النص المفهرس

صفحات 301-320

- ٣٠١-
لا يكون مسجداً لشخص آدمى وكقوله لو سرقت فاطمة لقطعتها وفي رضوان
الله عليها وسلامه لا يتوهم عليها السرقة ، وقال لعن الله السارق يسرق البيضة
فتقطع يده ونظائر هذا في الكلام كثير، والنواجذ آخر الأضراس واجدها
ناجذ، وانما اراد بذلك الجد فى لزوم السنة فعل من امسك الشيئ بين اضراسه
وعض عليه منعاً له ان ينتزع وذلك أشد ما يكون من التمسك بالشىء اذ
كان ما يمسكه بمقاديم فمه اقرب تناولاً واسهل انتزاعاً، وقد يكون معناه ايضاً
الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضضر في ذات الله كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه.
وقوله كل محدثة بدعة فان هذا خاص في بعض الامور دون بعض وكل
شئ احدث علىغیر اصل من اصول الدين وعلىغیر عياره وقياسه. واما ما كان
منها مبنيًا على قواعد الأصول ومردود اليها فليس ببدعة ولا ضلالة واللهاعلم.
وفي قوله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين دليل على ان الواحد من الخلفاء
الراشدين اذا قال قولاً ، وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير الى قول
الخليفة اولى .
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن ابي شيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر
ابن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله عَ ليه ان اعظم المسلمين في المسلمين جرماً
من سأل عن امر لم يحرّم فُحرّم على الناس من اجل مسئلته.
قال الشيخ : هذا في مسألة من يسأل عبثاً وتكلفًا فيما لا حاجة به اليه دون
من سأل سؤال حاجة وضرورة كمسئلة بني اسرائيل في شأن البقرة وذلك ان الله
سبحانه امرهم ان يذبحوا بقرة فلو استعرضوا البقر فذبحوا منها بقرة لا جزأتهم
کذلك قال ابن عباس رضي الله عنه فى تفسير الآ ية فما زالوا يسئلون ويتعنتون

- ٣٠٢-
حتى غلظت عليهم وامروا بذبح البقرة على النعت الذي ذكره الله في كتابه
فعظمت عليهم المؤنة ولحقتهم المشقة في طلبها حتى وجدوها فاشتروها بالمال
الفادح فذيجوها وما كادوا يفعلون .
واما من كان سؤاله استبانة لحكم واجب واستفادة لعلم قد خفى عليه فانه
لا يدخل في هذا الوعيد وقد قال سبحانه (فاسألوا اهل الذكران كنتم لا تعلمون)
وقد يحتج بهذا الحديث من يذهب من اهل الظاهر الى ان اصل الأشياء
قبل ورود الشرع بها على الاباحة حتى يقوم دليل على الحظر وانما وجه الحديث
وتأويله ما ذ کرناء والله اعلم .
-﴿ ومن باب التفضيلحمـ
قال ابو داود: حدثنا عثمان بن ابي شيبة حدثنا اسود بن عامر حدثنا عبد
العزيز بن أبي سلمة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: كنا في زمن النبي
مرّ لانعدل بأبي بكر احداً ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم، ثم نترك أصحاب
رسول الله {ٹے لا نفاضل بينهم.
قال الشيخ : وجه ذلك والله اعلم انه اراد به الشيوخ وذوي الاسنان منهم
الذين كان رسول الله 493 اذا حز به امر شاورهم فيه، وكان على رضوان الله
عليه في زمان رسول الله ◌َي حديث السن ولم يرد ابن عمر الازراء بعلي كرم
الله وجهه ولا تأخيره ودفعه على الفضيلة بعد عثمان وفضله مشهور لا ينكره
-ابن عمر ولا غيره من الصحابة، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه فذهب الجمهور
من السلف إلى تقديم عثمان عليه . وذهب اكثر اهل الكوفة الى تقديمه على
عثمان رضي الله عنهما .

