النص المفهرس

صفحات 21-40

٣ - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض
الحديث: ٢٩٧
ومِمَّنْ رخَّصَ في ذلك: عطاءٌ، والحسنُ، والأوزاعيُّ: والثَّوريُّ.
وكَرِهَه مالكٌ. وحرَّمَه أصحابُ الشَّافعيِّ. وعن أحمدَ روايتانٍ. ومن
أصحابنا من جزمَ بجوازِه من غير خلاف حكَاه.
وأصلُ هذه المسألةِ: منعُ المحدثِ من مسِّ المصحفِ، وسواء كَانَ
حدثُه حدثًا أكبر وهو مَن يجبُ عليه الغسلُ أو أصغَر وهو مَن يجبُ عليه
الوضوءُ.
هذا قولُ جماهيرِ العلماءِ، وَرُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وسعدٍ، وابنٍ
عمرَ، وسلمانَ، ولا يُعرف لهم مخالفٌ من الصّحابةِ.
وفيه أحاديثُ عن النَّبِيِّ وَِّ مرسلةٌ ومتصلهٌ.
وخالفَ في ذلك أهلُ الظَّاهِر. وأجازَ الحكمُ، وحمادٌ للمحدثِ مسََّ
بظهرِ الكفِّ دونَ بطنِه .
وعن الحسنِ قَالَ: لا بأسَ أن يأخذَ المصحَف غيرُ المُتوضِّئ فيضعُه من
مَكَانٍ إلى مكانٍ. وعن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أَنَّه بالَ ثم غسلَ وجهَه ويديه ثم
أَخذَ المصحف فقرأَ فيه. رَوَهما عبدُ الرزاق(١).
وعن الشَّعبيِّ قال: مسَّ المصحفَ ما لم تكن جُنْبًا. ذكره وكيعٌ.
وأما الاستدلالُ بقوله عزَّ وجلَّ ﴿لا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: ٧٩] ففيه كلامٌ ليسَ هذا موضعَه، واللهُ أعلم.
وإن عَدِمَ الماءَ وتيمَّمَ فله مسُّ المصحف عندنا وعندَ الشَّافعية
والأكثرين؛ خلافًا للأوزاعيِّ.
(١) ((المصنف)) (٣٤٢/١، ٣٤٥).
٢١

الحديث: ٢٩٧
كتاب الحيض
وفي الحديثِ دلالةٌ على جواز قراءة القُرآن مُتَّكتًا ومُضْطجعًا وعلى
جنبه، ويدخلُ ذلك في قولِ اللهِ عز وجل ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].
٢٢

الحديث: ٢٩٨
٤- بَابُ
مَنْ سَمَّى النَّفَاسَ حَيْضًا
٢٩٨ - حَدَّثَنَا (٤٤ - أ/ ط) الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: نَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَبِي كَثِير، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ
حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النِّبِّ ◌َ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ
فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضِتِي، فَقَالَ: ((أَنَفِسْتَ(١)؟)) فَقُلْتَ(٢): نَعَمْ،
فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ.
مكيُّ [بن](٣) إبراهيمَ أكبرُ شيخٍ للبخاريِّ، وهو في طبقةِ مالكِ،
ويروي عن هشامٍ بنِ عروةَ وغيرِه من الأكابرِ .
وقد أسقطَ بعضُ الرواة من إسنادٍ هذا الحديثِ زينبَ بنتَ أبي سلمةَ،
وجعلَه عن أبي سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، والصَّوابُ: ذكرُ زينبَ فيه(٤).
وقد تقدم (٥) حديثُ عائشةَ أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ دخلَ عليها وهي في الحجِّ
وهي تبكي فقالَ: ((ما لك؟ أنفست؟)) قالتْ: نَعَمْ.
ظاهرُ حديثِ أُمِّ سلمةَ، وعائشةَ يدلُّ على أَنَّ الحيضَ يُسمَّى نِفَاسًا.
وقد بوَّبَ البخاريُّ على عكس ذلك وأَنَّ النَّاسَ يُسمَّى حيضًا، وكان
مُرادُه إذا سُمِّيَ الحيضُ نفاسًا فقد ثبتَ لأحدهما اسمُ الآخر فَيسمَّى كلُّ
(١) كذا في ((ط)) بفتح النون، وفي ((اليونينية)) بالضم وكلاهما صواب، وسيأتي.
(٢) في ((اليونينية)): ((قلت)).
(٤) انظره (ص١٣) تحت الحديث (٢٩٤).
(٣) سقطت من ((ط)).
(٥) (٢٩٤).
٢٣

