النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١ -
فقال رسول الله عَي من ابن علمتم انها رقية احسنتم واضربوالي معكم بسهم.
قال الشيخ وفي هذا بيان جواز اخذ الاجرة على تعليم القرآن ولو كان ذلك
حرامًا لأمرهم النبي عَّ برد القطيع، فلما صوب فعلهم وقال لهم احسنتم
ورضى الاجرة التي اخذوها لنفسه فقال اضربوا لي معكم بسهم ثبت انه طِلْق
مباح وان المذهب الذي ذهب اليه من جمع بين اخبار الاباحة والكراهة في جواز
اخذ الاجرة على مالا يتعين الفرض فيه على معلمه ونفى جوازه على ما يتعين فيه
التعليم مذهب سديد وهو قول أبي سعيد الاصطخري .
وفي الحديث دليل على جواز بيع المصاحف واخذ الاجرة على كتبها ، وفيه
اباحة الرقية بذكرالله في اسمائه، وفيه اباحة اجر الطبيب والمعالج وذلك ان القرآءة
والرقية والنفث فعل من الأفعال المباحة، وقد اباح له اخذ الاجرة عليها فكذلك
ما يفعله الطبيب من قول ووصف وعلاج فعل لا فرق بينهما.
وقد تكلم الناس فىجواز بيع المصاحف فکرهت طائفة بعها، روي عن
ابنعمر انه کان یقول وددت ان الا يدي تقطع فى بيع المصاحف وكره بيعها
شريح وابن سيرين ورخص في شرائها روى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
وقال احمد بن حنبل الأمر في شرائها اهون)، قال وما اعلم في البيع رخصة.
ورخص أكثر الفقهاء في بيعها وشرائها وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة
والحكم وسفيان الثوري واصحاب الرأي والنخعي وكرهت، واليه ذهب مالك
والشافعي. وقوله فشفوا له بكل شئ، معناه عالجوه بكل شئ مما يستشفى به
والعرب تضع الشفاء موضع العلاج قال الشاعر :
جعلت لعراف اليمامة حكمه وعراف حجران هما شفيان .....

-١٠٢ -
وقوله انشط من عقال اي حل من وثاق ، يقال نشطت الشئ اذا شددته
وانشطته اذا فككته والأ نشوطة الحبل الذي يشد به الشئء .
﴿ومن باب كسب الحجامهـ
قال ابو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل قالحدثنا ابان قال حدثنا يحيى يعني
ابن ابي كثير عن ابراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع
ابن خديج ان رسول الله عَ ب قال كسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث
ومهر البغي خبيث .
قال أبو داود : حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن ابن
محيصة عن ابيه انه استأذن رسول الله 453) فى اجارة الحجام فنهاه فإيزل يسأله
ويستأذنه حتى امره ان اعلفه ناضحك او رقيقك .
قال الشيخ حديث محيصة يدل على ان اجرة الحجام ليست محرام وانخبتها
من قبل دناءة مخرجها، وقال ابن عباس احتجم رسول الله عربية واعطى الحجام
اجره ولو علمه محرماً لم يعظه .
قال الشيخ وقوله اعلفه ناضحك او رقيقك بدل على صحة ما قلناه وذلك انه
لا يجوز له ان يطعم رقيقه الا من مال قد ثبت له ملكه ، واذا ثبت له ملكه
فقد ثبت انه مباح ، وانما وجهه التنزيه عن الكسب الدني والترغيب فى تطهير
الطعم والارشاد فيها الى ما هو اطيب واحسن وبعض الكسب اعلى وافضل
وبعضه ادنى واو کح.
وقد ذهب بعض اهل العلم الى ان كسب الحجام ان كان حراً فهو محرم،
واحتج بهذا الحديث بقوله انه خبيث وان كان عبداً فانه يعلفه ناضجه وينفقه

in!
- ١٠٣-
على دوابه .
قال الشيخ وهذا القائل يذهب في التفريق بينهما مذهبًا ليس له معنى صحيح
وكل شئُ حلّ من المال للعبيد حل للأحرار . والعبد لا ملك له ويده بد
سيده وكسبه كسبه، وانما وجه الحديث ما ذكرته لك، وان الخبيث معناه
الدنئ كقوله تعالى ( ولا تهموا الخبيث منه تنفقون) اي الدون .
فاما قوله ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث فانهما على التحريم ، وذلك
ان الكلب نجس الذات محرم الثمن، وفعل الزنا محرم وبدل العوض عليه
واخذه فى التحريم مثلة لأنه ذريعة الى التوصل اليه، والحجامة مباحة ، وفيها
ء
نفع وصلاح الأبدان .
وقد يجمع الكلام بين القراين فى اللفظ الواحد ويفرق بينهما فى المعاني
وذلك على حسب الأغراض والمقاصد فيها، وقد يكون الكلام في انفصل
الواحد بعضه على الوجوب وبعضه على الندب وبعضه على الحقيقة وبعضه على المجاز
وانما يعلم ذلك بدلائل الأصول وباعتبار معانيها .
والبغي الزانية وفعلها البغاء، ومنه قوله تعالى (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
ومن باب كسب الاماء مـ
.....
قال ابو داود : حدثنا عبيد الله بن معاذ قال حدثنا ابي قال حدثنا شعبة عن
محمد بن جحادة قال سمعت ابا حازم سمع أبا هريرة قال نهى رسول الله عز رائع
عن كسب الاماء.
قال الشيخ كانت لأهل مكة ولأهل المدينة اماء عليهن ضرائب تخدمن
الناس تخبزن وتسقين الماء وتصنعن غير ذلك من الصناعات ويؤدين الضريبة