- ٣٠٣ -
وحدثني محمد بن هاشم حدثنا أبو يحيى بن ابى ميسرة عن عبد الصمد قال :
قلت لسفيان الثوري ما قولك في التفضيل، فقال اهل السنة من اهل الكوفة
يقولون ابو بكر وعمر وعلى وعثمان، واهل السنة من أهل البصرة يقولون ابو
بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم قلت فما تقول انت قال انا رجل كوني.
قلت وقد ثبت عن سفيان انه قال آخر قوليه ابو بكر وعمروعثمان وعلى رضي الله عنهم.
قلت والمتأخرين فى هذا مذاهب ، منهم من قال بتقديم ابي بكر من جهة
الصحابة وبتقديم على من جهة القرابة ، وقال قوم لا يقدم بعضهم على بعض ،
وكان بعض مشايخنا يقول ابو بكر خير وعلى افضل ، قال وباب الخيرية غير
باب الفضيلة، قال وهذا كمانقول ان الحر الهاشمي افضل من العبد الرومي والحبشي
وقد يكون العبد الحبشي خيراً من هاشمي فى معنى الطاعة لله والمنفعة للناس ،
فباب الخيرية متعدٍ وباب الفضيلة لازم.
وقد ثبت عن على كرم الله وجهه انه قال خير الناس بعد رسول الله عز ئ ابو
بكر ثم عمر ثم رجل آخر ، فقال له ابنه محمد بن الحنفية، ثم انت يا ابه فكان
يقول ما ابوك الا رجل من المسلمين رضوان الله عليهم.
ح﴿ ومن باب ماقيل فى الخلفاءا.هـ
قال ابو داود : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق انبأنا معمر
عن الزهري عن عبيد الله هو ابن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنه قال كان
ابو هريرة رضي الله عنه يحدث ان رجلاً اتی رسول الله ګے فقال اني ارى
الليلة ظلة ينطِف منها السمن والعسل فأرى الناس يتكففون بأيديهم فالمستكثر
والمستقل. وارى سبباً واصلامن السماء إلى الأرض فأراك يا رسول الله فأخذته

٣٠٤ ٠
يعني فعلوت به ، ثم اخذ به رجل فعلا به ، ثم اخذ به رجل آخر فعلا به ؛ثم اخذ
به رجل آخر فانقطع ثم وصل فعلا به، فقال ابو بكر رضى الله عنه بأبي وامي
لتدعني فلاً عبرنها ، قال فقال اعبرها؛ فقال اما الظلة فظلة الاسلام ؛ واما ما
ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته، واما المستكثر والمستقل
فهو المستكثر من القرآن والمستقل منه؛ واما السبب الواصل من السماء الى
الأرض فهو الحق الذي انت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به بعدك رجل
فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو، ثم يأخذ به رجل فينقطع ثم يوصل به
فيعلو اي رسول الله لتحدثني اصبت ام اخطأت ؛ فقال اصبت بعضاً واخطأت
بعضاً فقال اقسمت يارسول الله لتحدثني" ما الذي اخطأت فقال النبي عربى لا تقسم.
قال الشيخ : قوله اني ارى الليلة اخبرني ابو عمر عن أبى العباس قال: يقول
ما بينك من لدن الصباح وبين الظهر رأيت الليلة وبعد الظهر الى الليل رأيت
البارحة ، والظلة كل ما اظلك من فوقك وعلاك، واراد بالظلة ههنا والله اعلم
سحابة ينظف منها السمن والعسل اي بقطر والنطف القطر ، وقوله يتكففون
بايديهم بريد انهم يتلقونه با كفهم، يقال تكففف الرجل الشيئ واستکفه اذا
مد كفه وتناوله بها، والسبب الحبل والواصل معناه الموصول فاعل بمعنى مفعول
وفي قوله لأبي بكر رضى الله عنه لا تقسم ولم يخبره عن مسئلته دليل على ان
قول القائل اقسمت ليس بیمین حتی یقول اقسمت بالله او اقسم بالله فيصل
القسم باسم بالله ولو كان ذلك بمجرده يميناً لكان يبره فيها لأنه 15 قدامى
بابرار المقسم فدل ذلك على انه مع التجريد لیس ییمین .
. وقد اختلف الناس في معنى قوله اصبت بعضاً واخطأت بعضًا، فقال بعضهم

- ٣٠٥-
اراد به الاصابة فى عبارة بعض الرؤيا والخطأ في بعضها. وقال آخرون بل اراد
بالخطأههنا تقديمه بين بدي رسول الله ربيع ومسئلته للأذن له في تعبير الرؤيا ولم
يترك رسول الله عربية ليكون هو الذى يعبرها فهذا موضع الخطأ، واما الاصابة
فهى ما تأوله فى عبارة الرؤيا وخروج الأمر في ذلك على وفاق ما قاله وعبره.
وقد بلغني عن ابي جعفر الطحاوي رواية عن بعض السلف انه قال موضع
الخطأ في عبارة ابي بكر رضي الله عنه انه مخطئء احد المذكورين من السمن
والعسل فقال، واما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته،
وانما احدهما القرآن والآخر السنة والله اعلم.
قال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن على بن زيد عن عبد
الرحمن بن أبي بكرة عن ابيه ان رسول الله عَل قص عليه رؤيا فاستاء لها.
قال الشيخ: قوله استاء لها اي كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه . ووزنه
افتعل من السوء .
قال أبو داود: حدثنا عمرو بنعون (١) حدثنا محمد بن جرير (٢) عن الزيدي
عن ابن شهاب عن عمروبن ابان بن عثمان عن جابر بن عبد الله انه كان يحدث ان
رسول الله بى قال أرى الليلة رجل صالح ان ابا بكر فيط برسول الله عز}
ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله عزريج
قلنا أما الرجل الصالح فرسول الله عَ، واما تنوّط بعضهم ببعض فهم ولاة
هذا الأمر الذي بعث الله به نيه 42 .
قال الشيخ: قوله نبط معناه علق، والنوط التعليق)، والتنوط التعلق، ومنه
(١) في الأحمدية عمر بن عثمان. (٢)) في الامحمدية بن حرب اهم. (ج{ م٣٩)

