النص المفهرس

صفحات 301-320

الحديث : ٣٤٨
٩ - بابٌ
٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبَدَانُ: أَنَا (١) عَبْدُ الله: نا(٢) عَوْفٌ، عن أَبِي رَجَاء:
ثَا (٣) عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَّ اللهِ وَِّ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلا(٤) لِّمْ
يُصَلِّ فَي القَوْمِ فَقَالَ: (يَا فُلانُ (١١٥ - أ/ طَ) مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّي(٥) فِي
القَوْمِ؟)) قال (٦): أصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ولا ماءٌ. قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّه
يَكْفیكَ)).
قد سبقَ هذا الحديثُ بطوله(٧) من رواية يحيى القطان، عن عوف
واخْتَصَرِه هنا من روايةِ ابنِ المباركِ، عن عوفٍ وختمَ به كتابَ التَّيممِ، فإنّ
فيه دلالةً على تيممٍ الجنبِ إذا لم يجدِ الماءَ، وعلى أَنَّ من كَانَ في مكانٍ
يَقْطِعُ أو يغلبُ على الظَّنِّ أَنَّه لا ماءَ فيه أو مع رفقةٍ يعلمُ أنَّه لا مَاءَ مَعهم
فإنَّه لا يجبُ عليه طلبُ الْمَاءِ؛ بل له أن يتيمَّمَ ويُصلِّي(٨) من غيرِ طَلبٍ.
وقد استوفينا شرحَ ذلك كُلّ مع شرحٍ جَميعِ الحديثِ فيما سبقَ واللهُ
سبحانَه وتعالى أعلم (٩).
وقد رَوَى هذا الحديثَ البخاريُّ (١٠) عَنْ إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، عن
(١) في ((ق)): ((أبنا)).
(٢) في ((ق)): ((ثنا)).
(٣) في ((ق)): ((ثنا عن)).
(٤) في ((ق)): ((متعزلًا)).
(٥) فى ((ط)): (تصل))
(٦) في ((اليونينية)): ((فقال: يا رسول الله)).
(٧) (٣٣٤ - فتح).
(٨) في ((ط)): ((ويصل)).
(٩) في ((ق)): ((والله أعلم)).
(١٠) كذا؛ والبخاري لم يخرج لإسماعيل بن مسلم أصلا، والحديث أخرجه الطبراني في
((الكبير)) (١٨ / ١٣٥) عن إسماعيل بن مسلم به، فلعله تصحيف في ((ق))، و((ط)) والله
أعلم.
٣٠١

الحديث: ٣٤٨
كتاب التيمم
أبي رجاء، عن عمرانَ فذكر الحديثَ وفيه: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ أَمرَ هذا الرجلَ
أن يتيمَّمَ فتيمَّمَ قال: ثُمَّ وجدَ الماءَ (٢٩٩ - أ / ق) فلم يأمُرُه بالإعادةِ.
وإسماعيلُ بنُ مسلمٍ ضعيفُ الحديث. (٥٠ - أ/ ك١).
٣٠٢

كِتَابُ الصَّلاةِ
١- بَابُ
كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ (١) في الإِسْرَاءِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ، فَقَالَ: يَأْمُرُنَا .
يَعْنِي النَّبِّ ◌َ - بَالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَاف.
حديثُ أبي سفيانَ هذا قد خرَّجَه البخاريُّ بتمامِه في أول كتابِهِ(٢).
وهو يدلُّ على أنَّ النبيَّ ◌َّهُ كانَ أهم ما يأمرُ به أُمَّتَّه: الصلاة كما
يأمرُهم بالصدقِ والعفافِ واشتهر ذلكَ حتَّى شاعَ بينَ المللِ المخالفينَ له
في دينه؛ فإنَّ أبا سفيان كانَ حينَ قالَ ذلكَ مشركًا، وكان هرقلُ نصرانيًا.
ولم يَزِلْ مَ لِّ منذ بُعثَ يأمرُ بالصدق والعفاف، ولم يزلْ يُصلِّي -
أيضاً - قبلَ أن تفرضَ الصَّلاةُ وأول ما نزلَ عليه سورةُ ﴿اقرأْ باسمٍ رَبِّكَ﴾
[العلق: ١] وفي آخرها: ﴿أرأيتَ الذي يَنْهى عبدًا إذا صلَّى﴾ إلى قوله:
﴿كَلا لا تطعْهُ واسْجُدْ واقْتَربْ﴾ [العلق: ٩ - ١٩] وقد نزلتْ هذه
الآياتُ بسببِ قول أبي جهلٍ: لئن(٣) رأيتُ محمدًا ساجدًا عند البيت
لأطأنَّ على عنقِه .
وقد خرَّجَ هذا الحديثَ مسلمٌ(٤) في صحيحهِ، وقد ذكرنا في أولِ
كتابِ الوضوء حديثَ أسامةَ أنَّ جبريلَ نزلَ على النبيِّ وَّ في أولِ
(١) في هامش ((ق)): ((الصلوات)) نسخة.
(٣) في ((ك)): ((لإن)).
(٢) (الفتح: ٧).
(٤) (مسلم: ٢٧٩٧) ونص روايته: (( ... لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن
وجهه فى التراب .. )».
٣٠٣