- ١٠٤ -
٠٠٠٠٠
الى ساداتهن والاماء اذا دخلن تلك المداخل وتبذلن ذلك التبذل وهن مخارجات
وعليهن ضرائب لم يؤمن ان يكون منهن او من بعضهن الفجور وان يكسبن
بالسفاح فأمر رت بالننزه عن كسبهن ومتي لم يكن اعملهن وجه معلوم بكنسبن
به فهو ابلغ فى النهي واشد في الكراهة .
وقد جاءت الرخصة في كسب الامة اذا كانت في بدها عمل ، ورواه ابو
داود فى هذا الباب .
قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا عكرمة
ابن عمار قال اخبرني طارق بن عبد الرحمن القرشى ؛ قال جاء رافع بن رفاعة
الی مجلس الأنصار فقال لقد نهانا رسولالله ێ فذ کر اشياء ونهى عن كسب
الامة الا ما عملت بيدها ، وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش.
النفش نتف الصوف او ندفه . وفى حديث آخر انه مح لل نهى عن كسب
الامة حتى يعلم من اين هو اخرجه ابو داود من حديث رافع بن خديج.
ومن باب حلوان الكاهن مـ
قال ابو داود : حدثنا قتيبة بن سعيد عن سفيان عن الزهري عن ابي بكر
ابن عبد الرحمن عن أبى مسعود عن النبي ◌ُّ﴾ انه نهى عن ثمن الكلب ومهر
البني وحلوان الكاهن .
قال الشيخ حلوان الكاهن هو ما يأخذه المتكهن عن كهانته وهو محرم
وفعله باطل؛ يقال حلوت الرجل شيئًا يعنيرشوته. واخبر في ابو عمر قالحدثنا
ابو العباس عن ابن الأعرابي قال: ويقال لحلوان الكاهن الشبع والصهيم .
قال الشيخ وحلوان العرّاف خرام كذلك والفرق بين الكاهن والعراق

- ١٠٥ -
ان الكاهن انما يتعاطى الخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدعى معرفة
الأسرار، والعراف هو الذي يتعاطى معرفة الشيئ المسروق ومكان الضالة
ونحوهما من الأمور .
ومن باب عسب الفحلحم
قال ابو داود: حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا اسماعيل عن على بن الحكم
عن نافع عن ابن عمر قال نهى رسول الله عمربن عن عسب الفحل.
قال الشيخ عسب الفحل الذكر الذي يؤخذ على ضرابه وهو لا يحل، وفيه
غرر لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثي وقد لا تلقح
فهو امر مظنون والغرر فيه موجود.
وقد اختلف فى ذلك اهل العلم فروى عن جماعة من الصحابة تحريمه، وهو قول
أكثر الفقهاء ..
وقال مالك لا بأس به اذا استأجروه ينزونه مدة معلومة، وانما يبطل اذا شرطوا
أن ينزوه حتى تعلق الرّمكة . وشبهه بعض اصحابه باجرة الرضاع وابار النخل
وزعم أنه من المصلحة ولو منعنا منه لا نقطع النسل .
قال الشيخ وهذا كله فاسد لمنع السنة منه، وانما هو من باب المعروف فعلى
الناس ان لا يتمانعوا منه فاما اخذ الاجرة عليه فمحرم وفيه قبح وتركمروءة.
وقد رخص فيه ايضاً الحسن وابن سيرين ، وقال عطاء لا بأس به اذا لم يجد
من بطرقه .
( ج ٣ ٢ ١٤ )

