النص المفهرس
صفحات 161-180
٦ ك باب عرق الاستحاضة الحديث : ٣٢٧ فذكره(١). وقد رَوَاه مالكٌ في ((الموطأ)) عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبي سلمةَ أَنَّها رأتْ زينبَ بنتَ جحشِ التي كانتْ تحتَ عبد الرحمن ابن عوف وكانت تستحاضُ وكانت تَغْتسلُ وتُصَلِّي، ولم يرفع هشام شيئا من الحديث(٢). وذكر ابنُ عبد البرِّ(٣) أَنَّ مالكا وهم في قوله ((زينب)) وإنَّما هي أُمُّ حبيبةَ. وقد رواه الليثُ بنُ سعدٍ عن هشامٍ فقالَ فيه: إِنَّ أُمَّ حبيبةً بنت جحش، وكذلك رواه يحيى بنُ سعيد، عن عروةً وعمرةً، عن زينب بنت (٢٦٠ - أ/ ق) أبي سلمة أَنَّ أُمَّ حبيبةَ، وذكر الحديث، وَرَوَى ابنُ عيينةَ، عن الزَّهريِّ، عن عمرةَ، عن عائشةَ أَنَّ حبيبةَ بنت جحش استحيضتْ، فذكره وقال: كذا حفظتُ أنا في الحديث والنَّاسُ يقولون: ((أمُّ حبيبةَ)). خرجه حربٌ الكرمانيُّ في ((مسائله)) عن الحميديِّ، عنه. وَقَدْ رَوَى عبدُ الله بنُ محمد بن عَقِيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحةَ، عن عَمِّه عمران بن طلحةَ، عن أُمِّه حمنةَ بنت جحش قَالَتْ: كنتُ أُسْتحاضُ حيضةً شديدةً فأتيتُ النَّبِيَّ وَّ أَسْتفتيه فوجدتُه في بيتِ أختي زينبَ، وذكرتْ (٧٨ - أ/ ط) حديثًا طويلا. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّر مذيُّ(٤) وقال: (١) مسلم (٣٣٤ / ٦٤). (٢) ((الموطأ)) (ص ٦٢). (٣) في ((الاستذكار)) (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨) وانظر ((التمهيد)) (١٦ /٦٤ - ٦٥). (٤) أحمد (٣٨١/٦، ٤٣٩)، وأبو داود (٢٨٧). والترمذي (١٢٨) وابن ماجه (٦٢٧) من= ١٦١ الحديث: ٣٢٧ كتاب الحيض حسن صحيحٌ، وحكى عن البخاريِّ أَنَّه حسَّنه (١)، وعن الإمام أحمدَ أَنَّه قَالَ: هو حسنٌ صحيحٌ (١). وقد اختلفَ قولُ الإمامِ أحمدَ فيه، فنقلَ عنه أكثرُ أصحابه أنَّه ضعَّفَه، وقِيلَ: إِنَّه رجعَ إلى تقويته والأخذِ به، قَالَه أبو بكرِ الخلال(١). وقد رَوَاه جماعةٌ عن ابنِ عَقِيل - كما ذكرناه - وخالفَهم ابن جريج فرواه عنه وقال فيه (٢): ((عن حبيبةَ بنت جحش))، ذكره الإمامُ أحمدُ في رواية ابنه(٢) عبد الله وقالَ: خالفَ النَّاسَ - يشير إِلَى أنَّها حمنةُ ليستْ حبيبةً(٣). وقد خرَّجه ابنُ ماجه من طريقِ ابنِ جريجٍ، عن ابن عقيلٍ إلا أَنَّ في روايته «عن أمِّ حبيبة بنت جحش))(٤). وحاصلُ الأمرِ: أَنَّ بنات جحش ثلاثٌ: زينب بنت جحشٍ أمُّ المؤمنين كانت زوجَ زيد بن حارثةَ فطلَّقَها فتزوَّجها النبيُّ وَلِّ وهي التي ذكرها الله سبحانه(٢) في سورة الأحزاب، وحمنةُ بنت جحشٍ وهي التي خاضتْ في الإفكِ وكانت تحتَ طلحة بن عبيد الله، وأمُّ حبيبةَ وكانت تحتَ عبدالرحمن بن عوف ويقال فيها - أيضًا - أمَّ حبيب. قَالَه الإمامُ أحمد = طريق شريك، وزهير، عن ابن عقيل. وأخرجه ابن ماجه (٦٢٢) من طريق ابن جريج، عن ابن عقيل، وقال: عمر بن طلحة)) قال الترمذي: والصحيح: عمران بن طلحة . (١) انظر ما سبق تعليقا (ص٦٣) على قوله هذا عند الحديث (٣٠٦). (٢) ((فيه))و ((ابنه)و ((سبحانه)) ليس فى ((ط)). (٣) وانظر ((العلل ومعرفة الرجال)) (٥٢٧١). (٤) ابن ماجه (٦٢٢). ١٦٢ ٢٦- باب عرق الاستحاضة الحديث : ٣٢٧ في رواية ابنه صالح(١). وأكثر النَّاس يُسمِّيها أُمَّ حبيبةً. وقالت طائفةٌ من المحقّقين: إنَّما هي أمّ حبيب واسمُها: حبيبة، ففي ((تاريخ)) المفضل الغلابي(٢) - والظَّاهرُ أَنَّه عن يحيى بن معين لأنَّه في سياقِ كلامِ حكاه عنه - قال: المستحاضةُ حبيبةُ بنت (٢٦٠ - ب/ ق) جحش وكانت تحتَ عبد الرحمن بن عوف وهي أختُ حمنةٍ (٣). وكذا ذكرَ الزَّبيرُ بن بكارٍ في كتاب [ ...... ] ((الأنساب))؛ إلا أنَّه لم يكنها، وكذا قالَ أبو بكرِ بنُ أبي داودَ (٤). وحكى الدار قطنيُّ في ((علله)) عن إبراهيمَ الحربيِّ أَنَّه قالَ: الصحيحُ أَنَّ المستحاضةَ أمُّ حبيب واسمها حبيبةُ بنت جحش، وهي أختُ حمنةَ، ومن قَالَ فيه: ((أمَّ حبيبة)) أو ((زينب)) فقد وَهمَ. قال الدار قطنيُّ: وقولُ إبراهيمَ صحيحٌ، وكانَ من أعلمِ الناسِ بِهذا الشأنِ(٥). وقال ابنُ سعد في ((طبقاته)): هي أمَّ حبيب(٦) بنت جحش واسمُها: حبيبةُ. قال: وبعضُ أهلِ الحديث يقلبُ اسمَها فيقولُ: ((أم حبيبة)): وحَكَى (١) رقم (٩٠١). (٢) في ((ط)): ((الفضل الغلابي)) خطأ، إنما هو المفضل، والغلابي بالتشديد كما قال ابن السمعاني، وخالفه ابن الأثير وصَوَّبَ أنه بالتخفيف، وذكره ابن ناصر بالتخفيف - أيضا - ((الأنساب)) (٤ /٣٢١)، و((التوضيح)) (٦ /٣٩٥، ٤٤٦). وانظر ((المعرفة)) للبيهقي (٢ / ١٦٠). (٣) في (ط)): ((لحمنة)). (٤)من قوله ((وكذا ذكر الزبير بن بكار)) إلى هنا ليس في ((ط)) وأثبتناه من ((ق)) وهكذا البياض فيها. وانظر ((طبقات النسابين)) للشيخ العلامة بكر أبو زيد (ص ٦٤ - ٦٥). وما ذكره المصنف عن الزبير بن بكار، فإننا لم نجده في الجزء المطبوع منه والله أعلم. (٦) في (ط)): ((أم حبيبة)) خطأ. (٥) ((العلل)) للدارقطني (٥ أ/ ق ٢٣ - أ، ب). ١٦٣ الحديث: ٣٢٧ كتاب الحيض عن الواقديِّ أَنَّه قَالَ: بعضُهم يغلطُ فيروي أنَّ المستحاضةَ حمنةُ بنت جحش ويظنَّ أَنَّ كنيتَها أمُّ حبيبةَ، والأمرُ على ما ذكرنا هي أمُّ حبيب حبيبةُ بنت جحش وكانت تحتَ عبد الرحمن بن عوف ولم تلدْ له شيئًا (١). وحكى (٧٨ - ب/ ط) البيهقيُّ في كتابِ ((المعرفة)) عن ابنِ المدينيِّ أَنَّه قال: أمُ حبيبةَ هي حمنةُ، وعن يحيى بنِ معينٍ أَنَّها غيرُها. ثم قَالَ البيهقيُّ: حديثُ ابنِ عقيلٍ يدلُّ على أَنَّها غيرُها كما قالَ يَحيى (٢). قلت: روايةُ ابنِ عقيلٍ، عن إبراهيمَ بن محمد بن طلحةَ، عن عَمِّه عمران بن طلحة، عن أُمِّه حمنةً(٣) صريحٌ في أنَّها حمنةُ لا يحتملُ غيرَ ذلك؛ لأنَّ حمنةَ هي زوجُ طلحة بن عبيد الله وولدتْ له عمران وهو راوي هذا الحديث عن أُمِّه، [وأَمَّا أختها ((حبيبةُ)) فلم يكنْ لها ولدٌ بالكلية، قالَه الزَّبِيرُ بن بكار وغيره](٤). وحينئذ فيحتمل أن تكونَ حمنةُ اسْتُحيضتْ وأختها حبيبة استحيضت - أيضا - وقد حكَى ابنُ عبد البرِّ قولا، قال: وقيلَ: إِنَّهنَّ كلُّهنَّ اسْتُحِضْنَ - يعني: زينب [و]أم حبيب(٥) وحمنة - وعلى ما ذكره الأولونَ فالمستحاضةُ هي أُمُّ حبيب حبيبةُ خاصة دونَ أختيها، وذكر أبو الوليد بنُ الصفار الأندلسيّ - وكان من أعيان علماء (٢٦١ - أ/ق) الأندلسِ في شرح((الموطأ)) له (٦): أَنَّ كُلا من الأخوات الثلاث يُسمَّى زينب، وأَنَّ حمنةَ لقبٌ، قال القرطبيُّ: وإذا صحَّ هذا فقد صحَّ قولُ من سمَّى المستحاضةَ زينب. (١) ((الطبقات)) (٨ / ٢٤٢). (٢) ((المعرفة)) (٢/ ١٥٩ - ١٦٠). (٤) ما بين المعقوفين من ((ق)). (٣) في ((ق))، و((ط)): ((أم حمنة)) خطأ. (٥) في ((ط)): ((زينب أم حبيب)) خطأ. (٦) هو: ((يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث القرطبى، وشرح ((الموطأ)) واسمه ((الموعب في تفسير الموطأ))، له ترجمة في ((الديباج المذهب)) لابن فرحون (٢ / ٣٧٤) وكذا ((السير" (٥٦٩/١٧). ١٦٤ : ٢٦ - باب عرق الاستحاضة الحديث : ٣٢٧ قلت: وفي هذا بُعْدٌ، وهو (١) مخالفٌ لقول الأئمة المعتبرين - كما سبقَ - واللهُ أعلم. ووقعَ في متنِ حديث عائشةَ اختلافٌ ثالثٌ - وهو أهمُّ مما قبلَه - وذلكَ أَنَّه اخْتُلِفَ في غسلها لكلِّ صلاةٍ، فمن الرواة من ذكرَ أنَّها كانت تغتسلُ لكلِّ صَلَاةٍ وَأَنَّ النَّبِيَّ وَِّ لم يَأْمَّرْها(٢) بذلك، ومنهم من ذكرَ أَنَّ النبي(٣) وَ ◌ّ أَمَرَها بذلك، فأَمَّ الذين لم يَرْفعوه فهم الثِّقَاتُ الْحُفَّاظُ. وقد خرَّجَه البخاريّ ها هنا من حديثِ ابنِ أبي ذئبٍ، عن الزَّهريِّ، وفي حديثِهِ(٤): فكانت تغتسلُ لكلِّ صلاة. وخرَّجَه مسلمٌ من طريقِ الليثِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ وفي حديثِه قال الليثُ: لم يذكر ابنُ شهابٍ أَنَّ رسولَ الله ◌َّ أمرَ أُمَّ حبيبةَ بنت جحش أن تغتسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ ولكنَّه شيءٌ فعلتْهَ هي(٥). وخرجه - أيضا - من رواية عراك بن مالك، عن عروةَ، عن عائشةَ وفي حديثه: فكانتْ تغتسلُ عندَ كُلِّ صلاةٍ(٦). وأما الذين رفعوه: فرواه ابنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ أَنَّ أُمَّ حبيبةَ استحيضت في عهدِ رسولِ اللهِ بَّةَ(٧٩ - أ/ ط) فأمرَها بالغُسلِ لكلِّ صَلاةٍ. خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ قال: وَرَوَاه أبو الوليد الطيالسي - ءِ (١) جاء في (ق)): ((وهي))، وفي الهامش: ((لعله: وهو)). (٢) في ((ط)): ((يأمر)). (٣) في ((ق)): ((أنه النبي)). (٤) في ((ط)): ((وفي حديث)). (٥) مسلم (٣٣٤ / ٦٣). (٦) مسلم (٣٣٤ / ٦٦). ١٦٥ الحديث: ٣٢٧ كتاب الحيض ولم أَسْمَعْه منه -، عن سليمانَ بن كثيرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ: اسْتُحِيضتْ زينب بنت جحش فقال لها النَّبِيُّ وَّل: ((اغتسلي لكلِّ صلاة))(١). وابنُ إسحاق وسليمانُ بن كثير في روايتهما (٢) عن الزَّهريِّ اضطراب [كثير](٣) فلا يحكمُ بروايتهما عنه مع مخالفةِ حفّاظِ أصحابِه. وروى يزيدُ بنُ عبد الله بن الهاد، عن أبي بكرٍ - هو ابن حزمٍ - ، عن عمرةَ، عن عائشةَ أَنَّ أمَ حبيبةَ بنت جحش كانت تحتَ عبد الرحمن بن عوف وأنَّها اسْتُحيضت فلا تطهرُ فذكر شأنَها لرسولِ اللهِ وَله فقال: ((ليستْ بالحيضة، ولكنَّها ركضةٌ من الرحم فلتنظرْ (٢٦١ - ب/ق) قدرَ قرئها التي كانتْ تحيضُ له فلتترك الصَّلاةَ، ثم لتنظرْ ما بعدَ ذلك فلتغتسلْ كلَّ(٤) صلاة ولتصلِ)). خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والنسائيُ(٥). وهو مخالفٌ لرواية الزَّهريِّ، عن عمرةَ - كما سبقَ -، ورواية الزهريِّ أصحّ. وقال الإمامُ أحمدُ: كلُّ من روى عن عائشةَ: ((الأقراءُ: الحيضُ)) فقد أخطأَ. قال: وعائشةُ تقول: الأقراءُ: الأطهار(٦). وكذا قال الشَّافعيُّ في (١) أحمد (٦ /٢٣٧)، وأبو داود (٢٩٢). (٣) من ((ق)). (٢) في ((ط)): ((روايتها)) خطأ. (٤) في هامش ((ق)): ((لعله: لكل)). (٥) أحمد (٦ /١٢٨ - ١٢٩)، والنسائي (١ / ١٢٠ - ١٢١). (٦) وفي ((مسائل ابن هانىء)) (١ /٣١) وسئل عن الأقراء فقال: أما عائشة رضي الله عنها فقالت: الأقراء: الحيض. والأكابر من أصحاب النبي مَل يقولون: الطهر)) ا. هـ . = ١٦٦ ٦ ك باب عرق الاستحاضة الحديث : ٣٢٧ روايةِ الربيع، وأشارَ إلى أَنَّ روايةَ الزهريِّ أصحٌّ من هذه الرواية. وحَكَى الحاكمُ عن بعضِ مشايخِهِ أَنَّ حديثَ ابنِ الهاد غيرُ محفوظ. وقد رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ وَ ◌ّهِ أَمْرَ أُمَّ حبيبةَ بالغسلِ لكلِّ صلاةٍ: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن زينبَ بنت أبي سلمةَ. خرَّجَه أبو داودَ(١). وقد اختُلِفَ في إسناده على يحيى، والصّحيحُ: عنه، عن أبي سلمةَ مرسلا، قاله أبو حاتمٍ (٢). معَ أَنَّ روايةَ زينب بنت أبي سلمةَ مرسلةٌ - أيضا. وقيل: عنه، عن أبي سلمةَ، عن أُمِّ حبيبةَ ولا يصحُ. ورواه الأوزاعيُّ، عن يحيى، عن أبي سلمةَ مرسلا، وجعلَ المستحاضةَ زينب بنت أبي سلمة، وهو وهمٌ فاحشُ؛ فإنَّ زينبَ حينئذ كانت صغيرةً. وقد رُويَ عن طائفة من الصَّحابةِ والتَّابعين أَنَّ المستحاضةَ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ، فمنهم (٧٩ - ب/ط) من حمل ذلك على الوجوب. وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّه قَالَ: لا أجدُ لها إلا ذلك. ومنهم من حملَه على الاستحبابِ. وقد حُكِيَ الوجوبُ روايةً عن أحمدَ، والمشهورُ عنه الاستحبابُ كقول الأكثرينَ. فهذا مخالف لما هنا عن الإمام أحمد، وكذا مخالف لما حكاه ابن كثير عن أحمد أن = الأكابر من الصحابة يقولون: إنه الحيض، وكذا ابن عبد البر، فهذا يقضي على أن ما في ((مسائل ابن هانىء)) خطأ والله أعلم. (التمهيد)) (١٥ / ٨٥ - ٩٨)، و((تفسير ابن كثير)) (١ / ٣٩٧ - ٣٩٨). (٢) في ((العلل)) لابنه (١١٩). (١) (٢٩٣). ١٦٧ الحديث: ٣٢٧ كتاب الحيض وقد تعلَّقَ بعضُهم للوجوبِ بأنَّ النبيَّ وَّ أمرها أن تغتسلَ وتصلِّي وهذا يعمُّ كلَّ صلاةٍ فإنَّه كالنَّهي أن تصلِّيَ حتَّى تغتسلَ وقد فهمتٍ المأمورةُ ذلك فكانتْ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ وهي أفهمُ لما أُمِرَتْ به. ويجابُ عن ذلك بأنَّه ◌ِّهِ إِنَّما أمرها أن تغتسلَ إذا ذهبتْ أيامُ حيضتها(١) فلا يدخلُ في ذلك غير الغسلِ عند فراغ حيضتها، وأَمَّا ما فعلته فقد تكونُ فعلتْهُ احتياطًا وتبرعًا بذلك. كذا (٢) قالَه الليثُ بنُ سعد وابنُ عيينةَ، والشَّافعيُّ وغيرهُم من الأئمةِ. ويدلُّ على