النص المفهرس

صفحات 41-60

٧ - بَابُ
تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلاَ الطَّوَافَ بالْبَيْت
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لا بأسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ.
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بأسًا.
وَكَانَ النَّبِيُِّ﴿ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.
وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فَيَكَبِّرْنَ تَكْبِيرِهِمْ
وَيَدْعُونَ(١).
قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ◌َِهُ
فَقَرَأْهُ (٣) فَإِذَا فِيه: ((بسَّمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَّعَالَوا إلَى
كَلَمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَا (٤٩ - أ/ط) نَعْبُدَ إلا اللهَ﴾ الآية(٤) [آل
عمران: ٦٤].
وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ (٥): حَاضَتْ عَائشَةُ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ غَيْرَ
م
الطَّوَاف بِالْبَيْتِ وَلا تُصَلِّي.
وَقَالَ الْحَكَمُ: إِنِّي لأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ.
(١) في ((ط)): (تكبيرهم ويدعون ويدعين)) وأشار بعلامة(خ) يعني نسخة فوق ((يدعون))و((يدعین))،
وفي ((اليونينية)): ((بتكبيرهم ويدعون)) وفي بعض النسخ (يدعین)).
(٢) فى ((اليونينية)): ((وقال)).
(٣) في ((اليونينية)): ((فقرأ)).
(٤) في ((اليونينية)): ((ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة، الآية)).
(٥) في ((ط)): ((عن عائشة)) خطأ واضح.
٤١

الحديث: ٣٠٥
كتاب الحيض
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى(١): ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾.
[الأنعام: ١٢١].
٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، [َعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ)](٢) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِوَّهُ وَلَا نَذْكُرُ (٣) إِلا الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَاَ سَرِفَ طَمِثْتُ فَدَخَلَ
النَّبِيُّ ◌َ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيك؟)) فَقُلْتُّ(٤): لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنِّي لَمْ
أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ: (لَعَلَّكِ نُفِسْتِ(٥)، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ
كَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، قَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالبَيْتِ
حَتَّى تَطْهُرِي)».
مقصودُ البخاريِّ بهذا البابِ: أَنَّ الحيضَ لا يمنعُ شيئًا من مناسكِ
الحجّ غيرَ الطَّواف بالبيت والصَّلاةِ عَقِيبَهُ، وأَنَّ ما عدا ذلك من المواقف
والذّكرِ والدُّعاءِ لاَ يمنعُ الحَيضُ شيئًا منه فتفعلُه الحائضُ كلَّه.
فدخلَ في ذلك الوقوف بعرفةَ والمزدلفة ورمي الجمار وذكرُ الله عزّ
وجلَّ ودعاؤُه في هذه المواطنِ.
وكلُّ هذا متفقٌ على جوازِه.
ولم يدخلْ في ذلك: السَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ؛ لأنَّه تابعٌ للطوافِ،
لا يفعلُ إلا بعدَه.
(١) في ((اليونينية)): ((قال الله)) وزاد في نسخة ((عز وجل)).
(٢) سقطت من ((ط)) واستدركناه من ((اليونينية)).
(٣) في ((اليونينية)): ((لا نذكر)). بدون الواو.
(٤) في ((اليونينية)): ((قلت)).
(٥) كتب فوقها في ((اليونينية)): ((معا)) إشارة إلى قراءتها بالوجهين الضم والفتح وقد سبق.
٤٢

٧- باب تقضي الحائض المناسكـ
الحديث: ٣٠٥
ولم تكن عائشةُ طافتْ قبلَ حيضها، فلو كانْت قد طافتْ قبلَ حيضها
لدخَل فيه السَّعْيُ - أيضًا.
وهذا كلُّهُ مُتَّفَقٌ عليه بَيْنَ العُلماءِ إلا خلافًا شاذّا في الذكرِ، وقد
ذكرناه - فيما سبقَ - في ((أبوابِ الوضوءِ)).
وإلا السعي بين الصَّفا والمروة؛ فإنَّ للعلماء فيه اختلافًا: هل يُفْعَلُ
مع الحيضِ أم لا؟.
والجمهورُ على جوازِهِ مع الحيضِ. ومنعَ منه طائفةٌ من السَّلْف؛ لكنَّ
منهم من علّلَ ذلك بمنعِ تقدمِ السَّعي للطّوافِ، فلو كانتْ طافتْ ثُمَّ
حَاضتْ لزالَ المنعُ حينئذٍ على هذا التَّحليلِ .
وحُكِيَ المنعُ روايةٌ(١) عن أحمدَ، وحُكِيَ عن ابنِ عُمرَ، ومنعَ إسحاقُ
الجنبَ من السِّعي دونَ الحائضِ؛ لأنَّ الجنبَ لا عذرَ له في تأخيرِ الغسلِ
بخلافِ الحائضِ .
وقدَ روَى يحيى بنُ يحيى الأندلسيُّ حديثَ عائشةَ الذي خرَّجه
البخاريُّ هاهنا، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، وقالَ فيه:
((غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ ولا بالصَّفا والمروةِ حَتَّى تَطْهري))(٢).
وزيادة ((الصَّفا والمروة)) وهمٌ على مالك لم يذكرهُ عنه أحدٌ غير يحيى.
قالَه ابنُ عبدِ البرّ(٣).
وفي ((صحيحِ (٤٩ - ب/ ط) مسلم))(٤)، عن أبي الزّبيرِ، عن جابرٍ،
93
(١) في (ط)): ((رواه)).
(٣) في ((التمهيد)) (٢٦١/١٩).
(٢) ((الموطأ)) (ص٢٦٦).
(٤) (١٢١٣).
٤٣

