النص المفهرس
صفحات 121-140
١٩ - بَابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِذْبَارِهِ وَكُنَّنِسَاءٌ بَيْعَثْنَ إِلَى عَائِشَة بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: لاَ تَعْجَلَنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الظُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ. وَبَلَغَ ابْنَةَ(١) زَيّدِ بِنِ ثَابِتِ أَنَّ نِسَاءٌ يَدْعُونَ(٢) بِالْمَصَابِحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وعَابَتْ عَلَيْهنّ. هذانِ الأثرانِ خرَّجَهما مالكٌ في ((الموطأ))(٣) فَرَوى (٦٧ - ب/ ط) عن علقمةَ بنِ أبي علقمةَ، عن أُمِّه مولاة عائشةَ أنَّها قالتْ: كان النِّساءُ يبعثنَ إلى عائشةَ بالدُّرجةِ فيها الكرسفُ فيه الصفرةُ من دمِ الحيضةِ يسْألنها عن الصَّلاة فتقولُ: لا تَعْجلنَ حتَّى ترِينَ القَصَّةَ البيضاءَ - تريدُ بذلك الطُّهرَ من الحيضةِ . وروى - أيضا -، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عَن عمَّتِه، عن ابنةِ زید ابن ثابت أَنَّهُ بَلغها أَنَّ نساءً كُنَّ يدعون بالمصابيحِ من جوفِ اللَّيلِ ينظرنَ (١) في ((ق)): ((بنت)). (٢) في ((ط)): كتب فوقها (خ)) وفي الهامش قال: في نسخة: ((يدعين)) وفي ((ق)) كتب في (٣) الموطأ (ص ٦٠ - ٦١). الأصل (یدعین)» و کتب فوقها ((يدعون)). ١٢١ كتاب الحيض إلى الطُّهر فكانتْ تعيبُ ذلك عليهنَّ وتقول: ما كان النِّساءُ يَصنعنَ هذا. وإنّا كان نساءُ الصدرِ الأول يَصنعنَ هذا لشدة اهتمامهنَّ بالصَّلاة وأمورِ الدين رضي اللهُ عنهن(١). قال ابنُ عبدِ البرِّ: إنما أنكرتْ بنتُ زيد ابن ثابت على النِّساءِ افتقادَ أحوالهنَّ في غيرِ وقت الصَّلاة وما قاربها، لأنَّ جوفَ اللَّيْلِ ليسَ بوقتِ صلاةٍ، وإنّا على النِّساءِ افتقادُ أحوالهِنَّ الصَّلاة، فإن كنَّ قد طهرنَ تأهبنَ للغسلِ لِمَا عليهنّ من الصّلاةِ. انتهى وفيما قالَه نظرٌ؛ فإنَّ جوفَ الليلِ وقتٌ لصلاةِ العشاء، فإذا طهرتْ فيه الحائضُ لزمهَا (٢٤٨ - ب / ق) صلاةُ العشاء وصلاةُ المغرب - أيضا - عند كثيرٍ من العلماءِ. وإِنَّما أنكرتْ بنتُ زيد - والله أعلم - النَّظرَ في لونِ الدَّمِ، وأَنَّ مدةَ العادةِ تحكمُ بأنَّ جميعَ ما يُرى(٢) فيها دمُ حيضٍ وإن اختلفتْ ألوانُه. وهذا المعنى أقربُ إلى إدخالِ البخاري له في هذا البابِ وإلى إدخالِ مالكِ له في ((الموطأ)) في بابِ ((طهر الحيض)) وسياقُهما له بعد قولِ عائشةَ الذي صدَّرَ به البخاريُّ هذا البابَ: و ((الدُّرْجة)»: قدْ رُوِيتْ بضمِّ الدَّالِ المشدَّةِ وسكون الراء، فيكونُ تأنيثَ (ُرْج) ورُوِيتْ بكسرِ الدَّالِ، وفتح الرَّاءِ، فيكونُ جمع (دُرَج)) كما يجمعُ حُرج وتُرس على حِرَجة وتِرَسة والدّرجُ المراد به هنا خِرقٌ تُلَفُّ وفيها قطنٌ - وهو الكرسفُ - فتُدْخِلُه المرأةُ الحائضُ في فرجها لتنظرَ ما يخرجُ على القطنِ فإذا خرجَ عليه دمٌ أحمر أو أسود علمتِ المرأةُ أنَّ دمَ حيضها باقٍ، وإن خرجَ عليه صفرةٌ فقد أفتتْ عائشةُ رضي الله عنها بأَنَّه حيضُ - أيضا - وأَنَّ الحائضَ لا ينقطعُ حيضُها حتى ترى القَصَّةَ البيضاء - والقَصَّةُ (١) في ((ق)): ((عنهم)). (٢) في ((ق)): ((تری)). ١٢٢ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره بفتح (٦٨ - أ/ ط) القاف - أصلها: القطعةُ من الجَصِّ (١) الأبيض -، وأرادتْ عائشةُ بذلك أَنَّ القطنة تخرجُ بَيضاءَ ليس فيها شيءٌ من الصُّفْرةِ ولا الكدرة فيكونُ ذلك علامةَ نقائها وطهرِها. وقالت طائفةٌ: بل القصةُ البيضاءُ عبارةٌ عن ماء أبيضَ يخرجُ عقبَ الدمِ مِن النِّساءِ في آخرِ الحيضِ فلا تطهرن بدونه، وقيلَ : إنَّه يشبهُ الخيط الأبيضَ. وهذا قولُ مالكِ وغيرهِ. وروى الوليد بن مسلمٍ، عن عبد الرحمن بن ميسرةَ، عن عبد الرحمن ابن ذُؤَيب، عن عائشةَ قالت: الطُّهرُ أن ترى المرأةُ بعدَ الدَّم ماءً أبيضَ قِطَعًا. خرَّجَه