- ٣٠٦ -
المثل عاط لغير انواط .
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثني حدثنا عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة
عناشعث بن عبد الرحمن عن ابيه عن سمرة بن جندب ان رجلاً قال: يارسول
الله اني رأيت كأن دلواً على من السماء فاء ابو بكر فأخذ مرافيها فشرب
شرباً ضعيفاً، ثم جاءعمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ
بعراقیها فانتشطت وانتضج عليه منه شيئ ..
قال الشيخ: قوله دلي من السماء يريد ارسل، بقال ادليت الدلو اذا ارسلتها
فى البئر ودلوتها اذا نزعتها والعراقي اعواد يخالف بينها ثم تشد في عرى الدلو
ويعلق بها الحبل واحدتها عرقوة .
وقوله تضلع بريد الاستيفاء في الشرب حتی روی قتعدد جنبه وضلوعه،
وانتشاط الدلو اضطرابها حتى ينضح ماؤها .
واما قوله في ابى بكر شرب شرباً ضعيفاً فانما هو اشارة الى قصر مدة ايام
ولابته وذلك لأنه لم يعش بعد ايام الخلافة ا كثر من سنتين وشيئً وبقى عمر عشر
سنین وشيئاً فذلك معنى تضلمعه والله اعلم .
قال ابو داود : حدثنا محمد بنالعلاء عن ابن ادريس حدثنا حصين عنهلال
ابن یساف عن عبد الله بن ظالم المازنى قال سمعت سعید بن زيد بنعمرو بن نفبل
قال لما قدم فلان الكوفة اقام خطيبا فأخذ بيدي سعيد بن زيد فقال: الاترى
الى هذا الظالم فأشهد على التسعة انهم فى الجنة ولو شهدت على العاشر لم ايثم .
قال ابن ادريس والعرب تقول آثم، قلت ومن التسعة قال قال رسول الله عَلى
وهو على حراء اثبت حراء انه ليس عليك الا نبي او صديق او شهيد ، قلت

- ٣٠٧-
ومن التسعة قال رسول الله عز يع وابو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبيروسعدبن
ابي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، قلت من العاشر، قال فتلكا هُنّية ثم قال انا .
قال الشيخ: قوله لم ايثم هو لغة لبعض العرب يقولون ايثم مكان اثم ، وله
نظائر في كلامهم قالوا نيجع وتيجل مكان يوجع ويوجل، وحراء جبل بمكة
واصحاب الحديث يقصرونه وأكثرهم يفتحون الحاء ويكسرون الراء سمعت
ابا عمر يقول حراء اسم على ثلاثة احرف، واصحاب الحديث يغلطون منه في
ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة ويكسرون الزاء وهي مفتوحة
ويقصرون الألف وهى ممدودة وانشد :
وراقٍ في حراء ونازل
قال أبو داود : حدثنا حفص بن عمر ابو عمر الضرير حدثنا حماد بن سلمة
أن سعيد بن إياس الجريري اخبرهم عن عبد الله بن شقيق العُقبلي عن الأقرع مؤذن
عمر رضى الله عنه قال بعثني عمر الى الأسقُفْ فدعوته ، فقال له عمر هل تجدني
في الكتاب قال نعم، قال كيف تجدني، قال اجدك قَرْنا فرفع الدرة فقال
قرن قال مه ، قال قرن حديد امين شديد، قال كيف تجد الذي يجيئ بعدي
قال اجده خليفة صالحاً غير انه يؤثر قرابته، فقال عمر رضى الله عنه يرحم الله
عثمان ثلاثًا ، قال كيف تجد الذي بعده ، قال اجده صداء حديد، قال فوضع
عمريده على رأسه، فقال يا دفراه يا دفراه، فقال يا امير المؤمنين انه قال خليفة
صالح ولكنه يستخلف حين يُستخلف والسيف مسلول والدم مهراق.
قال الشيخ : الصدأ ما يعلو الحديد من الدرن وير كبه من الوسخ، وقوله
يا دفراه يا دفراه، فان الدفر بفتح الدال غير المعجمة وسكون الفاء النقن ،
ومنه قيل للدنيا ام دفر ، فأما الذفر بالذال المعجمة وفتح الفاء فإنه يقال لكل