كتاب الصلاة
الأمر، فعلَّمه الوضوءَ والصَّلاةَ(١).
صَلَى اللّه
وسيلة
وذكر ابنُ إسحاقَ أَنَّ الصَّلاةَ فرضتْ علیه حينئذ، وكان هو
وخديجةُ يصلِّيان والمراد جنسُ الصَّلاة لا الصلوات الخمس.
والأحاديثُ (١١٥ - ب/ ط) الدالةُ على أنَّ النبيَّ ◌َ له كان يُصلِّي بمكةَ
قبلَ الإسراءِ كثيرةٌ؛ لكن قد قيلَ: إنَّه كان قد فُرِضَ عليه ركعتان في أول
النَّهارِ، وركعتان في آخرِه، ثم افْتُرِضتْ عليه الصََّواتُ الخمسُ ليلةً
الإسراء، قالَه مقاتل، وغيره (٢٩٩ - ب/ ق).
وقال قتادةُ: كان بدو الصَّلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشيّ.
وإنَّما أرادَ هؤلاء أَنَّ ذلك كان فرضًا قبل افتراضِ الصّلواتِ الخمسِ
ليلةَ الإسراءِ .
وقد زعم بعضُهم أن هذا هو مرادُ عائشةَ بقولها: فرضت الصَّلاةُ
ركعتين ركعتينٍ، وقالوا: إنَّ الصَّلوات الخمسَ فُرضتْ أول ما فُرضتْ
أربعا وثلاثًا وركعتين على وجهها، وسيأتي ذكرُ ذلك في الكلامِ على
حديث عائشة إن شاء الله(٢).
وضعف الأكثرون ذلك وقالوا: إنما أرادت عائشة فرض الصلوات
الخمس ركعتين ركعتين سوى المغرب كما سيأتي ذكره إن شاء الله
تعالى(٣) وقد وردَ من حديثِ عفيفِ الكنديِّ أنَّه رأى النبيَّ ◌ِّ يصلِّي
بمكةَ حين زالتِ الشَّمْسُ ومعه عليٍّ وَخديجةُ، وأنَّ العباسَ قال له: ليسَ
على هذا الدينِ أحدٌ غيرهم.
(١) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»: (٢٠٣/٥).
(٢) قوله ((إن شاء الله)) سقط من ((ك١))و ((ط)).
(٣) قوله ((إن شاء الله)) سقط من ((ق)).
٣٠٤

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
وقد(١) خرَّجَه الإمامُ أحمدٌ(٢)، والنَّسائيُّ في ((خصائص علي))(٣). وقد
طعنَ (٥٠ - ب/ ك١) في إسنادِه البخاريُّ في تاريخه(٤)، والعقيليُّ(٥)،
وغيرُ واحد(٦).
وقد خرَّج الترمذيُّ من حديث أنسٍ (٧) قال: بُعِثَ النبيُّ نَّهِ يومَ
الاثنين، وصلَّى عليّ(٨) يومَ الثلاثاء. وإسنادُهُ ضعيفٌ.
(١) كلمة ((قد)) سقطت من ((ق)).
(٢) المسند: (٢٠٩/١ - ٢١٠) مطولاً من طريق ابن إسحاق، عن يحيى بن الأشعث، عن
إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي، عن أبيه، عن جده، كذا في («المسند»!
وفي «تاريخ البخاري الكبير)) (٧٤/٧)، و(٣٤٥/١)، (٢٦١/٨): ((يحيى بن أبي الأشعث)).
وكذا ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح: (١٢٩/٩). وقد ذكر الحديث الحافظ ابن حجر في
((أطراف المسند)) على الصواب ((يحيى بن أبي الأشعث وكذا أخرج الحاكم في ((مستدركه))
الحديث من طريق أحمد على الصواب.
(٣) ((خصائص علي)) (٤٤ - ٤٥) من طريق سعيد بن خثيم، عن أسد بن عبد الله البجلي،
عن يحيى بن عفيف، عن عفيف.
(٤) قال البخاري في ترجمة إسماعيل بن إياس: ((روى عنه يحيى بن أبي الأشعث، في حديثه
نظر))((التاريخ)) (٣٤٥/١) وقال في ترجمة عفيف الكندي - رضي الله عنه - بعد أن ذكر
الحديث من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن أبي الأشعث: ((لا يتابع في هذا).
((التاريخ)»: (٨/ ٧٥).
(٥) روى الحديث العقيلي في ((ضعفائه الكبير)) (٢٧/١) في ترجمة أسد بن عبد الله البجلي
الكوفي ونقل عن البخاري قوله ((لم يتابع في حديثه)).
ورواه في ترجمة إسماعيل بن إياس (٧٩/١) ونقل عن البخاري قوله ((لم يصح حديثه
ولم يثبت)). وقال في آخر الترجمة بعد أن أشار لطريقي الحديث: ((وكلا الطريقين لم
يثبتهما البخاري ولم يصححهما)).
(٦) انظر ((الكامل)) لابن عدي (٣٩٩/١).
(٧) ((جامع الترمذي)) (٣٧٢٨) وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسلم
الأعور، ومسلم الأعور ليس عندهم بذلك القوي)).
) سقطت كلمة «عليٌّ) من ((ق)).
٣٠٥

كتاب الصلاة
وقد خرَّجَه الحاكمُ من حديث بريدةَ، وصحَّحه(١). وفيه دليلٌ على أنَّ
الصَّلاةَ شُرِعتْ من ابتداءِ النَّبوةِ.
لكن الصَّلواتِ الخمسَ لم تُفْرَضْ قبلَ الإسراءِ بغيرِ خلافٍ .
وروى الربيع عن الشَّافعيِّ(٢) قال: سمعتُ ممن أثقُ بخبرِهِ وعلمِه
يذكرُ أَنَّ اللهَ تعالى أنزلَ فرضًا في الصَّلاة، ثم نسخه بفرضٍ غيرِه، ثم
نسخَ الثَّاني بالفرضِ في الصَّلَواتِ الخمسِ.
قال الشَّافِعِيُّ: كأنَّه يعني قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ ﴿يا أيُّها المزَّمِّلُ، قُمِ الليلَ
إلا قَلِيلا، نِصْفَه أَوِ انقُصْ منه قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عليهِ﴾ [المزمل: ١-٤] ثُم
نسخَه في السَّورة معه بقوله (١١٦ - أ/ط) ﴿إِنَّ رَبَّكَ يعلمُ أنَّكَ تقومُ أدنى
من ثُلثي الليلِ﴾ الآية إلى قوله ﴿فاقْرءوا مَا تَيسَّرَ مِنَ الْقُرآن﴾
[المزمل: ٢٠] فنسخ قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر بما تيسرَ.
قال الشَّافعيُّ: ويقالُ: نسخَ ما وصفَ في المزملِ بقولِ(٣) الله عزَّ وجلَّ
﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لدلوكِ الشَّمسِ﴾ ودلوكُ الشَّمسِ زوالُهَا ﴿إِلى غسقِ الليلِ﴾
العتمة ﴿وَقُرْآنَ الفجرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الصَّبح ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فتهجَّدْ به
نَافلة لكَ﴾ [الإسراءَ: ٧٩]، فأعلمَه أَنَّ صلاةَ الليلِ نافلةٌ لا فريضةٌ وأنَّ
الفرائضَ (٣٠٠ - أ/ ق) فيما ذكرَ من ليلٍ أو نهارٍ .
قال: ويقالُ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المغربُ
والعشاءُ ﴿وَحِينَ تُصبحُونَ﴾ [الروم: ١٧] الصبّح ﴿وَلَهُ الْحُمْدُ في السَّمواتِ
والأرضِ وَعَشِيا﴾ العصر ﴿وَحِينَ تُظْهرونَ﴾ [الروم: ١٨] الظّهر. انتهى.
(١) ((المستدرك)) (١١٢/٣) قال: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه)).
(٢) ((الأم)) (٦٨/١).
(٣) في ((ك١)): ((يقول)).
٣٠٦

