النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
بیان آن عمرة رمضان تعدل حجة و وجهه
وفى الباب عن ابن عباس وجابر وأبى هريرة وأنس ووهب بن محنبش.
قال أبوعيسى : ويقال: هرم بن خنبش. قال بيان وجابر: عن الشعبى عن
وهب بن خنبش . وقال داود: عن الأودى عن الشعبى عن هرم بن خنبش ،
ووهب أصح .
أو نحواً مما قال. ولفظ مسلم: ((فإن عمرة فيه تعدل حجة)). وفى رواية
أخرى له: ((فعمرة فى رمضان تقضى حجة أو حجة معى)). وكذا ورد فى
حديثه عند ابن حبان فى " صحيحه": ((عمرة فى رمضان تعدل حجة معى))،
كما فى "الفتح"، وذكره فى "العمدة" وليس فيها كلمة: " معى". وكذا
وقعت كلمة: "معى" فى حديث ابن عباس فى " سنن أبي داود": ((أنها تعدل
حجة معى )) بالجزم .
ثم فى روايات البخارى ومسلم وأبى داود قصة فى الحديث، ويدل سياقها
على تعدد كما حققه المحب الطبرى فى "القرى" ثم البدر والشهاب . قال أبو بكر
المعافرى : وحديث العمرة فى رمضان حديث صحيح مليح فضل من الله ونعمة
أدركت العمرة منزلة الحج معه جَلٍ بانضمام رمضان إليها. وقال أبو الحسن
على بن خلف القرطبى قوله: "كحجة" يريد فى الثواب، والفضل لا يدرك
بقياس ، والله يؤتى فضله من بشاء ، حكاهما الطبرى فى " القرى".
وقال ابن خزيمة : إن الشّ يشبه بالشئى، ويجعل عدله إذا أشبهه
فى بعض المعانى لا جميعها ، لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر .
وقال ابن العربى مثل ما قاله أبو بكر المعافرى ، وقال ابن الجوزى : فيه أن
ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد، حكى
القولين البدر العينى فى "العمدة" (٥ - ١٣) والحافظ فى "الفتح". وقال الحافظ فى
٣٤٢
معارف السنن
ج - ٦
وحديث أم معقل حديث حسن غريب من هذا الوجه . وقال أحمد
واسحاق: قد ثبت عن النبي ◌ِّالج: ((أن عمرة فى رمضان تعدل حجةً)). قال
" الفتح" (٣ - ٤٨٢): فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة فى رمضان تعدل
الحجة فى الثواب، لا أنها تقوم مقامها فى إسقاط الفرض للإجماع على أن الإعتمار
لا يجزئ عن حج الفرض .... وقال ابن التين: قوله: "كحجة" يحتمل
أن يكون على بابه ، ويحتمل أن يكون البركة رمضان ، ويحتمل أن يكون
مخصوصاً بهذه المرأة . قال الحافظ : وقد قال به بعض المتقدمين ، أى سعيد
ابن جبير، والظاهر حمله على العموم اه مختصراً. وكلام الإمام ابن راهويه
ذكره الترمذى .
قال الراقم : إن الله سبحانه خص رمضان بنزول القرآن ، وخصه بليلة
القدر بنص القرآن ، وخصه بمضاعفة الفرض سبعين فرضاً فى غيره ، وخصه
يجعل أجر النفل مثل أجر الفريضة فى غير رمضان بنص حديث أخرجه البيهقى فى
" شعب الإيمان " من حديث سلمان، وكذلك رواه ابن خزيمة فى " صحيحه "
وابن حبان ، کما قاله المنذری فی " الترغيب" إلى غير ذلك من مزايا رمضان
التى وردت فى أحاديث صحاح، فكذلك إن خصه الله بهذه المزية بأن تكون
عمرة فى رمضان تعدل حجة أو حجة معه عَّله فلا غرو ولا بعد فى فضل الله
سبحانه ، والله ذو الفضل العظيم .
قال الحافظ فى "الفتح" ما ملخصه: لم يعتمر النبى ◌ّلل إلا فى أشهر الحج،
وقد ثبت فضل العمرة فى رمضان، ولعل العمرة فى رمضان أفضل لغيره عَ ل} ،
وكان الأفضل فى حقه العمرة فى أشهر الحرم لاستيصال شأفة الجاهلية من منع
العمرة فعلاً وقولاً. وذكر ابن القيم : أن عدم اعتماره فى رمضان لعل ذلك
لأجل اشتغاله بما هو أهم من العمرة وخشى على الأمة من المشقة ، وقد كان
٣٤٣
بحث العمرة فى رمضان
اسماق: معنى هذا الحديث مثل ما روى عن النبى معَ لّ أنه قال: ((من قرأ
" قل هو الله أحد" فقد قرأ ثلث القرآن)).
يترك العمل ، وهو يحب أن يعمله خشية الافتراض وخشية المشقة ، هذا ملخص
ما قالاه .
قال الراقم - وبالله التوفيق -: إن جميع الأسئلة عنه فَ له وجميع ما أرشده
إليه ◌َكلّ كانت فى السنة العاشرة عند حجة الوداع، إما قبل الحج وإما بعده ،
فالأسئلة متكررة والقضايا متعددة، سواء كانت حديث أم معقل، أو أم سليم، أو
أم الهيثم ، أو أم طلق أو طليق ، أو أم سنان الأنصارية ، أو امرأة مبهمة .