الحديث: ٢٩٨
كتاب الحيض
واحدٍ منهما باسمِ الآخرِ ويثبتُ لأحدهما أحكامُ الآخر.
ولا شكَّ أَنَّ النَّاسَ يمنعُ ما يمنعُ منه الحيضُ ويوجبُ ما يوجبُ
الحيضُ إلا في الاعتداد به؛ فإنَّها لا تعتدُّ به المطلقةُ قرءًا ولا تستبرئُ به
الأَمةُ.
وقد حكى ابنُ جريرٍ، وغيرُهُ الإجماعَ على أَنَّ حكمَ النُّفساءِ حكمُ
الحائضِ في الجملةِ .
وقد اعتمدَ ابنُ حزمٍ على هذا الحديث في أَنَّ الحائضَ والنِّفاسَ
مدتهما واحدةٌ وأَنَّ أكثَر النّاسِ كأكثرِ الحيضِ .
وهو قولٌ لم يُسْبَقْ إليه، ولو كانَ هذا الاستنباطُ حقّا لما خَفِيَ على
أئمة الإسلامِ کُلُّهم إلی زمنه.
وقريبٌ من هذا: ما نقلَ حربٌ في ((مسائله)) قال: قلتُ لإسحاقَ:
رجلٌ قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالقٌ، فولدتْ هل يكونُ دمُ النِّفاسِ
حيضًا؟ قال: تطلقُ؛ لأنَّ دمَ النَّاسِ حيضٌ، إلا أَنْ يقصدَ حين يحلفُ
قصدَ الحيضِ. وذكرَ حديثَ عائشةَ أَنَّ النَّبِيَّ بِّهِ قَالَ لها في الحجِّ: ((مَا
لك؟ أَنفست؟». انتھی.
وهذا يردُّه أَنَّه لو كانَ دمُ النَّاسِ (٤٤ - ب/ط) حيضًا لاعتدتْ به
المطلقةُ قرءًا، ولا قائلَ بذلك؛ بل قد حَكَى أبو عبيدٍ، وابنُ المنذرِ،
وغيرهما الإجماعَ علی خلافه.
وقولُهُ وَِّ ((أَنُفست)) قال القرطبيُّ: قيَّدناه بضمِّ النَّونِ وبفتحها. قال
الهرويّ، وغيرُهُ: نَفست المرأةُ ونُفست إذا ولدتْ - يعني بالوجهين: فتح
٢٤

٤ - باب من سمى النفاس حيضًا
الحديث: ٢٩٨
النون وضَمِّها - قال: وإذا حاضتْ قيل: نَفستْ - بفتحِ النُّونِ لا غير.
فعلى هذا يكونُ ضمُّ النُّونِ هنا خطأ؛ فإنَّ المرادَ به الحيضُ قطعًا.
لكن حَكَى أبو حاتمٍ، عن الأصمعيِّ الوجهين في الحيضِ والولادةِ،
وذكر ذلك غيرُ واحد، فعلى هذا تصحّ الروايتانِ. وأصلُ ذلك كلِّه من
خروج الدَّمِ وهو المُسمَّى نفسًا. انتهى.
وقال الخطابيّ: ترجم أبو عبد الله هذا البابَ بقوله: ((مَنْ سَمَّى
النِّفاسَ حيضًا))، والذي ظنَّه من ذلك وهم. قال: وأصلُ هذه الكلمة من
النَّفْسِ وهو الدَّمُ، إلا أنّهم فرقوا بين بناءِ الفعلِ من الحيضِ والنِّفاسِ
فقالوا: نَفست المرأةُ - بفتح النونِ، وكسر الفاء - إذا حاضتْ، ونُفستْ ـ
بضمِّ النُّونِ، وكسر الفاء - على وزنِ الفعلِ المجهول، فهي نُفَساء إذا
ولدتْ. انتهى(١).
ومرادُهُ: أَنَّ الروايةَ في هذا الحديثِ هي بفتحِ النُّونِ ليسَ إلا، وأَنَّ
ذلك لا يرادُ به إلا الحيضُ.
وعلى ما ذكره القرطبيّ أن الروايةَ في الحديث جاءتْ بوجهين وأَنَّ
الأصمعيَّ حكى في الحيضِ والولادةِ وجهين لا يُحْكَمُ على البخاريِّ
بالوهم.
ثم قال الخطابيَّ: الحيضة - بكسر الحاء -: التَّحَيَّضُ، كالقعدة
والجلسةِ أي: الحالةُ التي تلزمُها الحائضُ من اجتنابِ الأمورِ وتوقيها (٢).
يشيرُ إلى قولِ أُمِّ سلمةَ: ((فأخذتُ ثيابَ حِيضتي أنها بكسر الحاء.
(١) ((أعلام الحديث)) (٣١٣/١).
(٢) (٣١٤/١).
٢٥

الحديث: ٢٩٨
كتاب الحيض
وأنكَر غيرُه ذلك، وقالَ: إِنَّما الروايةُ بفتحِ الحاءِ، والمرادُ بيانُ الحيضِ.
قال الخطابيُّ: والخَمِيصَةُ: كساءٌ أسودُ، وربما كان له عَلَمٌ أو فيه
خطوطٌ. والخميلةُ: ثوبٌ من صوفٍ له خَمَل(١).
ورَوَى ابنُ لهيعةَ: نا يزيدُ بن أبي حبيبٍ، عن موسى بنِ سعد(٢) بن
زيد بن ثابت، عن خُبيبٍ بن عبد الله بن الزَّبيرِ، عن عائشةَ قالت:
طَرَقتني الحيضةُ من اللَّيلِ وأنا إلى جنبٍ رَسُولِ اللهِ وَخلّ فتأخرتُ، فقال:
(«ما لك؟ أَنَفست؟)) قلتُ: لا؛ ولكن حضتُ. قال: ((فَشُدِّي عليك
إِزَارَك، ثُم عُودي)) (٤٥ - أ/ ط).
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ(٣)؛ وهو غريبٌ جدّاً.
(١) (٣١٤/١) .
(٢) وفي ((المسند))، و((أطرافه)) لابن حجر: ((سعيد))، وهو وجه في اسمه، راجع ((تهذيب
الكمال)).
(٣) («المسند)) (٦٥/٦).
٢٦

الحديث: ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠٢،٣٠١
٥ - بَابُ
مُبَاشَرَة الْحَائضِ
خرَّجَ فيه عن عائشةَ، وميمونةَ.
فأمَّا حديثُ عائشةَ، فمن طريقينِ :
أحدهما: قال :
٢٩٩ - نَا قَبِيصَةُ: نَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ،
عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِوَ (١) مِنْ إِنَاءِ وَاحِدٍ، كِلَانَا
٠
وو
جنب.
٣٠٠ - وَكَانَ يَأمُرُنِي فَأَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ.
٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائضٌ.
والثاني(٢): قال:
٣٠٢ - نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ
الشَّيْبَانِيُّ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ:
كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِوَ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ
(١) في ((اليونينية)) ((والنبي
(٢) اعتبر المؤلف حديث عائشة حديثا واحدا بطريقين وفي الفتح، كما أثبتناه، ونحن على
شرطنا الذي شرطناه في المقدمة باعتبار ترقيم الفتح وذلك للتسهيل على الباحث ثم
وجدنا الإمام المزي قَطَّعَ الحديث كما فعلنا. والله المستعان.
٢٧