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
وقد رُويَ عن طائفة من السَّلف تفسيرُ هاتين الآيتين بنحو ما قال
الشَّافعيُّ. فكلُّ آيةٍ منهما متضمنةٌ لذكرِ الصَّلواتِ الخمس؛ ولكنَّهما نزلتا
بمكةَ بعد الإسراءِ، والله سبحانه وتعالى أعلم(١).
وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ الصَّلواتِ الخمسَ إنَّما فُرْضِتْ ليلةً
الإسراءِ.
واختلفوا في وقتِ الإسراءِ، فقيلَ: كانَ بعدَ البعثة بخمسةَ عشرَ
شهرًا، وهذا القولُ بعيدٌ جدّاً، وقيل: إنه (٢) كانَ قبلَ الهجرة بثلاث
سنينَ، وهو أشهرُ، وقيل: قبلَ الهجرة بسنةٍ واحدةٍ، وقِيلَ: قبلَها بستة
أشهر، وقيلَ: كانَ بعدَ البعثةِ بخمس سنين وَرجَّحَه بعضُهُم قال: لأنَّه لاَ
خلافَ أنَّ خديجةَ صلَّتْ معه بعد فرضِ الصَّلاة، ولا خلافَ أنَّها توفيتْ
قبلَ الهجرةِ بمدةٍ قيلَ : بثلاثِ سنين، وقيل: بخمسٍ (٣).
وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ فرضَ الصَّلاةِ كانَ ليلةَ الإسراءِ.
قلتُ: حكايةُ الإجماع على صلاة خديجةَ معه بعد فرضِ الصَّلاةِ
غلطٌ محضٌ، ولم يقل هذا أحدٌ ممن يُعتَدُّ بقولِه.
وقد خرَّجَ أبو يعلى الموصلي، والطَّبرانيُّ(٤) من حديثِ إسماعيلَ بن
مجالد، عن أبيه، عن الشَّعَبيِّ، عن جابرٍ أنَّ رسولَ اللهِ إِ لّه سُئِلَ عن
خديجةَ؟ فإنَّها(٥) ماتتْ قبلَ أن تنزلَ الفرائضُ والأحكامُ فقال(٦): («أبصرتُها
على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغوَ فيه ولا نصب)).
(١) لفظة ((سبحانه وتعالى)) ليست في ((ق)).
(٢) كلمة ((إنه)) سقطت من ((ق)).
(٣) راجع شرحَ النووي على مسلم (٢٧٤/٢).
(٤) ((أبو يعلى)) (٤/ ٤١)، والطبراني في ((الكبير)) (٨/٢٣).
(٥) في ((مسند أبي يعلى)): ((لأنها)).
(٦) في ((ك١)) و((ط)): ((قال)).
٣٠٧

الحديث : ٣٤٩
كتاب الصلاة
ورَوَى الزبيرُ بنُ بكار بإسنادٍ ضعيفٍ(١)، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ،
عن عروة، عن عائشةَ قالتْ: تُوفيتْ خديجةُ قبلَ أن تفرضَ الصَّلاةُ.
(٥١- أ/ ك١) وقد فرَّقَ بعضُهم (١١٦ - ب/ط) بين الإسراءِ والمعراجِ،
فجعلَ المعراجَ إلى السَّماءِ (٢) كما ذكره اللهُ في سورةِ النجمٍ، وجعلَ الإسراءَ
إلي بيتِ المقدسِ خاصةً كما ذكره اللهُ في سورة سبحان، وزعمَ أنَّهما كانا
في ليلتينِ مختلفتينٍ وأنَّ الصَّلَواتِ فُرِضَت ليلةَ المعراج لا ليلة الإسراء.
وهذا هو الذي ذكره محمدُ بنُ سعدٍ في ((طبقاته))(٣)، عن الواقديِّ
بأسانيد له متعددة، وذكرَ أنَّ المعراجَ إلى السَّماءِ كان ليلةَ السَّبتِ لسبع
عشرةَ خلتْ من شهر رمضان قبل (٣٠٠ - ب/ق) الهجرة بثمانية عشر
شهرًا من المسجد الحرام، وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس ونزلَ
جبريلُ فصلَّى برسولِ اللهِ نَّهِ الصَّلَواتِ في مواقيتِها، وأَنَّ الإسراءَ إلى
بيتِ المقدسِ كان ليلةً سَبع عشرةَ من شهرِ ربيعِ الأول قبلَ الهجرةِ بسنةٍ
من شعبِ أبي طالبٍ .
وما بوَّبَ عليه البخاريُّ أنَّ الصَّلوات فرضتْ في الإسراء يدلُّ على
أنَّ الإسراءَ - عنده - والمعراجَ واحدٌ، واللهُ أعلمُ.
وخرَّجَ في هذا البابِ حدیثینٍ.
الحديثُ الأولُ: حديثُ المعراجِ بطولهِ فقالَ:
٣٤٩ - حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ ثنا (٤) اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ أَبُّوْ ذَرِّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَ قَالَ: ((فُرِجَ
عِنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفَرَجْ صَدْرِي، ثُمَّ
(١) وأخرجه الطبراني (٤٥١/٢٢).
(٣) ((ابن سعد)) (٢١٣/١ - ٢١٤).
(٢) في ((ق)): ((السماوات)).
(٤) في (ط)): ((نا)).
٣٠٨

