النص المفهرس

صفحات 241-260

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢،٣٤١
٥ - بابٌ
النََّمُّمُ لِلْوَجْهِ والْكَفَّيْنِ
٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ،، عَنْ ذَرِّ، عَنْ سِعِدِ بْنِ
عَبْد الرحْمَن بْن أَبْزَى (٢٨١ - أ/ ق)، عَنْ أَبيه: قَالَ عَمَّارٌ بهذا، وضَرَبَ
شُعْبَةُ بِيَدَيَّهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وجْهَهُ وكَفَّهِ.
وقَالَ النَّضْرُ: أَنَا (١) شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمَ: سَمِعْتُ ذرًا عَنِ ابْنِ عَبْدِ
الرَّحْمنِ ابْنِ أَبْزَى: قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعته مِنَ ابْن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنَّ
أَبيِهِ: قالَ عَمَّار (٣).
٣٤٠ - حَدَّثْنَا سُلْيْمانِ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَن الحَكَمِ، عَنْ ذَرّ، عنِ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ أَنَّه شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عمَّارٌ: كُنَّا فِي
سَرِيَّةً فَأَجْنَبْنَا، وَقَالَ: تَفَلَ فِيها.
٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثيرٍ: ثَنَا(٤) شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمْ عَنْ ذَرٍّ، عَنِ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ أبزَى، عَنْ أبِيْهِ قَالَ: قَالَ عَمْارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ
النَّبِّ ◌َ فَقَالَ: ((يَكْفِيكَ الوَجْهَ والكَفَّيْن)).
٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ ذَرِّ عَنِ ابْنِ
(١) في ((ق)): ((أبنا)).
(٣) في ((اليونينية)): ((قال: قال عمار)).
(٢) في ((اليونينية)): ((يقول عن)).
(٤) في ((اليونينية)): ((أخبرنا» .
٢٤١

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢،٣٤١، ٣٤٣
كتاب التيمم
عَبْد الرَّحْمنِ بْن أَبْزَى(١)، عَنْ عَبْد الرَّحْمنِ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرُ فقال لَهُ
عَمَّارٌ، وساقَ الحديثَ.
٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارَ: ثَنَا غُنْدَرٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، عنِ الحَكَمِ، عَنٍ
ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبد الرَّحْمَن بْن أَبْزَىِ، عَنْ أَبيه قَالَ عَمَّارٌ(٢): فَضَرَبَ النَّبيّ
وَّ بِيَدَهَ الأَرْضَّ فَمَسَحَ وَّجْهَّهُ وكَفَّيْهِ.
حديثُ عمارٍ في التَّيمم خرَّجَه البخاريُّ في كتابِهِ من طريقينِ:
أحدهما: من طريقِ أبي وائلٍ، عن أبي موسى، [عن عمار](٣) -
وسيأتي (٤) .
والآخر: من روايةِ عبدِ الرَّحْمنِ بن أبزى، عن عمَّارٍ، ولم يخرجه
من هذه الطريقِ إلا من رواية شعبة، عن الحكم، عن ذرِّ الهمدانيِّ عن
سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، عن عمَّارِ، وقد ساقَ لفظَه
بتمامه في البابِ الماضي وأحال في هذا البابِ على ما قبله بقول: ((قال
عمار)) بهذا - يعني بما سبق من سياق الحديث في الباب الماضي.
ووصف شعبة التيمم المذكور (٩٨ - ب/ ط) في الحديث بفعله.
وكرر البخاري في هذا الباب طرقه إلى شعبة، وبعضها تعليق لما في
ذلك من زيادة فائدة.
ففي رواية سليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم، عن شعبة تصريح
عبد الرحمن بن أبزى بسماع هذا الحديث من عمار ومخاطبته لعمر،
وهذه فائدة جليلة.
(١) قوله: ((ابن أبزى)) ليست في ((اليونينية)).
(٣) من ((ق)) .
(٢) في ((اليونينية)): ((قال: قال عمار)).
(٤) رقم (٣٤٦).
٢٤٢

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢،٣٤١، ٣٤٣
وفي رواية سليمان بن حرب، عن شعبة أن النبي ◌َّ تفل في يده
لما ضرب بهما الأرض، والمراد بالتفل (٢٨١ - ب/ق) هنا النفخ كما في
سائر الروايات.
وفي رواية النضر بن شميل أن الحكم سمع الحديث من ذر، عن
سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وسمعه - أيضًا - من ابن
عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه كما سمعه من ذر، عنه.
وذكر البيهقي وغيره أن ابن أبزى هو سعيد - أيضًا - وقد ذكر
البخاري رواية النضر تعليقًا وأسنده مسلم(١)، عن إسحاق بن منصور،
عنه، واتفقت رواياتهم على أن النبي وَ ل مسح وجهه وكفيه. وفي رواية
محمد ابن كثير، عن شعبة أن النبي وَ ل قال لعمار: ((يكفيك الوجه
والکفین)».
وخرجه مسلم (٢) من طريق يحيى القطان، عن شعبة ولفظه: إن النبي
وَ خله قال لعمار: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم
تمسح بهما وجهك وكفيك)). قال الحكم: وحدثنيه(٣) ابن عبد الرحمن بن
أبزى، عن أبيه بمثل حديث ذر. قال: وحدثني سلمة ، عن ذر في هذا
الإسناد الذي ذکر الحکم، (٤) انتھی.
وقد كان عند شعبة لهذا الحديث إسناد آخر رواه عن سلمة بن
كهيل، عن ذر كما خرجه مسلم من رواية القطان، عن شعبة؛ ولكن
البخاري لم يخرجه عن شعبة (٥) من هذا الوجه لأمرين:
(١) رقم (١١٣/٣٦٨).
(٢) كلمة ((مسلم)) من ((ط)).
(٣) في ((ق)): ((وحدثنيه)) ثم أصلحها إلى: ((وحدثني)).
(٤) مسلم (١١٢/٣٦٨).
(٥) في ((ط)): ((لم يخرج عن شعبة) وكلمة ((شعبة)) ملحقة بهامش((ق)) وأطاح التصوير بها فلم
يظهر منها سوى الهاء.
٢٤٣