الحديث: ٣٠٥
كتاب الحيض
وذكر قصةَ عائشةَ في حيضِها في الحج وقال في آخرِه: فقال لها النّبِىّ
وَله: ((اغْتَسلي ثم أَهلي بالحجِ)) فَفعَلتْ ووقفتِ المواقفَ حَتَّى إذا طهرتْ
طافتْ بالكعبة والصَّفا والمروة.
وخرَّجَ البخاريّ في ((الحج)) (١) من حديثِ عطاء، عن جابرِ قَالَ: حاضتْ
عائشةُ فنسكت المناسكَ كُلَّها غيرَ أنَّها لم تَطُف بالبيتٍ، فلما طهرتْ
طافتْ بالبيتٍ . وهذا هو الذي علَّقه البخاريُّ هاهنا وزادَ فيه: ولا
تصلي(٢).
وهذه اللفظةُ خرَّجَها الإمامُ أحمدُ من روايةٍ أبي الزُّبِيرِ، فذكر الحديثَ
وفيه: أَنَّ النَّبِّ ◌ِ قَالَ لها: ((اغْتَسِلِي وَأَهِلِّي بالحجِّ، ثم حُجِّي واصنعي
ما يصنعُ الحاجّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيتِ ولا تصلي)) قالت: ففعلتْ ذلك
فلما طَهرتْ قال: ((طوفي بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروة))(٣).
وأما طوافُ الحائضِ بالبيتِ: فالجمهورُ على تحريمه، ورخَّصَ فيه
طائفةٌ من المالكية إذا لم تحتبسْ لها الرفقة أن تطوفَ للإفاضة حينئذ.
وسنذكر ذلك في موضعِه من ((الحجِ) إن شاء اللهُ تعالى.
وأَمَّا حديثُ أمِّ عطيّة في إخراجِ الخُيَّصِ في العيدين: فقد خرّجَه
البخاريَّ في مواضعَ متعددةٍ من كتابه مبسوطا .
وفيه دليلٌ على جوازِ الذّكرِ والدُّعاء للحائضِ .
وأما ما ذكره تعليقًا أَنَّ النبيَّ وَِّ كَانَ يذكرُ الله على كُلِّ أحيانه:
(١) (١٦٥١ - فتح).
(٢) في ((ط)): ((يصلى)) بالياء.
(٣) لم نجده بهذا اللفظ عند أحمد من رواية أبى الزبير وانظر (٣٠٩/٣، ٣٩٤).
٤٤

٧- باب تقضي الحائض المناسكـ
الحديث: ٣٠٥
فخرَّجَه مسلمٌ في((صحيحه))(١) من حديث البَهيِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ.
وذكر الترمذيّ في ((علله))(٢) أنَّه سأل البخاريَّ عنه فقال: هو حديثٌ
صحیح.
وذكر ابن أبي حاتم (٣)، عن أبي زرعةَ أَنَّه قال: لم يُرْوَ إلا من هذا
الوجهِ، وليس هو بذاك.
وفيه دليلٌ على أَنَّ الذكرَ لا يمنعُ منه حدثٌ ولا جنابة .
وليسَ فيه دليلٌ على جوازِ قراءةِ القرآنِ للجنب؛ لأنَّ ذكر الله إذا
أُطلق لا يرادُ به القرآنُ.
واستدلالُه بقوله تَعَالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾
[الأنعام: ١٢١]: فهو دليلٌ على جوازِ الَّسميةِ للحائضِ والجنبِ؛ فإنَّهما
غيرُ ممنوعين من التَّذكية. قال ابنُ المنذر: لا أعلمُ أحدًا منعَ من ذلك.
قال: وأجمعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ لهما أَنَّ يذكرا اللّهَ ويُسبِّحَا.
ولم يبقَ مما ذكره البخاريّ في هذا البابِ سوى قراءة القرآن.
وظاهرُ كلامه: أَنَّ الحائضَ لا تُمْنعُ من القراءةِ، واستدلَّ بكتابةِ النبيِّ
نَّ (٥٠ - أ/ ط) البسملةَ مع آية من القرآنِ إلى هرقل. وذكر عن النخعيّ
أَنَّ الحائضَ تقرأُ الآيَة. وعن ابنِ عبَّاسِ أَنَّه لم ير بالقرآنِ للجنبِ بأسًا.
وأما ابنُ عبَّاس: فقد حَكَى عنه جوازَ القرآن (٤) للجنب غيرُ واحد.
(١) (٣٧٣).
(٢) ((علل الترمذي الكبير)) (ص٣٥٩ - ٣٦٠).
(٣) ((العلل)) (١٢٤).
(٤) كذا، ولعلها: ((القراءة)).
٤٥