أَنَّ أمرَها بالغسلِ لم يعمَّ كلَّ صلاةٍ: أَنَّ عائشةَ روتْ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ أمرها أن تغتسلَ وقالت عائشة: فكانت تغتسلُ لكلِّ صلاة فَدلَّ على أن عائشةَ فهمتْ(٢٦٢ - أ/ ق) من أمر النبيِّ وَِّ غير ما فعلتْه المستحاضةُ، وعائشة راوية الحديث وهي أفقهُ وأفهم من غيرِها من النساء . وقد ذهبَ مالكٌ والشافعيَّ في أشهرِ قوليه في المتحيرة - وهي المستحاضةُ التي نسيتْ وقتَها وعددها ولا تمييز (٣) لها - أنَّها تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ وتصلي أبدا. واختلفَ أصحابُ الشَّافعيِّ هل تقضي أم لا؟ على وجهين لهم واختارَ ابن سُرَيْج (٤) منهم أنَّها تُصلِّي كلَّ يومٍ وليلة عشرَ صلوات بستِّ اغتسالات وأربعة وضوءات ليسقطَ الفرضُ عنها بيقين. (١) في ((ط)): ((حيضها)). (٢) في ((ق)): ((كذلك)). (٣) في ((ق)): ((تميز)). (٤) في (ق)): ((شريح)) بالشين المعجمة، والحاء المهملة، وفي ((ط)) بدون نقط، والصواب ما أثبتناه - بالسين المهملة، والجيم، وهو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي أبو العباس. له ترجمة في ((طبقات الشافعية)) (٣/ ٢١) وانظر ((السير)) (١٤ / ٢٠١). ١٦٨ ٦ ك باب عرق الاستحاضة الحديث : ٣٢٧ وفي هذا حرجٌ عظيمٌ وعسرٌ شديدٌ، والكتابُ ناطقٌ بانتفائه عن هذه الأمة، فكيفَ تُكلَّفُ به امرأةٌ ضعيفةٌ مبتلاةٌ مع أنَّ دينَ اللهِ يسرٌ ليسَ بعسر . وذهبتْ(١) طائفةٌ إلى أَنَّ المستحاضةَ تغتسلُ كلَّ يوم غسلا واحدا، ورُوِيَ عن أحمدَ ما يدلُّ على وجوبه . وعند أحمدَ وإسحاقَ: لها أن تجمعَ بين الصِّلاتينِ بغسلٍ واحد، وفي ذلك أحاديثُ (٨٠ - أ/ ط) مرفوعة عن النبيِّ وَّ مخرجة(٢) في ((السنن)). وأما قولُ النَّبِيِّ وَ لَّهِ: ((هذا عرقٌ)) وتبويبُ البخاريِّ هاهنا على هذه اللفظة فقد سبقَ الكلامُ على معناه مستوفَّى في باب ((الاستحاضة))(٣). وليسَ في حديثِ الزُّهريِّ الذي خرَّجَه البخاريُّ في هذا الباب أَنَّ النبيِّ وَّهِ أمر المستحاضةَ أن تَدع الصَّلاةَ أيامَ حيضِها - كما في حديثٍ هشام بن عروةً وعراك بن مالك، عن عروةَ -؛ لكن في حديثِ هشامٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ أمرَ فاطمةَ بنتَ أبي حبيش، وفي حديثِ عراك: أمرَ أمَّ حبيبةً بنت جحش، وقد ذكر الأوزاعيّ عن الزَّهريِّ في حديثه هذا أنه وَخَلّ قال لأمِّ حبيبةَ: ((إذا أقبلت الحيضةُ فدعي الصَّلاةَ، فإذا أدبرتْ فَاغْتَسلِي صَلىالله وصَلِّي)) وتفرد بذلك، وكذلك روى ابن عيينة عن الزهري أن النبي وَسَلم أمرها أن تدعَ الصلاةَ أيام أقرائها، وهو وهم منه(٤)- أيضا - قاله الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ وغيرُهما(٥). ورواه محمدُ بن عمرو، عن الزُّهريِّ، وزادَ (١) في ((ط)): ((وذهب)). (٢) ((مخرجة)) ليست في ((ط)). (٣) تحت الحديث (٣٠٦). (٤) في ((ق)): ((فیه)). (٥) انظر ((السنن)) لأبي داود، وكذا الحديث (٣٠٦). ١٦٩ الحديث: ٣٢٧ كتاب الحيض فيه: ((إذا كانَ دمُ الحيضِ فإنه أسودُ يعرف)) وقيل: إنَّه وهمٌ منه - أيضًا - لكنَّه جعَله (٢٦٢ - ب/ق) عن عروةَ، عن فاطمةَ بنتِ أبي حبيش(١). ورواه سهيلٌ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ: عن أسماءَ بنت عميس وزادَ فيه هذا المعنى - أيضًا -، وقد سبقَ ذكرُ ذلك في بابِ ((الاستحاضة)). والمحفوظُ عن الزُّهريِّ في هذا الحديثِ: ما رواه عنه أصحابُه الحفاظُ، وليسَ فيه شيءٌ من ذلك والله سبحانه وتعالى(٢) أعلم(٣). (١) أبو داود (٢٨٦). (٢) ((سبحانه وتعالى)) ليست في ((ق)). (٣) وانظر الحديث (٣٠٦) فقد سبق فيه مسائل مشتركة مع حديثنا هذا. ٦ ١٧٠ الحديث: ٣٢٩،٣٢٨، ٣٣٠ ٢٧ - بابُ الْمَرْأَة تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ خرَّجَ فيه حدیثین : أحدهما: من حديث: ٣٢٨ - عَمْرَةٍ (١)، عَنْ عَائشَةَ أَنَّها قالَتْ لَرَسُولِ اللهِلّهِ: إِنَّ صَفيَّةَ قَدْ حَاضَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله(٢) ◌ِّ: ((لَعَلَّهَاَ تَحْبِسُنَا،َ أَلَمْ تَكُنْ طَاقَتْ مَعَكِنَّ؟)) قالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَاخْرُجْنَ)) (٣). والثَّاني: من حديث: ٣٢٩ - طَاوسٍ (٤)، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ للحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. ٣٣٠ - وكَانَ، ابْنُ عُمَرَ(٥) يَقُولُ في أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لاَ تَنْفِرُ، ثُمَّ سَمِعْتُه يَقُولُ: تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِيَّهِ رَخَّصَ لَهُنَّ. (١) اختصر المؤلف الإسناد، وهو في ((الصحيح)): ((حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا - وفي نسخة: حدثنا -، مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن عمرة)» . (٢) وفي ((اليونينية)): ((عائشة زوج النبي وَّل أنها قالت لرسول الله وَله: يا رسول الله: إن صفية بنت حُييَّ قد حاضت؟ قال رسول الله)). (٣) وفي نسخة في ((ق)): ((فاخرجي)) وهي بعض نسخ ((اليونينية)). (٤) اختصر المؤلف الإسناد، وهو في ((الصحيح)): ((حدثنا معلى بن أسد قال: حدثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه)). (٥) إنما جعلناه برقم جديد، وإن كان ضمن الحديث السابق إلا أننا ألزمنا أنفسنا بترقيم ((الفتح)) طبعة محمد فؤاد عبد الباقي ليسهل على الباحث. ١٧١ الحديث: ٠٣٢٩،٣٢٨ ٣٣٠ كتاب الحيض قد سبقَ(١) أَنَّ الحائضَ ممنوعةٌ من الطوافِ في حالِ حيضِها، فإنْ حاضت (٨٠- ب/ط) قبل طواف الإفاضة فإنَّها لا تنفرُ حتَّى تطوفَ للإفاضة، وإن طافتْ طوافَ الإفاضةِ ثم حاضتْ فذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ إلى أنَّها تنفرُ كما دلتْ عليه هذه الأحاديثُ الثلاثة - أعني حديثَ عائشةَ وابن عمر وابن عباسٍ -، وقد رُوِيَ عن عمرَ وابنه عبد الله وزيد ابن ثابت أنَّهم قالوا: لا تنفرُ حَتَّى تطهرَ وتطوفَ للوداع، ووافق جماعةٌ من الأنصارِ زيدَ بنَ ثابتٍ(٢) في قولهِ هذا وتركوا قولَ ابنِ عبّاس. فأما ابنُ عمرَ : فقد صح [عنه] (٣) بروايةِ طاوس هذه أَنَّه رجعَ عن ذلك. وأمَّا زيدٌ: ففي ((صحيح مسلم)عن طاوسٍ - أيضا - أَنَّه قَالَ: كنتُ مَع ابنِ عبَّاسٍ إذا قَالَ زيدُ بنُ ثابتٍ، أَتُفْتِي أَنْ تصدرَ الحائضُ قبلَ أن يكونَ عهدُها بالبيتِ؟ فقال ابنُ عبّاسٍ: إما لا (٤) فسلْ فلانةً الأنصاريةَ هل أمرها بذلك رسولُ اللهِ وَ﴿؟ قال: فرجعَ زيدٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ يضحكُ وهو يقولُ له: ما أراك إلا قد صدقت. وأما عمرُ: فقد رُويَ - أيضا - أَنَّه رجعَ عمَّا قَالَه في ذلك، فروى عبدُ الرزاقِ: أنا(٥) محمدُ بن راشد (٦)، عن سليمانَ بن موسى، عن نافع قال: ردَّ عمرُ نساءً من ثنيَّة هرشى، وذلكَ أَنَّهنَّ أفضنَ يوم النَّحرِ ثم (٢) في ((ط)): ((وزيد بن ثابت)). (١) في الباب (٧) من ((كتاب الحيض)). (٣) من ((ق)). (٤) في ((ط)): ((أنا لا))، والصواب مافي ((ق)) وهو موافق لما في ((صحيح مسلم)) (٣٨١/١٣٢٨)، ومعناها: إن لم تفعل هذا، فليكن هذه. كما قال ابن الأثير- كما في ((شرح النووي)). (٥) في ((ق)): («أبنا)) . (٦) هو: محمد بن راشد الخزاعي المعروف بالمكحولي. مترجم في ((تهذيب الكمال))(٢٨١/٢٥). ١٧٢ ٧ ك باب المرأة تحيض بعد الإفاضة الحديث: ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٠ حضْنَ فنفرنَ فردَّهنَّ (٢٦٣ - أ/ ق) حتى يطهرنَ ويطفنَ بالبيتِ قال: ثم بلغَ عمر بعد ذلك حديث عمر(١) ما صنعَ فتركَ عمرُ صنيعَه الأول. قال: وأَنَا (٢) محمدُ بن راشد: أخبرني عبدةُ بنُ أبي لبابةَ، عن هشامٍ ابن يحيى المخزوميِّ أنَّ رجلا من ثقيف أتى عمرَ بنَ الخطاب فسأله عن امرأة زارتْ يومَ النَّحرِ ثم حاضتْ قال: فلا تنفرُ حتى تطهرَ فيكونُ آخر عهدها بالبيت، فقال الرجُل: فإنَّ رسولَ اللهِ وَلهو أمرَ في مثل هذه المرأةِ بغيرِ ما أفتيتَ، فضربَه عمرُ بالدِّرَّةِ وقال: ولمَ تسْتفتني في شيءٍ قد أفتى فيه رسولُ الله وَلاَ؟! وخرجَ الإسماعيليُّ في ((مسند عمرَ)) من طريقِ هشامٍ بنِ عمار: ثنا صدقةُ: ثنا(٣) الشَّعَيْثِيُّ، عن زُفرَ بن وَثِيمَة أَنَّ رجلا من ثقيف أتى عمرَ فقال: امرأةٌ منَّا حاضتْ وقد أفاضتْ يومَ النَّحرِ، فقال: ليكنَّ آخرَ عهدها (٨١ - أ/ ط) بالبيت، فقالَ: إِنَّ النَّبِيَّ بَهِ أَفْتى امرأةٌ منَّا أن تصدرَ، فحملَ عليه عمرُ فضربه وقال: تَسْتفتيني في شيءٍ قد أَفْتَى فيه رسول الله ێ . . وقد رُوي علی وجه آخر: ئے خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داود والنسائيُّ من روايةِ الوليدِ بن عبدالرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوسٍ قال: أتيتُ عمرَ بنَ الخطاب فسألتُه عن المرأة تطوفُ بالبيتِ يومَ النَّحرِ ثم تحيضُ، فقال: ليكنْ(٤) آخرَ (١) كذا في ((ق)) و((ط))، وكتب في هامش ((ق)). ((لعله: غير)). (٢) في ((ق)): ((وأنبا)). (٤) في (ق)): ((ليكون)). (٣) في ((ط)): ((ن)). ١٧٣ الحديث: ٣٢٨، ٣٢٩، ٣٣٠ كتاب الحيض عهدها بالبيت، قال الحارثُ: كذلك أفتاني رسولُ اللهِ وَلّهِ فقال عمرُ: أَربْتَ عن يديك(١)، سألتني عن شيءٍ سألتَ عنه رسولَ الله وَل كيما أخالف(٢)؟ !. والوليدُ هذا ليس بالمشهورِ . وخرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ من طريقٍ آخر، عن الحارثِ بنِ عبدالله بن أوس قَالَ: سمعتُ النَّبِيَّ ◌َخِيهِ يقولُ: ((من حجَّ هذا البيتَ أو اعتمرَ فليكنْ آخرَ عهده بالبيت)) فقالَ له عمرُ: خررت(٣) من يديك سمعتَ هذا من رسولِ اللهِ وَلِهِ ولم تُخْبِرْنَا به(٤)؟! وفي إسنادِهِ حجاج بنُ أرطاةَ، وقد اخْتُلِفَ عليه في إسناده(٥). وهذه الروايةُ تدلُّ على أَنَّ الحارثَ بن أوس لم يسمعْ من النَّبِيِّ وَِّ في الحائضِ بخصوصها إذا كانتْ قد أفاضتْ أنَّها تحتبسُ (٢٦٣ - ب/ ق) لطوافٍ الوداعِ، إنَّما سمع لفظًا عامًا، وقد صحَّ الإذنُ للحائضِ إذا كانتْ قدّ طافتْ للإفاضةِ أن تنفرَ، فيخصَّ من ذلك العمومِ وعلى هذا عملُ العلماء كافَّةٌ من الصَّحابةِ فَمَنْ بَعدَهم. وقد رَوَى عبدُ الرزاق، عن الثَّورِيِّ، عن أبي فروةَ أَنَّ سَمِعَ القاسمَ ابن محمد يقولُ: رَحِمَ اللهُ عمرَ، كُلُّ أصحاب محمد وَلَّ(٦) قد أَمروها (١) ((غريب الحديث)) للهروي (٣٤٩/٣) والخطابي، وفيهما: ((أربت من يديك)). (٢) أحمد (٣ /٤١٦)، وأبو داود (٢٠٠٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢ / ٤٦٣ - ٤٦٤). (٣) في ((ط)) بالحاء المهملة. (٤) أحمد (٣ / ٤١٦ - ٤١٧) والترمذي (٩٤٦). ووقع خطأ وسقط في ((المسند)) المطبوع، وعلى الصواب في ((أطراف المسند)) (٢ / ٢٢٥) ((المسند الجامع)) (٣٨/٥). (٥) كذا قال الإمام الترمذي. (٦) في ((ط)): ((عليه الصلاة والسلام)). ١٧٤ ٧ ك باب المرأة تحيض بعد الإفاضة الحديث: ٣٢٩،٣٢٨، ٣٣٠ بالخُرُوجِ يقول(١): إذَا كانتْ قد(٢) أفاضت. وروى بإسناده، عن سعد بن أبي وقاصٍ أَنَّه ذكر له قولَ ابن عمر لا تنفرُ حتَّى يكونَ آخرُ عهدها بالبيت، فقال: ما يجعلُها حرامًا بعد إذ حلت؟ إذا كانت قد طافت يومَ النَّحر فقد (٨١ - ب / ط) حلَّتْ فلتنفر(٣). يشيرُ سعدٌ إلَى أَنَّ من طافَ طواف الإفاضةِ فقد حلَّ الحلَّ كُلَّه فلا يكونُ محتبسًا بعد حِلّه، وإِنَّما بقي عليه بقايا من توابعِ المناسكِ كالرمي والمبيتِ بمنى وطوافِ الوداعِ، فما أمكنَ الحائضُ فعلَه من ذلك كالرمي والمبيت فَعَلَتْه، وما تعذَّرَ فعلُه عليها كالطواف سقطَ عنها ولم يَجُزْ إلزامُها بالاحتباس له. وكلُّ من خالفَ في ذلك فإنَّما تمسَّكَ بعمومٍ قد صحَّ تخصيصُهُ بنصوصٍ صحيحةٍ خاصّةٍ بالحائضِ، ولم يصحّ عن النّبِيِّ بَّ في الحائض بخصوصها نهيّ أن تنفر، وحديث الرجل الثقفي الذي حدَّث عمرَ بما سمع من النبي ◌ُّ قد رُوِيَ على ثلاثة أوجه - كما سبقَ - وأسانيدُه ليستْ بالقويَّةِ فلا يكونُ معارضًا لأحاديثَ الرُّخصةِ للحائضِ في النَّفْرِ؛ فإِنَّها خَاصَّةٌ وأسانيدُها في غاية الصِّحَّةِ والثَّوت. (١) في ((ط)): ((تقول)). (٢) ((قد)) من ((ط)). (٣) ((فلتنفر)) سقطت من ((ط)). ١٧٥ كتاب الحيض ٢٨ - بابُ إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ قَالَ ابْنُ عَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةً وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلاةُ أَعْظَمُ. هذا الأثرُ ذكره أبو داود (١) تعليقًا، فقال(٢): رَوَى أنسُ بنُ سيرينَ، عن ابنِ عبَّاسٍ في المستحاضةِ قال: إذا رأتِ الدمَ البحراني(٣) فلا