النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
استدلال قوى لتعدد سعى القارن
وحده على الحق ، وأن من عداه من أئمة الدين جاءوا بالدين من بيداء أو
التقطوه فى الصحراء ، فياسبحان الله العظيم! هذا والله يقول الحق وهو
يهدى السبيل .
ثم إن الشيخ القاضى ثناء اللّه فى تفسيره " المظهرى " استدل لتعدد السعى
بقوله: ((وإنه ◌َّالج لما قدم مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة، ثم لم يقرب
. وكان ذلك
الكعبة بطوافه حتى رجع من عرفة)) رواه البخارى . قلت : .
الطواف والسعى ماشياً كما هو مصرح فى حديث حبيبة بنت أبى تجراه ، وابن
عمر وجابر عند مسلم وغيره، ثم إنه حَّ الج سعى بين الصفا والمروة ثانياً بعد
طواف الزيارة كما يدل عليه حديث جابر قال: ((طاف رسول اللّهِ حَ﴾ٍ على
راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه))، رواه مسلم . وفى
روايه طاف فى حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه ، وقال : هذا
ما حصل لى من بعد جمع الروايات المختلفة اهـ . وقال قبله: وهذه أبحاث طويلة
ذكرناها فى "منار الأحكام" اهـ. وهو كتابه المتكفل لمذاهب الفقهاء وأدلتهم.
قال الشيخ: وإثبات تعدد السعى من أحاديثهم المحتج بها أول من استدل
به القاضى ثناء الله فى "منار الأحكام" مفصلاً وفى تفسيره مختصراً، وتمسك على
التعدد بوجه صحيح حيث يلزم ذلك من رواياتهم المخرجة فى الصحاح لزوماً
ظاهراً، فوقع سعيه عَّالّ فى بعضها راكباً، وفى بعض آخر ماشياً، كما فى
" صحيح مسلم" (١ - ٣٩٦). فالسعى الأول ماشياً للطواف الأول عند
القدوم، وهو القدوم عندهم، وللعمرة عندنا كما أسلفنا ، وذلك كما وقع حديث
جابر الطويل عند مسلم وأبى داود: (( ثم نزل المروة حتى انصبت قدماه فى
بطن الوادى سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ، ففعل على المروة كما
فعل على الصفا الخ))، فهذا صريح فى السعى راجلا وماشياً على الأقدام

٣٨٢
معارف السنن
.ج - ٦.
ووقع عند مسلم فى ( باب جواز الطواف على بعير) (١ - ٤١٣ ): عن
جابر : " طاف فى حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجن ليراه الناس
الخ ، (كما وقع ذلك عنده من حديث ابن عباس ، ومن حديث عائشة ومن
حديث أبى الطفيل مرفوعاً عنده ) .
قال الشيخ: وتاريخ السعى الثانى غير معلوم، ولكن الأقرب أن يكون يوم
النحر بعد طواف الإفاضة، وعليه يدل مسائل الحنفية حيث يكون السعى مسبوقاً
بطواف ولم يكن طاف إلى يوم النحر إلا الطواف الأول عند الجميع. وما تأول
به ابن حزم الظاهرى من ترك الظاهر بأن المراد بأنه انصبت قدماه ، أى وهو
على راحلته، وأريد بالنزول والصعود : نزول الناقة وصعودها . فهذا تأويل
مردود يخالف ظاهر الحديث وتبادر كلماته . ثم إن الراكب لا يسعى بين
المیلین بل يمشى، ويرده حديث حبيبة بنت أبى تجراه عند الدار قطنى - ورواه
الشافعى وأحمد واسماق والحاكم والبيهفى -: ((فرأيت رسول اللّه حَ كلام يسعى وإن
مئزره ليدور من شدة السعى حتى إنى أقول : إنى لأرى ركبتيه ، وسمعته
يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى))، "الدارقطنى" (ص - ٢٧٠ ).
قال الشيخ: والإسناد قوى - والحافظ يقول: وفيه عبد الله بن المؤمل
وفيه ضعف، والبدر العينى ينقل عن المنذرى : أنه حسن ، أنظر " العمدة "
(٤ - ٦٥٧) -. و "تجراه" ضبطه الحافظ: بكسر التاء الفوقافية فجيم فراء ثم
ألف وهاء ، ولكن ليس فيه تصريح أنه كان فى حجته أو فى إحدى عمراته ،
وليست واقعة عمرة الجعرانة حيث كانت بالليل ، فيحتمل أن يكون فى عمرة
القضاء أو فى حجته ، وهو الغالب على ظنى لقرائن ، وكذا ما تأول به ابن
حزم بأن بعض الأشواط من السعى كان راكباً ، وبعضه ماشياً يرده حديث
أبى الطفيل عن ابن عباس عند أبى داود فى (باب الطواف الواجب) ( ١ -