الحديث: ٣٠٣،٣٠٢
كتاب الحيض
تَنْزِرَ (١) فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ
رَسُولُ اللهِوَِّ يَّمْلِكُ إِرْبَهُ؟.
تَبَعَهُ خَالِدٌ، وَجَرِيرٌ، عَنِ الشََّانِيِّ.
وحديثُ جريرٍ، عن الشَّيبانيِّ: خرَّجه أبو داودَ، ولفظهُ: ((كان يأمرُنا
في فوجٍ حَيْضِتِنا أَنْ نتزرَ ثم يباشرُنا))، والباقي مثله(٢). وخرَّجَه ابنُ
ماجه(٣) من طريقِ ابنِ إسحاقَ، عن الشَّيبانيِّ (٤) _ أيضًا.
وإنَمَّا ذكرَ البخاريُّ المتابعةَ على هذا الإسناد لأنَّ من أصحاب الشَّيبانيِّ
مَنْ رواه عنه، عن عبدِ الله بن شداد، عن عائشةَ. وليسَ بصحيحٍ؛ فإن
الشيبانيّ عنده لهذا الحديث إسنادان، عن عائشةَ وميمونةَ؛ فحديثُ عائشةَ
رواه عن عبد الرحمنِ بن الأسودِ، عن أبيه، عن عائشةَ .
وحديثُ ميمونةَ: رواه عن عبدِ الله بنِ شدادٍ، عن ميمونةَ.
فمن رَوَاه عن الشَّيّانِيِّ، عن عبدِ الله بنِ شدَّادِ، عن عائشةً فقد
وَهُمَ؛ فهذا حديثُ عائشةً.
وأما حديثُ ميمونةَ: فقال:
٣٠٣- نَا أَبُو النُّعْمَانِ: نَا عَبْدُ الْوَاحد: نَا الشَّيْبَانِيُّ: نَا عَبْدُ الله بْنُ شَدَّاد
قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَّ امْرَأَةً مِنْ
(١) في ((ط)): ((تتزر تأتزر)) وكتب فوق كل منهما (خ) - يعني: نسخة، وفي ((اليونينية)) كذلك.
(٣) ابن ماجه (٦٣٥).
(٢) أبو داود (٢٧٣).
(٤) كذا، وابن إسحاق إنما يرويه عن عبد الرحمن بن الأسود، متابعًا للشيباني. وانظر
(التحفة)) (٣٧٦/١١) ووقع في المطبوع من ابن ماجه في أول هذا الحديث: ((حدثنا عبد الله
ابن الجراح: ثنا أبو الأحوص، عن عبد الكريم)) يعني عن عبد الرحمن بن الأسود. ولم
يورده المزي في ((التحفة)) ولا الشيخ الأعظمي في تحقيقه له (٦٣٢)، فالله أعلم.
٢٨

٥ - باب مباشرة الحائض
الحديث: ٣٠٣
نسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ خَائِضٌ.
رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنِ الشَيْبَانِيِّ.
وإنما ذكرَ متابعةَ سفيانَ لُيُبيِّنَ أَنَّ الصَّحيحَ عن الشَّيبانيِّ، عن عبد الله
ابن شداد، عن ميمونةَ؛ لا عن عائشةَ، وأَنَّ سفيانَ - وهو الثَّوريّ - رواهُ
عن الشَّيَانِيِّ كذلك.
وقد خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (١)، عن ابنِ مهديٍّ، عن سفيانَ كذلك، ولفظُ
حديثه: ((إِنَّ النبيَّ وَّهِ كان يباشرُ (٢) وهي حائضٌ فوقَ (٤٥ - ب/ط)
الإزار)).
وكذلك خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحه) من طريقِ عبدِ الواحد بنِ زيادٍ،
عن الشَّيبانيِّ بهذا الإسناد، ولفظُه: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَلِّ يباشرُ نساءَهُ
فوقَ الإزارِ وهنَّ حُيَّصٌ)(٣). وخرَّجَه مسلمٌ(٤) - أيضًا - من طريقِ ابنِ
وهبٍ: أخبرني مخرمةُ، عن أبيه - وهو: بكيرُ بن الأشجِّ-، عن کریبِ
مولى ابنِ عبَّاسٍ، عن ميمونةً قالت: ((كانَ رسولُ اللهِ وَلَه ينضجعُ(٥)
معي وأَنَا حائضٌ وبيني وبينَه ثوبٌ)).
(١) ((المسند)) (٣٣٥/٦).
(٢) كذا، وفي («المسند»: ((يباشرها)).
(٣) الذي في ((صحيح مسلم)) (٢٩٤) من طريق خالد بن عبد الله، عن الشيباني، بهذا
اللفظ. وأما رواية عبد الواحد فهي عند البخاري في الحديث السابق (٣٠٣)، ولم يرو
مسلم لعبد الواحد هذا عن الشيباني بهذا الإسناد شيئا. والله أعلم.
(٤) (٢٩٥).
(٥) كذا، وفي ((الصحيح)): ((يضطجع)) وكلاهما صواب ففي هامش ((الصحيح)) الطبعة السلطانية
(١٦٧/١): ((قوله: ((يضطجع))، وفي نسخة معتمدة: ((ينضجع)). قال ابن الأثير: انضجع
مطاوع أضجعه نحو: أزعجته فانزعج، وأطلقته فانطلق، وانفعل بابه الثلاثي، وإنما جاء
في الرباعي قليلا على إنابة أفعل مناب فعل)) ا. هـ وهو في ((النهاية)).
٢٩