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣
كتاب التيمم
أحدهما: أن سفيان الثوري، والأعمش (٩٩ - أ/ ط) روياه عن سلمة
ابن كهيل فخالفا شعبة في إسناده على اختلاف عليهما فيه.
والثاني: أن سلمة شك: هل ذكر في الحديث مسح الكفين أو
الذراعين، وكان أحيانًا يحدث سلمة به ويقول: ((إلى المرفقين)) فأنكر ذلك
عليه منصور بن المعتمر فقال سلمة: لا أدري أذكر الذراعين أم لا؟ خرج
ذلك أبو داود، والنسائي، وغيرهما (١). ولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد
الإسناد من رواية الحكم وسلمة وسكت عن اللفظ فإنه مختلف.
وقد خرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي(٢) في ((أحكام القرآن))
له، عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم بإسناده، وقال فيه: ((إنما كان
يكفيك هكذا وضرب بيديه الأرض واحدة فمسح بهما وجهه وكفيه))(٣).
وكذا خرجه أبو بكر الأثرم، عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة
بهذا الإسناد وعنده: أن النبي وَجُل ضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة ثم
نفخهما ومسح بهما وجهه و کفیه.
وقد خرجه النسائي(٤) من رواية خالد، عن شعبة وعنده: أن النبي
وَ ل قال له: ((إنما كان يكفيك)) وضرب شعبة بكفيه ضربة نفخ فيهما (٥)
ثم (٢٨٢ - أ/ ق) دلك إحداهما(٦) بالأخرى ثم مسحَ بهما وجهَه)).
(١) أبو داود (٣٢٤، ٣٢٥)، والنسائي (١٦٦/١، ١٧٠).
(٢) هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد أبو إسحاق، من أفاضل آل حماد
ابن زيد. له ترجمة حافلة في «الديباج المذهب))(٢٨٢/١-٢٩٠). وانظر (السير)) (٣٣٩/١٣).
(٣) في ((ق)): ((كفيه ووجهه)).
(٤) في ((السنن)) (١٦٩/١) وانظر ((التحفة)) (٤٨١/٧).
(٥) في ((السنن)): ((وضرب شعبة بكفه ضربة، ونفخ فيها)).
(٦) في ((ط)): ((إحديهما)).
٢٤٤

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٣،٣٤٢،٣٤١
وفي هذه الرواية تأخيرُ مسحِ الوجهِ، لكنَّه من تفسير شعبة، والظاهرُ
أَنَّ شعبةَ كان أحيانًا يحدثُ بالحديثِ بلفظهِ وأحيانًا يفسِّرُه بفعله.
وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ مسحَ الوجه واليدين بالتُّرابِ فِي التَّيمم
فرضٌ لابدَّ منه في الجملة؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وأَيْدِيكُمْ مِنْهِ﴾ [المائدة: ٦] ولكنِ اخْتُلفوا في قدرِ الفرضِ من ذلك(١):
فأمَّا الوجهُ: فمذهبُ مالك، والشَّافعيِّ، وأحمدَ وجمهور العلماء:
أنه يجبُ استيعابُ بشرته بالمسح بالتُّرابِ ومسح ظاهر الشَّعر الذي عليه
وسواء كان ذلك الشعرُ يجب(٢) إيصال الماءِ إلى ما تحتَه كالشَّعْرِ الخفيف
الذي يصفُ البشرةَ أم لا، هذا هو الصِّحیحُ.
وفي مذهبنا وفي(٣) مذهب الشَّافعيِّ وجهٌ آخر: إنَّه يجبُ إيصالُ
التُّراب إلى ما تحت الشَّعورِ التي يجبُ إيصال الماء إلى ما تحتها، ولا (٩٩
- ب/ ط) يجب عند أصحابنا إيصالُ الماءِ (٤) إلى باطنِ الفم والأنفِ وإن
وجَب عندهم المضمضةُ والاستنشاقُ في الوضوءِ.
وعن أبي حنيفة رواياتٌ، إحداها كقول الشَّافعيِّ وأحمدَ والثانية: إنْ
تركَ قدرَ درهم لم يُجْزِءه، وإن تركَ دونَه أَجْزَأَهُ، والثالثة: إنْ تركَ دونَ
ربع الوجه أجزأه وإلا فلا، والرابعة: إن مسحَ أكثره وترك الأقلَّ منه أو
٩
من الذِّراع أجْزأهُ وإلا فلا، وحَكَاه الطحاويِّ عن أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ،
وزفرَ.
وحكى ابنُ المنذر، عن سليمان بن داودَ الهاشميِّ أَنَّ مسحَ التَّيممِ
(١) انظر ((الأوسط)) (٥٢/٢).
(٣) قوله: ((في)) من ((ط)).
(٢) في ((ق)): ((تحت)).
(٤) كتب في هامش ((ط)): ((التراب)).
٢٤٥

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٣،٣٤٢،٣٤١،٣٤٠
كتاب التيمم
حكمُهُ حكمُ مسح الرأسِ في الوضوءِ يجزئُّ فيه البعض(١).
وكلامُ الإمام أحمدَ يدلُّ على حكاية الإجماع على خلاف ذلك ،
قال الجوزجانيّ: ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجيَّ قال: سألتُ أحمدَ بن
حنبل عمَّنْ تركَ مسحَ بعضِ وجههِ في التيمم قال: يعيدُ الصَّلاة، فقلت
له: فما بالُ الرأسِ يجزئُ في المسح ولم يجز أن يتركَ ذلك من الوجه في
التيمم؟ فقالَ: لم يبلغنا(٢) أنَّ أحدًا تركَ ذلك من تَيمَّمه .
قال الشَّالنجيُّ: وقال أبو أيوبَ - يعني سليمان بن داودَ الهاشمي -:
يجزئُهُ في الَّيممِ إن لم يصبْ بعضَ وجهِه أو بعضَ كفَّه؛ لأنَّه بمنزلةٍ
المسحِ على الرأسِ إذا تركَ منه بعضًا أجزأَه .
قال الجوزجانيَّ: فذكرتُ ذلك ليحيى بن يحيى (٢٨٢ - ب/ق) -
يعني: النيسابوري - فقال: المسحُ في التَّيممِ كما يمسحُ الرأسَ، لا يتعمدُ
لترك شيءٍ من ذلك، فَإِنْ بَقِيَ شيءٌ منه لم يعد، وليسَ هو عندي بمنزلةٍ
الوضوءِ .
قال الجوزجانيُّ: لم نسمعْ أحدًا يتبعُ ذلك من رأسِهِ في المسحِ ولا
بينَ أصابعِه في التيممِ كما يتبعوا في الوضوءِ بالتَّخليلِ، فأحسنُ الأقاويلِ
فيها: ما ذكره(٣) يحيى بنُ يحيى: أن لا يتعمد ترك شيءٍ من ذلك، فَإِنْ
بَقِيَ شيءٌ لم يعد . انتهى .
وظاهرُ هذا يدلُّ على أَنَّ مذهبَ سليمانَ بن داود، ويحيى بن يحيى،
والجوزجاني: أَنَّه إذا تركَ شيئًا من وجهِه ويديه في التَّيممِ لم يُعد الصَّلاةَ.
(١) ((الأوسط)) (٢/ ٥٦).
(٣) فى ((ق)): ((ذكر)).
(٢) في ((ط)): ((يبلغا)» كذا .
٢٤٦

