النص المفهرس

صفحات 301-320

بيان ترجيح حديث جابر وعائشة فى صلاة الظهر بمكة ٣٠١
فى كتاب حجة الوداع له حديث جابر وحديث عائشة ، ووافقه جماعة من
المحدثين بأربعة أوجه :
أولاً : أنها اثنان وحديثان ، واثنان أولى من واحد .
وثانياً : بأن عائشة أخص الناس به ، ولها من القرب والاختصاص ما
ليس لغيرها .
وثالثاً: بأن سياق حديث جابر أوفى سياق لقصة حجه بَّالج وأضبطه
الجزئيات، حتى ضبط كثيراً ما لا علاقة له بالمناسك ، كنزوله فى الطريق ،
وبوله عند الشعب، ووضوئه وضوءً خفيفاً ، فمن كان يضبط أمثاله فهو لمثل
بيان صلاة الظهر أضبط .
ورابعاً : أن حجة الوداع كانت فى شهر آذار من الشهور الرومية الشمسية،
وهو شهر سادس فى السنة ، يستوى فيه الليل والنهار، ولا يكون النهار أطول
من الليل ، فلا يتمكن من أداء أعمال من الدفع من المزدلفة إلى منى، ثم رميه
جمرة العقبة ونحره البدن وقسمها وطبخ لحمها له عَل وحلقه رأسه وخطبته وحَا}.
ثم طواف الإفاضة وشربه من ماء زمزم بحيث أن يعود فى وقت الظهر إلى منى
فيصلى بها . ورجحت طائفة أخرى حديث ابن عمر بأمور أربعة أخرى : بأن
حديث ابن عمر اتفق عليه الشيخان ، وبأن حديث عائشة من رواية ابن اسماق
وقد عنعنه، وبأن المحفوظ أنه كان يصلى بأصحابه فى حجته فى منزله ومقامه دون
جوف مكة، وبأن حديث عائشة مضطرب فى وقت طوافه حَ اجٍ طواف الزيارة: هل
کان نهاراً أو لیلا ؟ وذهبتإلى الجمع والتوفیق . ثم منھم من قال ۔ کالنو وى :
بأنه صلى بمكة الظهر ثم مرةً أخرى بأصحابه بمنى متنفلا بناءً على مذهبه من صحة
اقتداء المفترض خلف المتنفل، ومنهم من قال - كالمحب الطبرى -: بأنه يحتمل أنه صلى

٣٠٢٠
معارف السنن
ج - ٦
منفرداً فى أحد الموضعين وبالجماعة فى موضع آخر ، أو كرر الصلاة بالموضعين
لبيان جواز الأمرين فى هذا اليوم توسعةً على الأمة، أو أن يكون صلاة فى موضع
بإذنه فنسب إليه مجازاً ، أو كما قال النووى. ويقول ابن الهمام : وإذا تعارضا،
ولا بد من صلاة الظهر فى أحد المكانين ففى مكة بالمسجد الحرام أولى لثبوته
مضاعفة الفرائض فيه ، ولو تجشمنا الجمع حملنا فعله على الإعادة بسبب اطلاع
يوجب عليه نقصان المؤدى أولاً
قال الراقم : وهذا الجمع ضعيف جداً فى نظرى. ويحكى البدر العينى
فى " العمدة" (٤ - ٧٤٧ ) عن ابن حزم قوله: وهذا هو الفصل الذى
أشكل علينا الفصل فيه لصحة الطرق فى كل ذلك، ولا شك فى أن أحد الخبرين
وهم ، ولا ندرى أيهما هو؟ اهـ . ولعله زال توقفه فى كتابه فى حجة الوداع ،
كما حكاه عنه الطبرى فى " القرى" ، فرجح حديث جابر على حديث ابن
عمر والله أعلم. وينقل الزيلعى الحافظ عن الحافظ ابن سيد الناس اليعمرى فى
" سيرته " مثل ما حكاه البدر العينى عن ابن حزم ، وينقل الزيلعى عن ابن
حزم بأن أحد الخبرين وهم إلا أن الأغلب أنه صلى الظهر بمكة لوجوه ذكرها اهـ.
وقال شيخنا رحمه الله: ويحتمل أنه صلى الظهر بمنى بعد رجوعه من مكة
مقتدياً خلف رجل من أصحابه ، أى لما جاء وجدهم كانوا يصلون الظهر فاقتدى
خلفه . هذا غاية ما قدرنا عليه من صفوة البحث وخلاصته من "شرح المواهب
اللدنية" (٨ - ٢٠٧ ) و"القرى" للطبرى (٤٢١ - ٤٢٢) و " العمدة "
( ٤ - ٧٤٧) و " نصب الرأية" و" فتح ابن الهمام" وغيرها من مظان
البحث والتحقيق . وبالله التوفيق.
تنبيه: إن ما ذكروه من عزو حديث ابن عمر إلى " الصحيحين"