الحديث: ٣٠٣
كتاب الحيض
ورَوَاه الزَّهريَّ، عن حبيب مولى عروةَ، عن نَدَبَة(١) مولاة ميمونة،
ء
عن ميمونةَ قالتْ: كَانَ رسولُ اللهِ وَخَّهِ يباشرُ المرأةَ من نسائِه وهي حائض
إذا كان عليها إزارٌ يبلغُ أنصافَ الفَخذينِ أو الرُّكبتينِ محتجزةً.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ حبان في
((صحيحه))(٢)
٠
و
وفي الباب أحاديثُ أُخر متعددةٌ. وقد تقدَّمَ في البابِ الماضي حديثٌ
أُمِّ سلمةَ في المعنى.
وقد دلَّتْ هذه الأحاديثُ على جوازِ نوم الرَّجُلِ مع المرأةِ في حَالِ
حيضها، وجواز مباشرته لها واستمتاعه(٣) بها من فوق الإزار. والإزارَ هو
ما بينَ السُّرَّةِ (٤) وَالرُّكْبةِ.
(*
وفي الرواية الأخرى(٥) عن ميمونةَ الشَّكُّ هل كانَ الإزارُ يبلغُ إلى
الرَّكبتين أو إلى أنصافِ الفخذينِ .
وقد رُوِيَ أَنَّ الإزارَ كان يبلغُ إلى أنصافِ الفَخذين جزمًا من غيرِ
شئٍّ.
خرَّجَه ابنُ ماجه من حديثٍ أُمِّ حَبيبَ زوجِ النَّبِيِّ وَّهِ أنها سُئِلتْ:
(١) في ضبطها اختلاف. انظر: ((الإكمال)) (٢٢٢/١) وتعليق الشيخ المعلمي، و ((التوضيح))
لابن ناصر (٤٨/٩)، و((تهذيب الكمال)) (٣١٥/٣٥).
(٢) أحمد (٣٣٢/٦، ٣٣٥ - ٣٣٦)، وأبو داود (٢٦٧)، والنسائي (١٥١/١، ١٨٩)، وابن
حبان (١٣٦٥ - إحسان) عن الزهري به .
واختلف فيه على الزهري. انظر ((العلل)) للدار قطني (٥ ب/ ق٧٣ - ب). وسيأتي قريبا
كلام للمؤلف حول هذا الاختلاف.
(٣) في ((ط)): ((واستماعه)) كذا. (٤) في (ط)): ((السترة)) خطأ. (٥) في ((ط)): ((الآخرة)).
٣٠

٥- باب مباشرة الحائض
الحديث: ٣٠٣
كَيَف كنت تَصْنَعِينَ مع رسولِ اللهِ نَّهِ فِي الحَيضِ؟ قالتْ: كانتْ إحدانا
في فورها أُولَ ما تحيضُ تشدَّ عليها إزاراً إلى أنصافٍ فَخذيها ثُمَّ تضطجعُ
مع رسولِ اللهِ وَل﴾(١).
وإسنادُه حسنٌ، وفي إسنادِهِ: ابنُ إسحاقَ.
وفي هذا الحديث معَ حديث عائشةَ الثَّاني الذي خرَّجَه البخاريّ
هاهنا دلالةٌ على أَنَّ النبيَّ وَّهِ إِنمَا كَانَ يأمرُ الحائضَ بالاتزارِ في أولٍ
حَيْضها - وهو فورُ الحيضةِ وفوجُها -؛ فإنَّ الدمَ - حينئذ - يفورُ لكثرتِه،
فكُلَّمَا طالتْ مدتُه قلَّ.
وهذا مِمَّا يُسْتدلُّ به على أَنَّ الأمرَ بشدِّ الإزارِ لم يكنْ لتحريمِ
الاستمتاعِ بما تحتَ الإزارِ؛ بل خشيةً من إصابةِ الدَّمِ والتَّلوثِ به ومبالغةً
في التّحرزِ من إصابته .
وقد رَوَى محمدُ بن بكار بن بلال: نا سعيدُ بن بشير، عن قتادةَ،
عن الحسن، عن أُمِّه، عن أُمِّ (٤٦ - أ/ط) سلمةٍ قَالتْ: كَانَ رسولُ الله
وَ﴿ يَتَّقِي سَوْرَةَ الدَّمِ ثلاثًا، ثم يباشرُ بعدَ ذلك(٢).
وهذا الإسنادُ وإن كان فيه لينٌ؛ إلا أَنَّ الأحاديثَ الصحيحةَ تُعضدُه
وتشهدُ له.
وفي ((سنن أبي داود))(٣) من حديثِ عكرمةَ، عن بعضِ أزواجِ النَّبِيِّ وَجَّ
قَالَ: كَانَ النَّبِيِّ وَّ إذا أرادَ من الحائضِ شيئًا ألقى على فَرْجِها ثوبًا.
وإسنادُه جيدٌ، وهو محمولٌ على ما بعدَ الثَّلاث إذا ذهبتْ سَوْرةُ الدِّم
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٤٦٨٢).
(١) ابن ماجه (٦٣٨).
(٣) (٢٧٢).
٣١