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢،٣٤١، ٣٤٣
ونقل حربٌ عن إسحاقَ أَنَّه قال: تضربُ بكفَّك على الأرضِ ثم
تمسح بهما(١) وجهَك وتمر بيديك على جميعِ الوجه واللحيةِ أصابَ ما
أصاب وأخطأ ما أخطأً، ثم تضربُ مرة خرى بكفيك .
ومرادُ إسحاقَ: أَنَّه لا يشترطُ وصولُ الترابِ إلى جميع أجزاءِ (١٠٠ -
أ/ ط) الوجه، كما يقولُه من يقولُه من الشَّافعيةِ وغيرِهم حتَّى نصَّ الشَّافعيُّ
أَنَّه لو بقي من محلِّ الفرضِ شيءٌ لا يدركُه الطَّرِفُ لم يصحَّ التَّيممُ (٢).
واستشكل أبو المعالي الجوينيُّ تحققَ وصولِ التُّرابِ إلى اليدين إلى
المرفقين بضربة واحدة، وقال: الذي يجبُ اعتقادُهُ: أَنَّ الواجبَ استيعابُ
المحلِّ بالمسحِ باليدِ المفردةِ(٣) من غيرِ ربطِ الفكرِ بانبساطِ(٤) الغُبارِ على
جميعِ المحل. قال: وهذا شيءٌ أظهرُ به ولم أرَ منه بُدا.
وحكى ابنُ عطيةَ في ((تفسيرِهِ»(٥)، عن محمد بن مسلمةً من المالكيَّة:
إِنَّه لا يجبُ أن يتبعَ الوجهَ بالتُّرابِ كما يتبعُ بالماءِ. وجعلَه كالخفِّ وما
بينَ الأصابعِ في اليدين - يعني في التَّيممِ - وحَكَّى في وجُوبِ تخليلٍ
الأصابع وتحريك(٦) الخاتمٍ قولين لأصحابهم بالوجوبِ والاستحبابِ
وحكى ابنُ حزمٍ في وجوبِ تخليلِ اللحيةِ بالتّرابِ اختلافًا .
وأمَّا اليدان: فأكثرُ العلماءِ على وجوبِ مسح الكفّين ظاهرهما(٧)
(١) في ((ط)): ((يضرب بكفيه على الأرض، ثم يمسح بهما)).
(٢) انظر ((الأم)) (٤٩/١).
(٣) كلمة: ((المفردة)) ليست فى ((ق))، ومكانها بياض.
(٤) في ((ق)) ((باشتواط)).
(٦) في ((ط)): ((تحويل)).
(٥) (٤/ ١٣٣، ١٣٤) .
(٧) في ((ط)): ((ظاهرها)).
٢٤٧

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٣،٣٤٢،٣٤١
كتاب التيمم
وباطنهما بالتّراب إلى الكُوعين، وقد ذكرنا أَنَّ بعضَ العلماءِ لم يوجبٍ
استيعابَ ذلك بالمسحِ، وحكى ابنُ عطية (١) عنِ الشَّعَبِيِّ أَنَّه يمسحُ الكَفَّين
فقطْ، لحديث عمَّارِ، وأَنَّه لم يوجبْ إيصالَ التَّرابِ إلى الكوعين. وهذا
لا يصحُّ، واللهُ أعلمَّ .
وإنَّما المرادُ بحديثِ عمَّار وبما قاله الشَّعبيُّ وغيرُه من مسحِ الكفَّين:
مسحهما إلى الكُوعين، وقد جَاءَ ذلك مقَّدًا: رواه أبو داودَ الطَّيالسيّ،
عن شعبةَ، عن الحكم سمع (٢٨٣ - أ/ ق) ذرَّ بنَ عبدِ الله، عن ابنِ
عبدالرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمَّارِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ لّ قَالَ له: ((إنَّما كانَ
يجزئُك)) وضربَ رسولُ اللهِ وَلَه بيده الأرضَ إلى التَّرابِ، ثم قالَ هكذا
فنفخَ فيهما ومسحَ وَجْهَه ويديه إلى المفصلِ. وليسَ فيه ((الذراعان)) (٢).
وَرَوَى إبراهيمُ بنُ طهمان، عن حصينٍ، عن أبي مالك، عن عمارِ بن
ياسرٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ له: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أن تضربَ بِكَفَّك(٣) في
التّرابِ، ثم تنفخَ فيهما، ثم تمسحَ بهما وَجْهَكَ وكفَّيَك إلى الرَّصغين)).
خرَّجه الدار قطنيُّ وقال: لم يَرْوه عن حصينٍ مرفوعًا غير إبراهيمَ بن
طهمان، ووَقَفه شعبةُ وزائدةٌ وغيرُهما (٤) .
يعني: أنهم رَوَوَهُ عن حصينِ عن أبي مالك، عن عمارٍ موقوفًا،
والموقوفُ أصحُّ. قاله أبو حاتم الرازيُ(٥) .
وأبو مالك، قَالَ الدارقطنيّ: في سماعِه من عمار (١٠٠ - ب/ط)
(١) (التفسير)) (١٣٤/٤، ١٣٥).
(٣) في ((ق)): ((بيديك)).
(٢) ((مسند أبي داود الطيالسي)) (٦٣٨).
(٤) ((سنن الدار قطني)) (١٨٣/١).
(٥) في ((العلل)) لابنه (١/ ٤٠) وانظر (١١/١، ١٢، ٢٣).
٢٤٨