وعلى الأقل أربع وقائع كما حققه المحب الطبرى، ولم يثبت بيانه محمد لي قبل ذلك
فى فضل عمرة فى رمضان . فلعل الله سبحانه تفضل بذلك فى حجه وأوحى إليه
بهذه الفضيلة تسكيناً القلوب التى تململت بحرمانها عن الحج معه حَ اجٍ وشفاء"
لغليلها ، كما أخرج ابن حزم فى حجة الوداع الكبرى بسنده ، كما يقوله المحب
الطبرى: قالت: ((تهيا رسول اللّه عَل لحجة الوداع وأمر الناس بالخروج معه
وأصابتهم هذه القرحة : الجدرى أو الحصبة ، قالت: فدخل عليها ما شاء الله
أن يدخل لمرض أبى معقل ومرضت معه، فقال رسول اللّه صَلٍّ: أما إذا
فاتتك هذه الحجة معنا يا أم معقل فاعتمرى عمرة فى رمضان فإنها تعدل حجة)) ،
فهذه وأمثالها من عاقه عن الحج معه وحبسه العذر نزل عليه فَّ الوحى بهذه
الفضيلة فى هذه السنة فى شأن هؤلاء أولاً خاصة، ثم عم هذا الفضل الناس
كافة، وتوفى الله نبيه محَ﴾﴾ قبل أن يأتى عليه رمضان فلم يعش عَلَ إلى عام
قابل حتى يعتمر فى رمضان، وجميع أعمال الأمة يكتب أجرها له مَّ اءٍ حيث
( م - ٧٣ )
٣٤٤
معارف السنن
ج - ٦
كان هو الباعث ، وهو الهادى، وهو الآمر ، وهو الداعى، عليه صلوات
الله وسلامه .
ثم كم أحاديث قولية فى الترغيب ولا يكون فيها حديث فعلى، أو يكون
قليلا جداً مثل صلاة التسبيح وصلاة الضحى ، وما إلى ذلك . وأرجو أن
يكون هذا ألطف مما قاله الحافظان ابن القيم وابن حجر، والله المستعان . ولو
ثبت سماع هذا الحديث قبل حجة الوداع بسنين لكان لما قالاه وجه .
قال المحب الطبرى فى "القرى" ( ص - ٥٦٦): وفى أحاديث هذا
الفصل دليل على استحباب تكرار العمرة من وجهين: الأول: أن النكرة فى سياق
التفضيل، الظاهر منها إرادة العموم، فإنك إذا قلت: "رجل من بني تميم يعدل
قبيلة من غيرها " لم يتبادر إلى الفهم إلا أن كل واحد منها كذلك ، فكذلك
كل عمرة فى رمضان . الثانى: أن المراد بعمرة فى رمضان إما أن يقال : كل
عمرة لكل أحد ، أو عمرة لكل أحد، أو عمرة لواحد لا بعينه. والأول هو
المطلوب، والثالث غير مراد بالاتفاق، والثانى لازم للأول، فيتعدى الحكم .
بيان الملازمة: إن اتصاف الفعل بالفضل إنما نشأ من جهة الزمان لا محالة،
فإذا ثبت لفعل لزم ثبوته لمثله وإن تكرر لقيام موجب الصفة ولعدم جواز
تخلف الحكم عن مقتضيه ، ومن ادعى تخصيصها بعدم التكرار ، أو تخصيصها
بالمخاطبة ، أو بميقات دون غيره ، أو معارضاً ، فعليه البيان اهـ . وقد أسلفنا
بيان المذاهب فى تكرار العمرة ، فأجازها أبو حنيفة والشافعى ، وكرهه مالك
إلا مرةً فى سنة، وأحمد فى أقل من شهر. وهذا الباب لم يذكره فى " العرف
الشذی »
٣٤٥
تحقيق الإحصار وبيان المذاهب
( باب ما جاء فى الذى بهل بالحج فيكسر أو يعرج)
حدثنا : اسحاق بن منصور ناروح بن عبادة نا حجاج الصواف نا يحيى
ابن أبى كثير عن عكرمة قال : حدثنى الحجاج بن عمرو قال : قال رسول الله
-: باب ما جاء فى الذى يهل بالحج فيكسر أو يعرج :-
أخرج فى الباب حديث الحجاج بن عمرو ، وقد أخرجه أبو داود فى
" سفنه" فى ( باب الإحصار )، وابن ماجه فى ( باب المحصر). وكلمة :
" فيكسر" مجهول من الكسر، و "يعرج" معلوم من العرج فى ترجمة الباب ،
وكذلك وقع فى متن الحديث : "كسر" مجهولاً" و " عرج" معلوماً. وعرج
هنا من باب "سمع": من كان أعرج ، وله أبواب ثلاثة ، ويختلف معانيه
باختلاف الأبواب. قال الجوهرى فى " الصحاح": عرج فى الدرجة والسلم
يعرج عروجاً: إذا ارتقى - وبابه نصر -. وعرج أيضاً: إذا أصابه شى فى
رجله فخمع ومشى مشبة العرجان وليس بخلقة - أى بابه ضرب - ، فإذا كان
خلقة قلت : عرج - بالكسر - فهو أعرج بين العرج من قوم عرج وعرجان
- بالضم فيها - يريد بابه سمع ، وحكى فى " القاموس " من باب نصر أيضاً
فى المعنى الثانى، أى مشية العرجان ، وقال : أو يثلث فى غير الخلقة .
