النص المفهرس

صفحات 361-380

الحديث: ٣٦٠،٣٥٩
٥ - بَابٌ
إِذَا صَلَّى في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْهُ(١) عَلَى عَاتِقَيْهِ
خرَّجَ فیه حدیثینِ :
أحدهما : قالَ :
٣٥٩ - ثَنَا(٢) أَبُو عَاصِم، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ(٣)،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَوَّةِ:((لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ
الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتقه(٤) شَيءٌ) .
هكذا الروايةُ ((لايُصلِّي)) بالياء؛ فيكونُ إخبارًا عن الحكمِ الشَّرعيِّ أو
إخبارًا يُرادُ به النَّهيُ كما قيل مثلُه في قول الله تعالى: ﴿والوَالدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
والثَّاني : قَالَ :
٣٦٠ - ثَنَا (٢) أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا(٥) شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
عكْرمَةَ سَمعْتُهُ(٦) - أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ - قَالَ: سَمِعتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: أَشْهَد
أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ◌ّ يَقُولُ:((مَنْ صَلَّى فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ فَلُخَالِفْ بَيْنَ
طَرَفَيْهِ)) .
(١) في ((اليونينية)): ((فليجعل على عاتقيه)"، وفي نسخة ((عاتقه)).
(٢) في. ((اليونينية)): ((حدثنا)).
(٣) في ((اليونينية)): ((عبد الرحمن الأعرج)).
(٤) وفي نسخة في ((اليونينية)): ((عاتقيه)).
(٥) في ((اليونينية)): ((قال: حدثنا)).
(٦) في ((اليونينية)): ((قال: سمعته)).
٣٦١

الحديث: ٣٥٩، ٣٦٠
كتاب الصلاة
في هذه الروايةِ تصريحُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ بالسّماعِ لهذا من عكرمةً؛
فزالَ بذلك ما كان يُخْشَى من تدليسِه، والتّصريح بسماعٍ عكرمةً له من
أبي هريرةَ .
والحديثُ الأولُ: نهيٌ لمن صلَّى في ثوبٍ واحدٍ أن يُجرِّدَ عاتقيه .
والثَّاني: أمرٌ لمن صلَّى في ثوبٍ واحدٍ أن يخالفَ بين طرفيه ويضعَهما
على عاتقيه .
وقد أجمعَ العلماءُ على استحبابِ ذلك وأنَّه الأفضلُ؛ بل كرهوا
للمصلِّي أن يجرِّدَ عاتقيه في الصَّلاةِ .
قال النَّخعيُّ: كان الرجلُ من أصحاب محمد ◌َّ (٣١٥ - أ/ق) إذا
لم يجدْ رداءً يُصلِّي فيه وضعَ على عاتقيه عِقالاً ثم صلَّى .
وقالَ النَّخَعَيُّ - أيضًا - : كانوا يكرهونَ إعراءَ المناكبِ في الصَّلاةِ .
خرَّجهما ابنُ أبي شيبة في كتابِهِ (١) .
وقد سبق قولُ ابنِ عمر (٢)، ورُوي عنه مرفوعًا: ((إذا صلَّى أحدُكم
فليلبَسْ ثوبَيْه؛ فإنَّ اللهَ أحقَّ أن يتزن(٣) له)). وفي رواية عنه: إذا صلَّى
أحدكم فليتزرْ ولیرتد .
ولو صلَّى مكشوفَ المنكبين: فقال أكثرُ الفقهاء: لا إعادة عليه.
وحُكِي روايةً عن أحمدَ .
وقال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ علي: عليه الإعادةُ؛ لارتكابِهِ النَّهيَ .
(١) ((المصنف)) (٣٤٩/١).
(٣) كذا في ((ق)) والصواب: ((يتزين)).
(٢) (ص ٣٣٦ - ٣٣٧).
٣٦٢

٥- باب إذا صلى في الثوب الواحد
الحديث: ٣٦٠،٣٥٩
والمشهورُ من مذهب أحمدَ: أَنَّه إن صلَّى الفريضةَ كذلك أعاد .
وفي إعادةِ النَّفْلِ عنه روايتان .
وقد قيلَ: إنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على وجوبه في الصَّلاةِ. وحكى بعضُ
المالكيةِ عن أبي الفرجِ من أصحابِهِم أنَّ سترَ جميعِ الجسدِ في الصَّلاةِ
لازمٌ .
وفي صحة هذا نظرٌ؛ ونصَّ أحمدُ على أنَّه لو سَتَر أحدَ مَنكبيه
وأعرى الآخرَ صَحَّت صلاتُه؛ لأنه لم يرتكبِ النَّهيَ؛ فإنَّ النَّهيَ هو
إعراءُ عاتِقَيْهِ ولم يوجدْ ذلك .
وقالَ القاضي أبو يعلى: يجبُ سَتْرُ جميعٍ منكبيه كالعورةِ. وقال في
موضعٍ: يجزئُ سترُ بعضهما ولا يجبُ سترهُما بما لا يصفُ البشرةَ
كالعورة .
ولأصحابنا وجهٌ: أنَّه يجزئ أن يضعَ على عاتقيه ولو حَبلاً أو
خَيَطًا، وإن لم يسترُهُ به. ولهم وجهٌ آخر: أنَّه إن كان ذلك يُسمَّى لباسًا
أجزأه، وإلا فلا. وقد سبقَ أنَّ من الصَّحابة من كان يضعُ على عاتقيه
عِقالاً ثم يُصلِّي .
وقال النَّخعيُّ(١): تقليدُ السَّيف في الصَّلاةِ بمنزلةِ الرداءِ، وكان سعيدُ
بنُ جبيرٍ يفعلُه . وعن الحسن(١) قال: السُّيُوفُ أرديةُ الغزاةِ. ورُوي عن
عمرَ بنِ عبدِ العزيز أنه صلَّى بالنَّاسِ في قوسٍ ليسَ عليه رداءٌ غيرها .
وروى أبو نعيمٍ: الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ: ثنا مَندَل، عن الأحوصِ بنِ
(١) («ابن أبي شيبة)) (٢٣٣/٢).
٣٦٣