٣٨٣
بحث تعدد سعيه
وسية
٢٥٩) وفيه: ((طاف سبعاً على راحلته)). ونفس الحديث أخرجه مسلم ولكن
ليست هذه اللفظة فيه . ومن أعظم القرائن وأقواها أن هذا فى حجة الوداع ما
وقع فى رواية مسلم بإسناده عن أبى الطفيل قال : ((قلت لابن عباس: أرانى قد
رأيت رسول اللّه حلجٍ، قال: فصفه لى؟ قال: رأيته عند المروة وقد كثر الناس
عليه، قال: فقال ابن عباس: ذاك رسول اللّه جَلّ، إنهم كانوا لا يدعون
عنه ولا يكهرون)). فكثرة الناس وسؤالهم لا يكون إلا فى حجة الوداع حيث
كانوا أربعين ألفاً إلى سبعين، وكانوا فى عمرة القضاء نحو ألف وخمسمائة ( وعلى
قول من قال : إن الكل لم يعتمروا قضاءً كانوا أقل من هذا العدد بكثير )
وكانوا يحفظونه عن المشركين لكيلا يصيبه أحد بحجارة كما فى رواية البخارى
ولفظه: ((لما اعتمر رسول اللّه عَ لّ سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن
يؤذوا رسول اللّه مح له))، وأبو الطفيل من آخر الصحابة موتاً، وولادته عام
أحد كما فى "مسند أحمد"، وعمره فى عمرة القضاء خمس سنين، وفى حجة
الوداع ثمانى سنوات ، ويدل على قصر عمره عند ذاك ما أخرجه أبو داود
(٢ - ٧٠٠) فى (باب برالوالدين) من كتاب الأدب: ((رأيت النبى حَل}
يقسم لحماً بالجعرانة، قال أبو الطفيل: وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور الخ)).
وبالجملة حديث مسلم وأبى داود فيها قصة حجة الوداع لا غير، وحكاه
شيخنا العثمانى فى "فتح الملهم " أيضاً من غير تخريج، واطمأن إليه. فتبين من
هذا كله أن تعدد السعى لا بد من القول به ، فما يقوله الشاء ولى الله الدهلوى
رحمه الله فى " المصفى شرح المؤطأ" من عدم ثبوت تعدد السعى مستدلاً برواية
جابر ليس بذاك ، والقول بالتعدد هو التحقيق كما قاله المحدث الفانى فتى، وهو
الصواب إن شاء الله تعالى . نعم حقق الشاه ولى اللّه كما أسلفنا من أن القول
( ٢ - ٧٨ )

٣٨٤
معارف السنن
ج - ٦
بوحدة الطواف إنما نشأ من أجل الاختلاف فى التخريج ولم يختلفوا فيما شاهدوه
بأعينهم ، راجع " المصفى " .
وحان لنا إذن أن نتكلم فيما بدور حول أدلة القائلين بوحدة الطواف
والسعى للقارنين إيفاءً الكيل من غير بخس وإرهاق ، ونخوض فى طرف من
غمارها استيفاءً للبحث من أطرافها وإخراجاً للأصداف واللآلى من بحارها، فأقول
والله الموفق :
أما حديث عائشة المخرج فى " الصحيحين" فأقول :
أما أولاً : فلا ريب أن سيدتنا عائشة كانت من أقرب الناس إلى رسول
اللهِ فَّ بعد أبيه، ولها مكانتها من الفقه والعلم والبحث، ولكن الذى وصل
إلينا من أحاديثها فى حجتها وحجته ، وربما يكون ذلك من أجل الرواة عنها ما
يدهش الفكر ولا تزال الأفكار مختلفة فيها من أقدم العصور من عهد الأئمة
إلى اليوم ، فيقول البدر العينى فى " العمدة" (٤ - ٦٥٠) :... أحاديث
عائشة فى هذا الباب مضطربة جداً ، لا يتم بها الاستدلال لأحد من الخصوم ،
وقد قالت فى رواية: ((أهللنا بعمرة.))، وفى أخرى: (( فمنا من أهل بعمرة
ومنا من أهل بحجة، قالت: ولم أهل إلا بحج)»، وفى أخرى: ((لا بريد إلا
الحج))، وفى رواية: ((وكنت ممن تمتع ولم يسق الهدى ١هـ)). فلم يثبت
للناس قدم فى قرانها أو حجتها بافراد، ومؤلف واحد يختلف كلامه فى الترجيح
كما سبق ذكره ، فيشكل على حديثها المدار فى مثل هذا المعترك مع تجاذب شديد
بين الروايات تفقهاً وحديثاً .
وأما ثانياً: فكانت معه بِّال﴾ من الكثرة الغامرة، وأقل ما قيل فيها: أربعين
ألفاً من المعتمرين والحجاج ، وفيهم من أمروا بفسخ الحج إلى العمرة من غير

٣٨٥
البحث عن حديث عائشة وبيان الاختلاف فيه
سائقى الهدى، فكانوا متمتعين ، وأرى أن هؤلاء هم فى غاية الكثرة ، فكانوا
متمتعين والمتمتع عليه الطوافان والسعيان بإجماع الأمة قاطبة ، فكيف يكون لهؤلاء
طواف واحد وسعى واحد ؟
وأما ثالثاً: فقولها: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا
طوافاً واحداً )) التعبير يشمل القارنين والمتمتعين جميعاً ، وإن كان المتبادر سياقاً
للقارنين ، فإن التعبير القرآنى هو التمتع بالعمرة إلى الحج يشمل النوعين ،
والقران لغةً يشمل التمتع، ثم الإصطلاح الحادث يفرق بينهما، فلم يبق القطع فى
الدلالة للقران فقط حيث إن المتمتع سائق الهدى مثل القارن ، ولو كان غير
سائق الهدى فهما لا يحلان إلا بالطواف يوم النحر. نعم إن من فسخ الحج إلى
العمرة حل فى البين بطواف العمرة وسعيها ، ولاريب أن لفظ حديث عائشة
فى البخارى من طريق عروة: ((فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً
آخر بعد أن رجعوا من منى))، ليس لكل متمتع ابتداء بل الذين فسخوا حجهم
إلى العمرة بأمره فَلّجٍ ولم يكن معهم هدى. فبقى لفظ " جمعوا " شاملاً للقارن
والمتمتع سائق الهدى جميعاً ، والله أعلم .
وأما رابعاً: فقول سيدتنا عائشة: ((طافوا طوافاً واحداً)) الغرض منه
الطواف الذى للحل، فالقارن والمتمتع سائق الهدى كل يحل بالطواف يوم النحر،
فكان الطواف لحل منها جميعاً ، فمدار الحل على الطواف الواحد ، ومن أجل
هذا جاء هذا التعبير هكذا، أفاده شيخ مشايخنا محمود حسن الديوبندى، واطمأن
إليه شيخنا وشيخنا العثمانى فى " فتح الملهم " .
وأما خامساً : فقولها : (( وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا
طوافاً واحداً)، مؤول عند الكل ، فليس هناك طواف واحد ، لا للقارن ولا