الحديث: ٣٠٥
كتاب الحيض
قال ابنُ المنذر(١): رُوينا عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّه كان يقرأُ وِرْدَهُ وهو جنبٌ.
ورخَّصَ عكرمةُ، وابنُ المسيب في قراءته، وقال ابنُ المسيب: أليسَ في
جوفه؟ انتهى.
وكذا قال نافعُ بن جبير بن مطعمٍ في قراءةِ القرآنِ على غيرِ طهارةِ:
لا بأسَ به أليس القرآنُ في جوفه؟ .
ومِمَّنْ رُوِيَ عنه الرخصةُ في قراءة القرآن للجنب: قسامةُ بن زهير،
والحكمُ، وربيعةُ، وداودُ. ورُويَ - أيضًا -، عن معاذ بن جبل وأنَّه قال:
ما نَهَى رسولُ اللهِ بَ ◌ّرَ عن شيءٍ من ذلك. خَرَّجَه ابنُ جريرٍ بإسنادٍ
ساقط لا يصح، والظاهرُ أَنَّه مما وضَعه محمدُ بن سعيد المصلوب وأسقط
اسمَه من الإسناد؛ فقد وجدنا أحاديثَ متعددةً بهذا الإسناد وهي من
موضوعات المصلوب.
وحُكِيَ جوازُ القراءةِ للجنبِ والحائضِ عن طائفةٍ من أهلِ الحديثِ،
منهم: ابنُ المنذِر، والطحاوي.
وأما من رخَّصَ للجنب في قراءة الآية: فقد حكاه البخاريّ عن
ءِ
النخعيِّ في الحائضِ، وفي كتاب ابن أبي شيبة (٢) عن النخعيِّ أَنَّ الحائضَ
والجنبَ لا يُتْمِ الآيةَ. وروى أبو حنيفةَ عن حماد، عن إبراهيمَ في الجنبِ:
لا بأسَ أن يقرأَ الآيةَ. قال أبو حنيفةَ: والحائضُ مثلُه. وحُكِيَ روايةً عن
أحمدَ بجوازٍ قراءةِ الآية؛ وهي مخرجةٌ من كلامه ليستْ منصوصةٌ عنه،
وفي صحةِ تخريجها نظرٌ.
ورُويَ عن طائفة الرخصةُ في قراءة الآية والاثنتين.
(١) في ((الأوسط)) (٩٨/٢).
(٢) ((المصنف)) (١٠٣/١).
٤٦

٧- باب تقضي الحائض المناسكـ
الحديث: ٣٠٥
رُوِيَ عن سعيد بن جُبيرٍ، وعبدِ الله بن مغفلٍ وعكرمةً. ورُوِيَ عن
عكرمةَ: لا بأسَ للجُنُبِ أن يقرأ ما لم يقرأ السّورَة.
ومنهم من رخَّصَ في قراءةٍ ما دونَ الآية. وهو مرويٌّ عن جابرِ بن
زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والنَّخعيِّ، والثَّوريِّ، ورواية عن أحمدَ
وإسحاقَ، وَحِكِيَ عن الطَّحاويِّ.
ومنع الأكثرونَ الحائضَ والجنبَ من القراءةِ بكلِّ حالٍ قليلا كَانَ أو
كثيرا. وهذا مرويٌّ عن أكثرِ الصَّحابةِ، رُوِيَ عن عمرَ، وَرُويَ عنه أَنَّه
قال: لو أَنَّ جنبًا قرأَ القرآن لَضربتُه. وعن عليٌّ (١) قالَ: لا يقرأُ ولا
حرفًا. وعن ابن مسعودٍ (٥٠ - ب/ط)، وسلمانَ، وابنِ عمر، ورُوِيَ
عن جَابٍ. قال البيهقيُّ (٢): وليسَ بقويٍّ. ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ بإسنادٍ
لا يصحُّ وهو قولُ أكثرِ التَّابعينَ، ومذهب الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وابنِ
المباركِ، وأبي حنيفة، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاق في إحدى الروايتين
عنهما، وأبي ثَورِ وغيرِهم، وهو قولُ مالك في الجنب؛ إلا أنَّه رخَّصَ له
في قراءة اثنتين وثلاث عند المنامِ للتَّعوذِ، ورخَّصَ الأوزاعيَّ له في تلاوةِ
آيات الدَّعاء والتعوذ تعوذًا لا قراءةً، وهذا أصحّ الوجهينِ للشَّافعية أيضًا.
وقالَ سعيدُ بن عبد العزيز: رُخِّصَ للحائضِ في قراءةٍ اثنتين عندَ الركوبِ
والنزول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية [الزخرف: ١٣]، ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي
مُنْزَلا مُبَارَكًا﴾ الآية [المؤمنون: ٢٩].
وعن مالكٍ في الحائضِ روايتانِ، إحديهما: هي كالجنُب، والثّانية:
أنَّها تقرأُ، وهو قولُ محمد بن مسلمةً؛ لأنَّ مدةَ الحيضِ تطولُ فيُخشى
(١) عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٣٦/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨٩/١).
(٢) ((السنن الكبرى (٨٩/١).
٤٧

الحديث: ٣٠٥
كتاب الحيض
عليها النِّسيانُ وهي غيرُ قادرة على الغسلِ بخلافِ الجنبِ. وحكى أبو ثور
ذلك عن الشَّافعيِّ، وأنكره أصحابُ الشَّافعيِّ عنه. وعكسَ ذلك آخرون،
منهم عطاءٌ قال: الحائضُ أشدُّ شأنًا من الجنب؛ الحائضُ لا تقرأُ شيئًا من
القرآن والجنبُ يَقرأ الآيةَ. خرَّجَه ابنُ جریرِ بإسناده، عنه.
ووجهُ هذا: أَنَّ حَدَثَ الحيضِ أشدُّ من حدثِ الجنابةِ؛ فإنَّه يمنعُ ما
يمنعُ منه حدثُ الجنابةِ وزيادة وهي الوطءُ والصَّومُ. وما قِيلَ من خشيةٍ
النِّسيانِ فإِنَّه يندفعُ بتذكرِ القُرآنِ بالقلبِ وهو غيرُ ممنوعٍ به .
وفي نهي الحائضِ والجنبِ عن القراءة أحاديثُ مرفوعةٌ؛ إلا أَنَّ
أسانيدَها غيرُ قوية. كذا قال الإمامُ أحمدُ في قراءةِ الحائضِ، وكأنَّه يشيرُ
إلى أَنَّ الروايةَ في الجنبِ أقوى. وهو كذلك.
وأقوى ما في الجنبِ: حديثُ عبدِ الله بن سلمةَ، عن عليٍّ قال: كَانَ
رسولُ اللهِ وَّهِ يخرجُ من الخلاء فيقرتُنا القرآن ويأكلُ معنا اللحمَ، ولم
يكن يحجبُه أو يحجزُه عن القرآنِ شيءٌ ليسَ الجنابة.
خرَّجَهَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه، وخرَّجَهَ
الترمذيُّ بمعناه وقال: حسنٌ صحيحٌ. وخرَّجَهَ ابنُ خزيمةَ، وابن حبان في
((صحيحيهما)) والحاكم، وقَالَ: صحيحُ الإسنادِ(١).
وتكلّم فيه الشَّافعيُّ وغيرُه؛ فإنَّ عبد الله بن سلمةَ هذا رواه بعد ما
كَبر؛ قال شعبةٌ (٢) عنه: كان يحدثنا فكنًا (٥١ - أ/ط) نعرفُ وننكرُ.
(١) أحمد (١٠٧/١) وأبوداود (٢٢٩)، والنسائي (١٤٤/١)، وابن ماجه (٥٩٤)، والترمذي
(١٤٦)، وابن خزيمة (٢٠٨)، وابن حبان (٧٩٩، ٨٠٠ - إحسان)، والحاكم (١٠٧/٤).
(٢) إنما قاله شعبة عن عمرو بن مرة.
٤٨