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣
نظرٌ؛ فإنَّ سلمةَ بنَ كهيلٍ رواه عن أبي مالكٍ ، عن ابنِ أبي أبزى، عن
عمَّارِ(١). وقال أبو حاتمٍ: يحتملُ أنه سَمِعَ منه (٢).
وأبو مالكِ هو الغفاريُّ، سُئِلَ أبو زرعَةِ(٣): ما اسمُهُ؟ فقال:
لا يُسمَّى. وقال البيهقيَّ: اسمُهُ: حبيبُ بن صهبان(٤) .
وفيما قَالَه نظرٌ؛ فإنَّ حبيبَ بن صهبان هو أبو مالك الكاهلي
الأسديّ، وأما الغفاري فاسمه: غزوان، قالَه ابنُ معين(٥). وقد فرقَ
بينهما ابنُ أبي حاتمٍ (٦)، ووقعَ في بعضِ نسخ البخاريِّ، غير أَنَّ البخاريَّ
متوقفٌ غير جازمٍ بأَنَّ حبيبَ بن صهبان يكنى أبا حاتمٍ ولا أَنَّ أبا مالك
الغفاريّ اسمه غزوان(٧) .
ورُويَ حديثُ عمارٍ على وجهِ آخر: فروى الأعمشُ، عن سلمةَ بن
كهيل، عن عبد الرحمن بنِ أبزى، عن عمَّارٍ أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ قَالَ له: ((إنَّما
كَانَ يكفيك هكذا)» ثم ضربَ بيديه الأرضَ، ثم ضرب إحديهما على
الأخرى ثمَّ مسحَ وجهَه والذراعين إلى نصفِ السَّاعدِ ولم يبلغِ المرفقين
ضربةً واحدةً. خرَّجَه أبو داود(٨) .
وخَرَّجه - أيضًا - من طريق سفيانَ الثَّوريِّ، عن سلمةَ بن كهيل عن
(١) ((سنن الدار قطني)) (١٨٣/١).
(٢) ((علل الرازي)) (٢٣/١).
(٣) في ((العلل)) لابن أبي حاتم (١١/١). (٤) ((المعرفة)) (٢١/٢).
(٥) («تاريخ الدوري)) (١٦/٤).
(٦) ((الجرح والتعديل)) (١٠٣/٣)، (٥٥/٧).
(٧) انظر ((تاريخ البخاري)) (١٠٨/٧)، قال: ((غزوان يقال هو: أبو مالك الغفاري .. ))
و(٢/ ٣٢١) قال: ((حبيب بن صهبان ... أبو مالك كناه أحمد ... )) وكذا وقع هنا
قوله: (( بأن حبيب بن صهبان يكنى أبا حاتم، والصواب: (( أبا مالك)) والله أعلم.
(٨) أبو داود (٣٢٣).
٢٤٩

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٣،٣٤٢،٣٤١
كتاب التيمم
أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنتُ عند عمرَ فقال عمارٌ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّمَا كَانَ يكفيك أن تقولَ هكذا)) وضربَ بيدهِ إلى الأرضِ
ثم نفخَهما ثم مسحَ بهما وجَهه ويديه إلى نصف (٢٨٣ - ب/ق) الذراع(١).
وخرجه النسائي(٢) من طريق سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، [و](٣)
عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بنِ أبزى قال:
كُنَّا عندَ عمرَ، فذكر الحديث وفيه: ثم مسحَ وجهَه وبعضَ ذراعيه(٤).
وقد رواه عن سلمةَ بن كهيل: شعبةُ، وسفيان، والأعمشُ، واختلف
عنهم فى إسناده(٥).
وقد تقدَّمَ أن في رواية شعبةَ أَنَّ سلَمة شكَّ هل ذكر فيه الذِّراعين أو
الكفَّين خاصَّة؟ وهذا يدلُّ على أَنَّ ذكرَ الذراعين أو بعضهما (٦) لم يحفظْه
سلمةُ؛ إِنَّما شكَّ فيه، لكنَّه حَفِظَ الكفين وتيقنهما كما حَفِظَه غيرُهُ،
وعلى تقديرٍ أن يكونَ ذكرُ بعضِ الذِّراعين محفوظًا فقد يحملُ على
الاحتياط لدخول الكوعين أو يكون من باب المبالغة وإطالة التَّحجيل كما
(١٠١ - أ/ ط) فعله أبو هريرة فى الوضوء، وقد صرَّحَ الشَّافعيةُ باستحبابه
فى النَّيممِ - أيضًا (٧) .
وقد رُويَ عن قتادةَ قال: حدَّثْني محدثٌ، عن الشَّعبيِّ، عن عبد الرحمن
ابن أبزى، عن عمار بن ياسر أَنَّ رسولَ الله وَخله قال: ((إلى المرفقين)).
(١) أبو داود (٣٢٢).
(٢) (١٦٨/١).
(٣) من ((السنن)) للنسائي، وانظره في ((تحفة الأشراف)) (٤٨١/٧).
(٤) من ((السنن)) وفي ((ق)): ((ذراعه)) وفي (ط): ((ذارعه)).
(٥) انظر ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢، ٤، ٣٤).
(٦) كتب عليها في هامش ((ق)): ((بيان)).
(٧) ((الأم)) (٤٩/١).
٢٥٠