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
الحديث : ٣٤٩
غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبِ مُمْتَلِئْ حكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ
فِي صَدْرِيٍ ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَّاءِ، فَلَمََّ جِئْتُ إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لَخَازِنِ السَّمَاءِ: اقْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
جِبْرِيلُ، قال: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ فَقَالَ: أُرْسِل إِلَيْهِ؟
فَقَالَ(١): نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَّى يَّمِنِهِ
أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَّحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَّالِهَ
بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالَحِ، قُلْتُ لِجَبَرِيلَ: مَّنَ
هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَّةُ عَنْ يَّمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِهِ، فَأَهْلُ
الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالَأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُّ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ
يَمينه ضَّحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَّالِهِ بَكَّى، حَتَّىَ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ،
فَقَالَ لِخَازَنِهَا: انْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَزَنُهَا مِثْلَ مَاقَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ)). (١١٧ -
أ/ ط) فَقَالَ أَنَسُّ: فَذَكَرِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى،
وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَّرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي
السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أَنَسٌّ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ
بالنَّبَِّ بِدْرِيسََ، قَالَ: مَّرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ .« فَقُلْتُّ: مَنْ
هذَا؟ فَقَالَ (٢): هذَا(٣) إدريسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بمُوسَى عليه السلام، فَقَالَ:
الصَّالحِ، قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا مُوسَى،
مَرْحَبًا بالنّبِيِّ الصّالحِ وَالأَـ
ثُمَّ مَرَرُّتُ (٣٠١ - أ/ ق) بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ
الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ عليه السلام،
(١) في ((ق)): ((أأرسل إليه؟ قال: نعم)).
(٢) في ((ق)): ((قال)).
(٣) زيادة من ((ق)).
٣٠٩

الحديث : ٣٤٩
كتاب الصلاة
فَقَالَ: مَرَحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا
ـو
إبْرَاهيمٌ )).
قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخَبَرَنِي (٥١ - ب/ ك ١) ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ،
وَأَبَاحَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولاَنِ: قَالَ النَِّيُّ ◌َ: ((ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ
المُسْتَوِىِّ أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ». قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْن مالِك: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((فَفَرَضَّ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى
مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: فَرَضَ
خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمََّكَ لا تُطِيقُ، فراجعني فَوَضَعَ
شَطَرَهَا، فَرَجَعْتُ إلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطَرَهَا، قَالَ: رَاجِع (١) رَبَّكَ،
فَإِنَّ أَمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ(٢) فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ
إِلَّى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّنَّك لا تُطِيقُ ذَلَكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهْي
خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القوْلُ لََّيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: ارجع إلى
رَبِّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةٍ
المُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَاً
حبائل (٣) اللُّؤْلَّؤْ، وَإِذَا تُرَبُهَا الْمِسْك)).
هذا الحديثُ رواه جماعةٌ عن يونس، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ، عن
أبي ذر (٤)، وخالفهم أبو ضمرةً: أنسُ بنُ عياض، فرواه عن يونس، عن
(١) في هامش ((ق)): ((ارجع إلى)) وفوقها ((خ)). إشاره إلى أنها نسخة.
(٢) في ((ق)): «فراجعته» وفوقھا کتب «فرجعت» - خ.
(٣) في ((ق)) و((ط)) كتب ((جنابذ)) ثم كتب فوقها: ((حبائل - خ إشارة إلى أنها نسخة، وما
أثبتناه موافق ((لليونينية)) وانظر كلام المصنف آخر شرحه على هذا الحديث.
(٤) في ((ق)): أبي ذر، وأنس.
٣١٠

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
الحديث : ٣٤٩
الزهريِّ، عن أنسٍ، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ وهو وهمٌ منه. قاله
الدار قطنيّ(١) وأشارَ إليه أبو زرعة وأبو حاتم (٢).
وقد اختُلِفَ في إسنادِ هذا الحديثِ على أنسٍ :
فالزَّهريَّ رواه عنه، عن أبي ذرٍّ، وجعلَ ذكر فرضِ الصَّلواتِ منه عن
أنسٍ، عن النبيِّ بَلَّ (١١٧ - ب/ ط).
ورواه قتادةُ، عن أنسٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ؛ وقد خرج البخاري
حديثه (٣) في موضعٍ آخر (٤).
ورواه شريكُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي نمرٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ
حكَا الله
عليه
وسلم
بسياقٍ مطول جدّاً، وقد خرَّجَ حديثَه البخاريُّ في (٥) آخر كتابه، وفيه
ألفاظٌ استنكرتْ على (٣٠١ - ب/ق) شريك وتفرَّدَ بها(٦).
ء
وقد رواه ثابتٌ، عن أنسٍ، عن النبيِّ نَّهَ ـــ أيضًا - بدونِ سياقٍ
شريك، وقد(٧) خرجَ حديثَه مسلمٌ (٨) في صحيحه.
وقال الدارقطنيُّ(٩): يُشبه أن تكونَ الأقاويلُ كلُّها صحاحًا؛ لأن
رواتها ثقاتٌ، قال(١٠): ويُشبهُ أن يكونَ أنسٌ سمعه من النبيِّ وَّل
(١) علل الدارقطني: (٢٣٣/٦ - ٢٣٤).
(٢) ((علل ابن أبي حاتم)) (١١٦/١ - ١١٧).
(٤) (الفتح: ٣٢٠٧).
(٣) في ((ق)): ((حديثه البخاري)).
(٥) سقطت من ((ك١)).
(٦) (الفتح: ٧٥١٧) وقد استنكر هذه الألفاظ الإمام مسلم في ((صحيحه)) (٢٦٢) فقد قال بعد
أن ساق إسناده وطرفًا من متنه: و((ساق الحديث بنحو حديث ثابت البناني وقدم فيه شيئًا
وأخَّر ،وزاد ونقص».
واستنكرها جمع من الأئمة: ابن حزم والخطابي وغيرهما كما في ((الفتح)) لابن
حجر (١٣ / ٤٨٣) وقال الذهبي في ((الميزان)) (٢/ ٢٧٠): ((وهذا من غرائب الصحيح))،
وانظر ((السير)) (١٦٠/٦).
(٧) كلمة ((قد)) سقطت من ((ك))).
(٨) ((مسلم)) (١٦٢).
(٩) في ((العلل)) (٢٣٤/٦)، وليس فيها حديث شريك، وانظر ((المستدرك)) (١/ ٨١).
(١٠) سقطت كلمة ((قال)) من ((ك١)) ويسقوطها يكون ما بعده من كلام الدار قطني، أو من =
٣١١