- ١٠٦ -
-0﴿ ومن باب الصائغ لامـ
قال ابو داود : حدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا حماد قال حدثنا محمد بن
إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن ابي ماجدة عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قال سمعت رسول الله عَ لى يقول اني وهبت لخالتي غلاماً واني ارجو ان
يبارك لها فيه فقلت لها لا تسلميه حجاءاً ولا صائفاً ولا قَّصَابًا .
قال الشيخ يشبه ان يكون انما كره كسب الصائغ لما يدخله من الربا ولما
يجري على السنتهم من المواعيد في رد المتاع، ثم يقع فى ذلك الخلف، وقد يكثر
هذا في الصاغة حتى صار ذلك كالسمة لهم وان كان غيرهم قد يشر كهم فى
بعض ذلك .
وقدروى فى حديث اكذب الناس الصباغون والصواغون وان لم يكن
اسناده بذلك ، واما القصاب فعمله غير نظيف، وثوبه الذي يعالج فيه صناعته
غیر طاهر في الأ غلب والحجامة امر مشهور ، وقد تقدم ذكره فيما مضى.
﴿ ومن باب العبد يباع وله مالهمـ
قال ابو داود : حدثنا احمد بن حنبل قال حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم
عن أبيه عن النبي عمَّه قال مز باع عبداً وله مال فماله للبائع الا ان يشترط المبتاع
ومن باع نخلاً مؤبراً فالثمرة للبائع الا ان يشترط المبتاع .
قال الشيخ فى هذا الحديث من الفقه ان العبد لا يملك مالاً بحال ، وذلك
لأنه جعله في ارفع احواله واقواها في اضافة الملك اليه مملو كاعليه ماله ومنتزعاً
من يده فدل ذلك على عدم الامتلاك اصلاً وإلى هذا ذهب اصحاب الرأي والشافعي.
وقال مالك العبد يملك اذا ملكه صاحبه، وكذا قال اهل الظاهر" وفائدة

-١٠٧ -
هذا الخلاف والموضع الذي تبين اثره فيه مسئلتان احدهما هل لهان يتسری ام لا
فمن جعل له ملكاً اباح له ذلك ومن لم يره يملك لم يبح له الوطئء ملك اليمين.
والممثلة الأخرى ان يكون في يده نصاب من الماشية فيمر عليه الحول ثم يدغه
سيده ولم يشترط المبتاع ماله، فاذا عاد الى السيد هل يلزمه الزكاة فيه ام لا
فمن لم يثبت له ملكاً او جب زكاته على سيده ومن جعل العبد ملكاً اسقط
الزكاة عنه لأن ملكه ناقص كملك المكاتب ويستأنف السيد به الحول .
وممن ذهب الى ظاهر الحديث في ان ماله للبائع الا ان يشترطه المبتاع مالك
والشافعي واحمد واسحاق . وروي عن الحسن والنخعي انهما قالا فيمن باع وليدة
قد زينت ان ماعليها للمشتري الا ان يشترط الذي باعها ما عليها .
٠٠
قال الشيخ ولا يجوز على مذهب الشافعي ان يكون ماله الذي يشترطه المبتاع
الا معلوماً فان كان مجهولاً لم يجز لأنه غرر وللثمن منه حصة فاذا لم يكن معلوماً
جهل الثمن فيه فبطل البيع .
وان كان المال الذي فى يد العبد شيئًا مما يدخله الربالم يجز بيعه الا بما يجوز
فيه بيوع الأشياء التي يدخلها الربا ولا يتم الا بالتقابض. وان كان ماله ديناً لم
يجز ان يشتري بدين . وعلى هذا قياس هذا الباب فى مذهبه وقوله الجديد،
فاما مالك فانه يجعل ماله تبعًا لرقبته اذا شرطه المبتاع في الصفقة وسواء عنده
كان المال نقداً او عرضاً او ديناً او كان مال العبد اكثر من الثمن او اقل
ويجعل تبعاً للعبد بمنزلة حمل الشاة ولبنها .
واما قوله من باع نخلاً مؤبراً فالشعرة للبائع الا ان يشترط المبتاع فيه بيان
إن التأبير حد في كون الثمرة تبعاً للأصل، فاذا ابرت تفرد حكمها بنفسها

- ١٠٨ -
وصارت كالولد بائن الأم فلم يكن لها تبعاً فى البيع الا ان يقصد بنفسه ومادام
غير مؤبر فهو كبعض اغصان الشجرة وجريدة النخلة في كونها تبعاً للأصل.
والتأبير هو التلقيح، وهو ان يؤخذ طلع محال النخل فيؤخذ شعب منه
فيودع الثمر اول ما ينشف الطلع فيكون لقاحاً باذن الله تعالى .
وقد اختلف الناس فى هذا فقال مالك والشافعي واحمد بن حنبل الثمر تبع
للنخل مالم تؤبر فاذا ابر لم يدخل في البيع الا ان يشترط قولاً بظاهر الحديث.
وقال اصحاب الرأي الثمر للبائع ابر اولم يؤبر الا ان يشترط المبتاع كالزرع.
وقال ابن أبي ليلى الثمر للمشتري ابرا ولم يؤبر شرط او لم يشترط لأن الشمر
من النخل .
ومن باب التلقي ےمـ
قال أبو داود : حدثنا القعني عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله
{9* قال لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق،
قال ابو داود : حدثنا الربيع بن نافع حدثنا ابو توبة قال حدثنا أبو عبيد الله
يعني ابنعمر والر قي عن ایوب عن ابن سیرین عن ابىهريرة ان النبيڅ نهى
عن تلقى الجلب فان تلقي متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار اذا ورد السوق.
قالالشيخ قوله لا یبع بعضكم على بيعبعض هو انیکون المتبايعان قد تواجبا
الصفقة وهما فى المجلس لم يتفرقا بعد وخيار هما باق فيجى الرجل فيعرض عليه
مثل سلعته او اجود منه بمثل الثمن او ارخص منه فيندم المشترى فيفسخ البيع
فيلحق البائع منه الضرر، فاما مادام المتبايعان ينسأومان ويتراودان البيع ولم
بتواجباها بعد فإنه لا يضيق ذلك، وقد باع رسول الله عز الجلس والقدح