٣٠٣
تحقيق أن حديث ابن عمر من أفراد مسلم
فغير صحيح، فإن حديث ابن عمر باللفظ الذى ذكرنا من أفراد مسلم، والبخارى
أخرجه موصولاً موقوفاً على ابن عمر، وليس فيه ذكر صلاة الظهر، واختصره
اختصاراً ، فروى من طريق سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: ((أنه
طاف طوافاً واحداً ، ثم يقيل ثم يأتى منى يعنى يوم النحر)) هكذا موقوفاً
على ابن عمر من فعله . ثم قال : ورفعه عبد الرزاق قال : أخبرنا عبيد اللّه
فعلقه. ولعل الإمام البخارى رحمه اللّه نظراً إلى التعارض فى حديث جابر
وحديث ابن عمر اكتفى بالقدر المتفق بين روايتى جابر وابن عمر ، وحذف
الجزء الذى ذكره مسلم فى رواية ابن عمر، وأشار إلى نحو اضطراب بين رواية
سفيان عن عبيد الله وبين رواية عبد الرزاق عن عبيد اللّه فى الوقف والرفع،
ۉإذن عز وه إلى " صحيح البخارى" فی غیر محله وإن كان أصل الحديث واحداً،
ويمكن تأويله بأن البخارى رواه - أى أصله - دون اللفظ الذى رواه مسلم .
وبالجملة الحافظ الزيلعى فى " نصب الرأية" (٣ - ٨٢) عزا حديث ابن
عمر إلى "صحيح مسلم" بقوله: قلت: أخرجه مسلم عن عبيد الله بن عمر. وقال
الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، فأصاب فى أن البخارى لم يخرجه كما
أخطأ فى القول بعدم إخراجه مسلم ، كذلك البيهقى فى " المعرفة " عزاه إلى
مسلم، كما يقوله الزيلعى ، وكذلك فى " سننه الكبرى" (٥ - ١٤٤ ) عزاه
إلى مسلم ، والبدر العينى أيضاً لما قال البخارى تعليقاً، ورفعه عبد الرزاق قال
أخبرنا عبيد اللّه. قال: ووصل التعليق المذكور مسلم فقال: أنبأنا محمد بن رافع
عن عبد الرزاق عن عبيد الله الخ . وكذلك النابلسى فى أطرافه فى كتابه " ذخائر
المواريث " عزاء إلى مسلم وأبى داود .
فكل هذا دليل واضح على أن حديث ابن عمر من أفراد مسلم مثل حديث
( ٢ - ٦٨ )

٣٠٤
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى نزول الابطح )
حدثنا : اسحاق بن منصور قال ثنا عبد الرزاق نا عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر قال: ((كان النبى معَّله وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح)).
جابر ، وارتفع وجه ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر بأنه اتفق عليه
الشيخان ، كما ثبت الوهم فى عزوه إلى "الصحيحين". ثم لا يبعد أن البخارى
خلى صحيحه عن هذه القطعة مع تعرضه لحديث ابن عمر لأجل تردده فى الحكم
وعدم جزمه بجانب من الأمرين . وقد عرفنا من عادته أنه يفعل كذلك أحياناً
إذا لم يتبين له الأمر حق التبين، كما إنه لا بعقد ترجمة على حديث لا يرى
العمل عليه فقهاً وإن كان يخرجه فى سياق آخر فى " صحيحه"، والله أعلم.
فتنقح أنه : رجحت طائفة وجمعت طائفة ، وأخرى توقفت ، منهم الحافظ
العمری فی "سیرته" وابن حزم فى بعض كتبه ، ولو كان لمثلى أن يدخل فى هذا الغمار
فأقول : والراجح عندى الترجيح لحديث جابر وعائشة بأنه صلى الظهر بمكة ،
وأما رواية صلاته ظهر بمنى ، فكما قال شيخنا بأنه لما وصل وجدهم يصلون
فاقتدى بالإمام وصلى معهم ، فصلى إماماً بمكة ومأموماً بمنى. هذا ما تيسر
والله ولى التوفيق .
-: باب ما جاء فى نزول الأبطح :-
أخرج فى الباب حديث ابن عمر، وقد أخرجه مسلم فى الحج، وأخرجه
ابن ماجه من بقية السنن. وأما نفس نزوله فَّالج المحصب ففيه أحاديث، منها:
حديث أبى هريرة عند الشيخين، وحديث أنس عند البخارى، وحديث عائشة
عند الأمهات الس، وحديث آخر لا بن عمر عند البخارى .

٣٠٥
مسألة نزول المحصب عند الرجوع من منى
وفى الباب عى عائشة وأبى رافع وابن عباس . قال أبو عيسى : حديث
ابن عمر حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله
والأبطح وكذا البطحاء والبطيحة : يقال لمسيل واسع فيه دقاق الحصا ،
كما فى معاجم اللغة ، وأصبح كالعلم لبطحاء مكة ، وهى مسيل واديها ، وهو
المحصب . والتحصيب : النزول بالمحصب ، ويسمى : الحصباء والخيف وخيف
بن كنانة .
ودل الحديث على نزوله بِّال بطحاء مكة ثم أبى بكر وعمر وعثمان
الخلفاء بعده. وحديث أنس فى "الصحيح" لفظه: ((إن النبى معَلٍّ صلى الظهر
والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدةً ثم ركب إلى البيت فطاف به ، وكان
هذا يوم النفر الثانى اليوم الثالث عشر بعد ما رمى جَّاج الجمرات الثلاثة بعد
الزوال ، فركب ووصل إلى المحصب فصلى الصلوات الأربع.
واختلف العلماء فى مسألة استحباب التحصيب مع الإتفاق على أنه ليس من
المناسك . ويدعى الحافظ زكى الدين المنذرى استحبابه عند جميع العلماء ،
وكذلك يدعى قبله القاضى عياض ، وادعى العراقى فيه النظر لحكاية الترمذى
الاستحباب عن بعض أهل العلم . وحكى النووى استحبابه عن مذهب الشافعى
ومالك والجمهور. قال العينى: وهذا هو الصواب. وحكى ابن عبد البر فى
" الإستذكار" عدم التحصيب عن أسماء وعروة، وحكاه ابن بطال عن عائشة
أيضاً . وثبت فى " الصحيحين" أيضاً كما فى " الترمذى" عن ابن عباس أنه
قال: ((ليس التحصيب بشئ، إنما هو منزل نزله رسول اللّه عَ لّهِ))، ومعنى
قوله: " ليس بشتى" أى من أمر المناسك الذى يلزم فعله، قاله ابن المنذر.
وثبت عن ابن عمر: أنه كان يرى التحصيب سنة . ويقول الحافظ فى "الفتح"
٢٠