- ٣٠٨-
ريح ذ کیة شديدة من طيب او نتن .
﴿ ومن باب النهي عن سب اصحاب محمد عمرلعامـ
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة او ابو معاوية عن الأعمش عن
ابي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله له لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي
بيده لو انفق احدكم مثل احد ذهبًا ما بلغ مُدَّاحدهم ولا نصيفه.
قال الشيخ : النصيف بمعني النصف كما قالوا الثمين بمعنى الثمن قال الشاعر:
فما طار لي في القسم الا ثمنها
وقال آخر :
لم بعدها مد ولا نصيف
والمعني ان جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذي انفقوه في سبيل الله مع
شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه اوفي عند الله وازكى من الكثير الذي
ینفقه من بعدم .
،﴿ ومن باب استخلاف ابی بکر رضي اللهعنه}ےہـ
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد
ابن اسحق حدثني الزهري حدثني عبد الملك بن ابي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام عن ابيه عن عبد الله بن زمعة قال: لما استُعز برسول الله عمل}
وانا عنده في نفر من المسلمين دعاه بلال الى الصلاة فقال مروا من يصلي بالناس
تخرج عبد الله بن زمعة فأذا عمر في الناس وكان ابو بكر غائباً ، فقلت يا عمر
قم فصل بالناس فتقدم فكبر، فلما سمع رسول الله { ي﴾ صوته، قال وكان عمر
رجلاً مجهراً ، قال فأين ابو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون ، يأبي الله ذلك
والمسلمون، فبعث الى ابي بكر جاء بعد ان صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس.

- ٣٠٩-
قال الشيخ: يقال استعز بالمريض اذا غلب على نفسه من شدة المرض. واصله
من العز وهو الغلبة والاستيلاء على الشيء، ومن هذا قولهم من عنْ بز، اي
من غلب سلب .
وقوله و کان رجلاً مجهراً اي صاحب جهر ورفع لصوته يقال جهر الرجل
صوته ، ورجل جهير الصوت وجهير المنظر ، واجهر اذا غرف بشد جهر
الصوت فهو مجهر .
وفي الخبر دليل على خلافة أبي بكر رضي الله عنه وذلك ان قوله ◌َ يع بأبي الله
ذلك والمسلمون، معقول منه انه لم يرد به نفي جواز الصلاة خلف عمر فان الصلاة
خلف عمر رضي الله عنه ومن دونه من المسلمين جائزة ، وانما اراد به الامامة
التي في دليل الخلافة والنيابة عن رسول الله عز له فى القيام بأمر الامة بعده.
ومن باب التخيير بين الأنبياء صلوات الله عليهم 24م
قال ابو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو يعني ابن
يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عز
لا تخيروا بین الأنبياء .
قال الشيخ : معنى هذا ترك التخبير بينهم على وجه الازراء بعضهم فانه ربما
ادى ذلك الى فساد الاعتقاد فيهم والاخلال بالواجب من حقوقهم وبفرض
الايمان بهم ، وليس معناه ان يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم فان الله سبحانه
قد اخبر انه قد فاضل بينهم فقال عز وجل « تلك الرسل فضلنا بعضهم على
بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات)» .
٦
قال ابو داود : حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا الوليد عن الأ وزاعي عن ابي

مادة
- ٣١٠ -
عمار عن عبد الله بن فروخ عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
انا سيد ولد آدم واول من تنشق عنه الأرض واول شافع واول مشفع.
قال أبو داود : حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن قتادة عن ابي العالية
عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ◌ُّ قال ما ينبغي لعبد ان بقول انا خير
من يونس بن متى .
قال الشيخ : قد يتوهم كثير من الناس ان بين الحديثين خلافاً وذلك انه قد
اخبر في حديث أبي هريرة انه سيد ولد آدم والسيد افضل من المسود .
وقال فيحديث ابنعباسرضي اللهعنهما ماينبغي لعبد ان يقول انا خير من يونس
ابن متى ، والأمر في ذلك بين ووجه التوفيق بين الحدیثین واضح؛ وذلك ان
قوله انا سيد ولد آدم، انما هو اخبار عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد
وتحدث بنعمة الله علیه واعلام لامته واهل دعوته مكانه عند ربه ومحله من
خصوصيته ليكون ايمانهم بنبوته واعتقادهم لطاعته على حسب ذلك ، وكان
بيان هذا لأمته واظهاره لهم من اللازم له والمفروض عليه .
فأما قوله في يونس صلوات الله عليه وسلامه فقد يتأول على وجهين احدهما
ان یکون قوله ما ينبغى لعبد انما اراد به من سواه من الناس دون نفسه .
والوجه الآخر ان يكون ذلك عاماً مطلقاً فيه وفي غيره من الناس ويكون
هذا القول منه على الهضم من نفسه واظهار التواضع لربه . يقول لا ينبغي لي ان
اقول انا خير منه لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله سبحانه وخصوصية منه
لم انلها من قبل نفسي ولا بلغتها بحولي وقوتي فليس لي ان افتخر بها وانما يجب
على ان اشكر عليها ربي، وانما خص يونس بالذكر فيما نرى والله اعلم لما قصه