-١.٩-
فیمن يزيد .
واما النهي عن تلقي السلع قبل ورودها السوق فالمعنى فى ذلك كراهة الغبن
ويشبه ان يكون قد تقدم من عادة اولئك ان يتلقوا الركبان قبل أن يقدموا
البلد ويعرفوا سعر السوق، فيخبروهم ان السعر ساقطة والسوق كاسدة والرغبة
قليلة حتى يخدعوهم عما في ايديهم ويبتاعوه منهم بالوكس من الثمن فنهاهم عزَ }
عن ذلك وجعل للبائع الخيار اذا قدم السوق فوجد الأمر بخلاف ما قالوه .
وقد كره التلقى جماعة من العلماء منهم مالك والأوزاعى والشافعي واحمد بن
حنبل واسحاق ولا اعلم احداً منهم افسد البيع، غير ان الشافعي اثبت الخيار للبائع
قولا بظاهر الحديث واحسبه مذهب احمد ايضاً، ولم يكره ابو حنيفة التلقى
ولا جعل لصاحب السلعة الخيار اذا قدم السوق .
وكان ابوسعيد الاصطخري يقول انما يكون للبائع الخيار اذا كان المتلقى
قد ابتاعه بأقل من الثمن فاذا ابتاعه بثمن مثله فلا خيار له .
قال الشيخ وهذا قول قد خرج على معاني الفقه .
،﴿﴿ ومن باب النجش ےمـ
قالابو داود : حدثنا احمد بن عمرو بن السرح قالحدثنا سفيان عن الزهري
عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة قال: قال رسول الله ◌َ لا تناجشوا.
قال الشيخ النجش ان يرى الرجل السلعة تباع فيزيد فى ثمنها وهو لا يريد
شرائها ، وانما يريد بذلك ترغيب السوام فيها ليزيدوا في الثمن ، وفيه غرور
للراغب فيها وترك لنصيحته التي هي مأمور بها، ولم يختلفوا ان البيع لا يفسد
عقده بالنجش، ولكن ذهب بعض اهل العلم الى ان الناجش اذا فعل ذلك باذن

- ٢١٠ -
البائع فلامشتري فيه الخيار .
-﴿ ومن باب النهي عن بيع حاضر لبادهمـ
قال ابو داود : حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابن
طاووس عن ابيه عن ابن عباس قال نهى رسول الله عَيج ان يبيع حاضر لباد
فقلت ما يبيع حاضر لباد قال لا يكون له سمساراً .
قال الشيخ قوله لا يبيع حاضر لباد كلمة تشتمل على البيع والشراء ، يقال
بعت الشئ بمعنى اشتريت ، قال طرفة :
ويآتيك بالأخبار من لم تبع له بتاناً ولم تضرب له وقت موعد
اي لم تشتر له متاعًا، يقال شريت الشيئء بمعنى بعته والكلمتان من الاضداد
قال ابن مفرْع الحميري :
وشريت برداً ليتنى من بعد برد كنت هامه
یرید بعت بردا وبردا علامة باعه فندم عليه ، وفسر ابن سيرين قوله لا يبيع
حاضر لباد على المعنيين جميعاً، وقال في كلمة جامعة لا يبيع له شيئًا ولا يشتري
له شيئاً، ولذلك قال لا يكون له سمساراً لأن السمسار يبيع ويشتري للناس.
ومعنى هذا النهي ان يتربص له سلعته لا ان يبيعه بسعر اليوم؛ وذلك ان البدوي
اذا جلب سلعة الى السوق وهو غريب غير مقيم باعها بسعر يومه فينال الناس
فيها رفقاً ومنفعة، فاذا جاءه الحضري فقال له انا اتربص لك وابيعها، وحرم
الناس ذلك النفع فاتهم ذلك الرفق ؛ وقد قيل ان ذلك انما يحرم عليه اذا كان
في بلد ضيق الرقعة اذا باع الجالب متاعه اتسع اهلها وارتفقوا به. فاذا لم يجعه
تبین به اثر الضيق عليهم وخيف منه غلاء السعر فيهم، فأما اذا كان البلد واسعاً