الحديث :٣٤٩
كتاب الصلاة
واستثبته(١) من أبي ذرٌّ، ومالك بن صعصعةً.
وقال أبو حاتم الرازيُّ (٢): أرجو أن يكونَ قولُ الزُّهريِّ وقتادةَ، عن
أنس صحيحينٍ، وقال مرةً: قولُ الزُّهريِّ أصحُّ قالَ: ولا أعدلُ به أحدًا.
وشقَّ صدره وَّهِ ليلةَ المعراج، وغسلُه من طستِ من ذهبٍ من ماءِ
زمزم وملؤُهُ إيمانًا وحكمةً: ممَّا تطابقتْ عليه أحاديثُ المعراج.
وروى ثابتٌ، عن أنسٍ أن النبيَّ ◌َّهِ أتاه جبريلُ وهو يلعبُ مع
الغلمان فأخذه فصرعه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرجَ القلب فاستخرجَ منه
علقةً، فقالَ: هذا حظُّ الشَّيطان منك، ثم غسله في طستِ من ذهب بماءٍ
زمزم ثم لأَمَهُ ثمَّ أعادَه في مكانه، وجاء الغلمانُ يسعونَ إلى أُمِّه - يعني:
ظئره - فقالوا: إنَّ محمدًا قد قُتَلَ فاستقبلوه وهو منتقعُ اللونِ. قال أنسَّ:
وقد كنتُ أرى أثر ذلك المَخِيطِ(٣) في صدره وَهِ .
خرَّجَه مسلمٌ(٤)؛ وليسَ في هذا الحديثِ أنَّه حُشِي إيماناً وحكمةً
(٥٢ - أ/ ك١).
وقد رُوي هذا الحديثُ من روايةٍ أبي ذَرٍّ، وعتبة بن عَبْدِ السُّلمي(٥)،
وفي روايتهما: أنَّه مُلئ سكينةً.
ورُوِيَ أيضًا - من حديث أبي ذرٍّ، وفيه: أَنَّه أدخل قلبه الرأفةً
= كلام الحافظ ابن رجب رحمهما الله ولم أجد قوله «ويشبه أن يكون أنس ... إلى قوله
مالك بن صعصعة في المطبوع من ((علل الدارقطني))؟ فالله أعلم.
(١) في ((ك ١)) و((ط)): ((أو استثبته)).
(٢) ((العلل)) لابنه (١١٦/١ - ١١٧)، وقد تقدم.
(٣) في (ك١)) و(ط)): ((الخيط)) والمثبت من ((ق)) وهو موافق لرواية مسلم.
(٤) ((مسلم)) (١٦٢).
(٥) («المسند» (١٨٤/٤ - ١٨٥).
٣١٢

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
الحديث : ٣٤٩
والرحمةَ.
فهذا الشَّرحُ كان في [حال](١) صغرِهِ، وهو غيرُ الشَّرْحِ المذكورِ في
ليلة المعراجِ.
ومن تأملَ ألفاظَ الأحاديثِ الواردةِ في شرحِ صدرِه وملئه إيماناً
وحكمة أو سكينةً أو رأفةً ورحمةً: ظهر له في ذلك أنَّه وُضع في قلبه
جسمٌ مَحسوسٌ مُشاهَدٌ نشأ عنه ما كان في قلبه من هذه المعاني، واللهُ
سبحانه وتعالى(٢) قادرٌ على أن يخلقَ من المعاني أجسامًا محسوسةً
مشاهدةً كما (١١٨ - أ/ ط) يجعل الموتَ في صورة كبشٍ أملح يُذبح.
وفي حديثِ الزُّهريِّ، عن أنسٍ، عن أبي ذرٍّ أَنَّ النبيَّ ◌ِِّ قالَ: ((ثُمَّ
أخذَ بيدي فعرج بي إلى السّماءِ)) .
وفي حديثٍ قتادةَ، وغيرِه، عن أنس أنَّه أركبه البُراقَ؛ وهي زيادةٌ
صحيحةٌ لم يذكرها الزُّهريُّ في حديثه.
وقولُ خازنِ السَّماءِ: ((أرسِلَ(٣) إليه؟)) الأظهرُ - واللهُ أعلمُ - أَنَّه
استفهمَ: هل أَرسلَ اللهُ إليه يستدعيه إلى السَّماءِ؛ ولم يُرِدْ إرسالَه إلى
أهلِ الأرضِ؛ فإنَّ ذلك كان قبلَ هذه الليلة (٣٠٢ - أ/ ق) بمدة طويلة،
والظَّاهرُ أَنَّهَ لا يخفى مثلُ ذلك على أهلِ السَّماوات (٤) خزنتها؛ لا سيَّما
مع حراسِتِها بالشهب، ومنعِ الشَّياطينِ منَ استراقِ السَّمْعِ مِنها.
وقيلَ: إنَّ أهلَ السَّماءِ لم يعلموا بإرسالِه إلى أهلِ الأرضِ حتَّى صعدَ
إليهم، ويشهدُ لهذا أَنَّ في حديثِ شريكِ بنِ أبي نمرٍ، عن أنسٍ في صفةٍ
(١) من ((ق)).
(٣) في ((ق)): ((أأرسل)).
(٢) لفظة ((تعالى)) سقطت من ((ق)).
(٤) في ((ق)): ((السماء)).
٣١٣