الحديث: ٣٦٠،٣٥٩
كتاب الصلاة
حكيمٍ، عن مكحولٍ قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ بِالنَّاسِ فِي قَوسٍ .
وقال النَّخعيُّ: كان يُكره القَوسُ. وقال الثَّوريُّ: القَوسُ والسََّفُ
بمنزلةِ الرداءِ . وعن الأوزاعيِّ نحوُهُ .
٣٦٤

الحديث : ٣٦١
٦ - بابٌ
إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا
فیه حدیثان: (٣١٥ - ب/ق)
أحدُهما : قالَ :
٣٦١ - ثَا(١) يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: ثَنَا(٢) فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيد بْنِ
الْحارث قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبِّد اللهِ عَنِ الصَّلاةِ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟
فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ(٣) ◌َِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ
أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إلَى
جَانِبه. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((مَا السُِّى يَاجَابِرُ؟)) فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا
فَرَغْتُ قَالَ: ((مَاهَذَا الاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟)) قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ - يَعْنِي:
ضَاقَ - قَالَ: ((فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضيِّقًا فاتَّزِرْ بِهِ» .
قولُه: ((ما السُّرى يا جابرُ؟)) يدلُّ على أنَّ هذا السيرَ كان في آخرِ
الليل - وهو السُّرى -، وفهمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ من جابرٍ أَنَّه جاءَ في ذلك الوقتِ
لحاجة له؛ ولذلك قالَ له ذلك .
وأما إنكارُه عليه الاشتمالَ بالثَّوبِ الواحدِ: فقال الخطَّبيُّ(٤):
الاشتمالُ الذي أنكره أن يُديرَ الثوبَ على بَدِنِه كُلُّه لا يُخرج منه يدَه .
(١) في ((اليونينية)): ((حدثنا)).
(٣) في ((اليونينية)): ((النبي)).
(٢) في ((اليونينية)): ((قال حدثنا)».
(٤) ((أعلام الحديث)) (١/ ٣٥٢).
٣٦٥

الحديث: ٣٦١
كتاب الصلاة
قلتُ: قد خرَّجَ هذا الحديثَ: مسلمٌ، وأبو داودً(١)، وغيرُهما بسياق
يدلُّ على بُطلان هذا التفسيرِ من روايةِ عبادَة بنِ الوليدِ بنِ عبادةَ بنِ
صَلى الله
وَسَلامُ
الصَّامتِ، عن جابرٍ، فذكر حديثًا طويلاً، وفيه قال: كنتُ مع النبيِّ
فِي غَزاةٍ فقام يُصلِّي وكانتْ عليَّ بردةٌ ذهبتُ أخالف بينَ طرفيها فلم يبلغْ
لي، وكانتْ لها ذَباذبُ فَنَكَّسْتُها، ثم خالفتُ بينَ طَرَفَيْهَا ثم تَوَاقصتُ
عَلَيها لا تسقط، ثم جئتُ حتَّى قُمتُ عن يسارِ رسولِ الله ◌َِلَّ فأخذَ
بيدي فَأَدَارني حَتَّى أَقَامِنِي عن يمينِهِ، فجاءَ جَبَّارُ بنُ صخرٍ فقامَ عن
يساره فأخذنا بيديه جميعًا حتَّى أقامَنَا خلفَه. قال: وجعلَ رسولُ اللهِ وَلِيل
يرمُقُني وأنا لا أشعرُ، ثم فطنتُ به، فأشار إليَّ أن أَنَّزَرَ بها، فلما فرغَ
رسولُ اللهِ وَّ قال: ((ياجابرُ)). قلتُ: لبيكَ يارسولَ الله. قال: ((إذا كانَ
واسعًا فخالفْ بين طَرَفيهِ، وإذَا كانَ ضيِّقًا فاشْدُدْه على حَقْوِكَ) .
فهذا السِّياقُ يدلُّ على أن بُردةَ جابر كانت ضيقةً لاتتّسعُ للاتزار بِها
والارتداء؛ ولذلك تواقصَ عليها لئلا تسقط .
قال الخطابيُّ في ((المعالم)) (٢): معناه: أَنَّه ثنَى عنقَه ليُمسكَ الثَّوبَ به
كأنَّه يحكي خِلْقةَ الأوقصِ من النَّاسِ - يعني: مائلَ (٣١٦ - أ/ق) العنق.
وقد استدلَّ بهذا الحديث من قال: إنَّ الصَّلاة بإزارٍ واحدٍ مع إعراءٍ
المنكبين صحيحةٌ؛ فإنَّ النبيَّ مَّ أمر جابرًا أن يتزِرَ ويصلّي لما عجز عن
سترِ عورته ومنكبيه بالبُردة التي عليه لضيقِها .
وممن استدلَّ بذلك: الشَّافعيُّ، وأصحابُه ومن وافقهم.
(١) مسلم (٣٠١٠)، وأبو داود (٦٣٤).
(٢) («معالم السنن)) (١٧٨/١)، و((غريب الحديث)) للخطابي أيضًا (٣٨٧/٢).
٣٦٦