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣
خرَّجَه أبو داود(١).
وهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يثبتُ، والصَّحيحُ: عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ،
عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمارِ أَنَّ النبيَّ وَةِ أَمَره
بالتَّيممِ للوجهِ والكُفَّين.
خرَّجَهَ التِّرمذيُّ وصحَّحَّه.
وخرَّجَه أبو داودَ ولفظُه: إِنَّ النبيَّ وَ أَمَرَه في الشَّيممِ ضربةً واحدةً
للوجه والكفين(٢).
وقد رُوِيَ عن عمارٍ أَنَّهم تيمَّموا مع النَّبِيِّ يَّهِ إلى المناكبِ والآباطِ
من رواية الزهّريِّ، عن عُبيد الله بن عَبد الله بن عَتْبَة، عن ابن عبّاسٍ،
عن عمارِ قال: نزلتْ رخصةُ التَّطهرِ بالصَّعيد الطيبِ فقام المسلمونَ معَ
صَلى الله (٣)
عمليية
وسلم
رسول الله
فضربوا بأيديهم الأرضَ ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التّراب شيئًا
فمسحوا بها وجوههم وأيديَهم إلى المنَاكبِ ومن بطونِ أيديهم إلى
الآباط .
خرَّجَه الإمام أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ
وقد اختُلِفَ في إسنادِهِ على الزُّمريِّ.
فقيل: عنه - كما ذكرنا - وقيل: عنه، عن عُبيد الله بنِ عَبد الله بن
عتبة، عن أبيه، عن عمار. كذا رواه عنه مالكٌ وابنُ عيينةَ وصحَّح قولَهما:
وہے
(٢) الترمذي (١٤٤) وفيه: ( حسن صحيح))، وأبو داود (٣٢٧).
(١) (٣٢٨) .
(٣) في ((ق)): ((النبي (وَلَ)).
(٤) أحمد (٣٢٠/٤)، وأبو داود (٣٢٠)، والنسائي (١٦٧/١).
٢٥١

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٣،٣٤٢،٣٤١
كتاب التيمم
أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان. وقيل: عن الزُّهريِّ، (٢٨٤ - أ/ق) عن
عُبیدِ الله بن عبد الله، عن عمار مرسلا.
وهذا حديثٌ منكر جدّاً لم يَزَلِ العلماءُ ينكرونه، وقد أنكره الزُّهريُّ
راويه (١) وقال: هو لا يعتبرُ به النَّاسُ. ذكره الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ
وغيرُهما ورُوي عن الزُّهريِّ أنه امتنعَ أن يُحدِّثَ به وقال: لم أسمعه إلا
من عُبيد الله ورُوِىَ عنه أَنَّه قال: لا أدري ما هو؟ ورُوِيَ عن مكحولٍ
أَنَّه كانَ يغضبُ إذا حدث الزهريُّ بهذا الحديث، وعن ابن عيينةَ أنهً امتنعَ
أن يُحدِّثَ به وقال: ليسَ العملُ عليه وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ عنه فقال: ليسَ
بشىء، وقال - أيضًا -: اختلفوا في إسناده، وكان الزهريُّ يهابه وقال: ما
أرى العملَ عليه(٢).
وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان:
أحدهما: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ لم يعلم أصحابَه التيممَ على هذه الصفة،
وإنَّما فعلوه عند نزول الآيةِ لظنهم (١٠١ - ب/ط) أن اليدَ المطلَقة تشملُ
الكَفَّين والذِّراعين والمنكبينِ والعَضدينِ ففعلوا ذلك احتياطًا كما تمعَّك
عمارٌ بالأرضِ للجنابةِ وظَنَّ أنَ تيممَ الجنبِ يعم البدنَ كلَّه كالغسلِ ثم
بَيَّنِ النَّبِيُّ نَّوَ التَّيمِمَ بفعلهِ وقوله: ((التيممُ للوجهِ والكفين)) فرجعَ الصَّحابةُ
كلَّهم إلى بيانِهِ وَّ ومنهم عمار راوي الحديث فإنَّه أفتى أَنَّ التيممَ ضربةٌ
للوجه والكفين كما رواه حصين، عن أبي مالك، عنه - كما سبق. وهذا
الجواب(٣) ذكره إسحاق بن راهويه وغيرُه من الأئمة.
(١) فى ((ق)) و((ط)): ((روايه)).
(٢) وقد أشرنا إلى هذا الاختلاف (ص١٩٨) عند الحديث (٣٣٤)، فانظره.
(٣) في ((ق)): ((الحديث)).
٢٥٢

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٣،٣٤٢،٣٤١،٣٤٠
والثَّاني: ما قالَه الشَّافعيُّ وأَنَّه إن كان ذلك بأمرِ رسول الله وَله فهو
منسوخٌ؛ لأن عمارًا أخبر أَنَّ هذا أولُ تيممٍ كان حِينَ نزلَتْ آيَةُ الَّيممِ
فكُلُّ تيممٍ كان النَّبِيُّنَّهِ بعدَه مخالف له فهو له ناسخٌ، وكذا ذكر أبو
بكر الأثرمُ وغيره من العلماء.
وقد حكى غيرُ واحد من العلماء عن الزُّهريِّ أَنَّه كان يذهبُ إلى هذا
الحديث الذي رَوَاه. ورُويَ[عن](١) عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن
قتادةَ أَنَّ الزهري قال: التيممُ إلى الآباط. قال سعيدٌ: ولا يعجبنا هذا(٢).
قلت: قد سبق عن الزَّهريِّ أَنَّه أنكر (٢٨٤ - ب/ ق) هذا القول وأخبرَ
أَنَّ النَّاسَ لا يعتبرونَ به، فالظَّاهرُ أَنَّه رجَع عنه لما علم إجماعَ العلماءِ على
مخالفته واللهُ أعلمُ.
وذهبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى أنَّه ينتهي المسحُ لليدينِ بالتُّرابِ إِلى
المرفقين. هذا مروىٌّ عن ابنِ عُمِرَ، وجابرِ رضي اللهُ عنهما ورُويَ - أيضًا -،
عن سالمٍ بن عبد الله والشَّعبيِّ، والحسن، والنَّخعيِّ، وقتادة، وسفيانَ،
وابن المبارك، والليث، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه(٣).
واستدلَّ بعضُهم بالأحاديثِ المرفوعة المرويةِ في ذلك ولا يثبتُ منها
شيء (٤) كما سبق الإشارةُ إلى ذلك.
(١) من (ق)).
(٢) انظر: ((الأوسط)) (٤٧/٢) و((التمهيد)) (٢٨٣/١٩) و((سنن البيهقي)) (٢٠٩/١).
(٣) انظر هذه الآثار وغيرها في: ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٥٨/١ - ١٥٩) وعبد الرزاق
(٢١٢/١) و((الموطأ)) (ص٥٩) و((الأم)) (٤٩/١) و((التمهيد)» (٢٨٧/١٩).
(٤) كتب في هامش النسخة ((ط)) تعليق على قوله: ((ولا يثبت فيه شيء)»:
قوله ((ولا يثبت منها شيء)) فيه نظر؛ فقد أخرج الإمام الشافعي في كتاب ((اختلاف الحديث))
عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن=
٢٥٣