٧- باب تقضي الحائض المناسكـ
الحديث: ٣٠٥
وقال البخاريُّ: لا يتابعُ في حديثه. ووثَّقه العجليُّ ويعقوبُ بن شيبةً.
وقال ابنُ عديٍّ: أرجو أنَّه لا بأسَ به(١).
والاعتمادُ في المنعِ على ما رُوِيَ عن الصَّحابةِ، ويُعضِّدُهُ قولُ عائشةً
وميمونَة في قراءة النبيِّ وَّ القرآن.
وأما استدلالُ الُجيزين بحديث عائشةَ في حجزهما في حالِ الحيض
فإنَّه يدلُّ على أَنَّ للحيضِ تأثيرًا في منعِ القراءةِ.
وأما استدلالُ المجيزينَ بحديثِ عائشةَ: اصنعي ما يصنعُ الحاجُ غيرَ
أن لا تطوفي فلا دلالةَ لهم فيه؛ فإنه ليسَ في مناسكِ الحجِّ قراءةٌ
مخصوصةٌ حتى تدخلَ في عمومِ هذا الكلامِ؛ وإنمَّا تدخلُ الأذكارُ
والأدعيةُ.
وأما الاستدلالُ بحديث الكتاب إلى هرقل: فلا دلالةَ فيه؛ لأنَّه إنما
كتبَ ما تدعو الضرورةُ إليه للتبليغ، وقد سبقَ ذكرُ ذلك في شرحٍ حديث
هرقل في أولِ الكتاب.
وقد اختلفَ العلماءُ في تمكينِ الكافرِ من تلاوةِ القراءة(٢)، فرخَّصَ فيه
الحسنُ، وأبو حنيفةً وغيرُهما. ومنهم من منعَ منه، وهو قولُ أبي عبيد
وغيره.
واختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من مَنَعه مطلقًا، ومنهم من
رخَّصَ فيه مطلقًا، ومنهم من جوّزهَ إذا رُجيَ من حالِ الكافرِ الاستهداء
و
(١) ((التاريخ الكبير)) (٩٩/٥)، و((ثقات العجلي)) (٨٩٨) و((الكامل)) (١٧٠/٤) و((تهذيب
الكمال)» (٥٢/١٥).
(٢) كذا، والأصوب: ((القرآن)).
٤٩

الحديث: ٣٠٥
كتاب الحيض
والاستبصارُ ومَنَعه إذا لم يُرْجَ ذلك، والمنقولُ عن أحمدَ أَنَّه كَرهَه. وقال
أصحابُ الشَّافِعِيِّ: إن لم يُرْجَ له الاستهداءُ بالقراءة مُنِعَ منها، وإن رُجِيَ
له ذلك لم يُمْنَعْ على أصحِّ الوجهين.
٥٠

الحديث: ٣٠٦
٨ - بَابُ
الاستحاضة
٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ،(١) عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عَائشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللهِ: يَا
رَسُولَ اللهِ! إِّي لَا أَطْهُرُ أَفَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِةِ: ((إِنَّمَا ذَلَك
عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فَإِذَا ذَهَّبَّ
عَنّكِ (٢) قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنَّكِ الدَّمَ وصلِّي)».
هذا الحديثُ خرَّجَه البخاريَّ في مواضعَ متعددة من كتابِ الحيض،
وفي بعضِها (٣) أَنَّها قالتْ: إِنِّي أستحاضُ فلا أطهرُ، وفي بعضِها(٤): ((إذا
أدبرتْ فاغتسلي)) (٥١- ب/ ط)، وفي بعضِها(٣): ((دعي الصَّلاةَ قدرَ الأيامِ
التي كنتِ تَحِيضين فيها ثم اغتسلي وصَلِّي)).
وكلُّ هذه الألفاظِ من روايةِ هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ. وخرَّجَ -
أيضًا (٥) - من روايةِ ابنِ أبي ذئبٍ، عن الزَّهريِّ، عن عروةَ، وعن عمرةَ،
عن عائشةَ أَنَّ أُمَّ حبيبةَ استحيضتْ سبعَ سنينَ فسألتْ رسولَ اللهِ وَلِ عن
ذَلِكَ فأمَرَها أن تغتسلَ فقال: ((هَذَا عرقٌ))، فكانت تغتسلُ لكلِّ صَلاة.
المستحاضةُ: هي من اختلطَ دمُ حيضِها بدمٍ غيرِ الحيض، هو دمٌ فاسدٌ
(١) زاد في ((اليونينية)): ((بن عروة)).
(٣) (٣٢٥).
(٥) (٣٢٧).
(٢) ((عنك)) ليست في ((اليونينية)).
(٤) (٣٢٠) .
٥١