٣٠٦
معارف السنن
ج - ٦
ابن عمر. وقد استحب بعض أهل العلم نزول الأبطح من غير أن يروا ذلك
واجباً إلا من أحب ذلك .
( ٤ - ٤٧١): فالحاصل أن من نقى أنه سنة - كعائشة وابن عباس - أراد
أنه ليس من المناسك ، فلا يلزم بتركه شئ، ومن أثبته - كابن عمر - أراد
دخوله فى عموم التأسى بأفعاله فَله لا الإلزام بذلك. ويستحب أن يصلى به
الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ویبیت به بعض الليل ، کما دل عليه حديث
أنس وحديث ابن عمر اهـ. هذا ملخص ما فى "العمدة" و "الفتح" و"شرح
الزرقانى على المواهب " .
ومذهب أبى حنيفة كما فى " اللباب" وشرحه وكتب الفقه: أن السنة
أن ينزل به ولو ساعة ويدعو ، أو يقف على راحلته ويدعو . ويقول شمس
الأئمة السرخسى وصاحب " الهداية" و " الكافى" وغيرهم : إن النزول به
سنة عندنا ، فلو تركه بلا عذر يصير به مسيئاً اهـ .
قال شيخنا رحمه الله: وما روى الترمذى عن الشافعى يكون رواية عنه
وإن كان كتب مذهبه على الاستحباب ، فإن الترمذى من أوثق من ينقل
مذهب الشافعى اهـ .
والحكمة فى نزوله عليه الصلوات والتحيات والتسليمات ما أشار إليه حديث
البخارى ومسلم ، واللفظ للبخارى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال :
((قال النبىِ نَّ ل من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غداً بخيف بنى كنانة
حيث تقاسموا على الكفر" يعنى بذلك المحصب، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت
على بنى هاشم وبنى عبد المطلب - أو بنى المطلب - أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم
حتى يسلموا إليهم النبى مَلٍ)). وفى رواية أحمد: ((أن لا يناكحوهم

1
بيان قصة تحالف قريش ضد بنى هاشم
٣٠٧
قال الشافعى : ونزول الأبطح ليس من النسك فى شى، إنما هو منزل
نزله رسول اللّه عَل﴾ .
ولا يخالطوهم)) وفى رواية الإسماعيلى: ((وأن لا يكون بينهم وبينهم شى)»،
وتجوز فى لفظ " الغد" عن الزمان المستقبل القريب كما يتجوز " بالأمس
عن الماضى القريب، كما فى "العمدة" (٤ - ٥٩٥).
وقصة ذلك ملخصاً : أنه لما بلغ قريشاً فعل النجاشى بيجعفر وأصحابه ،
وإكرامه إياهم حين هاجروا من مكة إلى الحبشة ، كبر ذلك عليهم جداً
وغضبوا وأجمعوا على قتل سيدنا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه ، وكتبوا
كتاباً على بنى هاشم: ((أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم)»، فهكذا
تعاهدوا على المقاطعة وعلقوا ذلك الكتاب والصحيفة فى جوف الكعبة، وحصروا
بنى هاشم فى شعب أبى طالب ليلسة هلال المحرم سنة سبع من حين النبوة ،
وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبى طالب فى شعبه وقطعوا عنهم الميرة
والمارة ، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد ،
فأقاموا فيه ثلاث سنين، ثم اطلع الله رسوله 933) على أمر صحيفتهم بأن الأرضة
أكلت ما كان فيها من جور وظلم وبقى ما كان فيها من ذكر الله عزوجل ،
فذكر ذلك رسول اللّه ◌َا لأبى طالب، فقال أبو طالب لقريش: إن ابن
أخى أخبرنى ولم يكذبنى قط: ((إن الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة)) إلى آخر:
ما ذكره ، فإن كان صادقاً نزعتم من سوء رأيكم ، وإن كان كاذباً دفعته إليكم
فقتلتموه ، قالوا : قد أنصفتنا ، فإذا هى كما أخبره به الرسول عليه صلوات
الله وسلامه ، فسقط فى أيديهم ونكسوا على رؤسهم ، فاختلفوا وتلاوموا إلى
أن رضوا بخروجهم إلى مساكنهم ، وكان ذلك فى السنة العاشرة من النبوة،
كما حكاه البدر العينى عن " الطبقات"، وهو فى "طبقات ابن سعد " المطبوع