٦ - باب إذا كان الثوب ضيقا
الحديث : ٣٦١
وقد رَوَى شرحبيلُ بنُ سعد، عن جابر قال: قال رسولُ الله ◌َ لته:
((إذا ما اتَّسعَ الثَّوبُ فتعاطفْ به على منكبيك، وإذا ضاقَ عن ذلك فشدَّ
به حَقْويك، ثم صلِّ على غير رداءٍ )).
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (١). وشرحبيل هذا مختلف في أمرِه .
وأجابَ أصحابُنا عن ذلك من وجهينِ :
أحدهما: ما أجابَ به أبو بكر الأثرم أنَّ ذلك محمولٌ على حالة
العجزِ عن سترِ المنكبين والنّهي عن إعرائهما إنما يكون للقادرِ على
سترِهما. وهذا - أيضًا - قولُ إسحاقَ، قال: إن أعرى منكبيه في الصّلاةِ
من ضرورة فجائزٌ . نقلَه عنه حربٌ .
والثَّاني: أنَّ حديثَ جابرٍ هذا محمولٌ على صلاة النَّافلة، وحديثَ
أبي هريرةَ محمولٌ على صلاةِ الفرضِ. وهذا جوابُ أبي بكرٍ: عبد
العزيزِ بن جعفر. ويشهدُ له: أنَّ في روايةِ البخاريِّ أن ذلك كان ليلاً.
وقوله: ((ما السُّرَى ياجابرُ؟)) يدلُّ على أنه كان من آخرِ الليل،
فيحتملُ أن تكونَ تلك صلاةَ الليلِ أو صلاةَ الوترِ، والله أعلم .
وقال حنبلٌ: قِيلَ لأبي عبدِ اللهِ - يعني: أحمد -: الرجل يكونُ عليه
الثَّوبُ اللطيفُ لا يبلغ أن يَعْقِدَه، ترى أن يتزرَ به ويُصلِّي؟ قال: لا أرى
ذلك مجزئًا عنه، وإن كانَ الثَّبُ لطيفًا صلَّى قاعدًا وعقده من ورائه على
ما فعلَ أصحابُ النبيِّ وَِّ فِي الثَّوبِ الواحدِ .
وهذه روايةٌ مشكلةٌ جدّاً، ولم يروها عن أحمدَ غيرُ حنبل، وهو
(١) ((المسند)) (٣٣٥/٣)، و((الأفراد)» للدار قطني (أطرافه - ١٥٨١) بتحقيقنا، ((والكامل)) (٤٢/٤)،
((والتمهيد)) (٢٤/ ٢٧١) .
٣٦٧

الحديث: ٣٦١
كتاب الصلاة
ثقةٌ؛ إلا أنَّه يهمُ أحيانًا، وقد اختلفَ متقدمو الأصحاب فيما تفرّدَ به
حنبل عن أحمدَ: هل تثبتُ به روايةٌ عنه أم لا(١)؟
ولكن اعتمدَ الأصحابُ على هذه الروايةِ، ثم اختلفوا في معناها،
فقال القاضي أبو يعلى ومن اتبعه: من وجدَ مايسترُ به منكبيه أو عورتَه
ولا يكفي إلا أحدَهما فإنَّه يسترُ عورَته (٢) ويُصلِّي جالسًا؛ لأن (٣١٦ -
ب/ق) الجلوسَ بدلٌ عن القيامِ، ويحصلُ به سترُ العورةِ، فيسترُ بالثَّبِ
اللطيف منكبيه حيثُ لم يكن له بدلٌ .
وقال طائفةٌ من أصحابنا: إذا كانَ الثَّوبُ يستر منكبيه وعجيزتَه
سترهما وصلَّى قاعدًا؛ لحصولِ سترِ المنكبين وستر العورة؛ فإن لم
يحوهما اتَّزْرَ به وصَلَّى قائمًا .
وهؤلاء منهم من اعتبرَ سترَ عجزه خاصةً فيكونُ قُبُلُهُ مستترًا
بالجلوسِ . وهذا إنَّما يصحُّ على قولنا : ((إنَّ العورةَ الفرجان خاصةً))،
فأمَّا على المذهب المشهور: ((إنَّ العورَةَ ما بينَ السُّرة والركبة)) فقد حصلَ
كشفُ معظم العورة، وسترُّ ذلك آكدُ من سترِ المنكبينِ .
(١) قال ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (١٤٣/١): وذكره أبو بكر الخلال فقال: قد جاء
حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية وأغرب بغير شيء ا.هـ، وقال الذهبي في
(السير)» (٥٢/١٣): له مسائل كثيرة عن أحمد، ويتفرد، ويغرب ا. هـ .
راجع ما قاله ابن القيم في ((مختصر الصواعق المرسلة)) للموصلي (ص٤٧٨)، و((زاد المعاد))
(٣٩٢/٥) وراجع كلامًا نفيسًا لشيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (٤٠٥/١٦) على
رواية حنبل . وسيأتي كلام للمصنف (٣١٥/٦، ٣٨٨) تحت حديث (٧٤٤,٧٣٤)، وكذا
(٢٢٩/٧) تحت الحديث (٨٠٦).
(٢) كذا في ((ق)) وهي نسخة وحيدة في هذا الموضع. وفي الهامش الأسفل: ((صوابه المنكبين))
ا. هـ وهو الصواب إن شاء الله ولعله من تصويب المصنف أو بعض النابهين من قارئي
النسخة . والله أعلم .
٣٦٨