- ٣١١ -
الله تعالى علينا من شأنه وما كان من قلة صبره على اذى قومه خرج مغاضباً
ولم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل .
قلت وهذا اولى الوجهين واشبههما بمعنى الحديث فقد جاء من غير هذا الطريق
انه قال+٤﴾ ما ينبغي لنبي ان يقول انى خير من يونس بن متى فعم به الأنبياء
کلهم فدخل هو في جملتهم ، وقد ذكره ابو داود فيهذا الباب.
قال حدثنا عبد العزيز بن یحی حدثني محمد بن سلمة عن محمد بن اسحق عن
اسماعيل بن حكيم عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن جعفر عن النبي عز ير،
وقد قيل ان قوله انا سيد ولد آدم انما اراد به يوم القيامة حين قدم بالشفاعة
وسادهم بها .
-﴿ ومن باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة الاولى﴾.هـ
قال أبو داود: حدثنا مسدد ومسلم بن ابراهيم قالا حدثنا حماد عن على بن
زيد عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال رسول الله 193 للحسن بن علىان اني
هذا سيد وانى ارجو ان يصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين .
قال الشيخ : السيد يقال اشتقاقه من السواد اي هو يلي الذي يلي السواد
العظيم ويقوم بشأنهم، وقد خرج مصداق هذا القول فيه بما كان من اصلاحه
بين اهل العراق واهل الشام وتخليه عن الأمر خوفاً من الفتنة وكراهية لاراقة
الدم ويسمى ذلك العام سنة الجماعة.
وفى الخبر دليل على ان واحداً من الفريقين لم يخرج بما كان منه فى تلك الفتنة
من قول أو فعل عن ملة الاسلام اذ قد جعلهم النبي عَ مسلمين، وهكذا
سبيل كل متأول فيما تعاطاه من رأي ومذهب دعا اليه اذا كان فيما تناوله بشبهة

-٣١٢ -
وان كان مخطئًا في ذلك، ومعلوم ان احدى الفئتين كانت مصيبة والاخرى مخطئة.
-﴿ومن باب الردعلى المرجئةمـ
قال أبو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا حماد انبأنا سهيل بن ابى صالح
عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ◌َ الإيمان بضع وسبعون يعني شعبة افضلها قول لا إله الا الله وادناها
اماطة العظم عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
قال الشيخ: قوله بضع ذكر ابو عمر عن أبي العباس احمد بن يحيى احسبه
عن ابن الأعرابي قال: يقال بضع فيما بين الثلاثة الى تمام العشرة ونيف لما زاد
على العقد من الواحد الى الثلاثة .
قلت وفي هذا الحديث بيان ان الايمان الشرعى اسم لمعنى ذي شعب واجزاء
له اعلى وادني، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضى جميع شعبها
وتستوفي جملة اجزائها كالصلاة الشرعية لها شعب واجزاء والاسم يتعلق ببعضها
كما يتعلق بكلها والحقيقة تقتضى جميع اجزائها وتستوفيها ويدل على ذلك قوله
الحياء شعبة من الإيمان فأخبر ان الحياء احدى تلك الشعب .
وفي هذا الباب اثبات التفاضل فى الايمان وتباين المؤمنين في درجاته .
ومعنى قوله الحياء شعبة من الإيمان أن الحياء يقطع صاحبه عن المعاصى ويحجزه
عنها فصار بذلك من الايمان اذ الايمان بمجموعه ينقسم الى ائتار لما امر الله به
وانتهاء عما نهى عنه .
قال أبو داود: حدثنا احمد بن حنبل حدثني يحيى بن سعيد عن شعبة حدثنى
ابو جمرة قال سمعت ابن عباس رضي الله عنه قال ان وفد عبد القيس لما قدموا

-٣١٣-
على رسول الله عَل امرهم بالايمان بالله، قال اندرون ما الايمان بالله قالوا الله
ورسوله اعلى، قال شهادة ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله ، واقام الصلاة
وايتاء الزكاة ، وصوم رمضان؛ وان تعطوا الخمس من المغتم.
قال الشيخ: قد اعلم عَبه في هذا الحديث ان الصلاة والزكاة من الايمان
وكذلك صوم رمضان واعطاء خمس الغنيمة، وكان هذا جواباً عن مسآلة صدرت
عن جهالة بالايمان وشرائطه فأخبر هم عماسألوه وعلمهم ما جهلوه وجعل هذه الامور
من الايمان كما جعل الكلمةمنه . وليس بينهذا وبين قوله امرت ان اقاتل الناس حتى
يقولوالا إله الا الله خلاف لأنه كلمة شعار وقعت الدعوة بها الى الايمان لتكون
امارة للداخلين في الايمان والقابلين لأحكامه ؛ وهذا كلام قصد فيه البيان
والتفصيل له، والتفصيل لا يناقص الجملة لكن يلائمها وبطابقها .
وقوله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها يتضمن جملة ماجاء
فى حديث ابن عباس رضى الله عنه ويأتي على جميع ما ذكر فيه من الخلال
المعدودة إلى سائر ما جاء منها في سائر الأحاديث المروية في هذا الباب وكلها
تجري على الوفاق ليس في شيء منها اختلاف، وانما هو حمله على الوجه الذي
ذكرته لك وتفصيل لها على المعنى الذي يقتضبه حكمها والله اعلم .
قال ابو داود: حدثنا احمد بن حنبل حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي الزبير
عن جابر قال: قال رسول الله صل له بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة.
قال الشيخ: التروك على ضروب منها ترك جحد للصلاة وهو كفر باجماع
الامة . ومنها ترك نسيان وصاحبه لا يكفر باجماع الامة، ومنها ترك عمد من غير