٣٠٨
معارف السفن
ج - ٦
حدثنا : ابن أبى عمر نا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس
قال: ((ليس التحصيب بشئ، إنما هو منزل نزله رسول اللّه عَلَمٍ)).
فى بيروت (١ - ٢٠٨ - ٢١٠). وتعرض إليه الحافظ فى " الفتح" (٧ -
١٤٦) فذكر عن ابن اسحاق وموسى بن عقبة والواقدى ما يغاير بعض ما
ذكره ابن سعد فراجعه، وذكر عنى موسى بن عقبة: ولم يكن بأتيهم شى
من الآقوات إلا خفية حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض
أقاربه شيئاً من الصلات الخ. وذكر السهيلى فى " الروض الأنف" (١ -
٢٣٢ ): حتى كانوا يأكلون الخبط وورق السمر حتى إن أحدهم ليضع كما
تضع الشاة، وكان فيهم سعد بن أبى وقاص ، روى أنه قال: (( جعت حتى أنى
وطئت ذات ليلة على شئ رطب فوضعته فى فى وبلعته وما أدرى ما هو إلى
الآن)). وفى رواية يونس أن سعداً قال: ((خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت
قعقعة تحت البول ، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة ، فأخذتها وغسلتها ثم
أحرقتها ثم رضفتها وسففتها بالماء تقويت بها ثلاثاً الخ)). فراجعه ففيه ما لم
بذكره ابن سعد ولا موسى بن عقبة ولا الواقدى ولا ابن اسحاق .
وبالجملة فعلم من ذلك أن نزوله فج لم كان تذكيراً للنعمة وتحديثاً عملياً
بذكرى نعم الله سبحانه على عبده الرسول الأمين عليه صلوات الله وسلامه ، من
القضاء على الكفر وإظهار دينه ونصرته وتأييده وإقامة الحجة على الناس بإحقاق
الحق وإبطال الباطل وقطع دابر الكافرين ، والحمد لله رب العالمين .
ثم إن المحصب هذا بين منى ومكة ، وأقرب إلى منى ، ويقول مباض :
وإلى منى يضاف ، ودليله قول الشافعى وهو عالم مكة وأحوازها :
با راكبا قف بالمحصب من من
واهتف بقاطن خيفها والناهض

٣٠٩
تحقيق أن المحصب من منى أو من مكة ؟
قال أبو عيسى: التحصيب: نزول الأبطح. قال أبو عيسى : هذا حديث
حسن مصبح .
قال الأنى: وإنما يصح الاحتجاج به إذا جعل "من منى" فى موضع الصفة
للمحصب، وأما إذا علق بـ "را کماً " فلا حجة فيه . وأبین منه قول مجنون بنى عامر:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى . فهيج لوعات الفؤاد وما يدرى
دما باسم لیلی غیرها فكأنما ، أطار بلیل طائراً كان فى صدرى
قال - الأنى -: وظاهر قول مالك فى "المدونة": " إذا رحلوا من
من نزلوا بأبطح مكة وصلوا الخ " أنه ليس من منى. هذا ما قاله الزرقانى فى
"شرح المواهب" (٨ - ٢٠٩).
قال الراقم : وأصبح اليوم عمران مكة متسعاً ومتصلاً من وادى التنعيم
إلى منى، فاتسعت مكة من جهتيها من ضواحيها ونواحيها ، واتصلت أسافلها
بأعاليها ، وعمرت وازدانت بقصور شامخة وبيوت باذخة وشوارع معبدة واسعة
وأسواق للتجارة ومتاجر من الحضارة ، وترقرقت الدنيا ببهجتها ، وترفرفت
أعلام المدنية الحاضرة على معيشتها . فما بقى خيف بن كنانة ولا واديها، ولا من
يعرف حصباء مكة من قاصيها ودانيها إلا من كان عالماً بالآثار يعلم باديها
وخافيها ، أسماء تقرؤها فى التاريخ . نعم هناك مسجد بنى فى عهد الأتراك ،
ذكرى من الذكريات لخيف بن كنانة ، يسمى : " مسجد الإجابة " ، وهو
عند منعطف الشارع الرئيسى اليوم من قصر الملك إلى الجهة اليمنى عمن كان
مستقبل الكعبة، وهو المعروف بمحل نزوله تعَّله، ولله در القائل:
جرت الرياح على محل ديارهم . فكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به . يوماً يصير إلى بلى ونفاد

٣١٠
معارف السنن
ج - ٦
( باب من نزل الابطح )
حدثنا: محمد بن عبد الأعلى نا يزيد بن زريع نا حبيب المعلم عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ((إنما نزل رسول اللّه عَلم الأبطح، لأنه
كان أسمح لخروجه » .
وقال آخر :
يا جار ما راح قوم ولا ابتكروا . إلا والموت فى آثارهم جادى
إلا تقرب آجالاً لميعاد
باحارما طلعتشمس ولا غربت »
هل نحن إلا كأرواح يمر بها .
تحت التراب وأجساد كأجساد
عبر فى الدنيا بصائر للآخرة تغيرت البلاد وتنكرت الأخلاق والعباد ،
فأتمثل بما قالت سيدة أهل الجنة فاطمة الزهراء عند قبر سيد المرسلين عليه
صلوات الله وسلامه :
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها . وغاب مذ غبت عنا الوحى والكتب
لما نعیت وحالت دونك الكتب
٠
فلت قبلك كان الموت صادفنا
-: باب من نزل الأبطح :-
وقعت ترجمة الباب هكذا فى النسخة المطبوعة بالمكتبة الحلبية بالقاهرة ،
والنسخ المطبوعة فى هذه البلاد وقعت فيها كلمة : " باب" غير مترجمة .
أخرج فى الباب حديث عائشة ، وهو حديث متفق عليه ، أخرجه
البخارى فى " باب المحصب" من كتاب الحج، وأخرجه مسلم فى الحج . وقد.
استوفينا البيان تفصيلا فى الباب السابق. ومعنى: ((كان أسمح لخروجه)) أى