حربٌ الكرمانيُّ. وحكى الخطابيُّ (٢)، عن ابنِ وهبِ أَنَّه قال في تفسيرِ القصَّةِ البيضاء: رأت القطنَ الأبيضَ كأنَّه هو. وعن ابن أبي سلمة(٢) قال: إذا كانَ ذلك نظرتِ المرأةُ إلى مثلٍ ريقِها في اللون فتطهر بذلك فيما بلغنا. وعن مالك قال: سألتُ النِّساءَ عن القَصَّة البيضاء فإذا ذاكَ أمرٌ معروفٌ عندَ النِّساءِ يرِينَه عندَ الطُّهرِ . وهذا المحكيُّ عن مالك (٢٤٩ - أ/ ق) يوافقُ القولَ الثَّاني الذي ذكرناه، وأَنَّ القصةَ البيضاءَ عبارةٌ عن شيءٍ أبيضَ يخرجُ في آخرِ دمِ الحيضِ . وقال ابنُ عبد البرِّ: اختلفَ أصحابُ مالك عنه في علامةِ الطُّهر، ففي ((المدونة)) (٣): قال مالكٌ: إذا كانت المرأةُ ممَّنْ ترى القصَّةَ البيضاءَ فلا تطهر حَتَّى تراها، وإن كانتْ - ممَّنْ لا يراها فطهرُها الجفوفُ، وذلك أن (١) بفتح الجيم وكسرها، وهو ما يُبْنَى به. (٢) ((أعلام الحديث)) (٣٢٥/١ - ٣٢٦). (٣) ((المدونة)) (١ / ٥٥). ١٢٣ كتاب الحيض تدخلَ الخرقَةَ فتخرجها (١) جافةً. وبه قال عيسى بنُ دينار، قال: القصةُ البيضاء أبلغُ في براءةِ الرحمِ من الجفوفِ. وفي ((المجموعة)) (٢): قال مالكٌ: إذا رأت الجفوفَ وهي بَّنْ ترى القصةَ البيضاءَ فلا تُصَلِّي حتَّى تراها، إلا أن يطولَ ذلك بها. وقال ابنُ حبيب (٣): تطهرُ(٤) بالجفوف وإن كانتْ ممَّنْ ترى القَصَّة البيضاءَ. قال ابنُ حبيب: والجفوفُ إبراءُ الرحمِ من القصَّة البيضاء. قال: فمنْ كانَ طهرُها القصةَ البيضاء(٥) ورأت الجفوفَ فقد طَهُرَتْ. قال: ولا تطهرُ(٦) التي طهرُها الجفوفُ برؤيتها القصةَ البيضاءَ حَتَّى ترى الجفوفَ. قال: وذلك أَنَّ أولَ الحيضِ دَمٌ ثم(٧) صفرةٌ ثم تَرِيَّةُ(٨) ثُمَّ كدرة ثم يكونُ ريقًا كالفضةِ ثم ينقطعُ، فإذا انقطعَ قبلَ هذه المنازل فقد برئت الرَّحمُ من الحيضِ قال: والجفوفُ أبرأُ وأوعبُ، وليسَ بعدَ الجفوف انتظارُ(٦٨ - ب/ط) شيءٍ. انتهى ما ذكره ابنُ عبد البرِّ رحمه اللهُ. وفي («تهذيب (٩) المدونة)): وتغتسلُ إذا رأت القصةَ البيضاءَ، فإن كانتْ ممِّنْ لا تراها فحتى (١٠) ترى الجفوفَ. قال ابنُ القاسم: والجفوفُ أن (١) ((فتخرجها)) ليست في ((ط)). (٢) قال ابن فرحون في ((الديباج المُذْهَبُ: محمد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير ... كان نظيرًا لمحمد بن المزاز وألف كتابا شريفا سماه: ((المجموعة)) على مذهب مالك وأصحابه، أعجلته المنية قبل تمامه. (٢ / ١٧٤_١٧٥). (٣) انظر الديباج المذهب)) (١ / ٢٥٩). (٤) في ((ط)): ((تطهير)). (٦) في ((ط)): ((تطهير)). (٥) ((البيضاء)) ليست في ((ق)). (٧) (ثم)) ليست في ((ط)). (٨) في صلب((ق)) بضم التاء، وفي ((اللسان)) وغيره بالفتح بلا خلاف: وفي هامش ((ق)) و((ط)): ((التربية: الشيء الخفي اليسير من الصفرة والكدرة تراها المرأة بعد الاغتسال من الحيض)). (٩) ((المدونة)) (١ / ٥٥). (١٠) في ((ق)): ((فحين)). ١٢٤ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره تدخل (١) الخرقةَ فتخرجها جافةً. قال أبو عبيد (٢): التَّريةُ الشيءُ الخفيّ ے اليسيرُ، وهو أقلّ من الصَّفْرةِ، والكدرة، ولا تكون(٣) التريةُ إلا بعدَ الاغتسال(٤)، فأمَّا ما كانَ في أيامِ الحيض فهو حيضٌ وليس بترية. انتهى. واختلفَ قولُ الإمامِ أحمدَ(٥) في تفسيرِ القَصَّةِ البيضاء، فنقلَ الأكثرونَ عنه أَنَّه (٢٤٩ - ب/ق) شيءٌ أبيض يتبعُ الحيضةَ ليس بصفرةٍ ولا كدرة فهو علامةُ الطُّهر (٦). وحكاه أحمدُ عن الشَّافعيّ(٧)، ونقلَ حنبل عن أحمدَ أَنَّ القصّةَ البيضاءَ هو الطُّهرُ وانقطاعُ الدَّمِ. وكذلك فسَّرِ سفيانُ الثَّورِيُّ القصةَ البيضاءَ بالطهرِ (٨) من الحيضِ. وأرسلت امرأةٌ إلى عمرةَ بنتِ عبد الرحمن بدرجٍ فيه كرسفةُ قطنِ فيها كالصَّفْرة تسألها: هل تَرَىَ إذا لم تر المرأةُ من الحيضة إلا هذا أن قد طَهُرَتْ(٩)؟ فقالت: لا، حتَّى ترى البياضَ خالصًا. وروى الأثرمُ بإسنادهِ، عن ابنِ الزُّبير أنَّه قال على المنبرِ: يا معشرَ النِّسَاء! إذا رأتْ إحداكنَّ القَصَّةَ البيضاءَ فهو الطُّهرُ. وقال مكحولٌ: لا تغتسلُ المرأةُ من الحيضِ إذا طهرت حَتَّى تَرَى طهرًا أبيض. وقد حكى أبو عبيد القولين في تفسيرِ القَصَّة البيضاء (١٠). ودلّ(١١) قولُ عائشةَ رضي اللهُ عنها هذا على أَنَّ الصفرةَ والكدرةَ في (٢) ((غريب الحديث)) (١ / ٢٧٨). (١) في ((ط)): ((يدخل)). (٣) في ((ط)): ((وألا تكون)) وما أثبتناه موافق للمطبوع. (٤) في ((ق)): ((اغتسال)). (٦) فى ((ط)): ((الطهير)) بدون نقط. (٩) في ((ط)): ((طهيرت)) بدون نقط . (٨) في ((ط)): ((باطهر)). (١٠) ((غريب الحديث)) (١ /٢٧٨). (٥) ((مسائل عبد الله)) (ص ٤٣). (٧) ((الأم)) (١ / ٦٦). (١١) في ((ق)): ((وذكر)). ١٢٥ كتاب الحيض أيامِ الحيضِ حيضٌ، وأَنَّ من لها أيامٌ معتادةٌ تحيضُ فيها فرأتْ فيها صفرةً أو كدرةً فإن ذلك يكونُ حيضًا معتبرًاً. وهذا قولُ جمهور العلماء، حَتَّى إنَّ منهم من نقلَه إجماعًا، منهم: عبدُ الرحمن بن مهدي، وإسحاقُ بنُ راهويه، ومرة خصَّ إسحاقُ حكايةَ الإجماعِ بالصَّفْرةِ دونَ الكدرة(١). ولكن ذهب طائفةٌ قليلةٌ، منهم: الأوزاعيُّ، وأبو ثورٍ، وداودُ، وابنُ المنذرِ، وبعضُ الشَّافعيةِ إلى أَنَّه لا يكونُ ذلك حيضًا حَتَّى يتقدَّمَه في مدةٍ العادة دمٌ، واشترطَ بعضُ الشَّافعيةِ أن يكونَ الدَّمُ المتقدمُ يبلغُ أقلَّ الحيضِ، ومنهم من اشترطَ أن يلحقَه دمٌ - أيضًا -، ومنهم من اشترطَ أن يلحقَه دمٌ يبلغُ أقلَّ الحيضِ . وقال أبو يوسفَ: الصفرةُ حيضٌ، والكدرةُ ليست حيضًا؛ إلا أَنْ يتقدمها دمٌ. وحُكِيَ عن داودَ أنَّ الصَّفْرةَ والكدرةَ لا (٦٩ - أ / ط) تكونُ حيضًا بكلِّ حالٍ . فأَمَّا ما زاد على أيام العادة واتَّصلَ بها وكان صفرةً أو كدرةً فهل يكونُ حيضًا أم لا؟ فيه قولان، أحدُهما: أنَّه حيضٌ، وهو أشهرُ الروايتين عن مالك والمشهور عن الشَّافعيِّ - أيضا - وعليه أكثرُ أصحابِهِ، وقول الحكم، وأبي حنيفةَ، وإسحاقَ. والثَّاني: أَنَّه ليسَ بحيض. وهو (٢٥٠ - أ / ق) روايةٌ عن مالك، ے (١) ((الأوسط)) (٢ /٢٣٥). ١٢٦ ١٩ - باب إقبال المحيض وإدباره وقول الثَّوريِّ، والإصطخريِّ وغيره من الشَّافعية. وَأَمَّا الإمامُ أحمدُ، فإنَّه يرى أَنَّ الزائدَ على العادة لا يُلتفتُ إليه أولَ مرة حتَّى يتكررَ (١) مرتين أو ثلاثًا على اختلاف عنه، وقد سبقَ ذكرُ ذلك. فإنْ زادَ على العادة بصفرةٍ أو كدرةٍ وتكررَ ثلاثًا فهل يكونُ حيضًا أم لا؟ فيه عنه روايتان. وقد رُوِيَ عن عائشةَ أَنَّه لا يُلتفتُ إلى الزَّائِدِ على العَادةِ من الصُّفْرةِ والكدرة. خرَّجَهَ حربٌ، والبيهقيُّ(٢) من روايةٍ سليمانَ بنِ موسى، عن عطاءِ، عن عائشةَ قالت: إذا رأت المرأةُ الدَّمَ فلتمسكْ عن الصَّلاة حَتَّى تراه أبيضَ كالقصة(٣)، فإذا رأتْ ذلك فلتغتسلْ ولتُصلِّ، فإذا رأتْ بعدَ ذلك صفرةً أو كدرةً فلْتتوضَّأْ ولتصل (٤)، فإذا رأتْ دمًا أحمرَ فلتغتسلْ ولتُصلِّ. ورُوِيَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرِ ما يُشعرُ بخلاف ذلك. فروى(٥) البيهقيُّ(٦) وغيرهُ من روايةِ ابنِ إِسحاقَ، عن فاطمةَ بنت المنذر، عن أسماء قالت: كُنَّا في حجرها مع بنات أخيها، فكانت إحدانا تطهرُ ثُمَّ تُصلى، ثم تنتكسُ الصُّفْرةُ اليسيرةُ فَيَسْأَلْنَها (٧) فتقولُ: اعتزلْنَ الصَّلاةَ ما رأيتنَّ ذلك حتى ترينَ البياضَ خالصًا. وقد حملَه بعضُ أصحابنا على أَنَّ الصفرةَ أو الكدرةَ إذا رُؤيتْ بعدَ (١) انظر ((مسائل عبد الله)) (ص ٤٥، ٤٦). (٣) في ((ط)): ((كالفضه)». (٥) في ((ق)): ((روی)). (٦) ((معرفة السنن والآثار)) (٢ /١٥٥ - ١٥٦)، والكبرى (١/ ٣٣٦). (٧) ((فنسألها)»كذا في ((ق)). (٢) ((السنن الكبرى)) (١ / ٣٣٧). (٤) في ((ق)): ((ولتصلي)). ١٢٧ كتاب الحيض الطُّهرِ وانقطاع الدم فإنَّها لا تكونُ (١) حيضًا، ولو تكررتْ على الصّحيحِ عندهم بخلاف ما إذا