- -٣١٤-
جحد، فهذا قد اختلف الناس فيه فذهب ابراهيم النخعي وابن المبارك واحمدبن
حنبل واسحق بن راهوية الى ان تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يخرجوقتها كافر.
وقال احمد لا نكفر احداً من المسلمين بذنب الا تارك الصلاة. وقال مكحول
والشافعي تارك الصلاة مقتول كما يقتل الكافر ولا يخرج بذلك من الملة ويدفن في
مقابر المسلمين ويرثه اهله، الا ان بعض اصحاب الشافعي قال لا يصلي عليه اذا مات.
واختلف اصحاب الشافعي فى كيفية قتله فذهب ا كثرهم الى انه يقتل صبراً
بالسيف . وقال ابن شريح لا يقتل صبراً بالسيف لكن لا يزال بضرب حتى
يصلى او يأتي الضرب عليه فيموت ، وقالوا اذا ترك صلاة واحدة حتى يخرج
وقتها قتل، غير ابي سعيد الاصطخري فانه قال لا يقتل حتى يترك ثلاث
صلوات ، واحسبه ذهب في هذا إلى أنه ربما يكون له عذر في تأخير الصلاة
الى وقت الآخری للجمع بينهما .
وقال أبو حنيفة واصحابه تارك الصلاة لا بكفر ولا يقتل ولكن يجبس
ويضرب حتى يصلي، وتأولوا الخبر على معنى الاغلاظ له والتوعد عليه . !!
قال ابو داود : حدثنا محمد بنعبد حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال واخبرني
الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن ابيه قال اعطى النبي عَل رجالاً
ولم يعط رجلاً منهم شيئاً، فقال سعد رضي الله عنه يا رسول الله اعطيت فلاناً
وفلانا ولم تعط فلانًا شيئً وهو مؤمن فقال النبي صَ ◌ّ او مسلم حتى اعادها سعد ثلاثاً
والنبي عَرْ يقول او مسلم؛ ثم قال النبي محمد اني اعطي رجالاً وادع من هو
احب الي منهم لا اعطيه شيئً مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم ..
قالابو داود : حدثنا محمدبنعبيد حدثنا ابن ثورعنمعمر قال: قال الزهري

- ٣١٥ -
قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا، قال نرى الاسلام الكلمة والايمان العمل.
قال الشيخ: ما اكثر ما يغلط الناس في هذه المسئلة، فأما الزهري فقد
ذهب الى ما حكاه معمر عنه واحتج بالا بة ، وذهب غيره الى ان الايمان
والاسلام شيء واحد، واحتج بالا بة الأخرى وهي قوله ( فأخرجنا من كان
فيها من المؤمنین فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) قال فدل ذلك على ان
المسلمين هم المؤمنون اذا كان الله سبحانه قد وعد ان يخلص المؤمنين من قوم
لوط وان يخرجهم من بين ظهراني من وجب عليه العذاب منهم، ثم اخبر انه
قد فعل ذلك بمن وجده فيهم من المسلمين انجازاً للموعد، فدل الاسلام على
الايمان فثبت ان معناهما واحد وان المسلمين م المؤمنون. وقد تكلم فىهذا الباب
رجلان من كبراء اهل العلم وصار كل واحد منهما إلى مقالة من هاتين المقالتين
ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتابًا يبلغ عدد اوراقه المائتين .
قلت والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق على احد الوجهين.
وذلك ان المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال ولا يكون مؤمناً فيبعضها
والمؤُمن منإ في جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً،
واذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم
يختلف عليك شيئء منها، واصل الايمان التصديق واصل الاسلام الاستسلام
والانقياد فقد يكون المرء مستسلماً فى الظاهر غير منقاد في الباطن ولا يكون
صادق الباطن غير منقاد في الظاهر .
قال أبو داود: حدثنا ابو الوليد الطبالسي حدثنا شعبة حدثنا وافد بن عبد الله
اخبرني عن ابيه أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يحدث عن النبيمعَع انه قال لا ترجعوا
.

