اشتمالُ الصَّمَّاء: أن يلتحفَ بثوب ثم يخرج إحدی یدیه من تحتِ صدرِه. قال أبو عبيد: قال الأصمعيَّ: اشتمالُ الصَّماء عند العرب: أن يشتملَ الرجلُ بثوبه فيجلل به جَسدَه كلَّه ولا يرفع منه جانبًا فيخرج منه يدَه، وربَّما اضطبعَ فيه على تلك الحال. قال أبو عبيد: كأنَّه ذهبَ إلى أنَّه لا يدري لعله يُصيبه شيءٌ يريدُ الاحتراسَ منه وأن يَتَقيه بيده فلا يقدر على ذلك. ٥ قال: وأما تفسيرُ الفقهاء: فإنَّهم يقولونَ: هو أن يشتملَ بثوبِ واحد ے ليس عليه غيرُه، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجُه. ٩ قال أبو عبيد: والفقهاءُ أعلمُ بالتّأويلِ في هذا، وذلك أصحّ معنّی في الكلامِ. انتهى(٢). وجعل الخطابيُّ(٣) اشتمالَ الصماءِ: أن يشتمل بثوبٍ يُجلل به بدنَه لم (٤) يرفعْ طرفيه على عاتقه الأيسر، فإن لم يرفعه على عاتقه فهو اشتمالُ اليهود الذي جاء النَّهيُ عنه في حديثِ ابنِ عمرَ، وإنما كان النبيّ وَله يشتملُ بالثَّبِ ويخالفُ بين طرفيه، فهو مخالفٌ لهما جميعًا. (١) ((التمهيد)» (١٦٧/١٢). (٢) ((الغريب)) لأبي عبيد (١٩٢/٤ - ١٩٣) مختصرا، ونقله ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٦٧/١٢ - ١٦٨). (٣) انظر («معالم السنن)) (١٧٨/١). (٤) كذا، ولعله : ((ثم)). ٣٩٨ ٠ ١ - باب مايستر من العورة الحديث: ٣٦٨،٣٦٧ وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديمٍ تفسيرِ الفقهاءِ على تفسيرِ أهلِ اللغةِ حَسَنٌ جدًا؛ فإنَّ النبيَّ نَّهِ قد يتكلمُ بكلامٍ من كلامِ العربِ يستعملُه في معنّى هو أخصُّ من استعمالِ العربِ أو أعمُّ منه، ويَتلقى ذلك عنه حَمَلَةُ شريعته من الصَّحابةِ، ثم يتلقاه عنهم التَّبعونَ، ويتلقاه عنهم أئمةُ العلماء؛ فلا يجوزُ تفسيرُ ما (٣٢٥ - أ/ق) وردَ في الحديثِ المرفوعِ إلا بما قالَه هؤلاء أئمةُ العلماء الذين تَلَقوا العلمَ عمَّنْ قبلهم، ولا يجوزُ الإعراضُ عن ذلك والاعتمادُ على تفسير من يفسِّرُ ذلك اللفظَ بمجردِ ما يفهمُهُ من لغةِ العربِ . وهذا أمرٌ مهم جدّاً، ومن أهملَه وقعَ في تحريفِ كثيرٍ من نصوصٍ السَّنَةِ وحملها على غيرِ محاملها، واللهُ الموفقُ. ولو صلَّى وهو مشتملُ الصَّمَاءَ ولم تَبَدُ عورتُه: لم تبطلْ صلاتُه عند أكثرِ العلماءِ . ومنهم من قال ببطلانها، وهو وجهٌ لأصحابنا. واللبسةُ الثَّانيةُ: أن يحتبيَ بثوبٍ ليس عليه غيرُهُ. الاحتباءُ: استفعالٌ من الحُبوةِ - بضم الحاءِ وكسرِها - والحبوةُ أن يقعدَ على أليتيه وينصبَ ساقيه ويحتوي عليها بثوب أو نحوه أو بيده. وقد كان النبي وَلّ يحتبي في جلوسه بيده. وقد خرَّجَ ذلك البخاريّ في ((الأدب)) (١) ووردَ في ((سنن أبي داودَ)) أنَّ جلوسَ النبيِّ وَ لَهَ كان كذلك(٢). (١) يعني: ((الأدب المفرد)) (١١٨٢ - ١١٨٣). (٢) أبو داود (٤٨٤٦) من حديث أبي سعيد، وفيه عبد الله بن إبراهيم، قال أبو داود: شيخ منكر الحديث. ٣٩٩ الحديث: ٣٦٨،٣٦٧ كتاب الصلاة وهذه الهيئةُ أخشعُ هيئاتِ الجلوسِ. وقد سبقَ ذكر ذلك في كتابِ ((العلم)) في الجلوسِ عند العالمِ. وإنَّا نهى عن الاحتباءِ بثوبٍ واحدٍ؛ فإذا كانَ على الرجلِ ثوبٌ واحدٌ فاحتبى به كذلك بدتْ عورتُه وهذا منهيٌّ عنه في الصَّلاةِ وغيرِها؛ فإن كان في الصَّلاة كان مُبطلاً لها على ما سبق ذكره في كشفِ العورةِ في الصَّلاةِ، وإن كان في غيرِها وكان بينَ النَّاسِ فهو محرمٌ، وإن كان في خلوة انبنى على جوازِ كشفِ العورةِ في الخلوةِ وفيه خلافٌ سبق ذكرُه. وإن فعلَ ذلك وعليه سراويلُ أو قميصٌ: لم يحرمْ؛ فإنَّ النَّهي عن الاحتباءِ وردَ مقيدًا في ثوبٍ واحدٍ، وورد مُعللاً بكشف العورة؛ ففي رواية للبخاريِّ - أيضًا - من حديث أبي هريرةَ: نهى رسولُ اللهِ وَِّ أن يحتبيَ بالثّوب الواحدِ ليس على فرجه منه شيءٌ بينه وبين السَّماء(١). وفي صحيح مسلمٍ، عن جابرٍ أن النبيَّ وَِّ نهى أن يشتملَ الصماء، وأن يحتبيَ في ثوبٍ واحد كاشفًا عن فرجِه (٢). قال عمرو بن دينار: إنَّهم يرون أنَّه إذا خمر فرجَه فلا بأسَ - يعني: بالاحتباء ۔ (٣٢٥ - ب/ق). ومن أصحابنا من قال: حُكيَ عن أحمدَ المنعُ من هذا الاحتباء مطلقًا وإن كان عليه ثوبٌ غيرُه. وهذا بعيدٌ. وأما الملامسةُ والمنابذةُ: فيأتي ذكرها في موضعِها من ((البيوع)) إن شاء الله تعالی. (١) (٥٨١٩ - فتح). (٢) مسلم (٢٠٩٩). ٤٠٠