الحديث : ٣٤٩
كتاب الصلاة
الإسراء قال: ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضربَ بابًا من أبوابها
فنادى(١) أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريلُ، قال: ومن معك؟ قال:
معي محمد. قال: وقد بُعثَ؟ قال: نعم، فقالوا: مرحباً به وأهلاً،
فيستبشرُ به أهلُ السماء، لا يعلم أهل السماء ما(٢) يريدُ اللهُ به في الأرضِ
حتَّى يُعلمَهم)) وذكر الحديثَ بطوله.
وقد خرَّجَه البخاريُّ في آخر كتابه هذا(٣) .
والأسودةُ: جمع سوَاد(٤)، وهو الشَّخصُ. يقال: سوَاد، وأسودة
مثل فَراح وأَقْرِحة، وتُجمع(٥) أسوِدة على أساوِدٍ؛ فهو جمعُ الجمعِ.
والنَّسمُ: جمع نسمةٍ؛ وهي النّفسُ والمرادُ بذلك أرواحُ بني آدم، وأنَّ
أهلَ الجنَّةِ على يمينِ آدمَ، وأهلَ النَّارِ على يسارِه قال بعضهم:
ولا يناقضُ هذا ما وردَ أَنَّ أرواحَ المؤمنينَ في الجنَّةِ أو فيِ الصُّورِ
الذي يُنْفخُ فيه، أو في القبورِ، وأرواح الكافرينَ في سجينٍ؛ لأنّ هذا في
أحوال مختلفة وأوقات متغايرةٍ .
وفي هذا الجوابِ نظرٌ.
ومنهم من قال: إنّا رأى في السَّماء الدنيا عن يمينِ آدمَ وشمالِه نسم
بَنِيه الذينَ لم يولدوا بعدُ ولم تخلقْ أجسامُهم (٦)، فأمَّ أرواحُ الموتى التي
فارقتْ أجسادَها بالموتِ فليستْ في السَّماءِ الدّنيا؛ بل أرواحُ المؤمنينَ في
الجنَّة وأرواحُ الكفَّار في سجين؛ وقد قالَ اللهُ تعالى (٧) ﴿إنَّ الذينَ كذَّبوا
(١) في ((٥ ١)) و((ط)): («فناداه)).
(٣) ((الفتح)» (٧٥١٧).
(٥) في ((ق)): ((ويجمع)).
(٧) لفظة ((تعالى)) ليست في ((ط)).
(٢) في ((ق)): ((بما)).
(٤) في ((١٥)": ((سوادة)).
(٦) في ((ق)): ((أجسادهم)) .
٣١٤

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
الحديث : ٣٤٩
بآياتنا واستكبروا عنها (٥٢ - ب/ ك١) لا تُفْتَّحُ لهم أَبْوابُ السَّماءِ﴾
[الأعراف: ٤٠]، وقد جاءَ في حديث البراءِ بنِ عازبٍ، وأبي هريرة (١)،
عن النبيِّ وََّ: ((إنَّ روحَ الكافرِ (١١٨ - ب/ط) إذا خرجتْ لم تفتحْ لها
أبوابُ السَّماء فتطرحُ طرحًا)» وقرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ من
السَّمَاء فَتَخْطِفُهُ الطَّيْرُ أَوْتَهْوي به الرِّيحُ في مكانٍ سحيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
والأظهرُ - واللهُ أعلمُ - أَنَّ آدَمَ عليه السَّلام في السَّماءِ الدُّنيا ينظرُ إلى
نسمٍ بنيه [من](٢) عن يمينه وشماله، ونسمُ بنيه مستقرةٌ في مستقرِها، فنسم
المؤمنينَ في الجنَّةِ ونسمُ الكافرينَ في النَّار، وليست عندَ آدَمَ في (٣٠٢ -
ب/ق) السَّماءِ الدنيا؛ ويدلُّ على هذا: ما خرَّجَه البزارُ، وابنُ جريٍ (٣)،
والخلاَّل، وغيرُهم من رواية أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنس، عن
أبي العالية - أو غيرِه -، عن أبي هريرةَ؛ فذكر حديثَ الإسراءِ بطوله،
وفيه: ((أَنَّه لَّا دخلَ إلى سماءِ الدُّنيا فإذا هو برجلٍ تامِّ الخلقِ، لَم ينقصْ
من خلقه شيءٌ كما ينتقصُ من خلقِ النَّاسِ، عنّ يمِينِه بابٌ تخرجُ منه
ريحٌ طيبةٌ، وعن شمالِه بابٌ تخرجُ منه ريحٌ خبيئةٌ، إذا نظرَ إلى البابِ
الذي عن يمينه ضحكَ واستبشرَ، وإذا نظرَ إلى الباب الذي عن شماله
بكى وحزنَ، فقالَ جبريلُ: هذا أبوكَ: آدمُ، وهذا البابُ الذي عن يمينه
[باب](٤) الجنة فإذا نظرَ من يدخلُ من ذريتِه الجنةَ ضحكَ واستبشرَ،
والبابُ الذي عن شماله بابُ جهنّم، إذا نظرَ من يدخُل من ذريته جهنّمَ
بكى وحزنَ))، وذكر الحديثَ بطوله.
(١) حديث البراء: خرجه أحمد في مسنده)) (٢٨٧/٤) وأبو داود (٣٢١٢) والنسائي (٧٨/٤)
وابن ماجه (١٥٤٩). وحديث أبي هريرة: خرجه أحمد (٢/ ٣٦٤) وابن ماجه (٤٢٦٢)
وغيرهما. ليس فيه: وقرأ ﴿ومن يشرك بالله ... ) الآية.
(٢) من (ق)).
(٣) ((كشف الأستار)) (٥٥) وابن جرير (التفسير: ٦/٨ -١٠).
١
(٤) ليست في ((ق)).
٣١٥