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
غيرُ طبيعيٍّ؛ بل عارضٌ لمرضٍ؛ فدُ الحيضِ هو دمُ جِبِلَّةٍ وطبيعة يرخيه
الرحمُ بعدَ البلوغِ في أوقاتٍ معتادةٍ؛ وسُمِّيَ حيضًا لأنَّه يسيلُ ويقالُ:
حاضَ الوادي إذا سالَ.
وَلَّ بينَ دم الحيضِ والاستحاضةِ بأنَّ دمَ الاستحاضة
ءُ
وقد فرَّقَ النّبِيّ
عِرْقٌ، وهذا يدلُّ على أنَّ دمَ الحيضِ ليس دمَ عِرْقٍ؛ فإنَّه دمٌ طبيعيٌّ يرخيه
الَرَّحمُ ويخرجُ من قعرِهِ، ودم الاستحاضةِ يخرجُ من عرقٍ ينفجرُ وفمه
الذي يسيلُ في أدنى الرَّحمِ دونَ قعرِهِ.
وفي ((سننِ (١) أبي داودَ)) من حديثِ أسماء بنتِ عميسٍ، عن النّبيِّ
أَنَّه قالَ: «هذا لُمَّةٌ مِنَ الشَّيْطانِ(٢)) - يعني: دم الاستحاضةِ(٣) .
صَََ الله
وستّام
وخرَّجَ النَّسائيُ (٤) من حديثٍ عمرةَ، عن عائشةَ أَنَّ النبيَّ ◌َّ قَالَ في
المستحاضة: ((ليستْ بالحيضة؛ ولكنَّها ركضةٌ من الدم(٥)).
ومن حديثِ القاسم، عن عائشةَ أَنَّ امرأةً مستحاضةً على عهدِ النَّبِيِّ
مرَّه قِيلَ لها: إِنَّه عرقٌ عائدٌ(٦).
وفي حديثِ حمنةَ، عن النَّبِيِّ وَ لِّ أَنَّه قالَ: ((إنَّما هو ركضةٌ من
الشَّيطان)).
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتّرمذيُّ(٧).
(١) في ((ط)): ((سنين)) خطأ .
(٢) الذي في ((سنن أبي داود)): ((إن هذا من الشيطان)).
(٣) أبو داود (٢٩٦).
(٤) ((المجتبى)) (١٢٠/١ - ١٢١، ١٨٣)، و((الكبرى)) (١١٢/١).
(٥) الذي عند النسائي: ((ركضة من الرحم)).
(٦) النسائي (١٢٢/١).
(٧) ((المسند)) (٤٣٩/٦)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨).
٥٢

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
وفي حديث عثمانَ بنِ سعدٍ، عن ابن أبي مليكةَ، عن فاطمةَ بنت
أبي حبيشٍ أَنَّ النَّبِيَّ بَّهِ قال: ((إِمَّا هو عرقُّ انقطعَ أو داءٌ عرضَ أو ركضةٌ
من الشَّيْطانِ))(١).
وروى أبو عبيدٍ في ((غريبه)): نا حجاجٌ، عن حمادٍ بن سلمةَ، عن عمار
ءَ
ابن أبي عمار، عن ابنِ عبّاسِ أَنَّه سُئِلَ عن المستحاضة فقال: ذلك العاذلُ
يغذو. قال أبوعبيد العاذلُ اسمُ العرقِ الذي يخرجُ منه دمُ الاستحاضة(٢).
وقوله ((يغذو)) يعني سيل(٣).
قال(٤): ونا أبو النَّضر، عن شعبةَ، عن مجاهد(٥)، عن ابنِ عبَّاسِ قَالَ:
إِنَّه عرقٌ عاندٌ أو ركضةٌ من الشَّيطان. قال: وقوله ((عاند)) يعني أنَّه عَنَدَ
وبَغَى كالإنسان يعاندُ (٥٢ - أ/ ط) عن القصد، فهذا العرقُ في كثرةِ ما
يُخرجُ من الدَّمَ بِمنزلِتِه، والركضة: الدفعة
وقد اختلفَ العلماءُ في تفسيرِ الاستحاضةِ على حسبِ اختلافِهم في
حدٍّ أكثرِ الحيضِ، فمن قَالَ: له حَدَّ محدود قال: المستحاضةُ من جاوزَ
دمُها أكثر الحيضِ. وهذا قولُ الأكثرينَ منهم.
وقد أشارَ البخاريَّ إلى الاختلاف في ذلك - فيما بعد - ويأتي الكلام
٩
فيه في موضعِه إن شاءَ اللهُ تعالى.
ومن قَالَ: ليسَ لأكثره حَدٌّ محدودٌ وإنما يرجعُ إلى عادة المرأةِ، فإنّهُ
يرى أَنَّ عادتَها إذا زادَ الدمُ عليها مدةً طويلةً كان ذلك استحاضةً.
(١) أخرجه أحمد (٤٦٤/٦).
(٢) ((الغريب)) (٢٣٤/٤).
(٣) كذا، وفى ((الغريب)): ((يسيل)).
(٤) ((الغريب)) (٢٣٤/٤ - ٢٣٥).
(٥) في ((الغريب)): ((عمار مولى بني هاشم)).
٥٣