٦ - باب إذا كان الثوب ضيقا
الحديث: ٣٦٢
ومنهم من اعتبرَ سَتَرَ جميعِ عورته مع المنكبين، فأسقطَ القيامَ لذلك.
وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ أبي موسى، وهو أقربُ.
وقياسُ المذهب: أنَّه لايلزمُه ذلك في هذه الحال؛ بل يُخيَّرِ بينَه وبين
سترِ عورتِه وحدها، وصلاتُه قائمًا كما يُخيَّرُ العاري بين أن يصلَِّ قاعدًا
- مراعاةً لسترِ بعضِ عورِتِه - بالجلوسِ وبين أن يصلِّي قائمًا مراعاةً لركنِ
القيامِ .
ولأصحابنا وجهٌ آخر: أَنَّه يلزمُه أن يسترَ عورتَه ويصلِّي قائمًا، كقولِ
جمهور العلماء ورجَّحه صاحب ((المغني))(١)؛ لأنَّ القيامَ وسترَ العورة
واجبانِ بالإجماعِ؛ بخلافِ سترِ المنكبين، وعليه يدلُّ حديثُ جابر المُخَرَّجُ
في هذا البابِ، وحديث سهل بن سعد كما سيأتي(٢) إن شاء الله تعالى،
وإليه أشارَ أحمدُ في روايةٍ حنبل بقوله: وعقدَه من ورائِه على ما فعلَ
أصحابُ النبيِّ وَلّ؛ لكن حديث سهل ليس فيه أنهم كانوا يصلون
جلوسًا. وقال الأثرم وإسحاق بن راهويه(٣): أنه يفرق في سترِ المنكبين
بينَ القادرِ والعاجزِ؛ فيجبُ مع القدرة ويسقطُ عند العجزِ أشبه الأقاويل
في المسألة، وعليه يدلَّ تبويبُ البخاريّ واللهُ أعلمُ .
الحديثُ الثَّاني :
٣٦٢ - حَدَثْنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا(٤) يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ: ثَنَا(٥)أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ(٦)
(١) («المغني)) (٣١٧/٢).
(٣) في ((ق)) هكذا كتبها: ((بن راويه)).
(٢) حديث رقم (٣٦٢).
(٤) في ((اليونينية)): ((قال: حدثنا».
(٥) في ((اليونينية)): ((قال حدثني)) وفي النسخة ((حدثنا))
(٦) ((سلمة بن دينار)) ليست في ((اليونينية)) وليست عند القسطلاني ولم يتعرضا لذكرها، إلا
القسطلاني تعريفًا بأبي حازم .
٣٦٩

الحديث: ٣٦٢
كتاب الصلاة
ابْنُ دِينَارِ، عَنْ سَهْلِ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُونَ مَعَ النَّبِيِّ:﴿ عَاقِدِي أُزُرِهِمُ
عَلَى أَعْنَّاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ(١) فيه للنِّسَاءِ: ((لاَتَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ
حَتَّى يَسْتَوَيَ الرِّجَالُ جُلُوسً)) .
في هذا الحديثِ من الفقه: أنَّ الإزارَ الضيقَ يعقدُ على القفا إذا أمكنَ
ليحصلَ به سترُ بعضِ المنكبين معَ العورة؛ ولهذا استدلَّ به الإمام أحمدُ
في رواية حنبل - كما سبق.
وفيه: أنَّ صفوفَ النِّساء كانت خلفَ الرجالِ .
وفيه: أنَّ من انكشفَ (٣١٧ - أ/ق) من عورته يسير في صلاةٍ لم
تبطلُ صلاتُه .
وقد استدلَّ بذلك طائفةٌ من الفقهاءِ .
وتوقَّفَ فيه الإمامُ أحمدُ، وقالَ: ليسَ هو بالبَيِّن - يشيرُ إلى أنَّه لم
يذكر فيه انكشافَ العورة حقيقةً، إنَّما فيه خشيةُ ذلك .
وإنما ذكر حديثَ عمرو بن سلمةَ الجرميِّ أَنَّه كان يُصلِّي بقومِه في
بُردة له صغيرة، فكانَ إذا سجدَ تقلَّصتْ عنه فيبدو بعضُ عورتِه حتّى
قالت عجوزٌ من ورائه: ألا تغطُّونَ عنا استَ قارئكم؟ وقد خرّجه
البخاريُّ في موضع آخر (٢) من كتابه هذا .
(١) في ((ق)) كتب فوقها بخط دقيق: ((يقال)) وفوقها: ((خ)) إشارة إلى أنه هكذا في نسخة.
وهي كذلك كما في ((اليونينية)). وفي الحاشية لهذه النسخة أيضًا وهي نسخة مصححة
على نسخة المؤلف حاشية من الراجح أنها للمصنف رحمه الله: ((في صحيح مسلم: فقال
قائل)) .
(٢) ((فتح الباري)) (٤٣٠٢).
٣٧٠