رأتْ ذلك مُتَّصلاً بالدّمِ وتكرر. فهذا كلُّه في حَقِّ المعتادة. فأما المبتدأةُ إذا رأتْ في زمنٍ يصلحُ للحيضِ صفرةً أو كدرةً فقالت طائفةٌ من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعَه، وأكثرِ أصحاب الشَّافعيِّ: إِنَّه يكونُ حيضًا، لأنَّ زمنَ الدمِ للمبتدأةِ كزمنِ العادة للمعتادة. وقالت طائفةٌ من أصحابنا: لا يكونُ حيضًا، وقالوا: إِنَّه ظاهرُ كلامِ أحمدَ. وهو قولُ طائفة من الشافعية أيضا(٢)، وحكَاه الخطَّبيُّ عن عائشةَ، وعطاءِ، وأكثر الفقهاءِ، لأنَّه اجتمع (٦٩ - ب/ط) فيه فقدُ العادة ولونُ الدم المعتادُ فقويتْ جهةُ فساده، وعلى هذا فينبغي إن تكررَ ذلك ثلاثًا أن يكونَ حيضًا إن قلنا: إنَّ (٢٥٠ - ب/ق) المتكررَ بعدَ العادة حيضٌ. وقد يُفرَّقُ بينهما بأنَّ المتكررَ بعدَ العادة قد سبقَه دمٌ بخلافِ هذا. وقد ذهبَ طائفةٌ من أصحابِنا، منهم: ابنُ حامد(٣)، وابنُ عقيل إلَى أنَّ المبتدأَةَ إذا رأتْ أولَ مرةٍ دمًا أحمرَ فليسَ بدمٍ حيضٍ حَتَّى يكونَ أسودَ، وهو قولُ بعضِ الشَّافعيةِ - أيضا -؛ للحديثِ المرويِّ عن النَّبِيِّ وَّهُ أَنَّه قال في دمِ الحيض: ((إنَّه أسودُ يُعْرَفُ)(٤). وهذا ينتقضُ عليهم بالمعتادة، فإنَّها إذا كانتْ عادتُها أسودَ ثم رأتْ في مدة العادة دمًا أحمرَ فإنَّه حيضٌ بغيرِ خلافٍ . (١) في ((ط)): ((ولا تلو)). (٢) ((أيضًا)) ليست في ((ط)). (٣) في ((ق)): ((حماد))، وانظر ((طبقات الحنابلة)) (٢ / ١٧١) الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي، وانظر ((المقصد الأرشد)) (١ / ٣١٩). (٤) أبو داود (٢٨٦، ٣٠٤)، والنسائي (١ / ١٨٥). ١٢٨ ٩ ١ - باب إقبال المحيض وإدباره الحديث : ٣٢٠ ثُمَّ خرَّجَ البخاريُّ في هذا البابِ من حديثٍ : ٣٢٠ - سُفْيَانَ ـ هُوَ ابنُ عُيَيْنَةَ -، عن هشَامٍ، عَنْ أَبيه، عَنْ عَائشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَّتِ النَّبِيِّنَ فقالَ: ((ذَلِكَ عرَقُ وَلَيْستْ بالحَيضةً، فإذا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعَي الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَّتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي». وقد سبقَ (١) هذا الحديثُ، وذكرنا اختلافَ العلماء في معناه وأَنَّه هل المراد (٢) بإقبالِ الحيضةِ وإدبارِها إقبالُ الدَّمِ الأسود وإدبارِه؟ أم المرادُ إقبالُ وقت عادتها وإدبارُها؟ وأَنَّ أكثرَ الأئمة حملوا الحديثَ على الأولِ، وهو اعتبارُ التَّميزِ في الدَّمِ، والمميزةُ ترجعُ إلى ما تراه من أغلظ الدِّماء، وأفحشها لونًا فتجلسُ مدةَ الدَّم الأسودِ دونَ الأحمرِ والأحمرِ دون الأصفرِ. ولا يعتبرُ للتمييزِ (٣) تكررٌ على أصَحِّ الوجهين لأصحابِنا؛ لكن يشترطُ عندهم أَنْ لا ينقصَ عن أقلِّ الحيضِ ولا يجاوزُ(٤) أكثرَه وأن يكونَ بينَ الدَّمينِ أقلُّ مدة الطُّهر، وهو قولُ الشَّافعيَّةِ - أيضًا -، وحُكِيَ عن أحمدَ روايةً أخرى أَنَّه لا يعتبرُ أن لا يجاوزَ أكثرَ الحيضِ، فعلى هذه الرواية تجلسُ منه قدرَ الأكثرِ خاصَّةً. وأما على تفسيرِ إقبالِ الحيضةِ وإدبارِها بإقبال العادة وإدبارِها: فتجلسُ ما تراه من الدَّمِ في أيامٍ عادتِها خاصةً(٥) على أيِّ صفة كان ولا تزيدُ على ذلك، فإذا انقضتْ مدةُ عادتها فهي طاهرٌ تغتسلُ (٧٠ - أ/ ط) وتُصَلِّي. (١) (٣٠٦). (٣) في ((ق)): ((للتميز)). (٥) في ((ط)): ((خاصة)). (٢) في ((ط)): «المراه)). (٤) في ((ق)): ((یتجاوز)). ١٢٩ كتاب الحيض ٢٠ - بَابٌ لا تَقْضي الْحَائضُ الصَّلاةَ. (٢٥١ - أ/ق) وَقَالَ جَائِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ وَأَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَِّّ ◌ِ:(تَدَعُ الصَّلَةَ». حديثُ أبي سعيد المشارُ إليه قد خرَّجه بتمامه في باب ((ترك الحائض ء الصوم(١)، وفيه أَنَّ النبيَّ نَّه قال: ((أليسَ إذا حاضتْ لم تصلِّ ولم