واختلف الأئمة فى مسألة الباب فى موضعين: معنى الإحصار، وحكم
الإحصار . فالمشهور عن أكثر أهل اللغة - منهم : الأخفش والكسائى والفراء
وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن السكيت وثعلب وابن قتيبة وأبو اسحاق وغيرهم -:
أن الإحصار إنما يكون بالمرض ، وأما بالعدو فهو الحصر . وبهذا قطع النحاس
كما فى " الفتح" بزيادة . وقيل : الحصر والإحصار واحد ، وإليه ذهب ابن
القوطية وابن القطاع وأبو عمرو الشيبانى والأزهرى كما فى "التاج" بتلخيص ،
٣٤٩
معارف السنن
ج - ٦
مَ: ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى))، فذكرت ذلك
لأبى هريرة وابن عباس فقالا : صدق .
فيكون بمرض أو عدو، وقيل بعكس الأول ، وإليه ذهب الشافعى ، وعليه
ظاهر القرآن حيث سمى الله صد العدو إحصاراً . وفى " الصحاح" الجوهرى :
قال ابن السكيت: أحصره المرض : إذا منعه من السفر، أو من حاجة يريدها ،
قال الله تعالى: (فإن أحصر تم ٥)، قال: وقد حصره العدو بحصرونه : إذا
ضيقوا عليه وأحاطوا به، وحاصره محاصرةً وحصاراً اهـ، فهذا من جهة اللغة.
وأما من جهة الفقه ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثورى :
يتحقق حكم الإحصار والحصر بأى حابس من مرض وكسر وعرج وعدو وذهاب
نفقة ونحوها ، وإليه ذهب ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير
وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة ومجاهد والنخعى وعطاء ومقاتل بن حيان .
وقال مالك والشافعى وأحمد واسماق : لا یکون الإحصار إلا بالعدو ، ولا يكون
بالمرض ، وإليه ذهب الليث، وهو قول عبد الله بن عمر . وهذا ملخص ما
ذكره العينى فى " العمدة" (٥ - ٣٨ و ٣٩).
ويقول الحافظ المحقق المارديني فى "الجوهر النقي" (١ - ٣٥٨):
وأكثر أهل اللغة على أن الإحصار بالمرض ، والحصر بالعدو ، فوجب استعمال
اللفظ فى حقيقته ، وهو المرض ، ويدخل فيه العدو بالمعنى ، ولما كان سبب
نزول الآية العدو وعدل عن لفظ " الحصر" المختص بالعدو إلى " الإحصار "
المختص بالمرض دل على أنه أريد باللفظ ظاهره وهو المرض ، ولما حل عليه
السلام وأمر به أصحابه دل على أن الحصر من حيث المعنى كذلك ، وأيضاً لما
أجاز الإحلال بالعدو لتعذر الوصول إلى البيت وذلك المعنى موجود فى المرض
ساواه فى حكمه، ولهذا لو حبس فى دين أو غيره فتعذر وصوله كان كالمحصر،
٣٤٧
تحقيق أن الإحصار عام من العدو والمرض
حدثنا: اسحاق بن منصور نا محمد بن عبد الله الأنصارى عن الحجاج
مثله، قال: وسمعت رسول اللّه عَ لَ﴾ يقول.
ولو منعها من حج التطوع بعد الإحرام جاز لها الإحلال انتهى كلامه ، وهو
كلام كله فقه وتحقيق ، وهو مأخوذ من كلام الإمام أبى بكر الرازى الجصاص
فى " أحكام القرآن"، فيقول: ولما ثبت بما قدمته من قول أهل اللغة أن اسم
" الإحصار" يختص بالمرض، وقال الله تعالى: ( فإن أحصرتم فما استيسر من
الهدى O) وجب أن يكون اللفظ مستعملاً فيما هو حقيقة فيه ، وهو المرض،
ويكون العدو داخلة فيه بالمعنى، ثم ذكر عن الفراء : أن الإحصار فيها ،
فقال: لوصح لكان عموماً فيهما موجباً للحكم فى المريض والمحصور بالعدو جميعاً.
ثم ذكر ما خلاصته : إن نزول الآية وإن كان فى شأن الحديبية حين
كان ◌َّالج وأصحابه ممنوعين بالعدو، ولكن مع هذا عدل الله سبحانه عن اللفظ
المختص بالعدو ، وهو الحصر إلى الإحصار المختص بالمرض ، وذلك لأجل إفادة
الحكم فى المرض استعمالاً اللفظ على ظاهره، وأمرهم بالإحلال وأحل هو إرادة
لحصر العدو من طريق المعنى لا من جهة اللفظ ، فكان النزول مفيداً للحكم فى
الأمرين ، وإلا كان التعبير وقع بلفظ مختص وهو "الحصر"، ولو ثبت أن
الإحصار للمعنيين لم يكن نزولها على سبب موجباً للاقتصار عليه ، بل الواجب
فى مثله اعتبار عموم اللفظ دون السبب، ثم ذكر ما يدل عليه من السنة بإسناده
حديث الحجاج بن عمرو الأنصارى ، وقال : معنى قوله : " فقد حل " فى
الحديث فقد جاز له أن يحل، كما يقال : حلت المرأة الزوج ، يعنى جاز لها
أن تتزوج اهـ .
والغرض أن الله سبحانه بين الحكم فى الصورتين معاً، فى صورة المرض
٣٤٨
معارف السنن
ج - ٦
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن، وهكذا رواه غير واحد عن الحجاج
الصواف نحو هذا الحديث .