١٣٨٦
معارف السنن
ج - ٦
للمتمتع ، فلكل واحد منهم عدة أطوفة ، وعلى الأقل ثلاثة كما كان الرسول
اللّه عَّ امٍ، فتأويله بالطواف الواحد للعمرة والحج معاً ليس بأقرب من تأويله
بأن الطواف الواحد الحل منها جميعاً. فإذن استوت الكفتان للميزان ، فكل
واحد أصبح بيده الحجة والبرهان ، والله المستعان .
قال شيخ مشايخنا الشيخ محمود الديوبندى بعد ما لخصناه سابقاً: وظنى أن
مقصود عائشة بهذا الحديث ليس بيان وحدة الطواف وتعدده ، بل الغرض
الأصلى إثبات التحلل بين الطوافين للمتمتعين ونفيه عن القارنين. فمعنى قولها :
((فإنما طافوا طوافاً واحداً)) أى إنما طافوا للإحلال منهما طوافاً واحداً، وهو
طواف الإفاضة بخلاف المتمتعين فإنهم حلوا أولاً من العمرة بالطواف الأول،
ثم حلوا من الحج بالطواف الثانى. ويؤيد ما ذكرناه قولها فى طريق الأسود
عن عروة عنها: ((فأما من أهل بعمرة فحل ، وأما من أهل بحج أو جمع
الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر)) اهـ. حكاه شيخنا العثمانى فى " فتح
الملهم " ، وشيخنا إمام العصر رحمه اللّه أشار إليه .
قال الراقم: وأنت إذا لاحظت سياق روايات عائشة وألفاظها فى "صحيح
مسلم " اتضح لك ذلك اتضاحاً بأنها تعنى بمسألة الحل لا بالتعدد ، فتقول فى
رواية: فقال رسول اللّه ◌َّل﴾: (( من أحرم بعمرة ولم يهد فلبحلل، ومن
أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه )) ،
وفى أخرى تقول: فقال النبى حِِّالجُ: ((من كان معه هدى فليهل بالحج مع
عمرته ، لا يحل حتى يحل منها جميعاً)) إلى غير ذلك من كلماتها ورواياتها
و تعبير اتها
وأما حديث ابن عمر! ففيه: أما أولاً :

حديث ابن عمر فى حجته والاختلاف فيه
قد اختلفت رواياته مثل حديث عائشة أو قريباً منه ، فتارةً يحدث :
أنه بَلٍُّ كان قارناً فطاف لهما طوافاً واحداً، وتارةً أخرى يخبر: بأنه كان فى
حجة الوداع متمتعاً، وإنه بدأ بالعمرة ، فقد روى الزهرى عن سالم أن عبد الله
ابن عمر قال: ((تمتع رسول اللّه فَّ المه فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى
وساق الهدى من ذى الحليفة الخ))، رواه البخارى ومسلم وغيرهما ، فإن كان
متمتعاً سائق الهدى فكيف اكتفى بطواف واحد لما؟ وهو خلاف إجماع الأمة
والأمة ، فإن كان لأحد أن يتأون التمتع بالقران كما يتأوله الحافظ فى " الفتح"
فلآخر أن يتأول بأن الطواف للقدوم طوافاً واحداً كما تأوله العينى فى "العمدة".
أو يتأول بأن الطواف الواحد الحل منهما جميعاً حيث لم يتحلل بعد أفعال العمرة .
وفى لفظ لابن عمر بطريق بكر بن عبد اللّه عنه: ((إن النبي ◌َّ ◌َّ وأصحابه
قدموا ملبين بالحج فقال رسول اللّه عَامٍ: من شاء أن يجعلها عمرة الخ))، وقد
تقدم فى رواية سالم: ((بدأ فأحرم بالعمرة))، وجمع بينهما الطحاوى بأنه أدخل
العمرة على الحج وفسخ الحج بالعمرة ولم يطف قبل يوم النحر لحجته، واكتفى
قبل النحر بطوافه للقدوم فى العمرة ولم يعده، ثم طاف يوم النحر طوافاً لحل كما
يدل عليه سياق نافع عن ابن عمر أنه كان إذا قدم مكة يرمل بالبيت ثم طاف
بين الصفا والمروة إلى يوم النحر، و کان لا یرمل يوم النحر، فدل على أنه إذا
أحرم بالحج من مكة لم يطف لها إلى يوم النحر. فلم يكن فى حديثه من حكم
طواف القارن . وعند هذه التوجيهات واختلاف التعبيرات کیف یمکن الاستدلال
بها لوحدة طواف القارن ؟
وأما ثانياً : فاختلفت روايته رفعاً ووقفاً ، فحديث الباب من طريق
عبد العزيز بن محمد - وهو الدراوردى - عن عبيد الله بن عمر - وهو العمرى -
عنه مرفوعاً، فيقول الترمذى: ورواه غير واحد عن عبيد اللّه ولم يرفعره