تَصُمْ؟)) قُلْنَ: بلى، قال: ((فذَلكَ من نقصان دينها)) . . ](٣) . وحديثُ جابرٍ المشارإليه(٢) [. وَ لخل قال للمستحاضة: ((إذا وقد سبقَ حديثُ عائشةً(٤) أَنَّ النَّبِيّ أقبلتِ الحيضةُ فَدَعي الصَّلاةَ». وقد أجمعَ العلماءُ على أَنَّ الحائضَ لا يجوزُ(٥) لها الصَّلاةُ في حالٍ حيضها فرضًا ولا نقلاً. وقد استحبَّ طائفةٌ من السَّلف أن تتوضأَ في وقت كُلِّ صلاة مفروضةٍ وتستقبلَ القبلةَ وتذكرَ اللهَ عزَّ وجلَّ بمقدارِ تلكَ الصَّلاةِ، منهم الحسنُ وعطاءٌ، وأبو جعفرٍ محمدُ بن علي، وهو قولُ إسحاقَ، ورُويَ عن عقبةَ بنِ عامرٍ أَنَّه كانَ يأمرُ الحائضَ بذلك وأن تجلسَ بفناءِ مسجدها. خرَّجَه الجوزجاني . (١) (٣٠٤) . حسب (٢) ((إليه)) مطموسة في ((ط)). (٣) ما بين المعقوفين بياض في ((ق))، و((ط)) قدر سطر ونصف. (٤) (٣٢) . (٥) في ((ق)): ((ولا تجوز)). ١٣٠ · ک باب لا تقضي الحائض الصلاة وقال مكحولٌ: كان(١) ذلك من هدي نساء المسلمينَ فى أيامٍ حيضهن. وأنكرَ ذلك أكثرُ العلماء، وقال أبو قلابةَ: قد سألنا عن هذا فما وَجَدْنا له أصلاً. خَرّجَه حربٌ الكرمانيّ. وقال سعيدُ بن عبد العزيز: ما نعرفُ هذا، ولكنَّنَا نكرهُه. قال ابنُ عبد البرِّ: على هذا القول جماعةُ الفقهاء وعَامَّةُ العلماء في الأمصارِ . وممَّنْ قال: ليسَ ذلكَ على الحائضِ: الأوزاعيَّ، والثَّوريَّ، وأبو حنيفةً، ومالكٌ. وكذلك قال أحمدُ، قال(٢): ليسَ عليها ذلك ولا بأسَ أن تهللَ وتسبِّحَ وتكبر(٣) . وبه (٤) قال أبو خيثمةً، وسليمانُ بن داود الهاشميّ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الشَّافعيِّ وزادوا: أنَّه(٥) يحرمُ عليها الوضوءُ إذا قصدتْ به العبادةَ ورفعَ الحدثِ، وإِنَّ يجوزُ لها أن تغتسلَ اغتسال(٦) الحجِّ؛ لأنَّه لا يرادُ بها رفع الحدثِ، بل النظافة . وقد رَوَى يحيى بن صاعد: ثنا عبدُ الجبار بن العلاء: نا أيوبُ بن سويد الرمليّ: ثنا عتبةُ بنُ أبي حكيم، عن أبي سفيان طلحةَ بن نافع : حدثني عبدُ الله بن عباس أنَّه باتَ عند النَّبِيِّ بَّهَ فِي (٢٥١ - ب / ق) ليلة (٧٠ - ب / ط) ميمونةَ بنتِ الحارث فقامَ النبيَّ وَلّ فأسبغَ الوضوءَ (١) في (ط)): ((وكان)). (٣) في ((ق)): ((تسبح وتهلل وتكبر)). (٥) في ((ق)): ((أنها)). (٢) ((قال)) ليست في (ط)). (٤) (به)) ليست في ((ط)). (٦) في (ط)): ((أغسال)). ١٣١ الحديث: ٣٢١ كتاب الحيض وقل هراقُهُ الماءَ وقامَ فافتتحَ الصَّلاةَ، فقمتُ فتوضأتُ وقمتُ عن يساره فأخذ بأذني فأَقَامني عن يمينه وكانت ميمونةُ حائضًا فقامت فتوضَّأتْ ثم قعدتْ خلفَه تذكر الله عز وجل . [خرَّجَه الطبرانيَّ في ((مسند الشاميين)) (١) وغيره. وهذا غريبٌ جدّاً](٢). وأيوبُ بن سويد الرمليّ ضعيف(٣). خرَّجَ البخاريُّ في هذا الباب حديثَ قتادةً: ٣٢١ - حدثني (٤) قتادةُ أَنَّ امْرأَةً قَالَتْ لِعَائشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلاتَهَا إذا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُوريَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيَضُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فَلاَ يَأْمُرُنَا به، أَوْ قَالَتْ: فَلاَ تَفْعَلُهُ. قولُها (أتجزي)) هو بفتحِ الَّاءِ، و((صلاتها)) بفتحِ التَّاءِ، والمعنى: أَتَقْضي صلاتَها إذا طهرتْ من حيضها. وقول عائشةَ: ((أَحروريةٌ أنت؟)) يعني أنت(٥) من أهلِ حَرُورا؟ وهم الخوارجُ، فإنَّه قد قيل: إنَّ بعضَهم كان يأمرُ بذلك، وقيل: إِنَّها أرادتْ أَنَّ هذا من جنسِ تنطعِ الحروريةِ وتعمقهم في الدين حَتَّى خرجوا منه، ثم ذكرت أَنَّ النبيَّ وَّ كان لا يأمرُهنَّ بذلك إذا حضْنَ أو لا تفعلنه(٦) - شكَّ الراوي أيَّ اللفظين (٧) قالت - ومعناهما (١) ((مسند الشاميين)) (٧٣٤، ٧٣٧). (٢) ما بين المعقوفين حدث فيه تقديم وتأخير في ((ق)) كالآتي: ((وهذا غريب جدّاً خرجه الطبراني في مسند الشاميين)). (٣) ((تهذيب الكمال)) (٣ / ٤٧٤). (٥) ((أنت)) (ليست)) في ((ط)). (٧) في ((ق)): ((اللفظتين)). (٤) ((حدثني قتادة)) ليست في ((ط)). (٦) في ((ق)): ((يفعلنه)). ١٣٢ ٠ ٢- باب لا تقضي الحائض الصلاة الحديث : ٣٢١ متقارب، فإنَّ نساءَ النَّبِيِّ وََّ إذا كُنَّ يحضنَ في زمانه فلا(١) يقضينَ الصَّلاَةَ إذا طهرنَ فإنما يكونُ ذلك بإقرارِ النَّبِيِّ بَلَ على ذلك وأمرِه به، فإنَّ مثلَ هذا لا يخفى عليه ولو كانَ القضاءُ واجبًا عليهنَّ لم يهملْ ذلك وهو لا يغفلُ عن مثلِه لشدةِ اهتمامِه بأمرِ الصَّلاةِ. وقد خرَّجَ مسلمٌ (٢) هذا الحديثَ في ((صحيحه) بلفظةِ(٣): (ثم لا نُؤْمِرُ بالقَضاءِ)) - من غير ترددِ -، خرجه بلفظ آخر وهو: كانَ يصيبُنا ذلك على عهدِ رَسُولِ اللهِ لّهِ فَنؤمرُ بقضاءِ الصَّوْمِ ولا تُؤْمِرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ(٤). وقد حكى غيرُ واحدٍ من الأئمةِ إجماعَ العلماءِ على أَنَّ الحائضَ لا تقضي الصَّلاةَ، وأَنَّهم لم يختلفوا (٢٥٢ - أ/ ق) في ذلك، منهم: الزُّهريُّ، والإمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بن راهويه، والتِّرمذيُّ، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرِ وغيرُهم(٥). وقال عطاءٌ وعكرمةُ: قضاءُ الحائض الصلاةَ (٧١ - أ / ط) بدعةٌ (٦). وقال الزهريُّ: أجمعَ النَّاسُ على أَنَّ الحائضَ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ. قال: وليسَ في كُلِّ شيءٍ نجدُ الإسنادَ(٧). وقد حُكِيَ عن بعضِ الخَوارِجِ أَنَّ الحائضَ تَقضي الصَّلاةَ، وعن (١) في ((ق)): (ولا)). (٢) مسلم (٥٣٥ /٦٧) وفيه: ((ثم لا نؤمر بقضاء)). (٣) في ((ق)): ((وقد خرج هذا الحديث مسلم في ((صحيحه)) بلفظ)). (٤) مسلم (٥٣٥ / ٦٩) وليس في المطبوع: ((على عهد رسول الله وَله)) . (٥) ((جامع الترمذي)) (١٣٠)، و((التمهيد)) (١٦ /٦٧)، و(«الأوسط)) (٢ /٢٠٢). (٦) ((مصنف عبد الرزاق)) (١/ ٣٣١). (٧) ((مصنف عبد الرزاق))(٣٣٢/١) ١٣٣ الحديث: ٣٢١ كتاب الحيض بعضهم أَنَّها تُصَلِّ في حالِ حيضِها. ولكن في ((سنن أبي داود(١)) بإسناد فيه(٢) لينٌ أَنَّ سمرةَ بنَ جندب كان يأمرُ النِّساءَ بقضاءِ صلاةِ الحيضِ . وقد ذكر البخاريُّ في «الصيام(٣)) من كتابِه هذا عن أبي الزِّنَادِ أَنَّه قال: إنَّ السننَ ووجوهَ الحقِّ لتأتي (٤) كثيرًا على خلاف الرأي فلا يجدُ المسلمون بُدّاً من اتباعها، من ذلك أَنَّ الحائضَ تقضي الصَّومَ دونَ الصلاة. وهذا يدلُّ على أنَّ هذا مِمَّا لا يدركُ بالرأي ولا يهتدي الرأيُ إلى وجهِ الفرق فيه . وقد فرَّقَ كثيرٌ من الفقهاء من أصحابنا، وأصحابِ الشَّافِعِيِّ بين قضَاء الصَّومِ والصَّلاةِ بأنَّ الصَّلاةَ تتكرر (٥) كلَّ يومٍ وليلةِ خمسَ مراتٍ والحيض لا تخلو منه كل شهرٍ غالبًا، فلو أُمِرَتِ الحائضُ بقضاءِ الصَّلاةِ معَ أمرِها بأداءِ الصّلاةِ في أيامٍ طهرِها لشقَّ ذلك عليها، بخلافِ الصِّيام فإنه إنما يَجيءُ مرةً واحدةً في السَّةِ فلا يشقُّ قضاؤه. ومنهم من قال: جنسُ الصَّلاةِ يتكررُ في كلِّ يومٍ من أيامِ الطُّهرِ فيغني ذلكَ عن قضاءِ ما تركته منها في الحيضِ بخلافِ صيامِ رمضانَ فإنَّه شهرٌ واحدٌ في السَّنّةِ لا يتكررُ فيها فإذا (٦) طهرتِ الحائضُ أُمِرَتْ بقضاءِ ما تركتْه أيامَ حيضِها لتأتي بتمامٍ عِدَّتِه المفروضةِ في السّنة كما يؤمرُ بذلك من أفطرَ لسفرٍ أو مرضٍ . وإنما يسقطُ عن الحائضِ قضاءُ الصَّلاةِ التي استغرقَ حيضُها وقتَها ولم (١) ((سنن أبي داود)) (٣١٢). (٢) في ((ق)): ((بإسناد لين)). (٣) باب: ((الحائض تترك الصوم والصلاة)). (٤) في ((ق)): ((ليأتي)) .. (٥) في ((ق)): (تكرر)). (٦) في (ط)): ((إذا)). ١٣٤ . کباب لا تقضي الحائض الصلاة الحديث : ٣٢١ تكن مجموعةً إلى ما قبلها أو بعدَها، فإن لم يستغرقْ حيضُها (٢٥٢ - ب / ق) وقتَ الصَّلاةِ، بل طهرتْ في آخرِ الوقتِ أو حاضتْ بعدَ مضيٍّ أولهِ، ففي لزومٍ قضائِهَا لها اختلافُ(١) يأتي ذكرُه في كتاب ((الصَّلاة)) إن شاءَ اللهُ تعالى. وكذلك لو طَهُرَتْ في آخرِ وقتِ صَلاةٍ تُجمعُ إلى ما قبلَها مثل أن تطهرَ في آخرٍ وقتِ العصرِ أو العشاء فهل يلزمُها قضاءُ الظَّهرِ والمغربِ؟ فيه - أيضا - اختلافٌَ(١) يُذكَرُ في ((الصَّلاةِ) إن شاء اللهُ تعالى. وإنْ حاضتْ في أولِ وقتِ صَلاةٍ تُجمعُ إلى ما بعدها ففي لزوم القضاء لما بعدَ الصَّلاةِ التي حاضتْ في وقتها اختلافٌ - أيضًا -، والقولُ بوجوب القَضاء هنا أبعدُ من التي قبلَها. (١) فى ((ق)): ((خلاف)). ١٣٥ الحديث: ٣٢٢ كتاب الحيض ٢١ - بَابُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَهِيَ فِي ثِيَابِهَا خرَّج فیه حدیث : ٣٢٢ - يَحْيَى بْنِ أبي كَثِير(١)، عن أبي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بنتِ أَبي سَلَمَةَ حَدَّثَنْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَِّّ(٢) وَِّ فِي الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فلبستها فقال لي رسول اللهَِّمَ:(أَنْفُسْت؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِيَ فَأَذْخَلَنِي مَعَهُ (٣) فِي الْخَمِيلَةِ. قَالَّتْ: وحَدَّثَنِي أَنَّ النَِّيَّوَ كَانَ يُقَبُِّهَا وهُوَ صَائِمٌ. وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبِيُّ ◌َّهِ مِنْ إِنَاءِ (٧١ - ب / ط) وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ. أولُ هذا الحديث قد خرَّجَه البخاريّ - فيما تقدم - في بابِ ((مَنْ سمّى النِّفاسَ حيضًا))(٤) وسبقَ الكلامُ هناك على شرحِه وضبطِ مشكلِ ألفاظِهِ. وإنَّما أعاده هنا لأَنَّه استنبطَ [منه](٥) جوازَ نومِ الرجلِ مع امرأتِه وهي حائضٌ في ثيابِ حيضِها في لحافٍ واحدٍ، وقد سبقَ القولُ في ذلك مستوفّى في بابِ ((مباشرةِ الحائضِ))(٦). (١) اختصر المؤلف الإسناد، وهو في ((الصحیح): (حدثنا سعد بن حفص قال: حدثنا شيبان، عن یحیی» . (٢) في ((ق)): ((رسول الله))، وهو موافق لإحدى نسخ ((اليونينية)). (٣) كلمة ((معه)) ليست في ((ط))، وكذا إحدى نسخ ((اليونينية)). (٤) حديث (٢٩٨). (٦) حديث (٢٩٩). (٥) من ((ق)) . ١٣٦ ١كباب النوم مع الحائض الحديث : ٣٢٢ ويختصَّ هذا البابُ بأنَّ ثيابَ الحائض - وإن كانت (٢٥٣ - أ/ ق) مختصةٌ (١) بحال حيضها - لا يجبُ اتقاؤها والتنزهُ عن ملابستها وأَنَّه لا تنجسُ ما أصابها من جسدِ الرجلِ أو ثيابهِ، ولا يغسلُ من ذلك [شيئا](٢) ما لم يرَ فيه دمًا، وقد سبق هذا المعنى مبسوطًا في بابِ ((هل تُصلِّي المرأةُ في ثوب حاضتْ فيه))(٣) وذكرنا فيه حديثَ عائشةَ قالت: كنتُ أنا ورسولُ اللهِ وَ له في الشِّعَارِ الواحد وأنا حائضٌ طامثٌ، فإن أصابَه مني شيءٌ غسلَ ما(٤) أصابَه لم يعده إلى غيرِهِ ثم صلَّى فيه. خرّجه النَّسائيُّ(٥). وأما باقي هذا الحديث، فقد تقدَّمَ الكلامُ على اغتسالِ النَّبيِّ صَلىالله وَسلم وبعضِ أزواجهِ من إناء واحدٍ من الجنابةِ في موضعِه من الكتاب(٦)، ويأتي الكلامُ على القُبْلَةِ الصَّائِم في موضَعِها من الصِّيامِ إن شاءَ اللهُ تعالی . (١) في ((ط)): ((محيضة)). (٣) (٣١٢). (٥) (٢ / ٧٣). (٢) من ((ق)). (٤) كلمة ((ما)) كررت في ((ط)). (٦) انظر (٢٤٧/١) ((كتاب الغسل) باب ((غسل الرجل مع امرأته)) الحديث (٢٥٠) وأحال على ((كتاب الوضوء)) وقد أسلفنا أن ((كتاب الوضوء)) سقط من مجموع النسخ التي بين أیدینا . ١٣٧ الحديث: ٣٢٣ كتاب الحيض ٢٢ - بَابُ مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَىَ ثِيَابِ الظُّهْرِ خرَّجَ فيه حديثَ أمِّ سلمةَ بالإسنادِ المتقدمِ(١): ٣٢٣ - قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ مُضْطَجِعَةٌ (٢) فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ: ((أَنْفِسْتِ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَدَّعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْحَمِيلِةِ. قد سبقَ حديثُ عائشةَ قالتْ: ما كَانَ لإحداناً إلا ثوبٌ واحدٌ تحيضُ فيه. وقد خرَّجَه البخاريُّ في بابِ «هل تُصلِّي المرأة في ثوبِ حاضتْ فيه؟