٦ - باب إذا كان الثوب ضيقا
الحديث : ٣٦٢
ومذهبُ أحمدَ: أَنَّه إن انكشفت العورةُ كلُّها أو كثيرٌ منها، ثم سترها
في زمنٍ يسيرٍ لم تبطلِ الصَّلاةُ، وكذلك إن انكشفت(١) منها شيءٌ يسيرُ
وهو ما لا يستفحشُ في النَّظْرِ، ولو طالَ زمنُه، وإن كان كثيرًا وطالت
مدةُ انكشافه بطلت الصَّلاةُ. وكذا قال الثَّوريُّ: لو انكشفتْ عورتُه في
صلاتِه لم يُعدْ. ومرادُه : إذا أعاد سَتْرَها في الحالِ .
ومذهبُ الشَّافعيِّ: أَنَّه يعيدُ الصَّلاةَ بانكشافِها بكلِّ حالٍ. وعن أحمدَ
مايدلُّ عليه .
وعن أبي حنيفة وأصحابه: إن انكشفَ المغلظة(٢) دونَ قدرِ الدرهمِ
فلا إعادةَ، ومن المخفَّفة إن انكشفَ دون رُبعها فكذلك، ويعيدُ فيما زادَ
على ذلك، ولا فرقَ بين العمدِ والسَّهوِ في ذلك عند الأكثرينَ.
وقال إسحاق: إن لم يعلم بذلك إلا بعد انقضاء صلاته لم يُعدّ .
وهو الصَّحیحُ عندَ أصحابِ مالكٍ - أيضًا.
وحُكي عن طائفة من المالكية: أنَّ من صلَّى عاريًا فإنَّه يعيدُ فى
الوقت ولا يعيدُ بعده، وقالوا: ليس سترُ العورة من فرائض الصَّلاة
كالوضوء؛ بل هو سنةٌ. والمنصوصُ عن مالك: أنَّ الحرةَ إذا صلَّتْ باديةَ
الشَّعْرِ أو الصدرِ أو ظهورِ القدمين أعادتْ في الوقتِ خاصةً .
(١) كذا في ((ق))، ولعلَّه: ((انكشف)).
(٢) كذا في ((ق))، ولعل الكلام سقط منه مابين ((انكشف)) و((المغلظة)): كلمة ((من))، وكلامه
بعد يدل على السقط، والله أعلم .
٣٧١

كتاب الصلاة
٧ - بَابُ
الصَّلاةِ فِي الْجَبَّةِ الشَّامِيَّةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي ثِيَابٍ تَنْسُجُهَا (١) الْمَجُوسُ لَم يَرَ بِهَا بَأْسًا. وَقَالَ
مَعْمَرٌ رَأَيْتُ الزُّهْرِيِّ يَلَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبْغَ بِالْبَوْلِ. وَصَلَّى عَلِيٌّ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (٢) فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ .
المقصودُ بهذا البابِ: جوازُ الصَّلاةِ في الثيابِ التي ينسجُها الكفَّارُ،
وسواء نسجوها في بلادهم وجُلبتْ منها أو نُسجتْ في بلادِ المسلمينَ .
روى أبو إسحاقَ الفزاري، عن زائدةَ ومخلدٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ
(٣١٧ - ب/ق) أنَّه قالَ في الثيابِ التي تنسجها المجوسُ فيؤتى بها قبل
أن تغسلَ: لا بأسَ بالصَّلاة فيها .
وروى سعيد بنُ منصورِ: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن مَطْرِ الوراقِ، عن
الحسنِ أَنَّه كانَ لايرى بأسًا أَن يُصلَّى في السَّابِرِيِّ والدَّسْتُوَائِيِّ(٣)، ونحو
ذلك قبل أن تُغسلَ .
وروى(٤) وكيعٌ في كتابه، عن الرّبيعِ بنِ صبيح، عن الحسنِ قالَ: لا
بأسَ مما يعملُ المجوسُ من الثِّابِ .
(١) في ((اليونينية)): ((ينسجها)).
(٢) ((رضي الله عنه) ليست في ((ق))، وفي ((اليونينية)) أشار إلى أن هناك نسخة ((ابن أبي طالب)).
(٣) انظر ((الأنساب)) للسمعاني (١٩٤/٣)، و(٤٧٦/٢).
(٤) ((ابن أبي شيبة)) (٢٣٩/٢).
٣٧٢

٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
وعن(١) علي بن صالح، عن عطاء(٢) أبي محمد قال: رأيتُ عَلَى
عليٌّ قميصًا من هذه الكرابيسِ لبيسًا، غيرَ غسيل .
ورواه عبدُ الله ابنُ الإمام أحمد في كتابِ ((العلل)) (٣): ثنا أبي: ثنا
محمدُ بنُ ربيعةَ: ثنا علي بنُ صالحٍ: حدَّثني عطاءٌ: أبو محمد قال:
رأيتُ عليّا اشترى ثوبًا سنبلانيّا فلبسه ولم يغسلْه وصلَّى فيه .
وروى أبو بكر الخلال بإسناده، عن ابن سيرينَ قال: ذُكرَ عند عمرَ
الثياب اليمانيةُ أنَّها تصبغُ بالبولِ، فقالَ: نهانا الله عن التَّعمقِ والتَّكلُّف .
وروى الإمام أحمد (٤)، عن هُشيمٍ، عن يونس، عن الحسنِ أنَّ عمرَ
ابنَ الخطّابِ أراد أن ينهى عن حللِ الحبرة لأنَّها تصبغُ بالبولِ، فقال له
أُبيِّ ليسَ ذاك لك، قد لبسهنَّ النبيُّ ◌َّهِ ولبسناهنَّ في عهده .
وروى ابنُ أبي عاصمٍ في كتاب (اللباس)) من طريقِ محمدِ بنِ عُبيد الله
العرزميِّ - وفيه ضعفٌ -، عن عبد الملك بنِ عُمير، عن قبيصة بن جابرٍ
قال: خطبَ عمرٌ النَّاسَ فقال: إنَّه بلغني أنَّ هذه البرودَ اليمانيةَ التي
تلبسونها تصبغُ بالبولِ: بول العجائز العتقِ، فلو نهينا النَّاسَ عنها . فقام
عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ فقال: يا أميرَ المؤمنين، أتنطلقُ إلى شيء لبسَه
رسولُ اللهِ وَلَّهِ وأصحابُه فتحرمه؛ إنَّها تُغسلُ بالماءِ. فكفَّ عمرُ عن ذلك.
وقد رُوِيَ عن الحسنِ أَنَّ كان إذا سُئِلَ عن البرودِ إذا صُبغتْ بالبولِ :
(١) ابن أبي شيبة (٢٣٩/٢).
(٢) في ((ق))- وهي نسخة مصححة على نسخة المؤلف - حاشية من الراجح أنها للمصنف
رحمه الله (بعد إشارة الناسخ للحاشية فوق عطاء): ((عطاء هذا ضعفه ابن معين)).
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) (٤٠٤٩).
(٤) ((المسند)) (١٤٣/٥).
٣٧٣