وروى معمر ومعاوية بن سلام هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن
عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج بن عمرو عن النبى عَّجُلِّ هذا الحديث،
باللفظ ، وفى العدو بالواقعة ، فاشتملت الآية الكريمة على حكم نومى الحصر
والإحصار جميعاً. ثم الواقعة كانت مشاهدة محسوسة وحقيقة ملموسة ، واقعة
تاريخية عظيمة كبرى مشهودة بالأبصار ما كان لها أن تنسى وتذهل ، وكان
دلالة اللفظ يمكن أن ينكر عنها لأجل شأن النزول فى المرض وكل حابس ،
فبينه النبي ◌ِّله بقوله فى حديث الحجاج بن عمرو وغيره امتثالاً لقوله تعالى:
( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ٥).
ويقول الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبرى فى " تفسيره" الذى لا عدبل له
ولا مثيل بعد تفصيل طويل : وأولى التأويلين بالصواب فى قوله تعالى: ( فإن
أحصرتم ) تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو أو مرض أو علة
عن الوصول إلى البيت أى صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم فتحبسونها
عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة ، فلذا قبل : أحصرتم
إلى آخر ما قال فراجعه . ويقول الراقم : أى بعد فى أن يكون الحبس بالعدو،
والوحى ينزل بلفظ يدل على المرض اشتراكاً فى العلة لكى يتبين الحكم فى كل
صورة، وقد بينه ◌َّ ﴾، فيكون قوله بياناً للقرآن العظيم ، فخذ البحث محرراً
وكن من الشاكرين .
وحديث الباب حجة لأبى حنيفة فى تعميم حكم الإحصار العدو والمرض
وكل حابس. قال شيخنا: وإليه ذهب البخارى. وحجة الآخرين حديث
٣٤٩
بيان المذاهب فى حكم الإحصار
وحجاج الصواف لم يذكر فى حديثه عبد الله بن رافع، وحجاج ثقة حافظ عند
أهل الحديث ، وسمعت محمداً يقول : رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح.
حدثنا : عبد بن حميد نا عبد الرزاق نا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن
عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج بن عمرو عن النبى حل له نحوه.
ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، والزبير هذا عم رسول اللّه فَ له، والحديث
وإن أخرجه البخارى غير أنه لم يخرجه فى الحج ، وسيأتى ما يتعلق به فى
الباب اللاحق .
وأما الاختلاف فى حكم الإحصار، فقال ابن مسعود وابن عباس: يبعث
دماً ويحل به إذا نحر فى الحرم ، وهو قول أبى حنيفة ومحمد ، أى يبعث الهدى
إلى الحرم ويعين وقتاً بمن يبعث على يديه للنحر والذبح، فيحل فى ذلك الوقت
ويخرج عن الإحرام ويقضى من قابل، إن حجاً فحج ، وإن عمرةً فعمرة .
والقول بوجوب القضاء قول النخعى ومجاهد والشعبى وعكرمة ، كما يقوله
الخطابى، وإن لم يتمكن من إرسال الهدى فلا يمكن له الخروج من الإحرام ،
وسواء فى ذلك العدو والمرض ، وليس عليه أن يحلق، لأنه قد ذهب عنه النسك
كله . وقال أبو يوسف : يحلق، وإن لم يحلق فلا شى عليه . وقال مالك
والشافعى وأحمد : إذا كان الحصر بعدو فإنه ينحر هديه حيث حصر ويتحلل،
أى يحلق أو يقصر، مثل الحاج والمعتمر وينصرف ولا قضاء عليه ، وأما الحصر
بالمرض فلا بحله إلا الطواف بالبيت إلا أن يشترط عند الإحرام ، كما يأتى فى
الباب الذى بعده .
وقد أجمعوا على أن المحصر بمرض أو ما أشبهه عليه القضاء ، هذا ملخص
ما قاله فى " العمدة" من غرر النقول من الطحاوى والجصاص وابن عبد البر
٣٥٠
معارف السنن
.ج - ٦
(باب ما جاء فى الاشتراط فى الحج)
حدثنا : زياد بن أيوب البغدادى نا عباد بن العوام عن هلال بن خباب
عن عكرمة عن ابن عباس: ((إن ضباعة بنت الزبير أتت النى عَلٍ فقالت:
و "قواعد ابن رشد"، ومن شاء بقية الخلافيات وبعض التفاصيل والأدلة
بقول ملخص فليراجع " بداية المجتهد " لابن رشد ، و"التفسير المظهرى"
للشيخ ثناء الله الفانى فتى (١ - ٢٢٤) فقد أجاد وأفادا رحمهما الله تعالى رحمةً
واسعةً ، ويضيق نطاق هذا الشرح عن أمثال هذه الأحكام الخلافية ، وقد توسع
النووى فى "شرح المهذب" فى الجزء التاسع من تفصيل جزئيات مذهبه فراجعه.
-: باب ما جاء فى الاشتراط فى الحج :-
أخرج فى الباب حديث ابن عباس فى قصة ضباعة بنت الزبير بن
عبد المطلب بن هاشم، والحديث أخرجه الشيخان من حديث عائشة، البخارى
أخرجه فى النكاح فى (باب الأكفاء ) بكلمة فى روايته، وهى قوله: ((وكانت
تحت المقداد بن الأسود))، وقد خفى على كثير محله فى الصحيح لإخراجه فى غير محله
المعروف عند القوم، فأنكروه وادعوا أنه ليس متفقاً عليه ، كالشيخ أحمد شاكر
والشيخ العثمانى صاحب " إعلاء السنن" وغيرهما. وأخرجه مسلم فى الحج من
حديث عائشة مثل البخارى، ومن حديث ابن عباس مثل الترمذى ، وأخرجه
ابن مخزيمة من حديث ضباعة نفسها ، كما فى " التلخيص الحبير ".