٣٨٨
معارف السنن
ج - ٦
وهو أصح. فصحح الإمام الترمذى وقفه وخطأ من رفعه. ويقول الحافظ
أبو عمر فى " الاستذكار" كما فى " العمدة" (٤ - ٦٤٨ ): لم يرفعه عن
عبيد اللّه غير الدراوردى ، وكل من رواه عنه غيره أوقفه على ابن عمر ،
وكذا رواه مالك عن نافع موقوفاً . وقال أبو زرعة: الدراوردى سيئى الحفظ،
ذكره الذهبى فى " الكاشف". وقال النسائى: ليس بالقوى، وحديثه عن
عبيد اللّه منكر. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يغلط اهـ. وهذا الذى
يقوله الإمام الطحاوى فى " شرح معاني الآثار": إن هذا الحديث خطأ،
أخطأ فيه الدراوردى فرفعه ، وإنما أصله عن ابن عمر نفسه ، هكذا رواه
الحفاظ عن عبيد الله وقال: وهم مع هذا لا يحتجون بالدراوردى عن عبيد الله
أصلاً ، فلم يحتجون به فى هذا امـ ؟
فلاريب أن رفعه غريب تفرد به وخالف الحفاظ، وهو منكر عن عبيد الله
العمرى ، فكيف ساغ لهم الاحتجاج به ؟ وكيف يكون حجة على الخصم ؟
وكيف والطحاوى لم يتفرد بالرد عليه فى هذا بل وافقه الجهابذة من أهل
الحديث كابن عبد البر والذهبى، وقبلها ابن سعد وأبو زرعة والنسائى وغيرهم؟
فإن كان هو ثقة فإنما هو فى روايته عن غير الدراوردى لا مطلقاً، فلا يكون
زیادته من قبيل زيادة الثقات، بل هو غير ثقة فى الدراوردى وإن سلمناه ثقة فى
غيره . وأصبح حديث عائشة وهو أصح ما عندهم ، وحديث ابن عمر عندهم
أقوى ما يكون نظير حديثه فى رفع اليدين ، فكان أصح ما فى الباب ظاهراً ،
وأصبح الاحتجاج به واهياً بعد البحث والتحقيق كما أسلفناه مفصلاً فى رفع
اليدين من هذا الكتاب .
فإذا صح كونه موقوفاً فمثل موقوف ابن عمر لا يمكن أن يقاوم أثر ابن
مسعود ، فكيف يقاوم أثر على فضلاً عن حديثيهما المرفوعين ، فإن لم يصح

تحقيق أن حديث ابن عمر فى " الصحيحين" يخالف المذاهب كلها ٨٩؟
عندهم عن ابن مسعود وعن على مرفوعاً ولا موقوفاً ، فقد صح عند غيرهم
من الكوفيين وهم أعلم بهم منهم، ومن علم حجة على من لم يعلم، وبالله التوفيق .
وأما ثالثاً : فحديث ابن عمر المخرج فى " الصحيح" فى ( باب طواف
القارن): ((إنه أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس
كأن بينهم قتال ، وإنا نخاف أن يصدوك - إلى أن قال - : أشهدكم أنى قد
أوجبت حجاً مع عمرنى، وأهدى هدياً اشتراه بقديد ولم يزد على ذلك فلم ينحر
ولم محل من شىء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق،
ورآى قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول ، وقال ابن عمر: ((كذلك
فعل رسول اللّه فَاجٍ)) لا يوافق أحداً من الأئمة إلا ما تكلفه الحافظ أبو عمر
ابن عبد البر لتطبيقه بمذهب مالك فقال : طواف القدوم إذا وصل بالسعى
يجزى عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلا الخ ، كما حكاه الحافظ ، حيث
يدل الحديث أنه لم يطف طواف الإفاضة وإنما الطواف الأول للقدوم أو عند
القدوم قبل يوم النحر يغنى عن طواف الإفاضة ، فكيف يستقيم هذا عندهم ؟
وكيف يستدلون بحديث ابن عمر؟ . والحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٣ -
٣٩٦) يرى أنه تحير فى تأويله ثم حمل قوله: " طوافه الأول" على طواف
الإفاضة يوم النحر أو على السعى . قال : ويؤيد الثانى حديث جابر عند مسلم
(( لم يطف النبى ◌َّ﴾ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه
الأول)) وهو محمول على ما حمل عليه حديث ابن عمر المذكور والله أعلم اهـ .
فكأنه متردد متحیر فی توجيهه وتأويله . نعم تأويله عندنا - كما قال
شيخنا - على ما تأولنا به حديث عائشة بأنه أراد من طواف الحج طواف القدوم
للحج مع طواف العمرة ، فأجزأ طواف واحد عنهما جميعاً، ولم يذكر فى الرواية
طواف الإفاضة يوم النحر، ومو مراد ألبتة وإن تركه الراوى عنه ، ويدل

٣٩٠
معارف السنن
ج - ٦
عليه قوله: ((كذلك فعل رسول اللّه عَّله، ورسول اللّه عَ لي فعل كذلك حيث
طاف يوم القدوم ، وأجزأ ذلك الطواف الأول عن القدوم والعمرة جميعاً ، ثم
طاف يوم النحر، وهذا توضيح ما قاله شيخنا رحمه الله وقدس روحه فى إملائه
فى " العرف الشذى" .
ومن غاية الغرابة تفرد مالك فى عدم طواف الزيارة وسقوطه فى تلك
الصورة الخاصة ، وهو ركن لا يحتمل السقوط ، وتواترت الروايات بطواف
الإفاضة ، وثبوته ثبوتاً قطعياً لا مرد له ، وذلك بتعبير راو لا يدرى ما ذا
حدث ، نسى أو أخطأ ؟ فترك المقطوعات بمثله عجيب .
وأما حديث جابر: فهو ما رواه الإمام مسلم فى "صحيحه" (١ - ٤١٤)
فى ( باب أن السعى لا يتكرر) من طريق أبى الزبير: ((أنه سمع جابر بن
عبد الله يقول: لم يطف النبى ◌َّ ل ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً
واحداً))، وفى طريق أخرى: ((إلا طوافاً واحداً طوافه الأول)). واستدل
به الإمام النووى فقال: وفيه دليل لما قدمناه أن النبى ◌َّ امٍ كان قارناً، وأن
القارن یکفیه طواف واحد وسعى واحد اهـ .
فنقول أولاً : قد ثبت فى أحاديث عائشة وغيرها فى البخارى ومسلم
وغيرهما أن الصحابة كان منهم من تمتع ومنهم من قارن ومنهم من أفرد، وقد
تحقق كما قررناه سابقاً أن الكثرة الغامرة من المهاجرين والأنصار كانوا متمتعين
غير سائقى الهدى، وأن القإرنين هم رسول اللّه عَلٍّ والخلفاء الأربعة وطلحة
والزبير، وقليل ما هم . والمتمتع عليه طوافان وسعيان عنده وعندنا جميعاً ،
فكيف يستقيم أن يستدل به مطلقاً إلا ما عند أحمد فى رواية بأن المتمتع ليس
عليه إلا سعى واحد ، فلو كان لأحد أن يستدل به لكان هو ما روى عن