كتاب الصلاة
هل ترى بلُبْسها بأسًا؟ حدَّث بحديث عمرَ مع أُبيِّ بنِ كعب كما تقدم .
وقال حنبلٌ: كان أبو عبدِ اللهِ - يعني: أحمد - يصبغُ له يهوديٌ جبةً
فيلبسها ولا يُحدثُ فيها حدثًّا من غسلٍ ولا غيرِهِ، فقلتُ له، فقال: ولِمَ
تسأل عما لا تعلم؟ لم يزلِ النَّاسُ منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك.
قال حنبل: وسُثُلَ أبو عبدِ اللهِ عن يهودِ يصبغونَ بالبولِ؟ فقال: المسلم
والكافر في هذا سواء، ولاتسأل عن هذا ولاتبحث عنه، وقال: إذا علمتَ
أَنَّه لا مَحَالة يُصبغ من البولِ وصحَّ عندك فلا تصلِّ فيه حتَّى تغسلَه.
وقال يعقوبُ بنُ بختان: سُئلَ أحمدُ عن (٣١٨ - أ/ ق) الثَّوب يصبغُه
اليهوديُّ؟ قال: وتستطيع(١) غير هذا؛ كأنَّه لم يَر به بأسًا.
وقال المرُّوذيُّ: سمعتُ أبا عبد الله يُسألُ عن الثَّوبِ يعملُه اليهوديُّ
والنَّصرانُّ تصلِّي فيه؟ قال: نعم، القصَّارُ يقصر القِّيابَ ونحن نصلّي
فيها .
وكلُّ هذا يدلُّ على أن ما صنعه الكفارُ من الثِياب فإنه تجوز الصَّلاةُ
فيه من غيرِ غسلٍ ما لم تحقق فيه نجاسةٌ؛ ولا يُكتفى في ذلكَ بمجرد
القولِ فيه حتى يصحّ، وأنه لا ينبغي البحثُ عن ذلك والسؤالُ عنه.
وحكى ابنُ المنذرِ هذا القولَ عن مالك، والشَّافعيِّ، وأحمدَ،
وأصحاب الرأي، ولم يَحك عن أحد فيه خلافًا، وهو قولُ الثَّوريِّ،
وإسحاقَ. نقله عنه: حربٌ.
ومن أصحابنا من قالَ: لا نعلمُ في هذا خلافًا، ومنهم من نفى
(١) في ((ق)) بالياء والتاء، معا.
٣٧٤

٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
الخلافَ فيه في المذهبِ .
ومن الأصحابِ من حكى فيه خلافًا عن أحمدَ.
ونقلَ أبو داودَ (١) أنَّ أحمدَ سُئِلَ عن الثَّوبِ النَّسيجِ يُصلَّى فيه قبل أن
يُغسلَ؟ قال: نعم، إلا أن ينَسجَه مُشركٌ أو مجوسيّ.
وقال إسحاقُ بنُ إبراهيم بن هانئ(٢) : قرأتُ على أبي عبدِ اللهِ - يعني:
أحمد -: ابن أبي عدي، عن ابنِ عونٍ قال: كان محمدُ بنُ سيرينَ يختارُ
إذا أخذ الثوبَ من النَّساج فلا يلبسه حتَّى يغسلَه. قال أبو عبد الله: إليه
أذهبُ أو قال: أحبَّ إليَّ أن لا يصلي فيه حتى يغسلَه.
وحملَ أبو بكرٍ: عبدُ العزيز بنُ جعفر هذه الروايةَ على أنَّ الثَّوبَ
نسجه مشركٌ وثنيٌّ أو مَجوسيّ - كما رواه أبو داودَ (١) - فإن كان كتابيًا
صلَّى فيه بغيرِ غسلٍ على ما رواه المروذيُّ قال: وإن صلَّى فيما نسجه
وثنيّ أو مجوسيّ من غيرِ غسلٍ فلا تبين لي الإعادة؛ لأنَّ الأصلَ
طھارتُه .
وقال ابنُ أبي موسى: اختلفَ قولُ أحمدَ في الثَّبِ ينسجُهُ يهوديٌّ أو
نصرانيٌّ: هل يُصلِّي فيه مسلمٌ قبل أن يغسلَه أم لا؟ على روايتينِ .
فأما الثَّوبُ الذي ينسجُهُ مجوسيٌّ: فلا يصلَّى فيه حتى يُغْسلَ، قولا
واحدًا .
وهذا كلُّه فيما ينسجه الكفَّارُ من الثيابِ ولم يلبسوه.
(١) ((مسائل أبي داود لأحمد)) (ص٤١).
(٢) ((مسائل ابن هانئ)) (٥٦/١ - ٥٧) وقال أبو عبد الله: حديث غريب.
٣٧٥