- ١١١-
لا یتضرر به المناس ولا یتبین بذلك علیهم اثره فلا بأس به والله اعلم.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو الزبير عن جابر قال
قال رسول الله عَ﴾ لا يبيع حاضر لباد وذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
قال الشيخ فى هذا دليل على ان عقد البيع لا يفسد اذا فعل ذلك ولو كان
يقع فاسداً لم يكن فيه منغ من ان يرتفق الناس وير تزق بعضهم من بعضهم.
وقد كره بيع الحاضر للبادي اكثر اهل العلم وكان مجاهد يقول لا بأس به
في هذا الزمان، وانما كان النهي وقع عنه في زمان رسول الله عز يت .
وكان الحسن البصري يقول لا تبع للبدوي ولا تشتر له ، وذهب بعضهم
الى ان النهى فيه بمعنى الارشاد دون الايجاب والله اعلم .
﴿ ومن باب من اشترى مصراة وكرههاومـ
قال أبو داود: حدثنا انقعني عن مالك عن ابى الزناد عن الأعرج عن ابي
هريرة أن رسول الله عرب قال لا تصروا الابل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو
بخير النظرين بعد ان يحلبها فان رضيها امسكها وان يخطها ردها وصاعًا من بر.
قال وحدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا حماد عن ايوب عن محمد بن سيرين
عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ◌َّ قال من اشترى مصراة فهو بالخيار
ثلاثة ايام ان شاء ردها وصاعاً من طعام لا سمراء.
قال الشيخ اختلف أهل العلم واللغة فى تفسير المصراة ومن اين اخذت
واشتقت ، فقال الشافعي التصرية ان تربط اخلاف الناقة والشاة وتترك من
الجلب اليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيراً ويزيد فى ثمنها
لما يرى من كثرة لبنها فاذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة او اثنتين عرف ان ذلك

- ١١٢ -
ليس بلبنها وهذا غرور للمشتري .
وقال أبو عبيد المصراة الناقة او البقرة او الشاة التي قد صرى اللبن في ضرعها
يعني حقن فيه وجمع ايامًا فلم يخلب، واصل التصرية حبس الماء وجمعه يقال منه
صريت الماء ، ويقال انما سميت الصراة كانها مياه اجتمعت .
قال ابو عبيد ولو كان من الربط لكان مصرورة او مصررة ، قال الشيخ كأنه
يريد به رداً على الشافعي ، قال الشيخ قول ابي عبيد حسن وقول الشافعي صحيح
والعرب تصر ضروع الحلويات إذا ارسلتها تسرح ويسمون ذلك الرباط صراراً
فاذا راحت حلت تلك الاصرة وحلبت، ومنهذا حديث أبي سعيد الخدري ان
رسول الله عَ﴾ قال لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر ان يحل صرار ناقة
بغير اذن صاحبها فانه خاتم اهلها عليها ، ومن هذا قول عنقرة :
العبد لا يحمن الكر، انما يحسن الحلب والصر .
وقال مالك بن نويرة وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها الى ابي
بكر رضي الله عنه فمنعهم من ذلك ورد على كل رجل منهم صدقته ، وقال انا
جنة لكم مما تكرهون وقال:
وقلت خذوها هذه صدقاتكم
مصررة اخلافها لم تجدَّدِ
وارهنكم يوماً بما قلته يدي
سأجعل نفسی دون ما تجدونه
قال الشيخ وقد يحتمل ان يكون المصراة، اصله المصرورة ابدل احدى
الرابين ياء كفولهم تقضي البازي واصله تقضض كرهوا اجتماع ثلاثة احرف
من جنس واحد في كلمة واحدة فأبدلوا حرفاً منها بحرف آخر ليس من جنسها؛
قال العجاج :
تقضي البازي اذا البازي كسر

- ١١٣ -
ومن هذا الباب قول الله تعالى ( وقد خاب من دساها ) اي اخملها بمنع الخير
واصلة من دستها ، ومثل هذا فى الكلام كثير .
وقد اختلف الناس فى حكم المصراة فذهب جماعة من الفقهاء الى انه يردها
ويجرد معها صاعاً من تمر قولاً بظاهر الحديث، وهو قول مالك والشافعي والليث
ابن سعد واحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية وابيعبيد وابي ثور ، وقالابنابي
ليلى وابو يوسف يرد قيمة اللبن ، وقال ابو حنيفة اذا حلب الشاء فليس له ان
فردها ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها .
واحتج من ذهب الى هذا القول بأنه خبر مخالف للأصول لأن فيه تقويم
المتلف بغير النقود، وفيه ابطال رد المثل فيما له مثل، وفيه تقويم القليل والكثير
من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار واحد واحتجوا بقوله عليه الخراج بالضمان .
قال الشيخ والأصل ان الحديث اذا ثبت عن رسول الله عَ ي وجب القول
به وصار اصلاً في نفسه وعلينا قبول الشريعة المبهمة كما علينا قبول الشريعة
المفسرة والأصول انما صارت اصولاً لمحيىء الشريعة بها. وخبر المصراة قد جاء
به الشرع من طرق جياد اشهرها هذا الطريق، فالقول فيه واجب وليس تركه
لسائر الأصول بأولى من تركها له على ان تقويم المتلف بغير النقد موجود فى
بعض الأصول منها الدية في النفس مائة من الابل ، ومنها الغرة في الجنين .
وقد جاء ايضً تقويم القليل والكثير بالقيمة الواحدة كأرش الموضحة فانها ربما
اخذت اكثر من مساحة الرأس فيكون فيها خمس من الابل وربما كانت قدر
الأنملة فيجب الخمس من الابل سواء. وكذلك الدية فى الأصابع سواء على اختلاف
( ج ٣ م ١٥ )