٣٩١
حديث وحدة السعى للمتمتع والجواب عنه
أحمد ، وأما النووى فلا يصح له أن يستدل به لمذهبه ، ورواية أحمد لم يذكره
الحرقى ولا ابن قدامة فى " المغنى"، بل ذكر مذههه كمذهب الجمهور. أنظر
" مغنى ابن قدامة" (٣ - ٤٤٢ ).
وبالجملة لا يستقيم الاستدلال بمثله لوحدة السعى ، ومثل هذا حديث
جابر عند أبى داود فى (باب إفراد الحج) (١ - ٢٤٨) - وأخرجه الطحاوى -
يخالف مذهب أبى حنيفة وأصحابه والثورى والأوزاعى ، بدل على وحدة السعى
بين الصفا والمروة للمتمتع فى حجة الوداع، ولفظه: قال: (( قدم رسول الله
حَلّه وأصحابه لأربع خلون من ذى الحجة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة
قال رسول اللّه عَ لّ: إجعلوها عمرةً إلا من كان معه الهدى، فلما كان يوم
التروية أهلوا بالحج، فلما كان يوم النحر قدموا فطافوا بالبيت ولم يطوفوا بين
الصفا والمروة)). واحتج به ابن القيم لوحدة سعى المتمتع، ولكن كيف يصح به
الاستدلال، وحديث ابن عباس فى " صحيح البخارى" فيه نص صريح للسعى
بين الصفا والمروة مرةً أخرى بعد طواف الزبارة ؟ فأخرج البخارى فى
"صحيحه" فى ( باب قول الله عزوجل: ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى
المسجد الحرام) من حديث ابن عباس: ((إنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل
المهاجرون والأنصار وأزواج النبى حَ اجٍ فى حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا
مكة قال رسول اللّه عَله: " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى "
فطفنا بالبيت وبين الصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: "من قلد الهدى
فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدى محمله"، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا
فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، فقد تم حجنا وعلينا
الهدى )) .
( م - ٧٨ ٪

٣٩٢
معارف السنن
ج - ٦
فهذا نص صريح فى تعدد السعى المتمتعين، وهذا مثبت يقدم على النافى،
ورجح رواية البخاری علی أبىداود، فلر واية البخاری تر جيح على رواية أبى داود
من جهة كونها أصح ومن جهة كونها مثبته لما نفته رواية أبى داود أو يتأول
بأن المراد فى رواية بعض الصحابة لا كلهم ، أفاده شيخنا رحمه الله.
ويحتمل أن هؤلاء الذين لم يطوفوا بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة
لأجل أنهم طافوا بالصفا والمروة قبل الرواح إلى منى ، بأن يطوفوا بالبيت
طواف النقل لأجل تقديم السعى ، وتقديم السعى جائز بعد أن يكون مسبوقاً
بطواف كطواف القدوم أو طواف النفل ، فكان الغرض أنهم لم يعيدوا السعى
مرةً أخرى .
وفى "العرف الشذى" من إملاء الشيخ .. قدس الله روحه .- ما معناه: أنه
ظهرلى فى شرح حديث جابر عند مسلم وما يضاهيه من الروايات : أن السعى
الواحد لنسك واحد كاف (أى لا يحتاج إلى سعى آخر) ، وهذا أمر متفق بين
الأمة. قال: ثم وجدت إشارةً خفيةً من الإمام الطحاوى اهـ.
قال الراقم : والعبارة فى غاية الاختصار، وربما يكون غرض الشيخ ما
قلته آنفاً بقولى : " ويحتمل الخ". وما ذكره الشيخ من إشارة الطحاوى
فلعله يريد به ما قال فى ( باب القارن الخ ) بعد رواية أبى الزبير عن جابر :
"وإنما أراد جابر بهذا أن يخبرهم أن السعى بين الصفا والمروة لا يفعل فى طواق
يوم النحر ولا فى طواف الصدر كما يفعل فى طواف القدوم"، وليس فى شى
من هذا دليل على أن ما على القارن من الطواف لعمرته وحجته هو طواف
واحد أو طوافان اهـ .
قال الراقم: ولعل الغرض أن القارن إذا سعى بعد طواف القدوم لا يسعى