الحديث : ٣٤٩
كتاب الصلاة
وما يوضِّحُ هذا المعنى: أَنَّ النبيَّ وَله رأى في صلاة الكسوف الجنَّةَ
والنَّارَ وهو في الأرضِ وليست الجنَّةُ في الأرض، ورُويَ أَنَّه رأى ليلةً
أُسرِيَ به الجنَّةَ والنَّارَ - أيضًا - وليستِ النَّارُ في السَّماءِ وإِنما (١) رآهما وهو
في السَّماءِ تارةً، ورآهما وهو في الأرضِ أخرى. فكذلك(٢) رؤية آدمَ وهو
في السماء(٣) الدنيا نسمَ بنيه المستقرة في الجنَّةِ وفي(٤) النار؛ وليست الجنَّةُ
والنَّارُ عندَ آدَمَ في سماءِ الدنيا.
وقد (٥) بسطنا الكلامَ على هذه المسألة؛ وهي مستقرُّ أرواحِ الموتى في
كتاب ((أهوال القبورِ وأحوالِ أهلها إلى النُّشورِ))، واللهُ أعلمُ (٦).
وفي حديثِ الزُّهريِّ، عن أنسٍ، عن ذرٍّ أن النبيَّ وَّ رأى في
السَّماءِ(٧) آدمُ وإِدَريسَ وموسى وعيسى؛ ولم يُثبتْ كيف منازلُهم، إلا أنَّهُ
وجدَ آدَمَ في السَّماء الدنيا (١١٩ - أ/ ط)، وإبراهيمَ في السّماءِ السَّادسة؛
وهذا - واللهُ أعلمُ - مما لم يحفظْه الزُّهريّ جيدًا؛(٨) وفي رواية قتادة، عن
أنس، عن مالكِ بنِ صعصعة عن النبيِّ وَِّ أنه رأى في السماءِ الدنيا آدمَ
وفي السَّماءِ الثّانية: يحيى وعيسى؛ وهما ابنا الخالة، وفي السَّماء الثَّالثة
يوسفَ، وَفيِ الرَّابعةِ إدريسَ، وفي الخامسةِ هارون، وفي السَّادسَةِ
موسى، وفي السّابعةِ إبراهيمَ عليهم(٩) السلام.
وفي حديثٍ شريك بنِ أبي نمرٍ، عن أنسٍ - وقد خرَّجَه البخاريّ في
آخرِ صحيحه هذا(١٠) - أَنَّه رأى أَدمَ (٥٣ - أ/ ك١) في السّماءِ الدنيا،
(١) في ((ط)) و((ك١)»: ((وإنهما)).
(٣) فى ((ق)): ((سماء)).
(٢) في ((ق)): ((وكذلك)).
(٤) ((في)) ليست في ((ط)) و(ك١)).
(٥) ((قد)) ليست في ((ط)) و((ك١)).
(٦) في (ق)): ((ولله الحمد)).
(٧) في ((ق)): ((السماوات)).
(٨) قال ابن حزم: ((ولم يثبت كيف منازلهم))((المحلى)) (٢٥/١).
(٩) في ((ق)): ((علیه)).
(١٠) ((الفتح)) (٧٥١٧).
٣١٦

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
الحديث : ٣٤٩
وإدريسَ في الثّانية (٣٠٣ - أ/ق)، وهارونَ في الرابعةِ، وآخر في الخامسةِ -
قال الراوي: لم أحفظ اسمَه -، وإبراهيمَ في السّادسةِ، وموسى في
السَّابعةِ بتفضيل كلامِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وهذا يوافقُ ما في حديثِ الزُّهريِّ، عن أنسٍ، أَنَّ إِبراهيمَ عليه
السَّلامُ في السَّماءِ السادسة. وفيه - أيضًا - أَنَّه مرَّ بموسى، ثمَّ بعيسى، ثمَّ
بإبراهيمَ. وهذا يُشعرُ برفع عيسى على موسى؛ وهذا كله إنما جاءَ من
عدمٍ ضبطِ منازلهم كما صرّحَ به في الحديثِ نفسِهِ.
وفي حديثِ حمادِ بنِ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّ
في صفةِ الإسراءِ أَنَّه رأى آدمَ في الأولى، ويحيى وعيسى في الثّانية،
ويوسفَ في الثَّالثةِ، وإدريسَ في الرابعة، وهارونَ في الخامسة، وموسى
في السَّادسةِ، وإبراهيمَ في السابعة مسندًا ظهرَه إلى البيتِ المعمور.
وقد خرَّجَه مسلمٌ (١) بطولِه .
والذي رآه في السَّماءِ من الأنبياءِ عليهم السَّلامُ إنما هو أرواحُهم؛ إلا
عيسى عليه السلام؛ فإنَّه رفع بجسدِه إلى السماءِ.
وقد(٢) قال طائفةٌ من السَّلْف: إنَّ جميعَ الأنبياء(٣) لا يُتْركونَ بعد
موتهم في الأرضِ أكثر من أربعين يومًا، ثم تُرفع جُثَثُهم (٤) إلى السّماء.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ المسيّبِ، وعن عمرَ بنِ عبد العزيزِ، وأنَّه قال:
أخبرني بذلك غيرُ واحدٍ ممن أدركْتُهُ.
فعلى هذا: يكونُ المرئيُّ في السَّماءِ أشخاصَهم كما كانوا في الأرضِ .
(١) ((مسلم)) (١٦٢).
(٣) في ((ق)): ((الرسل)).
(٢) ((قد)) ليست في (ط)) و((ك١)).
(٤) لفظة ((جثثهم)) سقطت من ((ق)).
٣١٧

الحديث : ٣٤٩
كتاب الصلاة
وقولُ ابنِ شهابٍ: (أخبرني ابنُ حَزَمٍ)): الظَّاهر - والله أعلم (١) - أَنَّه
أبو بكر بنُ عمرو بن حزم. ((أَنَّ ابنَ عبَّاسٍ، وأبا حبَّة الأنصاريَّ).
أبو حبةَ بالباء الموحدة عند قومٍ، وعند آخرين (١١٩ - ب/ ط) هو
بالُّون، وقيلَ: هما أخوان، أحدهما: أبو حبة - بالباء -، والثَّاني: أبو حنَّةً
- بالنُّونِ -، والله أعلمُ(٢).
وقولُهُ: ((حتَّى ظهرتُ لمستوَى)) أي: صعدتُ لمصعد، وارتقيتُ لمرتقى.
و((صريفُ الأقلام)): صَوتُ ما تكتبُهُ الملائكةُ بأقلامها من أقضية الله
تعالى ووحيه، أو ما ينسخونَه من اللوحِ المحفوظِ، أو ما شاءَ اللهُ من
ذلك. ويقالُ: إنَّ صريفَ القلم: هو تصويتُه في رجوعِه إلى ورائِه مثل
كتابته لحرف ((كـ))، وصريرُه: هو تصويتُه في مجيئه إلى بين يديه مثل
كتابته لحرف (ن))، وما أشبه ذلك.
وقولُهُ: ((ففرضَ اللهُ على أُمَّتَي خمسينَ صلاةً)) - وفي رواية شريكِ ابنِ
أبي نمرٍ، عن أنسٍ: ((ثم علا به فوقَ ذلك بما لا يعلمه إلا اللهُ حتَّى جاءَ
سدرة المنتهى (٣٠٣ - ب/ق)، ودنَا الجَبَّارُ ربُّ العزة فتدلَّى فكان قابَ
قوسين أو أدنى(٣) فأوحَى فيما يُوحِى: خمسينَ صلاةً على أُمَّتَك كلَّ يومٍ
وليلة)). وقد تفرَّدَ شريكٌ بهذه الألفاظِ في هذا الحديثِ؛ وهي مِما
أُنكرتْ عليه فيه(٤).
(١) سقط من ((ق)) قوله: ((والله أعلم)).
(٢) ذكره أبو علي الجياني في ((تقييد المهمل)) (ق٤٥/ ب) بالباء الموحدة ولم يذكر فيه خلافًا،
وذكره القاضي عياض في ((المشارق)) (٢٢٣/١) بالباء الموحدة وقال: ذكره القابسي بالياء
باثنتين. ثم قال القاضي: أكثرهم يقوله بالباء بواحدة ا. هـ فصارت ثلاثة أوجه في اسمه،
وترجمه ابن ماكولا في ((الإكمال)) (٣٢٠/٢) بالباء الموحدة وذكر خلافًا في تسميته.
(٣) في ((ق)): ((دنى)).
(٤) راجع أول شرح الحديث.
٣١٨