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٣،٣٤٢،٣٤١
كتاب التيمم
واستدلُّوا - أيضًا - بأنَّ الله تعالى أمَر بغسل اليدين في الوضوءِ إلى
المرفقين، ثم ذكر في الثَّممِ مسحَ الوجهِ واليدين فينصرفُ إطلاقُهما في
الصمة قال: مررت بالنبي ◌ُّ وهو يبول فتمسح بجدار ثم يمم وجهه وذراعيه.
=
قال: الشافعي: وابن الصمة وبنو الصمة بدريون وأحديون وأهل غناء فى الإسلام
ومكان منه، والأعرج وأبو الحويرث ثقتان. انتهى. وأما شيخ الشافعي: (( إبراهيم بن
محمد)) فقال الرافعي في ((شرح مسند الشافعي)»: روى عنه: ابن جريج، والثوري، وعباد
ابن منصور، وكان ينسب إلى القدر، وتكلم فيه مالك ويحيى بن معين وغيرهما، وقال
البخاري: تركه ابن المبارك، والناس؛ لكن عن ابن عدي الحافظ أنه قال للربيع: ماحمل
الشافعي على أن روى عنه مع وصفه إياه بأنه كان قدریًا؟!
فقال: كان الشافعي يقول: لأن يخر إبراهيم من بُعْدِ أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة
في الحديث. وحَسَّنَ القول فيه - أيضًا -: أحمد بن محمد بن سعيد، وأبو أحمد
الحافظان - وقالا: ليس في حديثه مع كثرته منكر إلا من قِبَل من يروي عنه أو يروي
إبراهيم عنه، وله كتاب ((الموطأ)) وهو أضعاف ((موطأ)) مالك. قال الشافعي: ولو كان
حديث ابن الصمة يخالف حديث عمار بن ياسر غير مبين أنه نسخه كان حديث ابن
الصمة أولاهما أن يؤخذ لأن الله بيَّن أمر سنن الوضوء بغسل الوجه واليدين إلى المرفقين
ومسح الرأس والرجلين ثم ذكر التيمم [ ..... ] والرجلين وأمر أن ييمم الوجه واليدين
وكأن اسم اليدين يقع على الكفين وعلى الذراعين وعلى المرفقين فلم يكن معنى أولى أن
يؤخذ به ما فرض الله فى الوضوء من غسل الذراعين والمرفقين؛ لأن التيمم بدل من
الوضوء والبدل إنما يُؤتى به على ما يُؤْتِى في المبدل عنه .
قال: ورُوي عن عمار أن النبي بَّ أمره أن ييمم وجهه وكفيه .
قال الشافعي: فلا يجوز على عمار إذا كان ذكر تيممهم مع النبي وَلّ عند نزول الآية
إلى المناكب إن كان عن أمر النبي بَّ إلا أنه منسوخ إذا روي أن النبي بَل أمر بالتيمم
على وجهه والكفين أو يكون لم يرو إلا تيممًا واحدًا، فاختلفت الرواية عنه فتكون رواية
ابن الصمة التي لم تختلف أثبت وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها؛ لأنها أوفق بكتاب
الله من الروايتين اللتين رُوِيَتا مختلفتين أو يكون إنما [ ..... ] سمع آية التيمم عند
حضور صلاة فتيمموا فاحتاطوا فأتوا على ما يقع عليه اسم اليدين.
ثم قال الشافعي: وإنما منعنا أن نأخذ برواية عمار في أن ييمم الوجه والكفين ثبوت
الخبر عن رسول الله بَل أنه مسح وجهه وذراعيه وأن هذا التيمم أشبه بالقرآن وأشبه
بالقياس بأن البدل من الشيء إنما يكون مثله)). ا. هـ، ومابين المعقوفين كلام غير مقروء .
٢٥٤

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣
التَّيممِ إلى تقييدهِما في الوضوء لاسيما وذلك في آيةٍ واحدةٍ فهو أولى
من حملِ المطلقِ على المقيّد فِى آيتين وأجابَ من خالفهم بأنَّ المطلق إِنَّما
يحملُ على المقيد في قضية (١٠٢ - أ/ ط) واحدة والتيممُ والوضوءُ(١)
طهارتان مختلفتان فلا يصحّ حملُ مطلقِ أحدِهما على مقيد الآخر،
ويدلُّ على ذلك: أَنَّ أصحابَ النَّبِيِّ (٢) وَّ عند نزول آيَةِ النَّيممِ لم
يفهموا حملَ المطلقِ على المقَّدِ فِيها؛ بل تيمَّموا إلى المناكِبِ والآباطِ وهم
أعلمُ النَّاسِ بلغَةِ العربِ، ثم بَّنَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنَّ النَّيمِمَ للوجهِ والكفَّين وهو
- أيضًا - ينافي حملَ المطلقِ على المقيَّد هنا(٣).
وذهب آخرونَ إلى أَنَّ التَّيممَ يُمسَحُ فيه الكفَّان خاصةً، وقد حكَى
ابنُ المنذرِ لأهلِ هذه المقالة قولين.
أحدهما: يمسحُ الكفَّين إلى الرسُّغينِ، وحكاه عن عليٍّ.
والثَّاني: يمسحُ الكَفَّين مطلقًا قال: وهو قولُ: عطاء، ومكحول،
والشّعبيِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ. قال: وبهذا نقولُ؛ للثَّابت
عن نبيِّ اللهِ وَّهِ(٤) أَنَّه قال: ((النَّيممُ ضربةٌ للوجه والكفين)).
قلتُ: هذا يوهم أَنَّ من قال: يمسحُ الوجهَ (٢٨٥ - أ/ ق) والكفين أنَّه
لا ينتهي مسحهُما إلى الكوعين - وهذا كما حكاه ابنُ عطيةَ، عن الشَّعْبِيِّ
كما سبق عنه -، وليسَ هذا قَول الأئمةِ المشهورين.
(١) في ((ق)): ((والوضوء والتيمم)).
(٢) كتب فى هامش ((ط)).
((قوله: ((إن أصحاب النبي ... إلخ، فيه نظر، فإن المتيمم واحد، والفاهم واحد)).
(٣) فى ((ق)): ((هنا فى حمل المطلق على المقيد فيها)).
(٤) لفظ الجلالة من قوله ((نبي الله)) ليس في ((ق)) انظر كلام الترمذي تحت الحديث (١٤٤).
٢٥٥