٣٩٢
بحث السعى وتعدده للقارن
مرة أخرى بعد الإفاضة والصدر. وذكر أرباب المناسك كما فى " الباب"
وشرحه وغيره : إن المستحب للقارن أن يقدم سعى الحج فيسعى بعد القدوم
كما أن المستحب للمفرد والمتمتع تأخير السعى إلى ما بعد الإفاضة، وأرجو الله
أن أكون مصيباً فى فهم غرض الإمام الطحاوى وغرض الشيخ رحمهما الله
واللّه سبحانه أعلم بالصواب .
وقال شيخ مشائخنا المحمود كما حكاه شيخنا العثمانى فى " فتح الملهم"
(٣ - ٢٥٣): حديث جابر أدل على وحدة السعى للمتمتع من القارن ،
فكلنا مطالب بالجواب عنه ولدفع المعارضة بين حديثه وحديث ابن عباس
فى الصحيح. وشيخنا العثمانى رجح حديث أبى الزبير عن جابر عند مسلم على
حديث عطاء عنه ، ثم وجهه توجيهاً آخر فراجعه . وقد طال البحث وطاب ،
فأحب أن ألخص مقاصده وآتى بالصفوة واللباب رغبةً فى الضبط , تيسيراً على
الألباب، والله هو الموفق للصواب .
الأول : إن مسألة تعدد السعى والطواف ووحدتها للقارن خلافية قديمة
من أقدم عصورها ، وفى كل جانب جماعة من الصحابة والتابعين كما ذكره
الترمذى، فذهب عمر وعلى وابن مسعود وسيدا شباب أهل الجنة وكبار التابعين
من أهل الكوفة كعلقمة والأسود والشعبى والنخعى وشريح وغيرهم : إلى
التعدد ، وهو مذهب الأئمة وفقهاء الأمصار ، كأبى حنيفة وسفيان والأوزاعى
وأحمد فى رواية . وذهب ابن عمر وجابر وعائشة وعطاء والحسن وطاؤس: إلى
الوحدة ، وإليه ذهب مالك والشافعى وأحمد فى المشهور .
الثانى : إن هؤلاء انفقوا جميعاً على أن القارن يطوف طواف القدوم وهو
سنة ، وطواف الإفاضة وهو فرض ، وطواف الصدر وهو واجب أو سنة
:

٣٩٤
معارف السنن
ج - ٦
مثل الواجب، ورسول اللّه ◌َلالٍ طاف ثلاثة أطوفة، فاتفقوا فى الأخيرين على
محمل منفق ، واختلفوا فى الأول ، فعند من قال بالتعدد هو العمرة ،
وتداخل فيه القدوم . وعند القائلين بالوحدة هو القدوم ، فكان الاختلاف فى
تخريج الأول .
الثالث : إن حجة الأولين أخبار وآثار :
منها : حديث الصبى بن معبد التغلبى عند أبى حنيفة فى " مسنده" ،
وفى روايته تفصيل كمذهبه، ورواه مختصراً الطيالسى وأحمد واسماق وابن أبى شيبة
وابن حبان وآخرون . وفى رواية أبى حنيفة ابراهيم النخعى عن عمر والصبى
مرسلا ، ولكن مراسيل النخعى مقبولة ، كما حققه ابن عبد البر وغيره .
واستدلال الأئمة أبى حنيفة والثورى والأوزاعى وغيرهم أمارة صحة الحديث
عندهم .
ومنها : حديث على فى "كبرى النسائى" واعترف الحافظ فى " الدراية "
بتوثيق رجاله ، وعلى الأقل أنه حسن ، وتأول الشافعى فى متنه ، وذلك دليل
على صحة إسناده عنده .
ومنها : حديث ابن عمر عند الدارقطنى ، وفيه الحسن بن عمارة ،
والحديث يصلح شاهداً .
ومنها : حديث عمران بن حصين، وفيه محمد بن يحيى، وهو ثقة عند
ابن حبان .
ومنها: حديث ابن مسعود عند الدارقطنى، وفيه أبو بردة عمرو بن زيد،
ذكره ابن حبان فى الثقات .
وأما الآثار : فعن على فى "كتاب الآثار" الشيبانى والطحاوى والبيهفى

٣٩٥
بيان أدلة القائلين بوحدة السعى للقارى
فى " المعرفة"، وله أسانيد متعددة، وسكت عليه الحافظ فى " الدراية"،
وسكوته دليل على قبوله عنده . وعن ابن مسعود عند ابن أبى شيبة ، وسكت
عليه صاحب "الدراية" ويكفى للاحتجاج ما عن على وعبد الله، والكوفيون أعلم
الناس بحديثها . وعن الحسن بن على عند ابن أبى شيبة، وفيه الحجاج بن
أرطاة ، وحديثه حسن ، وسكت عليه فى " الدراية" . وعن الحسين بن على
عند ابن حزم فى " المحلى" وإسناده لا بأس به .
وحجة الآخرين أحاديث عائشة وابن عمر وجابر فى " الصحيحين" ،
وفى حديث كل من هؤلاء على الرغم من صصة أسانيدها مغامز معنوية وعلل
قادحة ، من تعارض الكلمات واختلاف التعبيرات ، والسابقين محامل صحيحة
لها ، يجمع بها وبين الروايات السابقة من غير أى تضاد وتضارب. وحديث
ابن عمر مختلف رفعاً ووقفاً ، وخالف الدراوردى فى رفعه من هو أوثق منه ،
وروايته عن عبيد الله العمرى منكر عندهم كما يقوله النسائى وأبو زرعة وابن
سعد، فإذا صح موقوفاً فموقوف مثل ابن أم عبد أولى منه بالحكم ، وروايته
فى "الصحيح" فى (باب القارن) لا يوافق أحداً من الجمهور، وحديث جابر فى
"صحيح مسلم" فيه لفظ يخالفهم جميعاً، فكيف يستقيم الاستدلال به ؟ وحديث
جابر عند أبى داود يعارضه حديث ابن عباس عند البخارى، وفيه تعدد السعى
المتمتع، فیقدم على رواية جابر لكونه أصح .
الرابع : إن تخريج أرباب الصحاح لروايات لا يكون وجهاً للترجيح
بأن يكون حجة على الأولين حيث احتجوا بروايات آخرين قبل هؤلاء ،
وهؤلاء المؤلفون اختاروا مذهباً فقهياً قبل عهد التأليف ، وانحازوا إلى جهة ،
ثم اختاروا روايات لتأييدها فأخرجوها فى كتبهم ، فكيف يكون هذا حجة
على السابقين حين ذهبوا إلى ما ذهبوا قبل أن يخلق هؤلاء ؟