وحكم هذا الباب فقهاً كما تعرض إليه الإمام الترمذى من نقل خلاف
فيه . فاختلفوا فى هذا الاشتراط، فأجازه عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وعمار
وابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة وعطاء وعلقمة وشريح، وهو الأظهر
١٥٦
بحث الاشتراط فى الحج وبيان الأقوال فيه
يا رسول الله! إنى أربد الحج، أفأشترط ؟ قال: نعم ، قالت: كيف أقول ؟
قال: قولى: ((لبيك اللهم لبيك، محلى من الأرض حيث تحبسنى)).
عند الشافعى ، وهو قول أحمد واسحاق . وقال آخرون : لا عبرة به ولا حاجة
له، روى ذلك عن ابن عمر وعائشة، وهو قول النخعى والحكم وطائرس
وسعيد بن جبير، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك وسفيان الثورى قالوا: لا ينفعه
اشتراط ويمضى على إحرامه حتى يتم، كذا فى "العمدة" مختصراً (٩ - ٣٧٦).
وزاد ابن قدامة فى " المغنى" قول الزهرى أيضاً مع هذه الطائفة الأخيرة .
وفى "العمدة" (٥ - ٤٥) بعد تفصيل المذاهب: قلت: حكى الخطابى ثم
الرؤيانى من الشافعية الخصوص بضباعة اهـ .
ويذكر النووى فى "شرح المهذب" (٨ -٣١٠) ما يظهر منه أن الشافعى
فى كتاب المناسك نصه الجديد: عدم القول بصحة الاشتراط، وإنه لا يتحلل ،
ولكن البيهقى ومن بعده يلزمون إمامهم قولهم بالاشتراط، وابن عمر روايته فى
"الصحيح" صريحة فى عدم الاشتراط، ولفظه: ((إنه كان ينكر الاشتراط فى
الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة رسول الله (فَّامٍ؟)) رواه الشيخان. ويقول
البيهقى : عندى أن ابن عمر لو بلغه حديث ضباعة فى الاشتراط لم ينكره كما
لم ينكره أبوه . وحاصله : أن السنة مقدمة عليه اهـ .
أقول : هذه جرأة، فيحتمل أن يكون عند ابنه علم برأى أبيه من توجيه
لر أيه، فيكون كتطبيب لخاطرها وإزاحة لما كان يختلج فى صدرها من العوائق،
ولا شك أن المتبادر أن يكون الإبن أعلم على قول أبيه من البيهقى وغيره ،
وربما يكون له محملة لقول عمر لم يقف عليه البيهقى . وعلى كل حال لو كان عند
( ٢ - ٧٤ )
٣٥٢
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن جابر وأسماء وعائشة . قال أبو عيسى : حديث ابن عباس
حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم : يرون الاشتراط
ابن عمر السنة فى جهة وفى أخرى سنة أبيه لا بد أن يقدم سنة الرسول عليه
صلوات الله وسلامه على سنة أبيه رضى اللّه تعالى عنهما ، وتنقيح مذاهب
الصحابة فى غاية الدقة ، وشغف ابن عمر فى اقتداء سنته معروف لا ينكر حتى
كان يتبع رسول اللّه عَلٍ فى عاداته فضلاً عن عباداته. ثم ينقل ابن قدامة فى
" المغنى" عن أبى حنيفة: إن الاشتراط يفيد سقوط الدم ؛ وأما التحلل فهو
ثابت عنده بكل إحصار. وعلى هذه الرواية الاشتراط نافع عند أبى حنيفة ولم
يكن لغواً، مع ما فيه من تطبيب خاطرها بالدعاء بالعون والاعتراف بالعجز مع
بذل الجهد فى بلوغ الغرض من إتمام العبادة لما يخاف من عوائق المرض ، تريد
إنى يا رب خارجة رجاء عونك على البلوغ إلى قضاء نسكى ، فإن حبستی
دون ذلك فإنى إنما أمسك عن المادى، حيث حبستنى وسلبت قوتى على قضاء
نسكى ، كما يقوله القاضى أبو الوليد الباجى فى "المنتقى".
قال شيخنا رحمه الله: وافقنا الإمام البخارى فى مسألة الاشتراط حيث لم
يخرجه فى بابه، وإنما أخرجه فى النكاح، ومن آدابه وعاداته فى التراجم والأبواب:
أنه لا يعقد ترجمةً ولا باباً إذا لم يذهب إليه ، ونظير ذلك أنه أخرج حديث
الركعتين بعد الوتر جالساً ولم يبوب عليه ترجمةً ، ولم يخرجه فى أبواب الوتر
وإنما أخرجه فى السنة قبل الفجر، وهذا شئ يحتاج إلى تنبيه اهـ .
قال الراقم : وحكاه البدر العينى فى " العمدة" ( ٩ - ٣٧٦) عن ابن
المرابط، فقال: وزعم ابن المرابط أن عدم ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب
الحج دلالة على أن الاشتراط عنده لا يصح اهـ. ثم نظر فيه العينى، ولعل ذلك
٣٥٣
مسألة الاشتراط والأجوبة عن حديث ضباعة
فى الحج، ويقولون: إن اشترط فعرض له عرض أو عذر فله أن يحل ويخرج
من إحرامه، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق، ولم ير بعض أهل العلم
أن هذه العادة ليست مطردة ، وإن كانت أكثرية، كما يذكره شيخنا العثمانى
فى " فتح الملهم" (٣ - ٢٤٦).