(٣)) وسبقَ هناك أحاديثُ متعددةٌ بهذا المعنى. وظاهرُ حديث أمِّ سلمةَ هذا يدلُّ على أنَّه كانَ لها ثيابٌ لحيضها غير ثياب طُهْرها فيكونُ هذا كلُّه جائزًا غيرَ ممنوع منه ولا مكروه ولا يكره(٤) أن تحيضَ المرأةُ وتطهر في ثوبٍ واحدٍ وتُصلِّي (٧٢ - أ / ط) فيه ولا أنْ تتخذَ لحيضها ثيابًا غيرَ ثيابِ طُهْرِها، ولا يعدُّ ذلك سرفًا ولا وسواسًا. ويحتملُ أن يجمعَ بين الحديثينِ بأن يكونَ المرادُ بثيابِ الحيضةِ في حديثٍ أُمِّ سلمةَ الإزارَ التي كان النبيُّ نَّهِ يأمرُ الحائضَ في فورِ حيضِها (١) يعني: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، به. وقال البخاري: ((حدثنا معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام، عن یحیی)). (٢) في ((ط)): ((مطجعة)). (٤) في ((ق)): ((فلا يكره)) . (٣) (٣١٢). ١٣٨ ٢٢ - باب من اتخذ ثياب الحيض الحديث : ٣٢٣ أن تأتزرَ به ثم يباشرها وهي حائضٌ كما روت ذلك عائشةُ وميمونةُ وقد (٢٥٣ - ب / ق) سبقَ حَديثُهما في بابِ (مباشرة الحائض))(١) فيجمعُ بذلك بينَ حديث عائشةَ «ما كان لإحدانا إلا ثوبٌ واحد تحيضُ فيه)) وبين حديثها الآخر في أمرِها بالاتزارِ في فورِ الحيضِ. (١) الحديث (٣٠٢، ٣٠٣). ١٣٩ الحديث: ٣٢٤ كتاب الحيض ٢٣ - باب شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى (١) ٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامِ(٢): ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَبُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ في العِيدَيْنِ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَّلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا وَكَانَ زَوْجُّ أُخْتِهَا غَزَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّ ثْتَيْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِيَ سِتِّ قَالَتْ: كُنَّاَ نُدَاوِي الكَلْمَى ونَقُوَّمُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتَّ أُخْتِي النَّبِيِّ ◌َِّ: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لم يَكُنْ لَهَا جَلْبَابٌ أَنْ لا تَخْرِجَ؟ قَالَ: ((لتُلْبسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جَلْبَابِهَا وَلَتَشْهَد الخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ)) فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلَتُهَا: أَسَمِعَتَ رَسُولَ الله وََّ؟ قَالَتْ: بِأَبِ نَّعَمْ - وكَانَتْ لَاَ تَذْكُرُهُ إِلَ (٣) قَالَت: بِأَبِي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (يَخْرُجُ العَوَنِقُ وذَوَاتُ الْحُدُورِ - أَوِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُور ... والحَيَّضُ وَلَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ(٤) وَيَغْتَزِلُ الْخَيَّضُ المُصَلَّى)). قَالَتْ حَقْصَةُ: (١) لعله ضبب عليها في (ط)) (٢) هو: محمد بن سلام بن الفرج أبو عبد الله البيكندي، الكبير، ووُضع فوق كلمة ((سلام)) في ((ق)) و((ط)) ما يشبه علامة التضبيب، ولعله إشارة إلى تخفيف لام ((سلام))؛ فقد اختلف في ذلك، ورجح غير واحد من العلماء التخفيف و - أيضا - لاشتباهه بـ ((محمد ابن سلام بن السكن البيكندي، الصغير)) وهو بالتشديد. والله أعلم. وانظر تعليق العلامة المعلمي على ((الإكمال)) (٤ / ٤٠٥ - ٤٠٩) فقد أجاد كعادته رحمة الله عليه، وعلى سائر الأئمة . وذهب المؤلف - رحمه الله - إلى أنه بالتشديد، فانظر كلامه تحت الحديث (٣٤٧). (٣) قوله: ((قالت: بأبي نعم - وكانت لا تذكره إلا)) ليس في ((ط)). (٤) في ((ط): ((المسلمين))، والمثبت من ((ق)) و((اليونينية))، بلا خلاف. ١٤٠