كتاب الصلاة
فأمَّا ما لبسوه من ثيابهم: فاختلفَ العلماءُ في الصَّلاة فيه قبلَ غسله؛
فمنهم من رخَّصَ في ذلك، قال الحسنُ: لا بأسَ بالصَّلاةِ في رداءٍ
اليهوديِّ والنَّصرانيِّ. وهو قولُ الثَّوريِّ، وأبي حنيفةً، ورواية عن أحمدَ،
قال الثَّوريُّ: وغسلُها أحبُّ إليَّ.
ومنهم من كَرِهَ ذلكَ من غيرِ تحريمٍ، وهو (٣١٨ - ب/ق) قولُ الشَّافعيِّ،
ورواية عن أحمدَ، وكره أبو حنيفةً وأصحابُه ما ولي عوراتهم كالأُزرِ
والسَّراويل، وقال الشَّافعيُّ: إنَّا لذلكَ أشدُّ كراهةً.
وقالت طائفةٌ: لا يُصلَّى في شيء من ثيابِهم حتى يُغسلَ. وهو قولُ
إسحاقَ، وحُكي روايةً عن أحمدَ، وهو قولُ مالك - أيضًا - وقال: إذا
صلَّى فيه يعيدُ ما دامَ في الوقتِ .
وفرقتْ طائفةٌ بين مَن تُباحِ ذَبيحتُه ومن لا تُباحُ.
قال أحمدُ في روايةٍ حنبل في الصَّلاةِ في ثوبِ اليهوديِّ والنَّصرانيِّ:
إذا لم يجدْ غيرَه غسله وصلَّى فيه، وثوبُ المجوسيِّ لا يصلِّ فيه فإن
غسله وبالغ في غسله فأرجو.
هؤلاء لا يجتنبونَ البولَ، واليهود والنَّصارى كأنَّهم أقربُ إلى الطَّهارة
من المجوسِ.
وفرَّقَتْ طائفةٌ بين ما يلي عوراتهم وما لا يلي العوراتِ .
قال أحمدُ في رواية حنبل: لا بأسَ بالصَّلاةِ في ثوبِ اليهوديِّ
والنصرانيِّ إلا ما يلي جلدَه، فأمَّا إذا كان فوق ثيابه فلا بأس به.
وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سمعتُ أبي قال: كلُّ ثوب يلبسُهُ يهوديٌّ أو
٣٧٦

٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
الحديث : ٣٦٣
نصرانيٌّ أو مجوسيٌّ إذا كان مثل الإزارِ والسَّراويلِ فلا يعجبني أن يُصلِّيَ
فيه، وذلك أنَّهم لا يتنزَّهونَ من البول(١).
ونقل بكر بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن أحمدَ فيمن صلَّى في سراويل
يهوديٍّ أو نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ: أحب إليَّ أن يعيدَ صلاتَه كلَّها.
ونقل حربٌ، عن أحمدَ قال: لا يُصلِّي في شيءٍ من ثيابِ أهلِ
الكتابِ التي تلي جلده: القميص والسراويل وغير ذلك. قال ابن أبي
a
موسى: لا تُستعملُ ثيابُ المجوسِ حتَّى تُغسلَ، ولا ما سفلَ من ثياب
أهلِ الكتابِ كالسَّراويلِ وما لصقَ بأبدانهم حتَّى يُغسلَ.
والمسألةُ ترجعُ إلى قاعدةِ تعارضِ الأصلِ والظَّهرِ، فالأصلُ:
الطَّهارةُ، والظَّاهرُ: أَنَّه لا تسلم(٢) من النجاسة. وقد يقوى ذلك الظَّاهرُ
في حقٍّ من لا تباحُ ذبائحُهُ؛ فإنَّ ذبائحَهم ميتةٌ، وفي ما ولي عوراتهم فإنّ
سلامتَه من النَّجاسةِ بعيدٌ جدّاً، خصوصًا في حقٍّ من يتديّنُ بالنَّجاسة .
خرَّجَ البخاريّ في هذا الباب حديث:
٣٦٣ - الأعمشِ(٣)، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مِغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:
كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: ((يَا مُغِيَرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ)) فَأَخَذْتُهَا،
فَانْطَلَقَ رَسُولُ الله ◌ِِّ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ.
فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَّهُ مِنْ كُمِّهَا، فَضَاقَتْ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَّتُ
عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَه (٣١٩ - أ/ ق) للصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّهِ ثُمَّ صَلَّى.
(١) ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٤).
(٢) في ((ق) بالتاء والياء، معا.
(٣) اختصر الإسناد وأصله كالتالي من ((اليونينية)): حدثنا يحيى قال: حدثنا أبو معاوية، عن
الأعمش .. به .
٣٧٧