الحديث: ٣٠٣
كتاب الحيض
وحدَّتُهُ وفورهُ، فكان حينئذٍ يكتفي بسترِ الفرجِ وحدَه بثوبِ ثم يباشرُ.
وقد رُويَ عن الأوزاعيِّ، عن عَبْدَةَ بن أبي لُبَابَةَ، عن أُمِّ سلمةَ قالت:
كنتُ مع النَّبِيِّ بَّ في لحافه فَنفستُ فقال: ((ما لك؟ أَنَفست؟)) قلتُ:
نعم، فَأَمرني أن أضعَ على قُبُلي ثوبًا.
خرَّجَهَ أبو بكرٍ بن جعفرٍ في كتابِ ((الشافي)؛ وعَبْدَهُ لم يسمعْ من أُمِّ
سلمةَ. قاله أبو حاتمٍ الرازيُّ (١).
وسنذكر في ((الصيامِ)) إن شاءَ اللهُ تعالى الأحاديثَ الواردةَ بأَنَّ النّبِىّ
رَّ كَانَ يُلْقِي على فرجِ المرأةِ في صِيَامِهِ ثوبًا ثم يباشرُها.
فظهَر بهذا أَنَّ الاستمتاعَ بيدنِ الحائضِ كُلِّه جائزٌ لا منعَ فيه سوى
الوطءِ في الفرجِ، وأَنَّه يُسْتَحبُّ أن يكون ذلك من فوقِ الإزارِ خصوصًا
في أولِ الحيض وفورتِهِ، وإن اكتفى بسترِ الفرجِ وحدَه جازَ، وإن استمتعَ
بها بغيرِ سترِ بالكلية جَازَ - أيضاً -، وقد تقدَّمَ قولُ النَّبِيِّنَّهِ: ((اصْنَعُوا
كُلَّ شيءٍ غيرِ النِّكاحِ)). خرجه مسلم(٢).
وأما الأحاديثُ التى رُوِيتْ عن النَّبِيِّ وَِّ أَنَّه سُئِلَ عما يحلُّ من
الحائضِ؟ فقال: ((فوقَ الإزارِ)) فقد رُويتْ من وجوه متعددة لا تخلو
أسانيدُهَا من لينٍ، وليسَ رواتُها من الَّرَِّينَ فِي الحفَظِ، ولعَلَّ بعضَهم
رَوَى ذلك بالمعنى الذي فَهِمَه من مباشرة النَّبِيِّ وََّ للحائض من فوقِ
الإزار(٣). وقد قِيلَ: إِنَّ الإزارَ كنايةٌ عن الفرجِ، ونُقِلَ ذلك عن اللُّغَةِ،
وأَنْشِدُوا فيه شعرا. قال وكيعُ: الإزارُ عندنا: الخرقةُ التي على الفَرجِ.
(١) في ((المراسيل)) لابنه (ص١٣٦).
(٢) (٣٠٢). وتقدم أول كتاب الحيض بلفظ: (( ... إلا النكاح)) وهو لفظ مسلم.
(٣) انظر ((التلخيص)) (١٦٦/١)، و((تفسير ابن كثير)) (٣٧٩/١ - ٣٨٠).
٣٢

٥- باب مباشرة الحائض
الحديث: ٣٠٣
وقد اختلفَ العلماءُ فيما يجوزُ الاستمتاعُ به من الحائضِ في حَالِ
حيضها .
فقالت طائفةٌ: لا يحرمُ منها سوى الإيلاجِ في فرجها ويجوزُ ما عدا
ذلك. وحُكيَ ذلك عن جُمهورِ العلماء، ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ وعائشةَ
وأُمِّ سلمةَ، وهو قولُ الثَّوريِّ (٤٦- ب/ط)، والأوزاعيِّ، وأحمدَ،
وإسحاقَ، وهو أحد(١) قولي الشَّافعيِّ، ومحمدٍ بن الحسن، وأبي ثورٍ،
وابن المنذر، ودَاودَ، وطائفة من أصحابِ مالك، والشَّافعيِّ، واحتجٌ
أحمدُ بأَنَّ عائشةَ أفتتْ بإباحة ما دونَ الفرجِ من الحائضِ وهي أعلمَ
و
النَّاسِ بهذه المسألةِ فيتعيَّنُ الرجوعُ فيها إلى قولها كما رُجِعَ إليها في
الغُسْلِ من التقاءِ الخِتَانين - على ما سبق - وكذا في المباشرةِ الصَّائمِ.
وقد حَكَى البخاريُّ عنها في الصَّومِ أَنَّها قالتْ: يحرمُ عليه - يعنى
الصائم - فرجُها (٢).
وقالت طائفةٌ: يحرمُ الاستمتاعُ من الحائضِ بما بينَ السُّرَّةِ والركبةِ إلا
من فوق الإزارِ، وهو المشهورُ عن مالك، وأبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ،
وحِكِيَ روايةً عن أحمدَ، ولم يُثْبْها(٣) الخلالُ، وأكثرُ الأصحاب وقالوا:
إنّمَّا أرادَ أحمدُ أن الأفضلَ مباشرتُها من فوق الإزارِ.
وقالت طائفةٌ: إن وثقَ المباشرُ تحتَ الإزارِ بضبطِ نَفْسِه عن الفرج
لضعفٍ شهوةٍ أو شدةٍ ورعٍ جازَ، وإلا فلا. وهو قولُ طائفة من الشَّافعية،
ء
(١) كتب فوقها في حاشية ((ط)): ((زعم ابن النحاس أنه الصحيح من قولي الشافعي، ولم
يُوَافَق عليه)).
(٢) الباب (٢٣) من كتاب الصوم.
(٣) في ((ط)): ((وحكي رواه عن أحمد، ولم سها)).
٣٣