وحكى شيخنا العثمانى كلاماً لشيخه المحمود ما صفوته ولبابه : إن معنى
عدم الاشتراط عند أبى حنيفة هو عدم تأثيره فى التحلل وعدم الحاجة إليه ،
لا أنه فعل عبث ، ففيه من فائدة عظيمة .
أما أولاً: فهو تسكين لقلبها حيث كانت مريضة وجعة تخاف من عدم
إتمام الحج، فلو اتفق لها المانع مفاجأة لكان أشق عليه وأنجع لها ، كما كان
التحلل فى الحديبية شق عليهم ، وكما شق عليهم فسخ الحج إلى العمرة .
وأما ثانياً : فإذا اشترطت ولاحظت عذرها والتحلل بسهولة عند طروء
العارض بمرض أو غيره كان نفوذها فى العمل أهون وأيسر ، ويكون قلبها
مطمئناً بأن المخاص لها موجود عند ظهور العوارض هان عليه الخطب وزال
القلق ، انتهى ملخصاً بتعبيرى وتحريرى .
وبالجملة مذهب أبى حنيفة ومالك والثورى أئمة عصر واحد وفقهاء
أمة: ذهبوا إلى عدم الاشتراط ، وهو قول الشافعى الجديد ، وعليه مثل
الخطابى والرؤبانى من أئمة الشافعية بحمل حديث ضباعة على الاختصاص .
وتعليل مذاهب الصحابة والتابعين فى الاشتراط غير مقطوع، ويحتمل محامل مختلفة ،
ونص التنزيل العزيز وكذا حديث الحجاج بن عمرو الأنصارى نص مطلق نحوى
قاعدة عامة خرجت مخرج التشريع العام، والوقائع الجزئية لا عبرة بها أمام القواعد
الكلية العامة حيث تحتمل محامل من الخصوصية، أو فائدة جزئية، والله أعلم
٢٣
٣٥٤
معارف السنن
ج - ٦
الاشتراط فى الحج، وقالوا : إن اشترط فليس له أن يخرج من إحرامه ،
ويرونه كمن لم يشترط .
( باب منه )
حدثنا: أحمد بن منيع لما عبد الله بن المبارك أخبرنى معمر عن الزهرى
ثم أقول : ولما ضاق الأمر عند الشافعية والحنابلة عند عروض المرض
للمحرم ولم يكن له سبيل غير انتظار البرأ والشفاء وإتمام ما أحرم له اضطروا
إلى القول بالاشتراط، حيث وجدوا مساغاً لرفع تلك الكلفة ، فسروا بحديث
ضباعة الهاشمية وانشرحوا له ، حيث وجدوا شفاءً الداء ودواءً للمرض
والشقاء ، فقالوا به ، ومع ذلك جعلوه جائزاً كالشافعية ، أو مندوباً كالحنابلة ،
لا واجباً كالظاهرية . وكان أبو حنيفة والثورى ومالك لما قالوا بتحقيق الحصر
بالمرض ورأوا عذراً للتحلل مثل العدو سواء بسواء استغنوا عن مثل حديث
صباعة الهاشمية الذى يحتمل الخصوصية ، أو تطبيباً لخاطرها وجبراً لفؤادها
وسداداً لمثلمة اضطرابها ، فخذ هذا راضياً ومرضياً ، وكن من الشاكرين .
ولنعم ما قال شيخنا رحمه الله :
هداك وأهدى من حديث المسائل
فإن شئت فادع الخير والخير الذى
تمثل شيئاً من حديث الأماثل
وما هى إلا ذكرة ثم فكرة
تجدد عهداً بالديار الموائل
٠
وما هى إلا عبرة ثم عبرة
فإن جئت مرضاة وإلا فإنها . بذى تسلم الحسنى لديك فجامل
-: باب منه :-
أخرج فى الباب حديث ابن عمر، وقد أخرجه البخارى ، وهو من
٣٥٥
بحث الاشتراط والحيض بعد الإفاضة
من سالم عن أبيه: ((أنه كان ينكر الاشتراط فى الحج ويقول: أليس حسبكم
سنة نبيكم ؟)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح .
( باب ما جاء فى المرأة تحيض بعد الافاضة )
أفراده، وفيه زيادة: ((إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا
والمروة ، ثم حل من كل شى حتى يحج عاماً قابلاً فيهدى أو يصوم إن لم
يجد هدیاً » .
قوله: أليس حسبكم سنة نبيكم؟ . يريد: أليس يكفيكم سنة رسول الله
فَظٍ ، ومعنى " الحسب": الكفاية ، و " حسبكم" مرفوع، لأنه اسم ليس،
و "سنة نبيكم {$ " منصوب على أنه خبر ليس، وهذا التركيب متعين
فى رواية الترمذى. وأما فى رواية البخارى فيمكن أن يقال : أن يكون
الخبر " طاف بالبيت"، و" سنة" منصوب على الاختصاص، كما
يقوله القاضى عياض ، أو على إضمار فعل أى: " تمسكوا"، كما يقوله.