٣١١
بحث نزول الأبطح - وحج الصبى
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا: ابن أبى عمر نا سفيان عن هشام بن عروة نحوه .
( باب ما جاء فى حج الصبى )
حدثنا : محمد بن طريف الكوفى نا أبو معاوية عن محمد بن سوقة عن
محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: ((رفعت امرأة صبياً لها إلى
رسول اللّه عَّ هٍ فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر».
أسهل يتوجهه إلى المدينة ، ليستوى فى ذلك البطئى والمعتدل ، ويكون مبيتهم
وقيامهم فى السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة ، قاله البدر والشهاب فى
"الفتح" (٣ - ٤٧١) و "العمدة" (٤ - ٧٨٠). وفى لفظ "البخارى":
(((بالأبطح))، وفى رواية مسلم: ((كان أسمح لخروجه إذا خرج)). وقد تقدم
أن النزول به اقتداء به عَ لهل واقتداء بخلفائه من بعده ونزول الخلفاء من بعده
كل ذلك دليل على أن النزول مطلوب وهدى متبع . وهذا الباب غير مذكور
فى " العرف الشذى" اكتفاءً بالسابق .
-: باب ما جاء فى حج الصبى :-
أخرج فى الباب حديثين: حديث جابر وقد رواه ابن ماجه فى " سننه"
فى ( باب حج الصبى ) من كتاب المناسك ، وحديث السائب بن يزيد أخرجه
البخارى فى ( باب حج الصبيان ) من كتاب جزاء الصيد . واستنبط منه
البخارى حج الصبى، وأصرح حديث فى الباب ما أشار إليه الترمذى فى
( م - ٦٩ )

٣١٢
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن ابن عباس ، وحديث جابر حديث غريب .
حدثنا : قتيبة نا قزعة بن سويد الباهلى عن محمد بن المنكدر عن جابر
ابن عبد اللّه عن النبى معَّاء نحوه، وقد روى عن محمد بن المنكدر عن النبى
حَ لاء مرسلة .
الباب وأصعمه، أخرجه مسلم فى "صحيحه" عن ابن عباس قال: ((رفعت امراة
صبياً لها فقالت: يا رسول اللّه! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر))،
وهذا لفظ حديث جابر عند الترمذى .
قال ابن بطال : أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبى حتى
يبلغ، إلا أنه إذا حج به كان له تطوعاً عند الجمهور ، قاله فى " الفتح "
( ٤ - ٦١). قال العينى فى " العمدة" (٥ - ١٢٢) ما ملخصه: إن
الأئمة الأربعة وأتباعهم والثورى والنخعى ومجاهد وعطاء وآخرين من علماء
الأمصار ذهبوا إلى أنه لا يجزىْ حج الصبى عن حجة الإسلام وعليه بعد البلوغ
ججة أخرى . وذهب داود وأتباعه وطائفة إلى أنه: لا يلزم الصبى حجة أخرى
١ هـ. وقد نسب النووى فى "شرح مسلم" إلى أبى حنيفة: عدم صحة حج الصبى
وإنما هو تمرين ، وهذه النسبة غير صيحة ، فقد اتفقت كلمات المشائخ الحنفية
كلهم ، بل كلام الأئمة من محمد بن الحسن إلى الشرنبلالى وابن عابدين إلى
أن حجه صحيح وإحرامه منعقد ، ويلزم وليه أن يجرده من الثياب ويلبسه الإزار
والرداء ويجنبه من محظورات الإحرام ، غير أنه إذا ارتكب شيئاً من محظورات
الإحرام لا شى على الصبى ولا على الولى. ثم إذا كان الصبى مميزاً يقوم
بنفسه لأداء المناسك ويباشر الأفعال ، وإن كان غير مميز ينوب عنه الولى فى
النية والتلبية والأفعال . قال السرخسى فى "المبسوط" (٤ - ١٧٣): ولو أن