- ١١٤ -
مقادير جمالها ومنفعتها . وجاءت السنة بالنسوية بين دية اللسان والعينين واليدين
والرجلين . واوجب اصحاب الرأي في الحاجبين واهداب العينين وفى اللحية الدية
الكاملة واين منافع الحاجبين من اللسان واليدين والرجلين وقد جعل النبي محمد
على من وجبت عليه في ابله ابنة مخاض وليس عنده الا ابنة لبون ان يعطي
المصدق شاتين او عشرين درهماً جبرانا لنقصان مابين السنين، ومعلوم أن ذلك
قد يتفاوت ولا يتعدل في التقويم بكل مكان وكل زمان . وقد جعلوا ايضاً الحد
في المهر عشرة دراهم على تسوية فيه بين الشريفة والوضيعة ، وفي رد الا بقاربعين
در هماً ولم يفرقوا بين من رده من مسافة ثلاثة ايام وبين من رده من مسافة شهر،
وليس في شيء من هذا سنة ولا خبر عن النبي {9 فكيف يجوز رد السنة
الثابتة عن النبي عَبه من اجل ان بينها وبين بعض السنن مخالفة فى بعض احكامها
وقد قالوا بخبر الوضوء بالنبيذ وبخبر القهقهة ونقضها الطهارة في الصلاة مع
مخالفتها الأصول وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث.
ثم ان تقويم المتلفات على ضربين احدهما ان تقوم قيمة تعديل، والآخر ان
تقوم قيمة توقيف ؛ فقيمة التعديل ترتفع وتنخفض على قدر ارتفاع الشيء
وانخفاضه . وقيمة التوقيف هو ماجعل بازاء الشيء الذي لا يكاد يضبط بمقدار
معلوم واللبن غير معلوم المقدار ، وقد يقل مرة ويكثر اخرى ويختلط باللبن
الذي يحدث فيملك المشتري ولا يتميز منه. واذا صار مجهولاً لا يضبط وكان
لا يؤمن وقوع التنازع فيه بين البائع والمشتري وردت الشريعة فيه بتوقيف
معلوم يفصل فيه بين المتبايعين ويكفيهما مؤنة الاجتهاد ويقطع به مادة الفزاع
كما وردت في الجنين اذ كانت بمنزلة المصراة في معنى الجهالة، واما خبر الخراج

- ١١٥-
بالضمان فمخرجه مخرج العموم ، وخبر المصراة انما جاء خاصاً فى حكم بعينه،
والخاص يقضى على العام ولو جاء الخبران معاً مقترنین فیالذ کر لصح الترتيبفيهما
ولاستقام الكلام ولم يتناقض عند تركيب احدهما على الآخر، فكذلك اذاجاً.
منفصلين غير مقترنين لأن مصدرهما عن قول من تجب طاعته ولاتجوز مخالفته .
قال الشيخ وقد اخذ كل واحد من ابى حنيفة ومالك بطرف من الحديث وترك
الطرف الآخر، فقال أبو حنيفة لا خيارا كثر من ثلاث، واحتج بهذا الحديث
ولم يقل برد الصاع، وقال مالك برد الصاع ولم يأخذ بالتوقيف فى خيار الثلاث
وصار الى أن يرد متى وقف على العيب كان ذلك قبل الثلاث او بعدها فكان
اصح المذاهب قول من استعمل الحديث على وجهه وقال بجملة ما فيه .
وفي الحديث دليل على انه لا يجوز بيع شاة لبون بلبن ولا بشاة لبون ، وذلك
لأنه قد جعل للبن المصراة قسطًا من الثمن اذ كان كالشيء المودع في الشاة
المقدور على استخراجه فاذا باع لبوناً بلبون فقد باع لبنًا بلبن غير متساويين،
فأما بيع سمسم بسمسم نفجائز وان كان العلم قد يحيط بأن في كل واحد منهما
دهنّاً، الا انه غير مقدور على استخراجه كما كان مقدوراً على استخراج اللبن
مع بقاء العين بهيئته فصار تبعا للمبيع .
قال الشيخ ويدخل في هذا كل مصراة من الابل والغنم والبقر والادميات
فلو اشترى رجل جارية ذات لبن لترضع ولده فوجدها مصراة كان هذا حكمها
سواء لا فرق بينها وبين غيرها من الحيوان في هذا المعنى.
وقد اختلف الناس في مدة الخيار المشروط فى البيع ، فقال أبو حنيفة لا يجوز
اكثر من ثلاث وهو قول الشافعي، وقال ابن ابي ليلى وابو يوسف ومحمد