الحديث: ٣٠٣
كتاب الحيض
وهو حسنٌّ، وفي كلام عائشةَ رضي اللهُ عنها ما يشهدُ له؛ فإنَّها قالت:
وَأَيُّكُم يملكُ إِرْبَه كما كانَ رسول اللّهِ مَلِّ يِلكُ إِرْبَهَ؟.
ويشهدُ لهذا مباشرةُ المرأة في حالِ الصِّيَّامِ؛ فإنه يفرقُ فيها بين مَنْ
يخافُ على نَفْسه ومن يأمنُ. وقد قالتْ عائشةُ - أيضًا -: كَانَ النَّبِيِّ
عَلشه
وَسَيَّلة
يُقُبِّلُ ويباشرُ وهو صائمٌ، وكان أملَكَكُمْ لإِرْبِهِ(١).
وقد رُويتْ هذه اللفظةُ بكسرِ الهمزة وسكونِ الراء، ورُويِتْ بفتح
الهمزة والراء. وأنكر الخطابيُّ الروايةَ الأولى، وجَوَّزَها غيرُه. والأرْبُ
بالسُّكون: العضوُ، وهو كنايةٌ هنا عن الفرجِ. والأَرَبُ بالفتح: الحاجةُ،
والمرادُ بالحاجةِ شهوةُ النِّكاحِ. وقيل: بل الإرْبُ بالسُّكونِ يرادُ به العضوُ
ويرادُ به الحاجةُ - أيضًا - وكذلك هو في الصِّحاحِ. قال أبو عبيدٍ(٢):
يُروى هذا الحديثُ ((لإِرْبُه)) يعني بالسكون - قَالَ: وهو في كلامِ العرب
(لإِرَبَه)) يعني بالتَّحريك. قال: والإربُ الحاجةُ. قال: وفيه ثلاثُ لغات:
أَرَبُ، وإربه، وأرب. قال: والإربُ في غيرِ هذا: العضوُ. انتهى.
وعلى قولٍ من جوَّزَ الاستمتاعَ بما دون الفرجِ: يجوزُ عندهم الوطءُ
دونَ الفرجِ والاستمتاعُ بالفرجِ نفسهِ من غير إيلاجٍ فيه ولو كَانَ على
بعضِ الجَسَدِ شيءٌ من دمِ الحَيَضِ لم يحرم الاستمتاع به .
وليسَ فيه (٤٧ - أ/ ط) خلافٌ إلا وجهٌ شاد للشَّافعية. لكن صرَّحَ
ابنُ أبي موسى من أصحابنا في ((شرح الخرقي)) بكراهةِ الوَطْءِ فيما هو
مُتْلوثٌ بدمِ الحيضِ من غَيْرٍ تَحْرِيمٍ.
(١) أخرجه البخاري (١٩٢٧ - فتح).
(٢) ((غريب الحديث)) (٣٣٦/٤).
٣٤

٥- باب مباشرة الحائض
الحديث: ٣٠٣
وأَمَّا ما فوقَ السُّرَّة وتحت الركبة: فيجوزُ الاستمتاعُ به. وكثيرٌ من
العلماءِ حكى الإجماعَ على ذلك.
ومنهم من حكَى عن عبيدة السلمانيِّ خلافَه؛ ولا يصحُّ عنه؛ إِنَّا
الصَّحيحُ عن عَبيدةَ: ما رواه وكيعٌ في ((كتابه))، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ
سيرينَ قال: سألتُ عَبيدةَ: ما للرجلِ من امرأتِه إذا كانتْ حائضًا؟ قال:
الفراشُ واحدٌ واللحافُ شَتَّى، فإن لم يجدْ بُدّا ردَّ عليها من طرفِ ثوبهِ .
وهذا إِنَّما يدلُّ على أَنَّ الأولى أن لا ينامَ معها متجردةً في لحافٍ
واحدٍ حَتَّى يسترهَا بشيءٍ من ثيابِه. وهذا مِمَّا لا خلافَ فيه.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عبّاسٍ أَنَّه كان يعتزلُ فراش امرأتِه في حالِ الخَيْضِ
وأنكرتْ عليه ذلك خالتُه ميمونةُ رضي اللهُ عنهما، فرجعَ عن ذلك؛ ففي
((مسندِ الإمامِ أحمدَ)) من حديث ابن إسحاقَ، [عن](١) الزهريِّ، عن
عروةَ، عن نَدَبَةَ قالت: أَرْسَلتني ميمونةُ بنتُ الحارثِ إلى امرأةِ عبدِ الله
ابن عباسٍ - وكانت بينهما قرابةٌ - فرأيتُ فراشَها معتزلا فراشه فظننتُ أَنَّ
ذلك لهجران فسألتُها فقالتْ: لا؛ ولكنِّي حائضٌ، فإذا حضتُ لم يقربْ
فراشي، فأتيتُ ميمونةَ فذكرتُ ذلك لها فردَّتني إلى ابنِ عَبَّاسٍ فقالتْ:
أرغبةً عن سنة رسول الله وَلَ؟! لقد كانَ رسولُ اللهِ وَ لَه ينامُ معَ المرأةِ
من(٢) نسائه الحائضِ ما بينهما إلا ثوبٌ ما يجاوزُ الرُّكبتين(٣). ثم خرَّجَه
من طريقِ ليثٍ: حدثني ابنُ شهابٍ، عن حبيبٍ مولى عروةَ، عن نَدَبة،
فذكر الحديث (٤).
(١) سقطت من ((ط)).
(٢) في ((ط)): ((مع)) خطأ .
(٣) ((المسند)) (٣٣٢/٦).
(٤) تقدم (ص ٣٠)، وأشرنا إلى الاختلاف فيه على الزهري.
٣٥