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
وقد ذكر أبو داودَ في ((سننه)) قال: رَوَى يونسُ، عن الحسنِ في الحائضِ
إذا مدَّ بها الدَّمُ تمسكُ بعد حيضها يوما أو يومين فهي مستحاضةٌ.
وقال التيميُّ عن قتادةَ: إذا زادتْ على أيامِ حيضتها خمسةَ أيامٍ
فلتُصلِّ.
قال التيميَّ: فجعلتُ أنقصُ حتَّى بلغت يومين، فقال: إذا كَانَ يومين
فهو من حيضها .
وسُئِلَ عنه ابنُ سيرينَ فقال: النِّساءُ أعلمُ بذلك(١).
ءُ
وقد ذكر البخاريّ قولَ ابنِ سيرين هذا - فيما بعد - تعليقًا(٢)، ويأتي
في موضعِه إن شاء اللهُ تعالى.
روى حربٌ الكرمانيُّ: نا إسحاقُ - هو ابنُ راهويه -: نا عبدُ الأعلى،
عن يونسَ، عن الحسنِ في امرأةٍ كان أقراؤُها سبعةَ أيامٍ قبل أن تتزوجَ،
فلمَّا تزوجتْ ارتفعتْ إلى خمسةَ عشرَ أو ثلاثةَ عشرَ، قال: تنظرُ تلك
الأيامَ التي كانت تحيضُها قبل أن تتزوجَ فإذا مضتْ اغتسلتْ كُلَّ يومٍ عند
صَلاةِ الظُّهرِ إلى مثلِها وتَوضأتْ عند كُلِّ صلاةٍ وتنظفُ وتُصلِّي.
قال: ونا(٣) إسحاق: نا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه قال: قلتُ لمحمد
ابن سيرينَ: المرأةُ تحيضُ فيزيدُ على ذلك خمسة أيام، قال: تُصلِّي،
قلتُ: یومین؟ قال: ذلك من حيضتها.
وروى حربٌ بإسناده، عن الأوزاعيِّ في المرأةِ تمكثُ في حيضِها سبعةَ
(١) ((السنن)) (١٩٨/١ - ١٩٩) عقب الحديث (٢٨٦).
(٢) (ص ١٤٣).
(٣) أصابها في صلب ((ط)) غلط، فضرب عليها، وكتب في الهامش: ((وثا)) بالمثلثة!
٥٤

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
أيام ثم ترى بعد السبعة دمًا، قال: إن شاءت استظهرت بيومٍ ثم تغتسل
وتصلي.
ومذهبُ أحمدَ، وأصحابه: أَنَّ الحائضَ إذا كانتْ لها عادة مستمرةٌ
فإنها تجلسُ أيامَ عادتِها .
وهل تثبتُ عندَه العادةُ بمرَّتين أو بثلاث مرار؟ على روايتين عنه؛ فإنْ
لم يكنْ لها عادةٌ مثل أن تكون مُبتدأةً فإنَّها لا تزيدُ على أن تقعدَ أقلَّ
الحيضِ عنده وهو يومٌ وليلةٌ ثم تغتسلُ وتُصلِّي حتَّي تثبتَ لها عادة بمرّتين
(٥٢ - ب/ ط) أو ثلاث فتنتقلُ إليها. هذا هو الصَّحيحُ عندَه.
وكذلك إذا كانت معتادةً فزادت عادتُها فإنَّها تغتسلُ عند انقضاء
عادتها وتُصلِّي، فإن انقطعَ لأكثر الحيضِ فما دونَه على قدرٍ واحدٍ مرتين
أو ثلاثًا على اختلاف الروايتين عنه صَارَ عادةً بائنةً منتقلةً وانتقلت إليه،
وتمسَّكَ لِذلك بأنَّ النبيَّ وَّ أمرَ المستحاضةَ بأن تدعَ الصَّلاةَ في الأيامِ
التي كانتْ تحيضُ فيها، وهذا رَدُّ إلى العادة المعتادة المستمرة.
وأما مذهبُ مالك فيمن لها عادةٌ فزادتْ عليها، فعنه فيها روايتان:
إحديهما: تجلسُ ما تراه من أول مرة ما لم يَرِدْ على أكثرِ الحيضِ،
وهو خمسةَ عشرَ يومًا.
والثانية: أنَّها تستظهرُ على عادتِها بثلاثةِ أيامٍ ما لم تجاوز خمسةَ عشرَ
يومًا ثم تغتسلُ وتُصلِّي - وهي التي رجعَ إليها مالكٌ وعليها المصريونَ من
أصحابِه وهي قولُ الليث بن سعد -، وإذا استحيضتْ هذه فإنها تستظهرُ
على أكثرِ أيامِ عادتِها ما لم يجاوز خمسةَ عشرَ - أيضا - وفيه عنه خلافٌ
٥٥