-١١٩-
قليله وكثيره جائز، وقال مالك هو على قدر الحاجة اليه غيار الثوب يوم ويومان
وفى الحيوان اسبوع ونحوه وفي الدور شهر وشهران وفي الضيعة سنة ونحوها.
وفى قوله لا سمراء دليل على انه لا يلزمه ان يعطيه غیر التمر، وذهب بعضهم الى
ان كل انسان يعطي من قوته فمن كان قوته التمر اعطى صاعاً من تمر ، ومن كان
قوته الشعير اعطى صاعاً من شعير، ومن كان قوته السمراء وهي الحنطة اعطى
ضاعاً منها، وهذا خلاف ظاهر الحديث؛ الا ان ابا داود قد روي فى هذا
الحديث من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر أن رسول الله ملح قال من باع
محفلة فهو بالخيار ثلاثة ايام، فان ردها رد معها مثل او مثلي لبنها قمحاً وليس
استاده بذاك .
والمحفلة في المصراة، وسميت محفلة لحصول اللبن واجتماعه في ضرعها .
﴿ ومن باب النهي عن الحکرة ےم
قال ابو داود ؛ حدثنا وهب بن بقية قال حدثنا خالد عنعمرو بن یخیی عن
محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن المسيب عن معمر بن ابي معمر احد بنيعدي
ابن كعبَ قال: قال رسول الله وَ لا يخشكر الا خاطئ فقلت لسعيد فانك
تحتکر قال ومعمر کان يحتكر .
قال الشیخ قوله ومعمر کان یحتکر یدل على ان المحظور فيه نوع دون نوع
ولا يجوز على سعيد بن المسيب في علمه وفضله أن يروي عن النبي عَلى حديثاً
ثم يخالفه كفاحاً وهو على الصحابى اقل جوازا وابعد امكانًا .
وقد اختلف الناس في الاحتكار فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره
(مِن السلع، وقال مالك بمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت وكل شىء

-١١٧ -
اضر بالسوق، الا انه قال ليست الفواكه من الحكرة .
وقال احمد بن حنبل ليس الاحتكار الا فى الطعام خاصة لأنه قوت الناس
وقال انما يكون الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور ، وفرق بينهما وبين
بغداد والبصرة. وقال ان السفن تخترقها، وقال احمد اذا دخل الطعام من ضيعته
خبسه فليس بحكرة، وقال الحسن والأوزاعى من جلب طعاماً من بلد الى بلد
خبسه ينتظر زيادة السعر فليس بمحتكر وانما المحتكر من اعترض سوق المسلمين.
وقال الشيخ واحتكار معمر وابن المسيب متأول على مثل هذا الوجه الذي
ذهب اليه احمد بن حنبل، وانما هذا الحديث جاء باللفظ العام والمراد منه معنى
خاص، وقد روى عن ابن المسيب انه كان يحتكر الزيت .
﴿ ومن باب كسر الدرام »۔۔
قال أبو داود : حدثنا احمد بن حنبل قال أخبرنا معمر قال سمعت محمد بن
فضاء يحدث عن أبيه عن علقمة بن عبد الله عن ابيه قال نهى رسول الله عز ية
ان تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم الا من بأس.
قال الشيخ اصل السكة الحديدة التي يطبع عليها الدراهم والنهي انما وقع عن
كسر الدراهم المضروبة على السكة .
وقد اختلف الناس في المعني الذي من اجله وقع النهي عنه فذهب بعضهم
الى انه کره لما فيه من ذ کر اسم الله سبحانه وتعالى، وذهب بعضهم الى انه کره
من اجل الوضيعة وفيه تضييع للمال، وبلغني عن ابي العباس بن شريح انه قال
كانوا بقرضون الدراهم ويأخذون اطرافها فنهوا عنه. وحدثني اسماعيل بن اسيد
قال سمعت اسحاق بن ابراهيم يقول سمعت ابا داود بقول سالت احمد بن حنبل