السهيلى، كما حكى ذلك الحافظان البدر والشهاب. والغرض من كلام ابن عمر
إنكاره من الاشتراط ، ووقع التصريح به فى رواية النسائى أنه قال : ينكر
الاشتراط فى الحج، ويقول : أما حسبكم سنة نبيكم أنه لم يشترط ، وهكذا
رواه الدار قطنى كما حكاه البدر العينى، وقد تقدم آنفاً فى الباب الذى قبله البحث
عن مسألة الاشتراط وتفصيل المذاهب . وهذا الباب غير مذكور فى " العرف
الشذى " .
-: باب ما جاء فى المرأة تحيض بعد الإفاضة :-
أخرج فى الباب حديث عائشة ، وقد اتفق على تخريجه الشيخان فى الخنتج
٣٥٦
معارف السنن
ج -. ٦
حدقنا : قتيبة نا الليث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة
قالت: ((ذكر لرسول اللّه عَّل أن صفية بنت حيى حاضت فى أيام منى،
فقال: أحابستنا هى؟ قالوا: إنها قد أفاضت، فقال رسول اللّه عَلَ} :
فلا إذن )) .
والبخارى فى عدة أبواب بألفاظ مختلفة ، وأخرج حديث ابن عمر، وقد تفرد
به التر مذى من بين السنة .
قوله : إن صفية بنت حيى. " صفية": بفتح الصاد المهملة وتشديد الياء
آخر الحروف. و"حبيبي": بضم الحاء المهملة وباليائين الأول مفتوحة مخففة،
والثانية مشددة ، وهو: ابن أخطب النضرية من ذرية هارون أخى موسى عليها
السلام، سباها النبى ◌ّله عام فتح خيبر ثم أعتقها وتزوجها وجعل عنقها
صداقها، روى البخارى لها عشرة أحاديث، ماتت فى خلافة معاوية سنة ستين،
وقيل: فى خلافة على سنة ست وثلاثين، كما فى " العمدة" (٢ - ١٤٥).
قوله : أحابستنا ؟ . الهمزة للاستفهام ، أى مانعتنا من التوجه من مكة إلى
المدينة فى وقت أردناه ظناً منه بحدّله أنها ما طافت طواف الإفاضة .
قوله : إنها قد أفاضت، أى طافت طواف الإفاضة ، ويسمى: "طواف
الركن " و "طواف الفرض" و" طواف الزيارة" .
قوله : فلا إذن ، معناه: فلا تحبسنا حينئذ لأنها أدت الفرض الذى هو
كن الحج .
دل الحديث على أن طواف الوداع يسقط بعذر الطمث، وهذا قول عامة
أهل العلم، وعامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التى قد أفاضت طواف
٣٥٧
بحث سقوط طواف الوداع بعذر الحيض
وفى الباب عن ابن عمر وابن عباس . قال أبو عيسى : حديث عائشة حسن
صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم . أن المرأة إذا طافت طواف الإفاضة ثم
حاضت فإنها تنفر وليس عليها شئ، وهو قول الثورى والشافعى وأحمد واسماق .
وداع، خلافاً لطائفة من الصحابة ، وهو قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت ،
كما قاله ابن المنذر ، وقال : وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك
وبقى عمر، وقد روى ابن أبى شيبة من طريق القاسم بن محمد: ((كان الصحابة
يقولون : إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت ، إلا عمر رضى الله عنه
فإنه كان يقول : آخر عهدها بالبيت )) ، ویزیده حديث عند أحد وأبى داود
والترمذى والنسائى والطحاوى من حديث الحارث بن عبد الله الثقفى. وقال
الطحاوى : إنه نسخ بحديث عائشة وبحديث ابن عباس ومحديث أم سليم .
ولا شك أن طواف الوداع واجب يجب بتركه دم ، وهو قول أكثر العلماء ،
وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعى وأحمد . وقال مالك: هو سنة لاشئ فى تركه،
واختاره ابن المنذر وداود ، ولكنه يسقط بعذر الحيض والنفاس ، ولا يجب
دم عند أحد . هذا ملخص "العمدة" (٤ - ٧٧٦) و " الفتح" (٣ - ٤٦٧).
ويقول الخطابى فى "معالم السنن" (٢ - ٢١٦) فى توجيه قول الفاروق:
وهذا على سبيل الاختيار فى الحائض إذا كان فى الزمان نفس وفى الوقت مهلة ،
فأما إذا أجملها السير كان لها أن تنفر من غير وداع بدليل خبر صفية . وممن
قال : أنه لا وداع على الحائض: مالك والأوزاعى والشافعى وأحمد واسماق ،
وهو قول أصحاب الرأى، وكذلك قال سفيان اهـ. وراجع لبقية مباحث الحديث
واختلافات الألفاظ " الفتح" و" العمدة".
وبالجملة المرأة إذا طافت طواف الإفاضة ثم حاضت فلا عليها أن لا تقيم
للوداع ، وأما إذا لم تطف طواف الإفاضة فلا بد أن تنتظر الفراغ من طمئها
ء
٣٥٨
معارف السنن
ج - ٦
حدثنا: أبو عمار نا عيسى بن يونس عن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر
قال: ((من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيض ، ورخص لهن
رسول اللّه ◌َامٍ)).
قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن صحيح . والعمل على هذا
عند أهل العلم .
إلى أن تطهر فتطوف للإفاضة فإنها ركن وفريضة . قال شيخنا : وقد أفتى
الحافظ ابن تيمية للمرأة التى لا تستطيع البقاء بعد الحج ولم تطف للإفاضة :
بأنها تطوف طواف الإفاضة فى حال طمئها وتهرق الدم وتحلل على مذهب
أبى حنيفة .