٣٩٦
معارف السنن
ج - ٦
الخامس : إن الكثرة الغامرة من المهاجرين والأنصار كانوا متمتعين ،
والقارنون أقل قليل، والمتمتعون عليهم طوافان وسعيان، فكيف يصح قول عائشة
وابن عمر على الظاهر؟ وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة إنما طافوا طوافاً ،
والغرض منه من لم يتحلل فى البين سواء كان متمتعاً سائق الهدى أو كان قارناً ،
والأول عليه طوافان وسعيان عند الجميع، مع أن هذه اللفظة متأولة عند الكل
حيث إن الطواف لم يكن واحداً بل ثلاثة .
السادس : إن أهل الكوفة أعلم الناس بحديث على وحديث عبد الله
ووصلت أحاديث هؤلاء ناضجة إلى أبى حنيفة ، فهو أحق بها وأهلها، وأعرف
بها من غيرهم ، فليس لأحد أن يزاحمهم أو يقاومهم ، والله ولى التوفيق
السابع : إن الصحابة المشاهدين كان القصد فى روايتهم ما أدى إليه
الحس والمشاهدة بالأبصار دون البحث عن الملاحظ والأنظار ، وإنما ذلك
وظيفة الفقهاء يكشفون عن الأغراض ويبحثون عن الأسباب وتطبيقها بالقواعد،
ويراعون فى ذلك القرائن الخارجية ، ولا يقتنعون بمحض الكلمات والتعبيرات
ولما كان عدم التحلل فى البين للقارنين وسائقى الهدايا وحلوا بطواف واحد
لهما جميعاً جاء التعبير هكذا، فقال: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة
فطافوا لهما طوافاً واحداً ، والمتمتع حل فى البين، فأفرزوا فى البيان ، كل نسك
بطوافه بالبيت وبالصفا والمروة .
الثامن : إنه لما اختلفت الروايات وقع الرجوع إلى أقوال الصحابة
وكبارهم ، فالإمام أبو حنيفة ومن وافقهم نظروا إلى مثل عمر وعلى وعبد الله
دون عائشة وابن عمر وجابر بن عبد الله، فاختاروا ما اختاروا . ومن كان
هؤلاء أسوتهم لم يخطئوا بل أصابوا المحز وطبقوا المفصل ع :
إذا قالت حذام فصدقوها . فإن القول ما قالت حذام

٣٩٧
فائدة فى منشأ الاختلاف فى روايات حجه فعَّالية
فائدة : ربما يظن أحد من الجهال ظن سوء على رواة الحديث من هذه
الاختلافات المدهشة فى الحجة الواحدة ، فقد تنبه ل فى أقدم العصور مثل
الإمام الشافعى ، وأجاب عن هذه الاختلافات بتوجيه يطمئن به قلب المنصف،
وها أنا أ ذكره بلفظ الإمام الخطابى، وإن كنت قد أزحت أمثال هذه الشبه الواهية
فى المقدمة، فأكتفى الآن بما قاله رحمه الله. قال فى كتابه " معالم السنن" (٢ -
١٦٠): غير أن جماعة من الجهال ونفراً من الملحدين طعنوا فى أحاديث رسول
اللّه عَّلٍ وفى أهل الرواية والنقل من أئمة الحديث وقالوا: لم يحج النبى وَلَ}
بعد قيام الإسلام إلا حجنة واحدة ، فكيف يجوز أن يكون فى تلك الحجة
مفرداً وقارناً ومتمتعاً ؟ وأفعال نسكها مختلفة، وأحكامها غير متفقة، وأسانيدها
عند أهل الرواية ونقلة الأخبار جياد صاح ، ثم قد وجد فيها هذا التناقض
والاختلاف، يربدون بذلك توهين الحديث ، والإزراء به ، وتصغير شأنه ،
وضعف أمر حملته ورواته .
قلت: لو يسروا للتوفيق وأعينوا بحسن المعرفة لم ينكروا ذلك ولم يدفعوه،
وقد أنعم الشافعى بيان هذا المعنى فى كتابه " اختلاف الحديث" وجود الكلام
فيه، وفى اقتصاصه على كماله ، والوجيز المختصر من جوامع ما قاله فيه :
إن معلوماً فى لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به كجواز إضافته إلى
الفاعل له ، كقولك : " بنى فلان داراً" إذا أمر ببنائها، و"ضرب الأمير
فلاناً" إذا أمر بضربه. وروى رجم رسول اللّه عَ ل﴾ ماعزاً وقطع سارق
رداء صفوان ، وإنما أمر برجمه ولم يشهده ، وأمر بقطع يد السارق ، ومثله
كثير فى الكلام. وكان أصحاب رسول اللّه بِّلي منهم المفرد ومنهم القارن
والمتمتع، وكل منهم يأخذ عنه أمر نسكه ، ويصدر عن تعليمه ، فجاز أن
بفساف كلها إلى رسول اللّه ◌َلالٍ على معنى أنه أمر بها وأذن فيها ، وكل قال