- ١١٨ -
...........
.......
او سئل حضري سائل ومعي درهم صحيح فقلت اكسره له قال لا . وزعم بعض
اهل العلم انه كره قطعها وكسرها من اجل التدنيق. وقال الحسن لعن الله الدائق
واول من احدث الدانق .
﴿ ومن باب النهي عن الغش.مـ
قال أبو داود : حدثنا احمد بن حنبل قال حدثنا سفيان بن عيينة عن العلاء
عن أبيه عن ابي هريرة قال: قال رسول الله ◌َّ ليس منا من غش .
قال الشيخ قوله ليس منا من غش معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا يريد ان
من غش اخاه وترك مناصحته فانه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي.
وقد ذهب بعضهم الى انه اراد بذلك نفيه عن دين الاسلام، وليس هذا
التأويل بصحيح، وانما وجهه ما ذكرت لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه
انا منك وإليك يريد بذلك المتابعة والموافقة. ويشهد بذلك قوله تعالى (فمن تبعني
فأنه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم ) .
(ومن باب خيار المتبايعين /.مـ
قال ابو داود : حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر ان
رسول الله صلى قال المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا
الا بيع الخيار .
قال وحدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا حماد عن ايوب عن نافع عن ابن عمر
عن النبي ټے بمعناه قال او يقول احدهما لصاحبه اختر .
قال الشيخ اختلف الناس فى التفرق الذي يصح بوجوده البيع فقالت طائفة
هو التفرق بالأبدان ، واليه ذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب وابو برزة

- ١١٩ -
الأسلمي رضي الله عنه، وبه قال شريح وسعيد بن المسيب والحسن البصري
وعطاء بن أبي رباح والزهري وهو قول الأوزاعي والشافعي واحمد بن حنبل
واسحاق وابي عبيد وابي ثور .
وقال النخعي واصحاب الرأي اذا تعاقدا صح البيع ، وإليه ذهب مالك .
قال الشيخ وظاهر الحديث يشهد لمن ذهب الى ان التفرق هو تفرق البدن
وعلى هذا فسره ابن عمر وهو راوي الخبر ، و کان اذا بایع رجلاً فأراد ان
يستحق الصفقة مشى خطوات حتى يفارقه ، وكذاك تأوله ابو برزة فى شأن
الفرش الذي باعه الرجل من صاحبه وهما فى المنزل ، وقد ذكر القصة فى هذا
الباب ابو داود .
قال الشيخ وعلى هذا وجدنا امر الناس في عرف اللغة وظاهر الكلام اذا
قيل تفرّق الناس كان المفهوم منه التمييز بالأبدان وانما يعقل ماعداه من التفرق
فى الرأي والكلام بقيد وصله .
وحكي ابو عمر الزاهد ان ابا موسى النحوي سأل ابا العباس احمد بن يحيى هل
بين يتفرقان ويفترقان فرق، قال نعم اخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل قال يفترقان
بالكلام ويتفرقان بالأبدان .
قال الشيخ ولو كان تأويل الحديث على الوجه الذي صار اليه النخعي لخلا
الحديث عن الفائدة وسقط معناه، وذلك ان العلم محيظ بأن المشتري ما لم يوجد
منه قبول البيع فهو بالخيار ، وكذلك البائع خياره ثابت في ملكه قبل ان
يعقد البيع وهذا من العلم العام الذي قد استقر بيانه من باب ان الناس مُخُلُّون
واملا كهم لا يكرهون على اخراجها من ايديهم ولا يملك عليهم الا بطيب

- ١٢٠ -
انفسهم ، والخبر الخاص انما يروي في الحكم الخاص، وثبت ان المتبايعين هما
المتعاقدان والبيع من الأسماء المشتقة من افعال الفاعلين وهي لا تقع حقيقة الا
بعد حصول الفعل منهم ، كقولك زان وسارق واذا كان كذلك فقد صح
ان المتبايعين هما المتعاقدان ، واذا كان كذلك فليس بعد العقد تفرق الا
التمييز بالأبدان .
ويشهد لصحة هذا الباب قوله الا بيع الخيار ومعناه ان تخيره قبل التفرق
وهما بعدُ في المجلس فيقول له اختر . وبيان ذلك فى رواية ايوب عن نافع وهو
قوله الا ان يقول لصاحبه اختر .
وقد تأول بعضهم الا بيع الخيار على معنى خيار الشرط ، وهذا تأويل فاسد
وذلك ان الاستثناء من الاثبات نفي ومن النفى اثبات ، والأول اثبات الخيار
فلا يجوز ان يكون ما استثنى منه ايضاً اثباتًا مثله، على ان قوله الا ان يقول
احدهما لصاحبه اختر يقيد ما قاله هذا القائل ويهدمة .
واحتج بعض من ذهب الى ان التفرق هو تفرق البدن بأن المتبايعين انما
يجتمعان بالايجاب والقبول لأنهما كانا قبل ذلك متفرقين فلا يجوز ان يحصلا
مفترقين بنفس الشيء الذي به وقع اجتماعهما عليه .
واما مالك فان ا كثر شيئ سمعت اصحابه يحتجون به في رد الحديث هو انه
قال ليس العمل عليه عندنا وليس للتفرق حد محدود يعلم .
قال الشيخ ولبس هذا بحجة ، اما قوله ليس العمل عليه عندنا فانما هو كأنه
قال انا ارد هذا الحديث ولا اعمل به فيقال له الحديث حجة فلم رددته ولمّ لم
تعمل به . وقد قال الشافعي رحم الله مالكا لست ادري من اتهم في اسناد