قال الراقم: ولعل الشيخ يريد ما ذكره فى " الفتاوى"، وهى فى
الطبعة الجديدة الملكية فى الجزء السادس والعشرين (ص - ٢٢٥). فذكر
أولاً ما خلاصته: إن من حاضت قبل طواف الإفاضة فعليها أن تحتبس حتى
تطهر وتطوف إذا أمكن ذلك ، هذا إذا كانت الطرق آمنة والبقاء متيسر من
جهة الأمير والقافلة . ثم ذكر : وأما هذه الأوقات فكثير من النساء لا يمكن
هن الاحتباس لوجوه ، فهذه المسألة عمت بها البلوى، فهذه تطوف وهى حائض
وتجبر بدم أو بدنة على مذهب أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين عنه إلى
آخر ما قال .
قال الراقم : والمسألة مذكورة فى "المغنى" لابن قدامة (٣ - ٣٧٧).
فقال : إن الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف فى
المشهور عن أحمد ، وهو قول مالك والشافعى ، وعن أحد : إن الطهارة
ليست شرطاً ، فتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة ، فإن خرج
٩٠
حكم الطواف من غير طهارة - وقضاء الحائض المناسك
( باب ما جاء ما تقضى الحائض من المناسك )
حدثنا : على بن حجر نا شريك عن جابر - وهو ابن يزيد الجعفى - عن
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: ((حضت فأمرنى النبى
أن أقضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت )) .
إلى بلده جبره بدم .... وقال أبو حنيفة: ليس شى من ذلك شرطاً اهـ .
قال فى "البدائع" (٢ - ١٢٩): فأما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض
والنفاس فليست بشرط لجواز الطواف، وليست بفرض عندنا بل واجبة حتى
جوز الطواف بدونها . ثم أطال فى الاستدلال ، وبعد تفصيل فى التدليل قال :
إن كان محدثاً فعليه شاة ، وإن كان جنباً فعليه بدنة، إلى آخر ما قال . وذكر فى
" الهداية " ومتنها وجوب الصدقة إذا طاف القدوم أو للوداع محدثاً، وتجب
شاة إذا طاف للزيارة محدثاً ، وبدنة إذا كان جنباً . أقول : وفى حكم الجنب
الحائض والنفساء . وتعرض إليه فى " العمدة" (٤ - ٥٤٦) و (٢ - ٨١).
-: باب ما جاء ما تقضى الحائض من المناسك :-
أخرج فى الباب حديث عائشة وحديث ابن عباس ، وحديث عائشة
اتفق عليه البخارى فى كتاب الحيض ومسلم فى الحج، البخارى فى ( باب تقضى
الحائض المناسك كلها)، وفى ( باب الأمر بالنفساء إذا نفسن ) وغيرهما .
وحديث ابن عباس تفرد به الترمذى من بين أرباب الصحاح الستة .
ومسألة الباب متفق عليها فى الأمة . قال ابن بطال : العلماء مجمعون على
أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت. وقال المهلب: إنما منعت
( م - ٧٤ )
٣٦٠
معارف السنن
ج - ٦
قال أبو عيسى : والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم: أن الحائض
تقضى المناسك كلها ما خلا الطواف بالبيت. وقد روى هذا الحديث عن
عائشة من غير هذا الوجه أيضاً .
الخائض من الطواف على غير طهارة تنزيهاً للمسجد من النجاسات، ولأمره خيال؟
الحيض فى العيدين بالاعتزال ، حكاه فى " العمدة " (٤ - ٦٦٢). وروى
ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: ((تقضى المناسك كلها إلا الطواف
بالبيت وبين الصفا والمروة)) ، ولم يذكر ابن المنذر عن أحد من السلف
اشتراط الطهارة للسعى إلا عن الحسن البصرى. وحكى المجد ابن تيمية من
الحنابلة رواية عندهم مثله، حكاه الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٤٠٣).
وبالجملة المسألة كذلك عند الإمام أبى حنيفة مثل الجمهور ، نعم الفرق
بينه وبين الجمهور: أن الطهارة شرط وفرض عندهم، وواجب مطلوب عنده
كما تقدم بيانه ، وما اعترضه النووى بتفرد أبى حنيفة به فرده الحافظ بأن
الحكم وحماداً (ابن أبى سلمان) ومنصوراً وسلمان وافقوا أبا حنيفة كما حكى
عنهم ابن أبى شيبة ، وعند أحمد رواية مثل أبى حنيفة واجبة تجبر بالدم ،
وكذا عند المالكية قول بوافق، كما فى " الفتح" (٣ - ٤٠٤). ثم السعى
لها أن تسعى بين الصفا والمروة فى حالة الحيض، ولكن السعى مسبوق بالطواف،
فإذا لم تطف لم تسع، لا لأجل اشتراط الطهارة للسعى بل لعدم سبق الطواف .
نعم إذا حاضت بعد ما طافت أو طافت أربعة أشواط فإن للأكثر حكم الكل
كما فى " البدائع" وغيره، فلها أن تسعى مثل قضاء بقية المناسك كلها .
وكذلك تحرم عند الحيض ، ويسن لها الاغتسال للنظافة لا الطهارة ، وهذا
متفق عليه بين الأئمة .
قال شيخنا رحمه الله: وما ذكره شارح "الوقابة " من تعليل منع الحائض