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢،٣٤١، ٣٤٣
كتاب التيمم
وقد رَوَى داودُ بن الحصين، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبَّاسِ أَنَّه سُئِلَ عن
النَّيممِ فقال: إِنَّ اللهَ تَعالى(١) قال في كتابِه حينَ ذكر الوضوءَ ﴿فَاغْسلُوا
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وقَال في التَّيمم ﴿فَامْسَحُوا
بُوجُوهِكم وَأيديكم مِنه﴾ [المائدة: ٦] وقَالَ ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فاقْطَعُوا
أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فكانت السَّنَةُ فى القطع: الكفَّين؛ إنَّما هو الوجهَ
والكفين - يعني التَّيمم.
خرَّجَهَ التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ(٢).
وروى الحكمُ بنُ أبان، عن عكرمةَ هذا المعنى - أيضًا. وكذلك استدلَّ
بهذا الدليلِ: مكحولٌ، وأحمد وغيرُهما من الأئمةِ وقالوا: إِنَّ القطعَ
يكونُ من الرسغ فكذلك الثَّيممُ (٣).
والرسغُ: هو مفصلُ الكفِّ وله طرفان لهما علمان فالذي يلي
الإبهامَ: كوعٌ، والذي يلي الختصرَ: كرسوعٌ.
ومضمونُ هذا الاستدلال: أَنَّ اليدَ إذا أُطلقتْ انصرفتْ إلى
الرُّسْغِ(٤)، وإن قُيِّدتْ بموضعٍ تقيَّدتْ به، فلما قُيِّدتْ بالمرفقينِ في الوضوء
وجبَ غسلُ الذِّراعين إلى المرفقينِ، ولَّا أُطْلِقتْ في التّممِ وجبَ إيصالُ
(٢) الترمذي (١٤٥).
(١) قوله: ((تعالى)) من ((ط)).
(٣) قوله: (( فكذلك التيمم)) تكرر في ((ق)).
(٤) كتب فى هامش ((ط)):
قوله: ((إن اليد إذا أطلقت انصرفت إلى الرسغ)) يقدح فيه قول الشافعي؛ فإن اسم اليد يقع
على الكفين، وعلى الذراعين .. وظاهر كلام الشافعي ... الثلاث على .. أعلم بلسان ..
بلغته)».
٢٥٦

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣
التُّراب إلى الرُّسْغِ كما تقطعُ يدُ السَّارِقِ ويدُ المحاربِ منه. وكذا قال
الأوزاعيُّ: [التيمم](١) ضربةٌ للوجه والكفَّين إلى الكوعينِ، وكذلك نصَّ
إسحاقُ على أنَّ التَّيمِمَ يبلغُ إلى الرُّسْغِ وخَطَّاً (١٠٢ - ب/ ط) من قال:
لا يجزئُ ذلك، وقال: الصَّحِيحُ عن النَّبِيِّ وَّةِ المعروف المشهور الذي
يرويه الثّقةُ عن الثِّقَةِ بالأخبارِ الصَّحيحةِ: أَنَّ النَّبيَّ نِّ عَلَّمْ عِمارَ بَن
ياسر التيمم للوجهِ(٢) والكفَّيْنِ، قال: وكَانَ على ذلك(٣): عليّ بن أبي
طالبٍ، وعبدُ الله بن عباس، والشَّعبيُّ، وعطاءٍ ومجاهدٌ، ومكحولٌ
وغيرهم فلا يجوزُ لأحدٍ أَنْ يدَّعي على هؤلاء أَنَّهم لم يعرفوا التَّيمِمَ.
قال: (٢٨٥ - ب/ق) ولو قالوا: الذّراعين أحبَّ إلينا اختيارًا لكان
أشبه .
وروى حربٌ بإسناده، عن زائدةً، عن حصين بن عبد الرحمن (٤)،
عن أبي مالك، عن عمارِ أَنَّه غمسَ باطنَ كفيه بالتُّرابِ ثم نفخَ يدَه ثم
مسحَ وجهَهَ ويديه إلى المفصلِ(٥).
وبإسنادهِ، عن عبدِ العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ
قال: التَّيِمِمُ ضربتين (٦): ضربةٌ للوجه وضربةٌ للكفين.
وقال: وثنا أحمد بن حنبل: ثنا سليمانُ بن حيان: أبنا حجاج (٧)،
(٢) فى ((ط)): ((الوجه)).
(١) من (ق)).
(٣) في ((ق)): ((وعلى ذلك كان)).
(٤) في ((ق)): ((حصين، عن عبد الرحمن)) خطأ.
(٥) وأخرجه الدار قطني (١٨٤/١) من طريق زائدة، به.
(٦) كذا في ((ق)) و((ط))؛ لذلك استشكلها فيهما فكتب فوقها ((كذا)).
(٧) في ((ط)): ((ونا أحمد بن حنبل: نا سليمان بن حيان: أنا حجاج)).
٢٥٧

الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢،٣٤١، ٣٤٣
كتاب التيمم
عن عطاء والحكم عن إبراهيم [قال](١): التيمم ضربتان للكفين والوجه.
قال: وثنا محمود بن خالد: ثنا الوليد بن مسلم، عن خليل(٢) وسعيد
ابن بشير(٣)، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: التيممُ: ضربةٌ واحدةٌ
للوجه والكفَّين. قال الوليدُ: وأبنا (٤) الأوزاعيُّ، عن عطاء أنَّه كان يقول
في الشَّيمِم: مسحة واحدةٌ للوجه، ثم ضربةٌ أخرى لكفَّيه(٥) . وبه يأخذ
ءُ
الأوزاعي .
وروى حربٌ بإسناده، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سألتُ الشَّعبيّ
عن التَّيممِ فضربَ بيديه الأرضَ ثم قرنَ إحديهما بالأخرى ثم مسح
وجهَه وكفّيه قال حربٌ: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبلٍ يقول:
والتيممُ ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ والكَفَّين، يبدأ بوجهه(٦) ثم يمسحُ كَفَّيه
إحديهما بالأخرى قِيلَ له: صَحَّ حديثُ عمارٍ عن النَّبِيِّ بََّ في ذلك؟
= (٧)
قال: نَعَم قد صحٌ(٧).
والقولُ بأنَّ الواجبَ في النَّيممِ : مسحُ الكفَّين فقط روايةٌ عن مالكِ
وقولٌ قديمٌ للشَّافِعِيِّ؛ قال فى القديمِ - فيما حكاه البيهقيُّ في كتابه
((المعرفة))(٨) -: قد رُوِيَ عنِ النَّبِيِّ وَّلَ في الوجهِ والكفَّين ولو أعلمْه
ثابتًا لم أعْدُه قال: فإنَّه ثبتَ عن عُمارٍ، عن النَّبِيِّ بَّهِ: (الوجه والكفين))
ولم يَثْبُتْ ((إِلى المِرْفقين)) فما يثبتُ عن النبيِّ وَّ﴿ أولى، وبهذا كان يُفْتِي
سعيدُ بنُ سالمٍ . انتهى(٩).
(١) من ((ق)).
(٣) في ((ق)) و((ط)): ((سعيد بن بشر)) خطأ.
(٥) فى ((ق)): (( للكفیه)).
(٧) انظر ((مسائل ابن هانىء)) (١٢/١).
(٩) من (( المعرفة)» (٢٥/٢).
(٢) في ((ق)): ((حامد)).
(٤) في ((ط)): ((وأنا)).
(٦) في ((ط)): ((بالوجه)).
(٨) في ((ط)): ((المعروف)) خطأ.
٢٥٨

٥- باب التيمم للوجه والكفين
الحديث: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢،٣٤١، ٣٤٣
ومن العلماء من قَالَ: الواجبُ: مسحُ اليدين إلى الكُوعين ويستحبّ
مسحُهما إلى المرفقين ولعله (٢٨٦ - أ/ ق) مرادُ كثير من السّلف - أيضا -
فإنَّ منهم من (١٠٣ - أ/ ط)رُوِيَ عنه ((إلى الكُوعين))، ورِوَيَ عنه ((إِلى
المرْفقين)) كالشَّعْبيّ وغيرهِ فدلَّ على أَنَّ الكلَّ عندهم جائزٌ، وهو - أيضا -
روايةٌ عن مالك وقولُ وكيع وإسحاقَ وطائفة من أصحابنا، وحكوه روايةً
عن أحمد؛ والمنصوصُ عنه يدلُّ على أنَّ ذلك جائزٌ لا أَنَّه أفضلُ.
وسيأتي ذكرُ الضَّربة الواحدة والضَّربتين - فيما بعد [إن شاء الله
تعالى](١) فإنَّ البخاري أفَرد لذلك بابًا .
(١) من ((ق)).
٢٥٩

كتاب التيمم
٦ - بابٌ
الصَّعِيدُ (١) الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُجْزِئُهُ النََّمُ مَالَمْ يُحْدِثْ وَ أَم ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مَنْيَمِّمٌ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لابَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّخَةِ وَالنََّمِّمِ بِهَا أَوْ
عَلَيْهَا(٢).
ما بوَّبَ عليه البخاريُّ منَ أَنَّ الصَّعيدَ الطَّيبَ وضوءُ المسلمِ: قد رُوِيَ
عن النَّبِيِّ وَّةِ؛ ولكن إسنادُهُ ليسَ على شرط البخاريِّ، وقد خرَّجه
الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائي والتِّرمذيُّ(٣) من حديث أبي قلابةَ،
عن عمرو بن بُجدان، عن أبي ذَرٍّ، عن النَّبِيّ وَلَه قال: ((الصَّعيدُ الطَّيبُ
وضوءُ المسلمِ)) - وفي رواية: ((طهورُ المسلم)) - ((وإنْ لم يجدِ الماءَ عشرَ
سنين، فإذا وجد الماءَ فليمسه بشرتَه فإنَّ ذلك خيرٌ)). وقال الترمذيَّ:
حسن صحيحٌ.
(١) في ((ط)): ((الصعد))
(٢) كذا في ((ق))، و((ط)) وليست هي في ((اليونينية))، ولم يُشر إليها الحافظ في ((الفتح))،
وكذا القسطلاني.
(٣) («المسند» (١٤٦/٥، ١٥٥، ١٨٠)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤) وقال: حسن
صحيح، وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان،
عن أبي ذر، وقد روى هذا الحديث أيوب عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر ولم يُسمِّه
ا. هـ، والنسائي في ((الكبرى)) (١٣٦/١)، وابن حبان (١٣١١ - ١٣١٢ - ١٣١٣)،
والدار قطني (١٨٦/١ - ١٨٧)، والحاكم (١٧٦/١ - ١٧٧)، وقد افتتح ابن أبي حاتم
الرازي ((علله)) بهذا الحديث (١١/١ [١]) من طريق قبيصة عن الثوري فأخطأ فيه
والبخاري في ((تاريخه الكبير)) (٣١٧/٦)، وانظر ((نصب الراية)) (١٤٨/١) وكذا
((التلخيص الحبير)) (١٥٤/١)، ولمعرفة جماع ذلك انظر ((علل الدارقطني)) (٢٥٢/٦).
٢٦٠