١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء
الحديث : ٣٤٩
وقولُه: ((فرجعتُ بذلك حتَّى مررتُ بموسى))، وذكر مراجعتَه له
وأمرَه له (١) بالرجوع إلى ربِّه؛ ليخفِّفَ عن أمته: استدلَّ بهذا من رجَّح
روايةَ من روى أَنَّ موسى كان في السَّماءِ السَّبعَةِ - كما في روايةِ الزُّهريِّ
(٥٣ - ب/ ك١)، وشريك، عن أنسٍ - قال: لأنَّه لو كانَ إبراهيمُ في
السَّماءِ السَّبعة لكانت المراجعةُ بينه وبينَ إبراهيمَ.
ومن رجَّحَ أَنَّ موسى في السَّماءِ السَّادسةِ - كما في روايةٍ قتادةَ، عن
أنسٍ - قال: إنّمَّا وقعت المراجعةُ من موسى عليه السَّلامُ؛ لأنَّه كان له أمةٌ
عظيمةٌ عالجهم أشدَّ المعالجةِ، وكان عليهم في دينهم آصارٌ وأثقالٌ؛ فلهذا
تفرَّدَ بمخاطبةِ النبي ◌َّه في ذلك دونَ إبراهيمَ عليه السَّلام.
وفي روايةِ شريكِ بنِ أبي نمرٍ، عن أنسٍ - التي خرجها البخاريّ (٢) فى
آخرٍ صحيحه هذا - ((أنَّ موسى عليه السَّلامُ قالَ له: إنَّ أُمَّتَك لا تستطيعُ
ذلك فارجعْ، فليخفِّفْ عنك ربُّكَ وعنهم، فالتفتَ النبيُّ وَلَهِ إلى جبريلَ
كأَنَّه يستشيرُه في ذلك، فأشارَ إليه جبريلُ أن نعمْ إن شئتَ، فعلا به إلى
الجبار سبحانه وتعالى(٣)، فقال - وهو في مكانه -: ياربِّ خفّفْ عنَّا؛
فإنَّ أمَّتي لا تستطيعُ هذا، فوضعَ عنه عشر صلواتٍ، ثم رجعَ إلى موسى
(١٢٠ - أ/ ط) فاحتبسه فلم يزلْ موسى يردِّدُه(٤) إلى ربِّه حتَّى صارتْ إلى
خمس صلواتٍ، ثم احتبسَه موسى عند الخمسِ، فقالَ: يا محمدُ، والله
لقد راودتُ بني إسرائيلَ قومي على أدنى من هذه فضعُفُوا وتركوه،
وأمتك أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا فارجعْ فليخفّفْ
عنك ربُّك، كلُّ ذلكَ يلتفتُ النبيِّ وَّهَ إلى جبريلَ ليشيرَ عليه ولا يكره
(١) ((له)) ليست في ((ق)).
(٣) لفظة ((تعالى)) من ((ق)).
(٢) ((الفتح)) (٧٥١٧).
(٤) في ((ق)): ((يردده موسی)).
٣١٩

الحديث: ٣٤٩
كتاب الصلاة
ذلك جبريلُ، فرفعه عند الخامسة فقال: ياربّ، إنَّ أُمَّتَي ضعفاءُ أجسادُهم
وقلوبُهم وأسماعُهم وأبصارُهم وأبدانُهم، فخفّفْ عنَّا، فقال الجبَّارُ عزَّ
وجلَّ: يا محمدُ، قال: لبيَّكَ وسعديكَ، قال: إنَّه لا يبُدَُّ القولُ لديَّ
كما فرضتُه عليك في أمِّ الكتاب (٣٠٤ - أ/ق)؛ فكلّ حسنةٍ بعشر أمثالها،
وهي خمسونَ في أم الكتابِ وهي خمسٌ عليك، فرجعَ إلى موسى
فقالَ: كيفَ فعلت؟ فقال: خفّفَ عنَّا، أعطانا بكلِّ حسنةٍ عشرَ أمثالها،
قال موسى: قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه،
فارجعْ إلى ربِّكَ فليخفّفْ عنكَ - أيضًا.
قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا موسى قد والله استحييتُ من ربِّي مما أختلفُ
إليه، قال: فاهبطْ بسم الله)). قال: فاستيقظَ وهو في المسجدِ الحرامِ)).
وهذه اللفظةُ مما تفرد بها شريكٌ، وقد تعلَّقَ بها من قالَ: إنَّ الإسراءَ
كان منامًا، وأجابَ عنها قومٌ على تقديرٍ أن تكونَ محفوظةً بأن المرادَ
باستيقاظه: رجوعِه إلى حالِ بَشريتِه المعهودةِ منه في الأرضِ؛ فإنَّه لَّا كانَ
في السَّماء كان(١) في طورٍ آخر غير طورِ أهلِ الدنيا، فلم يَستفقْ من تلك
الحالِ التي كانَ عليها ولم يرجع إلى حالِه المعهودة إلا وهو في المسجدِ
الحرام.
وفي حديثٍ شريكٍ، عن أنس: ((أَنَّه لم يزلْ يحطُّ عنه عشرَ صلوات
إلى أن صارتْ خمسًا)). وكذا في حديث قتادةَ، عن أنس: ((أَنَّه حطَّ عنه
عشرًا عشرًا، ثم حطَّ عنه خمسًا، فصارتْ خمسَ صلواتٍ)).
وفي حديث ثابت، عن أنس: ((أَنَّه حطَّ عنه خمسَ (٥٤ - أ/ ك١)
(١) قوله: ((كان)) من ((ق)) .
٣٢٠