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
يأتي ذكرهُ فيما بعد.
ومذهبُ الشَّافعيِّ، وأبي حنيفةَ: أَنَّها تجلسُ ما تراه من الدم ما لم
يجاوز أكثر الحيض، سواءً اتفقتْ عادتُها أو اختلفتْ؛ ولا عبرة بالعادة
فيما يمكنُ أن يكون حيضًا.
وأما قولُ النَّبِيِّ وَّهِ: ((فإذا أقبلتِ الحيضةُ فاتركي الصَّلاةَ، فإذا ذهبَ
عنك قدرُها فاغسلي عنك الدمَ وصَلِّي))، وفي رواية: ((فإذا أدبرتْ)) فقد
اختلفَ العلماءُ في تأويلِهِ، فتأوَّلَه الأكثرونَ منهم: مالكٌ، والأوزاعيُّ،
والشَّافعيُّ، وأحمدُ ـ على أَنَّ المرادَ به اعتبارُ تميزِ الدمِ، وأنَّ هذه
المستحاضةَ كان دمُها متميزًا، بعضُه أسود وبعضُه غير ذلك، فردَّها إلى
زمنِ دمِ الحيضِ - وهو الأسودُ الثخين - فإذا أقبلَ ذلك الدمُ تركتِ
الصّلاةَ، فإذا أدبرَ وجاء دمٌ غيرُهُ فإنَّها تغتسلُ وتصلي.
وقد جاءَ التَّصريحُ بذلك في روايةٍ أخرى من طريقِ محمد بن أبي
عدي، عن محمد بنِ عَمرو بن علقمةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن
فاطمةَ بنتِ أبي حبيش أنَّها كانت تستحاضُ فقال لها النبيُّ نَّهِ: ((إذا كَانَ
دمُ الحيضةِ فإنَّه دمٌّ أسود يُعْرَفُ، فإذا كَانَ ذلك فأمْسكي عن الصَّلاة، فإذا
كان (٥٣ - أ/ ط) الآخر فتوضئي وصَلِّ؛ فإنما هو عِرْقُ)).
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ خزيمة، وابنُ حبان
في صحيحيهما، والحاكم وقال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ (١). وقال
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٦)، (٣٠٤)، والنسائي (١٢٣/١، ١٨٥) وفي ((الكبرى))
(١١٣/١)، والحاكم (١٧٤/١).
وكذا أخرجه الدار قطني (٢٠٦/١ - ٢٠٧)، والبيهقي (٣٢٥/١) من طريق أحمد بن حنبل،
وغيره، وأما رواية الإمام أحمد (٦/ ٤٢٠، ٤٦٣ - ٤٦٤) فمن رواية المنذر بن =.
٥٦

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
الدار قطنيُّ: رواتُه كلُّهم ثقاتٌ. وقد تكلّم فيه آخرون، قال النسائيُّ: رَوَى
هذا الحديثَ غيرُ واحدٍ فلم يذكر أحدٌ منهم ما ذكرَ ابنُ أبي عدي.
وقال ابنُ أبي حاتمٍ: سألتُ أبي عن هذا الحديثِ فقال: لم يُتَابعْ
محمدُ بن عمرو على هذه الروايةِ، وهو منكرٌ(١).
وأيضًا - فقد اختُلفَ على ابنِ أبي عدي في إسنادهِ، فقيلَ: عنه -
كما ذكرنا - وقيلَ: عنه في إسنادِه، عن عروةَ، عن عائشةَ، وقيل: إن
روايتَه عن عروةَ، عن فاطمةَ أصحُّ؛ لأنَّها في كتابه كذلك، وقد اخْتُلفَ
في سماعِ عروةَ من فاطمةً(٢).
وفي ((سنن أبي داود)) من روايةٍ سهيلٍ، عن الزَّهريِّ، عن عروةَ، عن
أسماء بنت عميسٍ أَنَّ النبيَّ نَّ قال في أمرٍ فاطمةَ بنتِ أبي حبيش:
(لتجلس في مركز فإذا رأت صفرةً فوق الماء فلتغتسلْ))(٣).
وفي إسنادِهِ اختلافٌ. وقد قيل: إنَّ الصحيحَ فيه: ((عن عروةَ، عن
فاطمة))(٤). وفي بعض ألفاظه: فأمرها أن تقعدَ أيامها التي كانت تقعدُ،
ثم تغتسلُ .
المغيرة عن عروة - وسيأتي - فالله أعلم.
=
وأما رواية ابن خزيمة: فليست في المطبوع منه .
وقال أبو داود والنسائي وغيرهما: عن محمد بن المثنى: حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه
هكذا، ثم حدثنا به بعد حفظا، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة أن فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه.
وحديث عائشة عند ابن حبان (١٣٤٨).
(١) في ((العلل)) (١١٧).
(٣) ((السنن)) (٢٩٦).
(٢) انظر ما سبق في تخريج الحديث.
(٤) انظر ((سنن أبي داود)) (٢٨١).
٥٧

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
والأظهرُ - والله أعلم - أَنَّ النبي ◌َّ إنما ردَّهَا إلى العادةِ لا إلى
التمييزِ؛ لقوله: ((فإذا ذهبَ عنك قدرُها)) كذا في روايةِ مالك، عن
هشامٍ، وهي التي خرَّجَها البخاريُّ في هذا الباب، وقد تأوَّلَها بعضُ
المالكية على أنَّها كانت مميزةً؛ لكن يزيدُ دمُ تمييزها على أكثرِ الحيضِ
فتجلسُ منه قدرَ العادة.
وقال بعضُهم: المرادُ بقدرها ذهابُ وقتها وانقضاؤها، وتأوَّلَه بعضُهم
على أَنَّ المرادَ بذهاب قدرها الاستظهارُ بعد مدتها بثلاثة أيامٍ على ما يراه
مالكٌ.
وكلَّ هذه تأويلاتٌ بعيدةٌ تخالفُ ظاهرَ اللفظ .
وفي رواية أبي أسامةَ، عن هشام: ((دعي الصَّلاةَ قدرَ الأيامِ التى كنتٍ
تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي)). وقد خرّجها البخاريّ - فيما بعد(١).،
وهذه الروايةُ صريحةٌ في رَدِّها إلى العادة دونَ التَّمييز.
وخرَّجَ مسلمٌ من حديثِ عراك بن مالك، عن عروةَ، عن عائشةَ أَنَّ
أُمَّ حبيبةَ سألت رسولَ اللهِ وَ له عن الدَّمِ فقال لها النبي ◌ِّهِ: ((امْكُثي قدرَ
ما كانت تحبسك حيضتُك، ثم اغتسلي (٥٣ - ب/ط) وصَلِّي))(٢).
وفي رواية أَنَّها شكتْ إليه الدم(٣) .
وروى مالكٌ، عن نافع، عن سليمانَ بن يسار، عن أُمِّ سلمةَ زوج
النبي وَلَهُ أَنَّ امرأةً كانت تُهِرَاقُ الدِّمَاءَ على عهد رسولِ اللهِ وَله
فاستفتَت (٤) لها أُمُّ سلمةَ رسولَ الله ◌َّه فقال: ((لتنظر عدةَ الليالي والأيام
(١) (٣٢٥) .
(٣) مسلم (٣٣٤ / ٦٦).
(٢) مسلم (٣٣٤/ ٦٥).
(٤) في ((ط)): ((فاستفت)).
٥٨