ديث: ٣٠٣
كتاب الحيض
وهذا هو الصَّحيحُ؛ وقولُ عروة عن ابنِ إسحاقَ خطأٌ(١)؛ إِنَّا هو
حبيب مولی عروة؛ وهو ثقة خرج له مسلم.
وقد رُوِيَ أَنَّ النبيَّ بِّهِ إِنَّا كانَ ينامُ مع الحائضِ حيثُ لم يكن لهم
سوى فراشٍ واحدٍ، فلمَّا وُسِّعَ عليهم اعتزلَ نساءَه في حَالِ الحيضِ .
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ من رواية ابنِ لهيعةَ، عن يزيد بن أبي حبيب،
عن سويد بن قيسٍ، عن ابن قريط(٢) الصدفي قال: قلتُ لعائشةَ: (٤٧ -
ب/ط) أكان النبيّ وَّةٍ يضاجعك وأنت حائض؟ قالت: نعم إذا شددتُ
عليّ إزاري، ولم يكن لنا إذ ذاكَ إلا فراشٌ واحد فلما رزقني اللهُ فراشًا
آخر اعتزلتُ رسولَ الله ◌َةِ(٣).
و و
وابنُ لهيعة لا يُقبلُ تفردُهُ بما يخالفُ الثقات. ولكن تابعه غيره،
فرواه ابنُ وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابنِ أبي حبيبٍ، عن سويد
ابن قيس، عن ابنِ قرط - أو قرط - الصدفي ليسَ بالمشهورِ، فلا تعارضُ
روايتُه عن عائشةَ روايةَ الأسودِ بن يزيدَ النخعيِّ.
وقد تابع الأسودَ على روايته كذلك عن عائشةَ عمرو بنُ شرحبيل -
أو عمرو بن ميمون - على اختلاف فيه، وأبو سلمةَ، وعبد الله بن أبي
قيس، وشريح بن المقدام، وجميع بن عمير، وخلاس، وغيرهم.
ورواياتُ هؤلاء عن عائشةَ أولى من رواياتِ ابن قريط .
(١) كذا العبارة في ((ط)) وحقها أن تكون: ((وقول ابن إسحاق: ((عن عروة)) خطأ))؛ فإن ابن
إسحاق خالف أصحاب الزهري في قوله: ((عن عروة)) وإنما هو ((عن حبيب مولی عروة)).
(٢) في المطبوع من ((المسند)): ((ابن قريظة)) وفي ((أطراف المسند)) (٢٩٥/٩) و((تعجيل المنفعة))
(ص٥٣٥): ((ابن قريظ)) وفي ((الإكمال)) للحسيني (ص٥٧٤): ((ابن قريط)).
(٣) ((المسند)) (٦/ ٩١).
٣٦

٥- باب مباشرة الحائض
الحديث: ٣٠٣
وتُعَارَضُ روايةُ ابن قريط برواية أخرى تشبهُها، خرَّجَها أبو داودَ من
حديث عبد الرحمن بن زياد، عن عمارة بن غُراب أن عمَّةً له حدَّثَتْه أنَّها
سألتْ عائشةَ قالت: إِحْدَنا تحيضُ وليسَ لها ولزوجها إلا فراشٌ واحدٌ.
قالتْ: أخبرُك بما صنعَ رسولُ اللهِ وَّةِ، دخلَ فمضى إلى مسجده -
تعني: مسجدَ بيته - فلم ينصرفْ حَتَّى غَلَبتني عيني وأَوْجَعه البردُ فقال:
((أدني)) فقلتُ: إِنِّى حائضٌ، قال: ((وأَنِ اكْشفي عن فخذيك))، فكشفتُ
فَخذي فوضعَ خدَّ وصدره على فَخِذِي وحنيتُ عليه حَتَّى دفئُ ونَامَ (١).
وفي ((سنن أبي داود))، عن أبي اليمانِ كثير بن يمان(٢)، عن أُمِّ ذرّةَ،
عن عائشةَ قالت: كنتُ إذا حضتُ نزلتُ عن المثالِ إلى الحصيرِ فلم نقرب
رسولَ اللهِ وَ جْه ولم ندنُ منه حتَّى نطهرَ(٣) .
أبو اليمان وأم ذرّة ليسا بمشهورين، فلا يقبلُ تفردُهُما بما يخالفُ
روايةَ الثقات الحفاظ الأثبات.
وخرَّجَه بقيُّ بن مخلدٍ، عن الحماني: ثنا عبدُ العزيز، عن أبي
الرجال، عن أُمِّ ذرةَ، عن عائشةَ قالت: كنتُ إذا حضتُ لم أدنُ(٤) من
فراشِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَتَّى أطهرَ.
الحماني : مُتْكَلَّمٌ فيه.
وقد رَوَى جعفرُ بن الزبير، عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ قال: قال
عمرُ: كُنَّا نضاجعُ النِّساءَ في المحيضِ وفي الفرشِ واللحف قلَّةٌ، فأمَّا إذ
وسَّعَ اللهُ الفرشَ واللحفَ فاعتزلوهنَّ (٤٨ - أ/ ط) كما أمرَ اللهُ عزَّ وجلَّ.
(١) أبو داود (٢٧٠).
(٣) أبو داود (٢٧١).
(٢) وقيل: كثير بن جريج.
(٤) في ((ط)): (أذن)) بالمعجمة، خطأ.
٣٧