تصلي، وإذا رأتِ الظُّهْرَ (٤) ولو ساعةً فلتغتسلْ وتُصَلِّي. وقد ذكره الإمامُ أحمدُ واستحسنه(٥) واستدلَّ به وذهبَ إليه، وقال في روايةِ الأثرم وغيرِهِ: ثنا إسماعيلُ - هو ابن علية -: ثنا(٦) خالدٌ الحذاءُ، عن أنسِ بنِ سيرينَ قال: (٢٦٤ - أ/ق): اسْتُحيضت امرأةٌ من آلِ أَنْسِ فأمروني فسألتُ ابنَ عِبَّاسٍ فقال: أَمَّا(٧) ما رأتِ الدَّمَ البحرانيَّ (٣) فإِنَّها لاَ تُصلِّي، وإذا رأتِ الطُّهرَ ساعةً فَلْتغتسلْ ولتُصلِّ. قال أحمدُ: ما أحسنَه. والدَُّ البحرانيُّ قيل: هو الأحمرُ الذي يضربُ إلى سواد. ورُوِيَ عن عائشةَ أنَّها قالتْ: دمُ الحيضِ بَحْرانِيٌّ أسودُ. خرَّجَه 193 البخاريّ في ((تاريخه)) (٨). (١) تحت حديث رقم (٢٨٦). (٢) في ((ط)): ((قال)). (٣) في ((ط)): ((النجراني))، والمثبت من ((ق))، وهي كذلك عند أبي داود. (٤) في ((ط)): ((أطهر)). (٥) في ((ط)): ((فاستحسنه)). (٦) في ((ط)): ((نا)). (٧) قوله: ((أما)) كأنه ضرب عليها في ((ط)). (٨) ((التاريخ الكبير)) (١ /١١٥). ١٧٦ ٨ ك باب إذا رأت المستحاضة الطهر وقيل: البحراني: هو الغليظُ الواسعُ الذي يخرجُ من قعرِ الرحمِ، ونُسبَ إلى البحرِ لكثرته وسعته . وقولُ ابنِ عبَّاسٍ ((إذا رأتِ الطُّهرَ ساعةً من نهارٍ فلتغتسلْ ولتُصلِّ): محمولٌ على غير (٨٢ - أ/ ط) المستحاضة فإنَّ المستحاضَة تُصلِّي(١) إذا جاوزتْ أيامَ حيضِها، سواء انقطعَ دمُها أو لم ينقطعْ، وإذا اغتسلتْ عندَ انقطاعٍ حيضِها وصلتْ ثم انقطعَ دمُها بعد ذلك، فلا غسلَ عليها عند انقطاعه، وإنَّما يصحّ حملُ هذا على الدمِ الجاري في أيامِ الحيضِ، وأَنَّه إذا انقطعَ ساعةً فهي طاهرٌ تغتسلُ وتصلي، وسواء كانَ بعد تمامٍ عادةِ الحيضِ أو قبل تمامِ العادةِ. وقد ذهبَ الإِمامُ أحمدُ إلى قولِ ابن عبَّاسٍ في هذا واستدلَّ به وعليه أكثرُ أصحابنا . ومنهم من اشترطَ مع ذلك: أن ترى علامةَ الطُّهرِ مَع ذلك، وهو القصةُ البيضاءُ - كما سبقَ ذكرُها. وعن أحمدَ: لا يكون الطُّهرُ في خلالِ دمِ الحيضِ أقلّ من يومٍ (٢). وصحَّح ذلك بعضُ الأصحابِ؛ فإنَّ دمَ الحيضِ لا يستمرَّ جريانُه بل ينقطعُ تارةً ويجري تارةً، فإذا كانَ مدةُ انقطاعه يومًا فأكثرُ فهو طهرٌ صحیحٌ وإلا فلا. وحكى الطحاويَّ الإجماعَ على أَنَّ انقطاعَ الدَّم ساعةً ونحوها لا (١) في ((ط)): ((تصل)). (٢) راجع ((مسائل عبد الله)) (ص ٤٦)، و((مسائل صالح)) (٤٥٨)، و((مسائل أبى داود)) (ص: ٢٢)، و((مسائل ابن هانئ)) (١ /٣٠). ١٧٧ كتاب الحيض عبرةَ به وأَنَّه كالدمِ المتصلِ، وليس كما ادَّعاه. ومن العلماءِ من ذهبَ إلى أَنَّ مدةَ النَّقَاءِ في أثناءِ خلالِ الدمِ وإن طالتْ إذا عاد الدمُ بعدَ ذلك في مدة الحيضِ يكونُ حيضًا لا تُصلِّي فيه ولا تصومُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه والثوريِّ وأحد قولى الشافعيِّ، وروی ابن منصور عن أحمدَ نحوه . وتعرفُ المسألةُ بمسألة ((التَّلْفيقِ))، ولهذا فروعٌ وتفاصيلٌ كثيرةٌ جدّا - وحينئذ - ففي تبويب البخاريِّ: ((الْمُسْتحاضةُ إذا رأت الطُّهرَ)) نظرٌ؛ بل الأَوْلَى أن يقال (٢٦٤ - ب/ق): الحائضُ إذا رأت الطُّهرَ ساعةً)) وإنَّما اعتمدَ على لفظِ(١) الرواية عن ابنِ عَبَّاسٍ ولعلَّ ابنَ عباسٍ أرادَ أَنَّ المستحاضةَ إذا كانتْ مميزةً جلستْ زمنَ دمها الأسودِ فإذا انقطع الأسودُ ولو ساعةً فإنَّه زمنُ طهرِها فتغتسلُ وتصلِّي حينئذٍ، وقد حملَه إسحاقُ بنُ راهويه على مثلِ هذا، فقال(٢) - في رواية حرب في استدلاله على اعتبار التَّمييز(٣) للمستحاضةِ بحديثٍ ((إِذَا كَانَ دمُ الحيضِ فإنَّه أسودُ يعرف)) (٤) الحديثَ - قال: وكذلك رُويَ عن ابنِ عَبَّاسٍ (٥) أنه قال(٦) لامرأة مستحاضة: (٨٢ - ب/ط) أمَّا ما دامتْ ترى الدَّمَ البَحرانيَّ فلتدع الصَّلاَةَ فإذا جاوزتْ ذلك اغتسلتْ وصلَّتْ. وكذلك وقَعَ في كلامِ الإمامِ أحمدَ في روايةِ الشَّالنجيّ(٧) حملُ كلامٍ ١ (١) في ((ط)): ((لفظة)). (٢) في ((ط)): ((قال)). (٣) في ((ق)) لعلها: ((التميز)) أو ((المتميز))، هكذا يمكن أن تقرأ، وهذا الموضع من ((ق)) أصابه رطوبة، فعسرت قراءتها . (٤) أخرجه أبو داود (٢٨٦)، والنسائي (١ /١٢٣، ١٨٥) والبيهقي (١ /٣٢٥)، وغيرهم. (٥) سبق تخريجه في أول الباب. (٦) كلمة ((قال)) أُلحقت بهامش (ط)) وكتب فوقها ((لعل))، وأشار بعلامة لحق عند قوله: ((لامرأة)). (٧) هو إسماعيل بن سعيد أبو إسحاق، له اعتناء بمسائل الإمام أحمد ترجمه ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) (١٠٤/١ - ١٠٥). ١٧٨ ٨ ك باب إذا رأت المستحاضة الطهر ابنِ عِيَّاسٍ على مثلِ هذا. وهو يرجعُ إلى أَنَّ المستحاضةَ تعملُ بالتَّمييزِ فتجلسُ زمنَ الدمِ الأسود، فإذا انقطعَ عنها ورأت حمرةً أو صفرةً أو كدرةً فإن ذلك طهرُها، فتغتسلُ حينئذٍ وتُصلِّي، والله أعلم. وأَمَّا ما قد ذكر البخاريُّ أَنَّه يأتيها زوجُها إذا صَلَّت، الصَّلاةُ أعظمُ: فظاهرُ سياقِ حكايته يقتضي أنَّ ذلك من تمامٍ كلامِ ابنِ عبَّاسٍ، ولم نقفُ على إسنادٍ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وليس هو من تمامٍ روايةِ أنسٍ في سؤالهِ لابنِ عَبَّاسِ عن المستحاضةِ من آلِ أنسٍ . وقد رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ من وجهِ آخر (١) الرخصةُ في وطء المستحاضة من روايةِ ابنِ المباركِ، عن أجلح(٢)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال في المستحاضةِ: لا بأسَ أن يُجامِعَهَا زوجُها. ويحتملُ أن يكونَ البخاريُّ ذكرَ هذا الكلامَ من عند نفسِه بعد حكايته لما قبلَه عن ابن عباس. وهذا الكلام إنما يُعرفُ عن سعيد بن جبير، روى وكيعٌ عن سفيانَ، عن سالم الأفطس قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبير عن المستحاضة يجامعُها(٣) زوجُها؟ قال: لا بأسَ به، الصَّلاةُ أعظمُ من الجماعِ(٤). (١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١ / ٣١٠)، ومن طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢ / ٢١٦). (٢) في ((ق)): ((أبي صالح))، والمثبت من ((ط))، وهو الصواب، والموافق لما في ((المصنف)). (٣) في ((ط)): ((يجامها)). (٤) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١ / ٣١٠) مختصرًا من رواية: سفيان، عن سالم، عن سعيد، وكذلك هو عند ابن أبي شيبة في («مصنفه)) (٤ /٢٧٩) مختصرًا - أيضًا - من طريق: وكيع، عن سالم، عن سعيد. ولم يذكر سفيان بين وكيع وسالم. = ١٧٩ كتاب الحيض ومِمَّنْ رخَّص(١) في ذلك: ابنُ المسيبِ، والحسنُ، وعطاءٌ، وبكرٌ المزنيُّ، وعكرمةُ، وقتادةُ، ومكحولٌ، وهو قولُ الأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، والليثِ، وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشَّافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ، ورواية عن أحمدَ، وقد تقدَّمَ (٢) أنَّ أمَّ حبيبة لما اسْتُحيضتْ (٢٦٥ - أ/ق) كانت تحتَ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، وحمنةَ كانت تحتَ طلحةَ، وقد سألتا(٣) النَّبِيَّ وَخَلِّ عن حكم الاستحاضةِ فلم يذكر لهما (٤) تحريمَ الجماع ولو كان حرامًا لَبِيَّنَهُ، وفي ((سنن أبي داود))(٥) عن عكرمةً، عن حمنةَ بنت جحش أنَّها كانتْ تُسْتحاضُ وكان زوجُها يجامعُهَا. قال (٦): وكانتْ أُمُّ حبيبةً تستحاضُ وكان زوجُها يغشاها. ولأنَّ لها حكمَ الطَّاهرات في الصَّلاةِ والصَّومِ وسائرِ العبادات فكذلك في الوطءِ. وقالت طائفةٌ: لا تُوطأُ المستحاضةُ (٨٣ - أ/ ط). ورُوِيَ ذلك عن عائشةَ من روايةٍ سفيانَ، عن غيلان - هو (٧) ابن جامع -، عن عبد الملك بن ميسرةَ، عن الشَّعبيِّ، عن قَمِير (٨) - امرأةٍ مسروقٍ - ، عن عائشةَ أَنَّها كَرِهَتْ أن يجامعَهَا زوجُها. وأخرجه الدارمي في ((السنن)) (١ /٢٠٧) بنحوه مثل طريق عبد الرزاق سواء. (١) راجع ((المصنف)) لعبد الرزاق (١ / ٣١٠ - ٣١١) وابن أبي شيبة (٤ / ٢٧٩)، والدارمي (٢٠٧/١ - ٢٠٨)، و((الأم)) (١ /٥٩)، و((الأوسط)) لابن المنذر (٢ /٢١٦ - ٢١٧). (٢) راجع شرح المصنف على حديث رقم (٣٢٧). (٣) في ((ط)): ((سألت)). (٥) برقم (٣١٠). (٤) في ((ط)): ((لها)). (٦) القائل: ((عكرمة))، كما هو عند أبي داود (٣٠٩). وينتهى قوله عند كلمة: ((يغشاها)). (٧) كلمة: ((هو)) زيادة من: ((ق)). (٨) في ((ط)) عسر قراءة أولها لِفَرْطِ المداد. ١٨٠