٣٩٨
معارفه السين
ج - ٦
صدقاً وروى حقاً ، لا ينكره إلا من جهل وعاند ، والله الموفق.
قلت: ويحتمل ذلك وجهاً آخر ، وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول :
"لبيك بحج" فحكى أنه أفردها ، وخفى عليه قوله : " وعمرة"، فلم يحك
إلا ما سمع وهو عائشة ، ووعى غيره الزيادة فرواها وهو أنس حين قال :
سمعت رسول اللّه عَ لٍ يقول: "لبيك بحج وعمرة"، ولا تنكر الزيادات فى
الأخبار كما لا تنكر فى الشهادات، فإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافياً
لقول صاحبه ، فأما إذا كان مثبتاً له وزائداً عليه فليس فيه تناقض ولا تدافع .
وقد يحتمل أيضاً : أن يكون الراوى سمع ذلك يقوله على سبيل التعليم لغيره
فيقول له : "لبيك بحجة وعمرة" يلقنه ذلك، وأما من روى أنه تمتع بالعمرة
إلى الحج فإنه قد أثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وأثبت ما رواه
أنس من العمرة والحج ، إلا أنه أفاد الزيادة فى البيان والتمييز بين الفعلين
بإيقاعها فى زمانين ، وهو ما روته حفصة ، روى عنها عبد الله بن عمر أنها
قالت: ((يا رسول الله! ماشأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال :
إني لبدت رأسى وقلدت ھدبى، فلا أحل حتى أنحر، فثبت أنه كان هناك عمرة.
إلا أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضى شيئاً من عمل العمرة فصار فى حكم
القارن ، وهذه الروايات على اختلافها فى الظاهر ليس فيها تكاذب ولا تهاتر،
والتوفيق بينها ممكن ، وهو سهل الخروج غير متعذر والحمد لله اهـ .
قال الراقم : وزد على ذلك أن القوم كانوا فى غاية الكثرة كما أشرنا إليه
نحو مائة ألف على ما يقال. والعبادة من مناسك الحج لم يعهد لهم علم بأحكامها
وكانوا يأخذون المناسك فى نفس هذه الرحلة ، والحديث أسلوبه أسلوب
الحديث والخطاب فى المجالس ليس على شاكلة التأليف والكتابة ، فيكون
أشياء فى الواقع هناك تكون لها مخائل وقرائن لفهم الغرض والعون على إدراك

٣٩٩
بيان توقد الصحابة والذكاء البالغ فى فهم الحقائق
( باب ما جاء أن يمكث المهاجر بمكة
بعد الصدر ثلاثاً)
الحقائق ، وإذا نقل إلى التأليف فقدت تلك المخائل ، فأشكل فهمها، والإسناد
حقيقى ومجازى، ومنهم قارن ومنهم متمتع، ولكل منهما أحكام مختلفة. فبطبيعة
الحال جاء هذا الاختلاف ، فالاختلاف طبيعى غير غريب ، وإنما الغريب
فهمهم لإدراك هذه الحقائق الدينية أول مرة، واتفاقهم على المغزى من المقاصد ،
وضبطهم ومشاهدتهم لهذه الأفعال والأعمال ، وبلوغهم إلى غاية من الذكاء
والتيقظ . فضبطوا عملاً عملاً، وفهموا شيئاً شيئاً، وهذا شى عجيب وأمر
غريب، وكل ذلك من خصائص هذه الأمة وميزاتها ، وصفاء طبائع هؤلاء
الصحابة الذين تجلت أذهانهم وأفهامهم ببركة صحبته حبكل ، فوصلوا إلى مرتبة
من الذكاء وصفاء القلوب وجلاء الأرواح وتهذيب النفوس ١٠ لا يجارى ولا
يبارى، والله سبحانه ولى التوفيق إلى فهم هذه الحقائق الشرعية وتاج اليقين إلى
إدراكها وبلج الجبين بمعانيها، فكان الأمر كما قال قائلهم، وهو ابن بابك الكندى:
من أم بابك لم تبرح جوارحه . تروى أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة، والقلب عن جابر والسمع عن حسن
، فلتكن هذه الحقائق أمام الباحث الخبير. ولتكن هذه الملاحظ بين يدى
العدل البصير .
- باب ما جاء أن بمكث المهاجر بمكة بعد الصدر ثلاثاً :-
أخرج الترمذى فى الباب حديث العلاء الحضرى ، وهو حديث متفق
( م - ٧٩)

٤٠٠
معارف السنن
ج - ٦
حدثنا: أحمد بن منيع ناسفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد سمعت
السائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرى يعنى مرفوعاً قال: ((بمكث المهاجر
بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثاً )) .
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى من غير هذا الوجه
بهذا الإسناد مرفوعاً
عليه من رواية البخارى فى ( باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ) من
كتاب مناقب الأنصار (١ - ٥٦٠) ومسلم فى كتاب الحج. ولفظ البخارى
سمعت العلاء الحضرمى قال: قال رسول اللّه حَ الٍ: ((ثلاث للمهاجر بعد
الصدر)). والعلاء الحضرى اسمه: عبد الله بن عمار، صحابى جليل، ولاه النبى
حَ لِّ البحرين، وكان مجاب الدعوة، ومات فى خلافة عمر رضى الله عنهما.
هذا ملخص ما قاله فى "الفتح" (٧ - ٢٠٨) و " العمدة" (٨ - ١٢٧).
و "الصدر" بفتح الصاد والدال المهملتين، ومعناه لغةً هو: رجوع
المسافر من مقصده، والشاربة من الورد، وبابه "نصر"، ومثله: "الصدور"،
وأريد به هنا : رجوع الحاج من منى ، والغرض منه طواف الوداع ، ويسمى
طواف الصدر ، وكان إقامة المهاجر بمكة حراماً ثم أبيح بعد قضاء النسك ثلاثة
أيام . قال النووى : معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان
مكة ، وحكى عياض أنه قول الجهمور، قال: وأجازه لهم جماعة بعد الفتح،
فحملوا هذا القول على الزمن الذى كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه . واتفق
الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم ، وأن سكنى المدينة كان
واجباً لنصرة النبى نَّلّ ومواساته بالنفس. وأما غير المهاجرين فيجوز له
سكنى أى بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق ، كما فى " العمدة"