-٣١٩ -
بعدي کفاراً یضرب بعضکے رقاببعض.
قال الشيخ: هذا يتأول على وجهين: احدهما ان يكون معنى الكفار
المتكفرين بالسلاح يقال تكفر الرجل بسلاحه اذا لبسه فکفر به نفسه اي
سترها، واصل الكفر الستر ، ويقال سمى الكافر كافراً لستره نعمة الله عليه
او لستره على نفسه شواهدربوبية الله ودلائل توحيده .
وقال بعضهم معناه لا ترجعوا بعدي فرقًا مختلفین يضرب بعضكم رقاب
بعض فتكونوا بذلك مضامين للكفار فان الكفار متعادون يضرب بعضهم
رقاب بعض والمسلمون متآخون يحقن بعضهم دماء بعض.
وأخبر ني ابراهيم بن فراس قال سألت موسى بن هرون عن هذا فقال هؤلاء
اهل الزدة قتلهم ابو بكر الصديق رضى الله عنه.
قال ابو داود : حدثنا ابو صالح الآنطاکی حدثنا ابو اسحق يعني الفزاري عن
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله زائر
لا يزنى الزاني حین یزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن،
ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد.
قال الشيخ: الخوارج ومن يذهب مذهبهم ممن يكفر المسلمين بالذنوب
يحتجون,ه وبتألونهعلى غیر وجهه ، وتأويله عند العلماء على وجهين: احدهما ان
معناه النهىوان كانتصورتهصورة الخبر یرید لا یزن الزاني بحذف الياء ولا
يسرق السارق بكسر القاف على معنى النهي بقول اذ هو مؤمن لا يزني ولا
يسرق ولا يشرب الخمر فان هذه الأفعال لا تليق بالمؤمنين ولا تشبه اوصافهم.
والوجه الآخر ان هذا كلام وعيد لا يراد به الايقاع وانما يقصد به الردع

- ٣١٧-
والزجر كقوله: المسلم من سلم المسلمون من لسانه وبده، وقوله لا ايمان لمن لا
امانة له، وقوله ليس بالمسلم من لم يأمن جاره بوائقه، هذا كله على معنى الزجر
والوعيد او نفى الفضيلة وسلب الكمال دون الحقيقة في رفع الايمان وابطاله والله اعلم.
وقد روى في تأويل هذا الحديث معنى آخر وهو مذ كور فى حديث رواه
ابو داود في هذا الباب قال : حدثنا اسحق بن ابراهيم بن سويد الزملي حدثنا
ابن ابي مریم انباتا نافع يعني ابن یزید اخبرني بن الماد ان سعيد بن أبي سعيد
المقبري حدثه انه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله عَلى اذا زني الرجل
خرج منه الايمان وكان عليه كالظلة فاذا انقلع رجع اليه الايمان .
،﴿﴿ ومن باب القدر }حمـ
قال أبو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن
أبيه عن ابن عمر رضى الله عنه عن النبي عميل قال القدرية مجوس هذه الامة ان
مرضوا فلا تعودوم وان ماتوا فلا تشهدوم.
قال الشيخ: انما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم
بالأصلين وهما النور والظلمة يزعمون ان الخير من فعل النور ، والشر من فعل
الظلمة فصاروا ثانوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير الى الله عز وجل والشر
إلى غيره. والله سبحانه خالق الخير والشر لا يكون شيئ منهما الا بمشيئته. وخلقه
الشر شراً في الحكمة تكملقه الخير خيراً، فالأمران معاً مضافان اليه خلقاً وايجاداً
وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتسابًا .
قال أبو داود: حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا المعتمر قال سمعت منصوربن
المعتمر يحدث عن سعد بن عبيدة عن عبد الله بن حبيب ابي عبد الرحمن عن على