٣١٣
تحقيق أن أبا حنيفة حج الصبى عنده صحيح
حدثنا : قتيبة بن سعيد نا حاتم بن اسماعيل عن محمد بن يوسف عن
السائب بن يزيد قال: ((حج بى أبى مع رسول اللّه حَ﴾ فى حجة الوداع وأنا
ابن سبع سنين )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وقد أجمع أهل العلم : أن
الصبى إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك، لا تجزى" عنه تلك الحجة عن
حجة الإسلام، وكذلك المملوك إذا حج فى رقه ثم اعتق فعليه الحج إذا وجد إلى
ذلك سبيلاً، ولا يجزى" عنه ما حج فى حال رقه ، وهو قول الثورى والشافعى
وأحمد واسماق .
الصبى أهل بالحج قبل أن يحتلم ثم احتلم قبل أن يطوف بالبيت أو قبل أن يقف
بعرفة لم يجزه عن حجة الإسلام عندنا ، إلا أن يجدد إحرامه قبل أن يقف
بعرفة ، فحينئذ يجزئه عن حجة الإسلام ، وكذلك العبد والرقيق يصح حجه
وإحرامه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا أعتق اهـ . أنظر "المبسوط" للسرخسى
(٤ - ١٧٤). وكذلك نص محمد فى " الأصل" بدل على صحة حجه،
كما حكاه ابن عابدين. وشيخنا العثانى نقل نصوص الكتب فى " فتح الملهم ".
(٣ - ٢٧٣ و ٣٧٣) فراجعه إن شئت. نعم عند أبى حنيفة: إذا أفسد الصبى
حجه لاقضاء عليه ولا فدية ، ويجب عند المالكية الفدية إذا ارتكب محظوراً
من محظورات الإحرام. قال المحب الطبرى فى "القرى" ( ص - ٥٠) - بعد
ذكر الأحاديث -: وفى هذه الأحاديث كلها حجة لنا ولمالك ولأحمد على أن الصبى
ينعقد حجه ويجتنب ما يجتنب المحرم، وإنما الخلاف عندنا فى أن المترتب على جنايته
هل هو فى ماله أو فى مال الولى ؟ وفيه قولان، وأبو حنيفة لا يرى ذلك ...
ولا خلاف بين أهل العلم جواز حج الصبى إلا قوماً من أهل العراق منعوه ،
وفعل رسول اللّه عَلُ وقوله وإجماع الأمة يرد قولهم، وإنما الخلاف فى أنه

٣١٤
معارف السنن
ج - ٦
( باب)
حدثنا : محمد بن اسماعيل الواسطى قال : سمعت ابن نمير عن أشعث بن
هل ينعقد حكم الحج عليهم ؟ وفائدة الخلاف تظهر فى وجوب الفدية ،
فأبو حنيفة لا يلزمهم شيئاً ، إنما يجتنبون ذلك على وجه التمرين والتعليم ، وفيما
تقدم عن عطاء موافقة له ، وباقى الأئمة يرون وجوب الفدية . وقد قال كثير
من أهل العلم : إن الصبى يثاب على طاعته ، وتكتب له حسناته دون سيئاته ،
وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وقد تقدم ما يدل عليه فى الباب الأول ،
وهو قوله فَل: ((جهاد الكبير والصغير الحج والعمرة)). وقوله: ((ولك
أجر))، أى فيما تتكلفين من أمره بالحج وتعليمه إياه والقيام بأمره . ثم إن
كان الصبى يعقل عقل مثله أحرم بنفسه ، وإن لم يعقل أحرم عنه ، إلى آخر ما
قال ، وراجعه فإنه نفيس جيد ملخص .
وحديث الباب إسناده صحيح، فإن محمد بن طريف الكوفى من رجال
مسلم والسنن، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفى من رجال الستة ،
ومحمد بن سوقة من رجال السنة ، والترمذى قال فيه : غريب، ولم يصححه .
وحديث ابن عباس فى « صحيح مسلم " بلفظه شاهد له ، فهو صحيح لذاته ،
وعلى الأقل لغيره ، والله أعلم .
-: باب :-
باب من غير ترجمة ، ويمكن أن يترجم له : ( باب التلبية عن الصبيان
والرمى عنهم ) .
أخرج فيه حديث جابر من طريق أشعث بن سوار عن أبى الزبير عنه ،

٣١٥
تلبية النساء وتحقيق نيابة التلبية عنهن
سوار عن أبى الزبير عن جابر قال: ((كنا إذا حججنا مع النى عَلَ﴾ فكنا
غلبى عن النساء ونرمى عن الصبيان)) .
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد
أجمع أهل العلم : أن المرأة لا يلبى عنها غيرها بل هى تلبى ، ويكره لها رفع
الصوت بالتلبية .
وأخرجه ابن ماجه فى ( باب الرمى عن الصبيان )، والحديث ضعيف ، فإن
أشعث بن السوار ضعيف عندهم ، وأخرج له مسلم فى "صحيحه" فى المتابعات.
قوله : فكنا نلبى عن النساء .
قال شيخنا رحمه اللّه : لم يقل به أحد بأن يلبى الرجال عن النساء وإنما
بليين بأنفسهن ، فيتأول فى الحديث بأن الغرض إسرارهن بالتلبية ، والرجال
يجهرون بها ، فكأنهم نابوا عنهن بالجهر بها، مع أن الحديث ضعيف معلول .
قال الراقم : قال المحب الطبرى فى " قراه " مثل ما قاله شيخنا ، فقد
توارد آراؤهما فى توجيه الحديث ، فقال فى " القرى" (ص - ٥١ و ٥٢)
- بعد تخريج حديث جابر عن "جامع الترمذى" -: أجمع أهل العلم على أن المرأة
لا يلبى عنها بل تلبى هى عن نفسها ، لكن يكره لها رفع الصوت ، فيكون
المراد - والله أعلم - بالتلبية عنهن: رفع الصوت ، لأن رفع الصوت بها فى
الحج مقصود، قال عَّلي: ((أفضل الحج العج والشج))، والعج: رفع الصوت
بالتلبية ، لكن لما خشى الافتتان بصوت المرأة كره لها رفعه بها ، وانفرد
الرجال بهذه السنة، فكأنهم نابوا عن النساء فيها لما وقع الاجتزاء بهم، ويكون
قد عبر بالتلبية عن رفع الصوت بها تجوزاً ، وذلك جائز. قال : وأما الرمى
عن الصبيان فمحمول على غير المميز، وأما من يميز ويعلم ماهية الرمى وكيفيته