٨ - باب الاستحاضة
الحديث: ٣٠٦
التي كانتْ تحيضهنَّ من الشَّهر (١) فإذا خَلَّفَتْ ذلك فلتغتسلْ ثم لِتَسْتَثْفِرْ
بثوب ثم لتصل))(٢).
وخرَّجه الإمامُ أحمد، وأبو داودَ، والنسائي(٣).
وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ والنسائي(٤) - أيضًا - وابن ماجه من حديث
عَبد الله(٥) بن عمر، عن نافعٍ بنحوه(٦).
وخرَّجَه أبو داود - أيضًا - من روايةِ الليثِ، عن نافعٍ، عن سليمانَ
ابن يسار أَنَّ رجلا أخبره عن أُمِّ سلمة، ومن طريقِ أبي حمزةَ، عن عبيدالله
ابن عمرَ، عن نافعٍ، عن سليمانَ، عن رجلٍ من الأنصارِ أَنَّ امرأةً كانت
تهراقُ الدماء، فذكرَه بمعناه(٧) .
فتبيَّنَ بهذا أَنَّ سليمانَ بن يسار لم يسمعْه من أُمِّ سلمةَ.
وروى أيوبُ، عن سليمانَ بن يسار، عن أُمِّ سلمة أَنَّ فاطمةَ بنت أبي
حبيش استُحيضتْ فسألت رسولَ اللهِ وَ لَ فقالَ: ((إنَّه ليسَ بالحيضة؛
ولكنَّه عرقٌ» وأمرَها أن تدعَ الصَّلاةَ أيامَ أقرائها أو قدرَ حيضِها ثم تغتسلُ
فإِنْ غلبَها الدمُ استثفرتْ بثوبٍ وصَلَّتْ))(٨).
(١) زاد في ((الموطأ)): ((قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر)).
(٢) ((الموطأ)) (ص٦٢).
(٣) أحمد (٣٢٠/٦)، وأبو داود (٢٧٤)، والنسائي (١١٩/١ - ١٢٠، ١٨٢ - ١٨٣).
(٤) في ((ط): ((النسا)).
(٥) كذا في ((ط)) والذي عند أحمد والنسائي وابن ماجه: ((عُبيد الله)) مصغراً.
(٦) أحمد (٢٩٣/٦)، والنسائي (١٨٢/١) وابن ماجه (٦٢٣).
(٧) أبو داود (٢٧٥)، (٢٧٦).
(٨) انظر ((سنن الدارقطني)) (٢٠٧/١ -٢٠٨).
٥٩

الحديث: ٣٠٦
كتاب الحيض
وهذه الروايةُ تشهدُ لما ذكرناه من أَنَّ النَّبيّ
وَخّ إنَّما ردَّ فاطمةَ إلى
العادة .
وكذلك روى المنذر بن المغيرة، عن عروةَ أنَّ فاطمةَ بنتَ أبي حبيش
حدَّثَتهَ أنَّها سألتْ رسولَ اللهِ وَخَّهِ وشكتْ إليه الدمَ فقال لها رسولُ الله
وَله: «إنّمَّا ذلك عرقٌ، فانظري إذا أتَاكِ قُرْؤك فلا تُصلِّي فإذا مرَّ قرؤُكَ
فَتَطَهَّري، ثُمَّ صَلِّي ما بينَ القرءِ إلى القرء)».
خرَّجَهَ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائي(١).
وقد رُويَ عن النَّبِيِّ وَلَهِ من وجوه متعددة أَنَّه أمرَ المستحاضةَ أن تدعَ
الصَّلاةَ أيامَ أقرائها ثم تغتسل.
وهذه النصوصُ كُلُّها تدلُّ على الرجوع إلى العادة المعتادة لها قبل
الاستحاضة. والمستحاضةُ لها أربعةُ أحوال.
الحالةُ الأولى: أن تكونَ مميزةً وهي التي دمُها متميزٌ بعضُهُ أسودُ
وبعضُهُ أحمرُ أو أصفرُ.
والحالةُ الثَّانيةُ: أن تكون(٢) (٥٤ - أ/ ط) معتادةً وهي التي لها عادةً
معلومةٌ من الشهر تعرفُها.
والحالةُ الثَّالثةُ: أَنْ يجتمعَ لها عادةٌ وتمييزٌ ويختلفان.
والحالةُ الرابعةُ: أن لا تكونَ لها عادةٌ ولا تمييزٌ مثل أن يكونَ دمُها
كلُّه لونُه واحدٌ وليسَ لها عادةٌ إما بأن يكونَ قد استحيضتْ وهي مبتدأةٌ
(١) أحمد (٤٢٠/٦، ٤٦٣ - ٤٦٤)، وأبو داود (٢٨٠)، والنسائي (١٨٣/١ - ١٨٤).
(٢) في (ط)): (يكون)).
٦٠