الحديث : ٣٦٣
كتاب الصلاة
وقد سبقَ هذا الحديثُ في كتاب ((الطهارة)) (١) من وجوه أُخر عن
المغيرةِ، وخرّجه في كتاب ((اللباس))(٢) من طريقِ الشَّعبيِّ، عن عروةَ بنِ
المغيرةِ، عن أبيه، وفي حديثهِ: وعليه جبةٌ من صوف.
وفيه من الفقهِ: جوازُ الصَّلاةِ فيما يُجْلبُ من بلادِ المشركين من
ثيابِهم، وجوازُ الصَّلاةِ في الصوف، وجوازُ الوضوءِ فيما هو ضيقُ
الكمينِ، وإن لم يتمكن من إخراج يديه منه عند الوضوء إذًا أخرجَ يديه
من أسفله.
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ(٣) من حديثِ عليٌّ بنِ زيدِ بنِ
جدعان، عن أنسٍ: أن مَلِكَ الرومِ أهدى للنبيِّ بَّ مستقة من سندسٍ
فلبسها .
وعليّ بنُ زيدٍ مختلفٌ في أمرِه، وليسَ بالحافظ جدّاً. قال
الأصمعي (٤): المساتق: فراء طوالُ الأكمام، واحدتُها: مستقة، والمستقةُ
بفتح القاف، وتضم - أيضًا (٥).
قال الخطابي(٦): يشبه أن تكون هذه المستقة مكففةً بالسندس؛ لأنَّ
نفسَ الفرو لا يكون سندسًا. قلتُ: بل الظَّاهرُ أنَّ غشاءَ الفرو كان
حريرًا. ويدلُّ عليه: ما رواه سالمُ بنُ نوحٍ، عن عمرَ بنِ عامٍ، عن قتادةَ،
عن أنس أن أكيدرَ دومة أهدى إلى رسولِ الله ◌ِّلّ جبةَ سندسٍ فلبسها
(٢) ((فتح)» (٥٧٩٩).
(١) ((فتح)) (١٨٢) وأطرافه هناك.
(٣) («المسند» (٢٥١/٣)، و((سنن أبي داود)) (٤٠٤٧).
(٤) ((معالم السنن)) (٤/ ١٩٠).
(٥) كذا في ((ق))، والصواب: بفتح التاء وضمها، انظر ((غريب الحديث)) للهروي (٢٢٧/١،
٢٤١/٤) وغيره .
(٦) («معالم السنن)) (١٩١/٤).
٣٧٨

٧- باب الصلاة في الجبة الشامية
الحديث : ٣٦٣
رسولُ اللهِ وَله، فعجبَ النَّاسُ منها، ثم أهداها إلى عمرَ فقال: يا رسولَ
الله، تكرهها وألبسها؟! قال: ((يا عمرُ إنَّّا أرسلتُ بها إليك لتبعثَ بها
وجهًا فتصيب بها مالاً))، وذلكَ قبل أن ينهى عن الحريرِ.
خرجه البزارُ، وغيره، وخرَّجَه مسلم مختصرًا (١) .
وهذا - واللهُ أعلمُ - هو فروج الحريرِ الذي قال عقبة بن عامر: أُهْدِيَ
لرسولِ اللهِ نَّه فروجُ حرير فلبِسَه ثم صلَّى فيه، ثم انصرفَ فنزعه نزعاً
شديدًا كالكاره له، ثم قالَ: ((لا ينبغي هذا للمتَّقِينَ)) .
وقد خرجه البخاريُّ (٢) في موضع آخر.
وخرَّجَ مسلمٌ (٣) من حديث أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ قالَ: لبسَ النبيّ
وَله يومًا قباءً من ديباج أُهدي له، ثم أوشكَ أن نزعَه، ثم أرسلَ به إلى
عمرَ، وذكر بقيةَ الحديث.
(١) كشف الأستار)) (٣/ ٣٨٠)، و((الكبرى)) للنسائي (٤٧١/٥)، ومسلم (٢٤٦٩).
سـ
(٢) ((فتح)) (٥٨٠١).
(٣) مسلم (٢٠٧٠).
٣٧٩

الحديث: ٣٦٤
كتاب الصلاة
٨ - بَابُ
كَرَاهِيَة التّعَرِّي في الصَّلاة وَغَيْرهَا (٣١٩ - ب/ ق)
٣٦٤ - حَدَثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ: ثَنَا(١) رَوْحٌ: ثَنَا (١) زَكَرِيًّا بْنُ إِسْحَاقَ:
٠
ثَا(٢) عَمْرُو بْنُ دِينَارِ قَالَ: سَمِعتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ الله
وَ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَ عَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ له الْعَبَّاسُ عَمُّهُ:
يَا ابْنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَّ (٣) علىَ مَنْكَبَيْكَ دُونَ الْحجارَةِ، قَالَ:
فَحِلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى منكِّهِ فَسَقَطَ مِغْشًِا عَلَيْهِ، فَمَا رُؤِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَاناً.
هذا الإسنادُ مصرَّحٌ فيه بالسَّماءِ من أولِه إلى آخره، وقد قيلَ: إنَّه
من مراسيل الصَّحابةِ؛ فإن جابرًا لم يحضرْ هذه القصةَ، وإنَمَّا سمعها مِن
غيره: إمَّا من النبيِّلنَّ أو من بعض أكابرِ أصحابِهِ، فإن كان سمعَ ذلكَ
من النبيِّ وَلّ فهو متصلٌ.
وقد اختلفوا في قولِ الصَّحابيِّ: ((إن النبيَّ ◌َلاّ فعلَ كذا)) هل يُحْملُ
على الاتصال أم لا؟ والتَّحقيقُ: أَنَّه إن حكى قصةً أدركها بسنِّه ويمكنُ أن
يكونَ شهدها حُملتْ على الاتِّصالِ، وإن حكى ما لم يدركْ زمنَه فهو
مُرسِلٌ لذلكَ واللهُ أعلم.
وبناءُ الكعبةِ حين نقلَ النبي ◌ِّ مع قريشِ الحجارةَ لم يدركْه جابرٌ؛
فإن ذلك كان قبل البعثة بمدة وقد قيلَ: إنَّ عُمرَ النبيِّ وَلِ كان حينئذ
(١) في ((اليونينية)): ((قال: حدثنا)).
(٢) في ((اليونينية): ((حدثنا)).
(٣) في الفتح و((اليونينية)): في نسخة ((فجعلته)) وكذا في هامش ((ق)).
٣٨٠