٣١٧
معارف السنن
ج -٠ ٦
( باب ما جاء فى الحج عن الشيخ الكبير والميت )
حدثنا : أحمد بن منيع قال ثنا روح بن عيادة نا ابن جريج قال أخبرنى
ولو بالتعليم فيرمى عن نفسه ولا يجزى الرمى عنه اهـ.
ومن حسن الصدفة : أن وقع تعبيرى عن غرض الشيخ بنفس تعبير
المحب الطبرى، وما كنت وقفت عليه إلا بعد ما عبرت وحررت، ولله الحمد
على ما وفق وأنعم . ثم أقول : ولفظ ابن ماجه من طريق أبى بكر بن
أبى شيبة: ((حججنا مع رسول اللّه عَل﴾ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن
الصبيان ورمينا عنهم))، فليس فيه التلبية عن النساء بل عن الصبيان ، ولأجل
هذا قال شيخنا : معلول . وبالجملة لفظ ابن ماجه هو الأقرب والأشبه ،
وعزاه فى "المنتقى" إلى أحمد بمثل لفظ ابن ماجه. وقال شارحه : أخرجه ابن
أبى شيبة، وفى إسناده أشعث بن سوار وهو ضعيف - إلى أن قال - : قال ابن
القطان: ولفظ ابن أبى شيبة أشبه بالصواب، فإن المرأة لا يلبى عنها غيرها، أجمع
على ذلك أهل العلم اهـ.
-: باب ما جاء فى الحج عن الشيخ الكبير والميت :-
أخرج فى الباب حديث الفضل بن عباس ، وقد أخرجه البخارى فى
( باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة) فى كتاب جزاء الصيد ، ومسلم
أخرجه فى كتاب الحج، وكذا أخرجه بقية السنن، وهو حديث الخثعمية . ودل
الحديث على صصة النيابة فى الحج ، فقال الفقهاء : إن من فرض عليه الحج ثم
عجز يأمر غيره أن يحج عنه ، ولو مات يوصى بالحج ، وتجرى وصيته فى ثلث
ماله ، فتقضى فريضة الحج عنه وتبرأ ذمته ، فإن لم يوص أو أوصى ولكن

٣١٧
بحث النيابة فى الحج
لم يكن مال يؤدى به فريضة الحج وتبرع عنه أحد الورثة بماله يرجى من
فضل الله براءة ذمته ، فالأول وعد وحق، وهذا رجاء وفضل . هذا ملخص
ما قال فقهاؤنا الحنفية ، وله شروط وتفصيلات تراجع من الكتب . فقد ذكر
فى "اللباب" عشرين شرطاً، وما ذكرته من قول الفقهاء فقد ذكره السروجى
فى " مناسكه " ابن عابدين وغيره .
ثم اختلفوا، فقالت طائفة: لا يحج أحدعن أحد ، روى هذا عن ابن عمر
والقاسم والنخعى. وقال مالك والليث: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج
حجة الإسلام ، ولا ينوب عن فرضه . فإن أوصى الميت بذلك فعند مالك
وأبى حنيفة: يخرج من ثلثه، وهو قول النخعى . وعند الشافعى من رأس ماله.
وقال أبو حنيفة : من مات وعليه حجة الإسلام لم يلزم الورثة سواء أوصى
بأن يحج عنه أولا. نعم إن حج عنه يحج عنه من ثلث ماله إن كان يبلغ من
بلده ، وإن لم يمكنه من بلده بطلت الوصية فى القياس ، وفى الاستحسان محج
عنه من حيث بلغ وإلا بطلت الوصية وجرى فيه التوريث . هذا ملخص ما
قاله العينى فى " العمدة" ومختصره، أنظر "العمدة" ( ٥ - ١١٩).
والحج عن المعضوب يقول به أبو حنيفة والثورى والشافعى وأحمد خلافاً
المالك ، فقال : إذا زمن الرجل بعد الوجوب سقط عنه ، كما فى " القرى"
وغيره . ثم استطاعة البدن شرط لنفس الوجوب عند أبى حنيفة ، ولوجوب
الأداء عند صاحبيه أبى يوسف ومحمد ، كما تجد تفصيله فى كتب الفقه . ثم
اختلفوا فى تفسير " الاستطاعة " ، فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بالبدن
والمال ، وقال مالك بالبدن . ثم إن من فرض عليه الحج وكان قادراً ثم أدركه
العجز عنه فمثله يجب عليه الإحجاج فى حياته ، أو الوصية عند موته ، كما
تقدم . وراجع "فتح ابن الهام" (٢ - ٣٢٩) لبعض التفاصيل و (٣ - ٦٨).