- ٣١٨ -
كرم الله وجهه قال: كنا في جنازة فيها رسول الله عَ لَ يبقيع الغرْقد جاء
رسول الله ◌َ فجلس ومعه مخصرة فيعل ينكث بالمخصرة فى الأرض ثم رفع
رأسه فقال مامنكم من احد ما من نفس منفوسة الا وقد كتب مكانها من النار
او الجنة الاقد كتبت شقية او سعيدة، قال فقال رجل من القوم يا نبي الله
افلا تمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن الى
السعادة ، ومن كان منا من اهل الشقوة ليكونن الى الشقوة ، قال اعملوا فكل
ميسر، اما اهل السعادة فييسرون للسعادة، وأما أهل الشقوة فيبسرون للشقوة
ثم قرأ في الله عَلى (اما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى،
واما من بخل واستغنى وكذب بالحسني فسنيسره للعسرى).
قال الشيخ: المخصرة عصاً خفيفة يختصر بها الانسان يمسكها بيدها والنفس
المنفوسة في المولودة، والمنفوس الطفل الحديث الولادة، يقال نُفست المرأة
اذا ولدت؛ ونفست إذا حاضت، ويقال انما سميت المرأة نفساً لسيلان الدم،
والنفس الدم .
قلت فهذا الحديث اذا تأملته اصبت منه الشفاء فيما يتخالجك من امر القدر
وذلك أن السائل رسول الله على والقائل له افلا نمكث على كتابنا وندع
العمل لم يترك شيئًا مما يدخل في أبواب المطالبات والأسئلة الواقعة في باب التجويز
والتعديل الا وقد طالب به وسأل عنه فأعلمه عَ لى ان القياس في هذا الباب
متروك والمطالبة عليه ساقطة وانه امر لا يشبه الأمور المعلومة التي قد عقلت
معانيها وجرت معاملات البشر فيمابينهم عليها واخبر انه انما امرهم بالعمل ليكون
إمارة في الحال العاجلة لما بصيرون اليه في الحال الآجلة فمن تيسر له العمل الصالح

- ٣١٩ -
كان مأمولاً له الفوز، ومن تيسر له العمل الخبيث كان مخوفاً عليه الهلاك،
وهذه امارات من جهة العلم الظاهر وليست بموجبات فأن الله سبحانه طوى
على الغيب عن خلقه وحجبهم عن در كه كما اخفى امر الساعة فلا يعلم احد متى
ابان قيامها؛ ثم اخبر على لسان رسول الله عَ ل بعض اماراتها واشراطها فقال
من اشراط الساعة ان تلد الأمة ربتها وان ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون فى
البنيان ومنها كيت وكيت .
قال ابو داود : حدثنا عبيد الله بنمعاذ حدثنا ابي حدثنا کهمس عن ابي
بريدة عن يحيى بن يعمر قال : كان اول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني
فانطلقت انا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين او معتمرين فوفق لنا عبد الله
ابن عمر رضي الله عنه فقلت ابا عبدالرحمن انه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن
ويتقفرون العلم يزعمون ان لا قدر والأمر أُنُف فقال اذا لقيت اولئك فأخبرهم
اني برئ منهم وهم براء مني والذي يحلف به عبد اللهبنعمر لو ان لا حدهم مثل
احد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال حدثني عمر بن الخطاب
رضيالله عنه قال بینا نحنعند رسول الله ټ اذ طلع علينا رجل شديد بياض
الشباب،شديد سواد الشعر لا یریعلیه اثر السفر ولا نعرفهحتى جلس الى رسول
الله له فأسندر كبتيه الىركبتيه ووضع كفيه على غذيه وقال یا محمد اخبر ني
عن الاسلام، فقال رسول الله ◌َي الاسلام ان تشهد ان لا إله الا الله وان محمداً
رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ونصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت
اليه سبيلاً، قال صدقت، قال فعجبنا له يسأله وبصدقه، قال فأخبرني عن الايمان
قال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ونؤمن بالقدر

- ٣٢٠ -
خيره وشره ، قالصدقت ، قال فأخبر ني عنالاحسان قال ان تعبد الله كأنك
تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة، قال ما المسئولعنها
بأعلى من السائل، قال فأخبرني عن اماراتها ، قال ان تلد الأمة ربتها وان تري
الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ، قال ثم انطلق فلبثت ثلاثاً
ثم قال يا عمر تدرى من السائل، قلت الله ورسوله اعلى، قال فانه جبريل اتاكم
یعلمکم دینکم .
قال الشيخ : قوله يتقفرون العلم معناه يطلبونه ويتبعون اثره، والتقفر نتبع
اثز الشئء. وقوله والأمر انف يريد مستأنف لم يتقدم فيه شئ من قدر او
مشيئة، يقال كلاً انف اذا كان وافيًاً لم يرع منه شئ. وروضة انف بمعناه،
قال عمر بن ابي ربيعة :
في روضة انف تيممنا بها ميثاء رائقة بُعيد سماء
وفي قول ابن عمر رضي اللهعنه اذا لقيت اولئك فأخبرم اني برئ منهم وم
براء مني دلالة على ان الخلاف اذا وقع في اصول الدين وكان مما يتعلق بمعتقدات
الايمان اوجب البراءة وليس كسائر ما يقع فيه الخلاف من اصول الاحكام
وفروعها التي موجباتها العمل في ان شيئًا منها لا يوجب البراءة ولا يوقع
الوحشة بين المختلفين فقدجاء في هذا الحديث التفريق بين الاسلام والايمان
فجعل الاسلام في العمل والايمان في الكلمة على ضد ما قاله الزهري فيحديث
سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه الذي ذكرناه فى الباب ، فقال يرى الاسلام
الكلمة والايمان العمل !.
قلت وهذا عندي تفصيل لجملة كلها شيء واحد وليس بتفريق بين شيئين