الحديث: ٣٠٣
كتاب الحيض
خرَّجه القاضي إسماعيل.
وهذا لا يثبتُ؛ وجعفرُ بنُ الزُّبِيرِ متروكُ الحديثِ.
وروى أبو نُعيم الفضل بن دُكين: نا أبو بلالٍ(١): حدثني شيبةٌ
الراسبيُّ قال: سألتُ سالمًا عن الرجلِ يضاجعُ امرأتَه وهي حائضٌ؟
قال: أَمَّا نحنُ آل عمر فنهجرُهنَّ إذا كُنَّ حِيضًا.
إسنادٌ ضعيفٌ.
والاعتزالُ الذي أَمرَ اللهُ به: هو اجتنابُ جماعهنَّ كما فسَّرَه بذلك
رسولُ اللهِ وَله.
وقال عكرمةُ: كان أهلُ الجاهليةِ يصنعونَ في الحيض نحوًا من صنيع
المجوسِ، فذكروا ذلك لرسول الله وَ له فنزلتْ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عنِ الْمَحِيض
قُلْ (٢) هُو أَذَّى﴾ الآية، فلم يزد الأمرُ فيهنَّ إلا شدة فنزلتْ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ أن تعتزلوا.
خرَّجَه القاضي إسماعيلُ بإسنادٍ صحيحٍ.
وهو يدلُّ على أَنَّ أولَ ما نزلَ الأمرُ باعتزالهنَّ فَهِمَ كثيرٌ من النَّاسِ
منه الاعتزالَ في البيوتِ والفُرْشِ كما كانوا يصنعونَه أولا حَتَّى نزلَ آخر
الآية ﴿فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ ففهم من ذلك أَنَّ اللهَ أَمَر باعتزالهنَّ
في الوطءِ خاصةً، وفسَّرَ النَّبِيُّ ◌َِّ ذلك بقوله: ((اصنَعُوا كُلَّ شيءٍ غيرَ
النّكاحِ) (٣) وبفعلِه مع أزواجِهِ حيثُ كَانَ يباشرهنَّ في المحيضِ.
(١) كذا، ولعله: أبو هلال، وهو الراسبي وهو يروي عن شيبة بن هشام الراسبي.
(٢) فى ((ط)): ((قال)) تصحيف.
(٣) تقدم أول كتاب الحيض، وهو عند مسلم بلفظ: (( ... إلا النكاح)).
٣٨

الحديث: ٣٠٤
٦- بَابُ
تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ
٣٠٤ - حَدَثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ: أَخْبَرَنِي زَيّدٌ .
هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدُ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ
فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ؛ فَإِّي أُرِيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ))، فَقُلْنَ:
وَلِمَ (١) يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ
نَاقِصَاتِ عَقْلٍ ودِيْنِ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِخَدَاكُنَّ». قُلْنَ(٢):
وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِنَا وَدَيْنَا(٣) يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةُ مِثْلَ
نصْفِ شَهَادَةَ الرَّجُلِ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: ((فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها، أَلَيْس
إِذَا حَضَتْ لَمْ تُصَلَّ وَلَمْ تَصُمْ؟)) قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: ((فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا)).
قد سبقَ هذا الحديثُ في كتاب ((الإيمان))(٤) (٤٨ - ب/ ط) استدلَّ به
البخاريُّ هناك على أَنَّ الصَّلاةَ والصِّيَامَ من الدينِ، واستدلَّ به هنا على
أَنَّ الحائضَ لا تصومُ، ولم يُوِّبْ على تركِ الصَّلاةِ؛ لأنَّهُ بَوَّبَ على أنَّها
لا تَقْضي الصَّلاةَ بابا مفردًا يأتي في موضعِه إن شاءَ اللهُ تعالى.
وقد أجمعت الأمةُ على أَنَّ الحائضَ لا تصومُ في أيامِ حيضِها وأَنَّ
صومَها غيرُ صحيحٍ ولا مُعْتَدِّ به وأَنَّ عليها قضاءَ الصَّومِ إذا طهرتْ.
(١) في ((اليونينية)): ((وبم)).
(٣) في ((اليونينية)): ((ديننا وعقلنا)).
(٢) في ((ط)): ((قلنا)).
(٤) (٢٩ - فتح).
٣٩

الحديث: ٣٠٤
كتاب الحيض
واختلفَ المتكلمون في أُصولِ الفقه: هل هي مكلفةٌ بالصّومِ في حالٍ
حَيْضها أم لا تؤمُر به إلا بعدَ طهرِها؟
وقال كثيرٌ من الفقهاءِ: إِنَّه لا يظهرُ لهذا الاختلاف فائدةٌ. وقد تظهرُ
له فائدةٌ وهي أن الحائضَ إذا ماتتْ قبل انقطاع دمها فهل يجبُ أن يُطعم
عنها لكلِّ يومٍ أفطرتْ فيه وكذا المريضُ والمسافرُ إذاً ماتَا قبل زوال
عذرِهما على قولِ من أوجبَ الإطعامَ عن الميتِ مطلقًا، وإن ماتَ قبلَ
التمكنِ من الصَّومِ.
.....
93
وإذا انقطعَ دمُ الحائضِ: فالجمهورُ على أَنَّ حكمَها حكمُ الجنبِ يصح
صومُها. والمخالفُ في صومِ الجنبِ يخالفُ في الحائضِ بطريقِ الأولى.
ومن النَّاسِ من قالَ في الحائضِ: لا يصحُّ صيامُها حَتَّى تغتسلَ، وإن
صحَّ صومُ الجنبِ. وحُكيَ عن الأوزاعيِّ، والحسنِ بن صالح،
والعنبري، وعبد الملك بن الماجشون، وغيرِهم. وقد حَكَاه بعضُ
أصحابِنا المُتَأْخِّرِّين وجهًا في الحائضِ إذا انقطعَ دمُها أنَّه لا يصحُّ صومُها،
ولم يحكِ مثلَه في الجنبِ .
ووجهُ الفرقِ: أَنَّ حَدَثَ الحيضِ مانعٌ من صحةِ الصِّيامِ بخلافِ
الجنابة؛ فإنَّه لو احتلمَ الصَّائمُ لم يبطلْ صيامه(١) ولو طرأَ الحيضُ في أثناءِ
النَّهارِ بطلَ الصّومَ.
(١) فى ((ط)): ((صائمه)) خطأ.
٤٠