٣١٨
معارف السنن
ج - ٦
ابن شهاب قال حدثنى سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس عن الفضل بن
عباس: ((إن امرأةً من خثعم قالت: يا رسول الله! إن أبى أدركته فريضة
الله فى الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستوى على ظهر البعير؟ قال :
حجى عنه».
وفى الباب عن على وبريدة وخصين بن عوف وأبى رزين العقيلى وسودة
وابن عباس . قال أبو عيسى: حديث الفضل بن عباس حديث حسن مصبح.
ثم النيابة فى العبادات المالية كالزكاة أو المركبة من البدن والمال كالحج،
وجعلها للغير كلمة اتفاق بين الأئمة . فأما البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة
والصوم فأنكر فيها النيابة مالك والشافعى، وأجازها أبو حنيفة وأحمد ، أنظر
شرح "اللباب" القارى و" فتح ابن الهام" (٢ - ٦٧ وما بعدها).
هوله : الفضل بن عباس، هو: أخر عبد الله بن عباس ، و کان أ کبر ولد
العباس، وبه كان يكنى، وكان شقيق عبد اللّه، وأمهما أم الفضل لبابة الكبرى
بنت الحارث بن حزن الهلالية ، قاله البدر .
قوله: خثعم - بفتح الجاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة - : قبيلة مشهورة
من اليمن ، قاله الحافظان .
قوله : إن أبى أدركته فريضة الله الخ . اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب
على أن السائلة كانت امرأة ، وخالفه يحيى بن أبى اسماق عن سليمان بن يسار ،
ففيها : أن السائل رجل، قاله البدر العينى والحافظ العسقلانى. قال الطبى:
"شيخاً" حال وما بعده صفة، ويحتمل أن يكون حالاً ، ويكون من الأحوال
المتداخلة . وقال العينى: نصب على الاختصاص ، وما بعده صفة أو حال .
والمعنى: أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة ، أى إن إلزام اللّه

٣١٩
بحث النيابة فى الحج والحديث فيه وطرقه
وروى عن ابن عباس أيضاً عن سنان بن عبد الله الجهنى عن عمته عن النبى
حَ له. وروى عن ابن عباس عن النبى عَ ل﴾. فسألت محمداً عن هذه الروايات؟
فقال : أصح شى فى هذا ما روى ابن عباس عن الفضل بن عباس عن
التى حَاج
قال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره عن
النبى معَّ له ثم روى هذا فأرسله ولم يذكر الذى سمعه منه.
عباده بالحج الذى وقع بشرط الاستطاعة صادف أبى بصفة من لا يستطيع،
فهل أحج عنه ؟ هل يجوز ذلك ؟ أو: هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: نعم. أو
المضاد : أن فريضة الحج ثبتت عليه ، والحج مكتوب عليه كما وقع لأحد فى
رواية . هذا ملخص ما قاله البدر والشهاب فى " العمدة" و"الفتح" .
قال الراقم : فعلى الأول تطوع ، وعلى الثانى تبرع بأداء الفريضة نيابة
ويجرى فيه الاختلاف الذى أشرنا إليه .
قوله : وروی عن ابن عباس الخ . أشار الترمذى إلى اضطراب فى إسناده،
فذكر أربعة طرق فى الإسناد فى رواية ابن عباس ، وهل هو مسند الفضل بن
ابن عباس أو حصين بن عوف أو عمة ابن سنان الجهنى أو عبد الله بن عباس. ثم
نقل عن الإمام البخارى ترجيح رواية ابن عباس عن الفضل بن عباس واحتمالاً
سماع ابن عباس عن البقية، وأما روايته عنه فَّامٍ قال: فلعله أرسله.
وذكر الحافظان وجه الترجيح بأن الفضل كان رديف التى حَ لهم، وابن عباس قد
تقدم من المزدلفة إلى منى مع الضعفة فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده. وهذا
الاختلاف على سلمان بن يسار، والبخارى أخرج حديثه عن عبد الله بن عباس
(م - ٧٠)

٣٢٠
معارف السنن
ج - ٦
قال أبو عيسى: وقد صح عن النبي ◌َّل﴾ فى هذا الباب غير حديث.
والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي نَّ الِ وغيرهم. وبه يقول
الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد واسماق، يرون أن يحج عن الميت . وقال
مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه، وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحى
إذا كان كبيراً وبحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعى .
( باب منه )
عن الفضل، كما أخرجه الترمذى ، وكذلك وقع اضطراب فى متنه كما بينه
البدر فى "العمدة" (٥ - ١٢١) والشهاب فى "الفتح" (٣ -٥٦).
ثم إن الحديث بعمومه فيه دليل للإمام أبى حنيفة على جواز حج الصرورة
الذى لم يحج فحج عن غيره نيابة خلافاً للجمهور ، واستدلوا بحديث ابن عباس
فى السفن فى قصة شبرمة كما فى " الفتح".
قال الراقم : ويمكن أن يحمل حديث شبرمة على الأولى ، وقد أطال
الزيلعى الكلام فى إعلاله فى " نصب الرأية" ( ٣ - ١٥٥ - ١٥٦) نقضاً
وإبراماً، وسكت عنه الحافظ مع علمه . وفى حديث الباب فوائد شتى فى
روايات " الصحيحين" تعرض إليها البدر والشهاب فمن شاء فليراجعها .
قوله : وبه يقول الثورى الخ . وبه يقول أبو حنيفة كما قدمناه ، وقد
ذكره محمد فى " مؤطئه" وقال: وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا اهـ .
فالثلاثة ومعهم الثلاثة الثورى وابن المبارك واسماق .
-: باب منه :-
أخرج فى الباب حديثان : حديث أبى رزين العقيلى وأخرجه بقية السنن