النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
بيان بناء الكعبة عشر مرات
ـروان يخبره بذلك ، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه.
لعدول من أهل مكة ، فكتب إليه عبد الملك : إنالسنا من تلطيخ ابن الزبير
ـ شئ، أما ما زاد من طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى
مائه ، وسد الباب الذى فتحه وأعاده إلى بنائه .
فهذا ما تحقق من بناء الكعبة عشر مرات ، وقد نظمها بعضهم كما فى
" تفسير سليمان الجمل " فقال :
ملائكة الله الكرام وآدم
٠
بى بيت رب العرش عشر فخذهم
قصی. قریش قبل هذين جر هم
فشيت وابراهيم ثم عمالق .
وعبد الإله بن الزبير بن كذا . بناء لحجاج وهذا متمم
وما ورد فى "العرف الشذى" من إملاء الشيخ رحمه اللّه من أن الكعبة قبل:
بنيت ثنتين وعشرين مرةً فلم أقف عليها فيما عندى من المآخذ ، والله أعلم .
ثم حكى ابن عبد البر - وتبعه عياض وغيره عن الرشيد أو المهدى أو المنصور -:
أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير ، فناشده مالك فى ذلك وقال :
أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه. قال الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٥٧):
وهذا بعينه خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ، فأشار على
ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة ويجدد بناءها ويرم ما وهى منها ولا يتعرض
لها زيادة ولا نقص ، وقال له : لا آمن أن يجئى من بعدك أمير فيغير الذى
صنعت .
ثم قال الحافظ : ولم أقف فى شئ من التواريخ على أن أحداً من الخلفاء
ولا من دونهم غير من الكعبة شيئاً مما صنعه الحجاج إلى الآن ، إلا فى الميزاب
١٨٢
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى الصلاة فى الحجر )
حدثنا: قتيبة نا عبد العزيز بن محمد عن علقمة بن أبى علقمة عن أبيه عن
عائشة قالت: ((كنت أحب أن أدخل البيت فأصلى فيه فأخذ رسول اللّه عَلمع
والباب وعتبته ، وكذا وقع الترميم فى جدارها غير مرة وفى سقفها وفى سلم
سطحها ، وجدد فيها الر دام، إلى آخر ما ذكره الحافظ. ويقول الحافظ فى
" الفتح" (٣ - ٣٥٦): قال أبو أويس: فأخبرنى غير واحد من أهل
العلم : أر عبد الملك ندم على إذنه الحجاج فى هدمها ولعن الحجاج، ولا بن عبينة
عن داود بن سابور عن مجاهد : فرد الذى كان ابن الزبير أدخل فيها من
الحجر . قال : فقال عبد الملك : وددنا أنا تركنا أبا خبيب وما تولى من ذلك،
إلى آخر ما نقل الحافظ من روايات دالة على ندم عبد الملك على ذلك ، ولله
عاقبة الأمور .
وقد ذكر الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٣٥٢) نقلا عن " مصنف
عبد الرزاق" عنه عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل قال : سمعت ابن عباس يقول:
لو وليت ما ولى ابن الزبير لأدخلت الحجر كله فى البيت ، فلم يطاف به إن لم
يكن من البيت اهـ . وهذا يدل على أنه رضى عنه ابن الزبير ببعض فعله وإن
لم يكن كله ، والله أعلم .
-: باب ما جاء فى الصلاة فى الحجر :-
الحجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم هو الذى يسمى : الحطيم ، فى
الجهة الشامية من الكعبة ، وهو معروف على صفة نصف الدائرة ، وقدرها
تسع وثلاثون ذراعاً ، وهو القدر الذى أخرج من الكعبة . ثم هو ستة أذرع ،
١٨٣
تحقيق مقدار الحطيم من البيت
بيدى فأدخلى الحجر وقال : صلى فى الحجر إن أردت دخول البيت ، فإنما
هو قطعة من البيت ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة فأخرجوه من
البيت » .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وعلقمة بن أبى علقمة هو :
علقمة بن بلال .
أو ستة وشبر، أو سبعة أذرع، أو دون سبعة، أو هو الحطيم كله، فهذه أقوال.
وفيها روايات استوفاه الحافظ فى "الفتح" والبدر العينى فى " العمدة"،
وجعل الحافظ الروايات المطلقة محمولة على المقيدة . وملخصها : أن ستة أذرع
منه محسوب من البيت ، وفى الزائد خلاف. هذا ملخص ما ذكره البدر
والشهاب .
وحديث الباب أخرجه أبو داود من طريق صفية بنت شببة عن عائشة ،
ولأبى عوانة من طريق قتادة عن عروة عن عائشة ، ولأحمد من طريق سعيد بن
جبير عن عائشة، كما ذكره الحافظان البدر والشهاب. والأولى والأحوط فى
الطواف أوسع الأقوال ، وهو الحطيم كله ، وعليه التعامل . وفى الصلاة
الأحوط القدر المتفق المتيقن من البيت .
والغرض من حديث الباب : أن الصلاة فى الحجر ثوابها يساوى ثواب
الصلاة فى داخل الكعبة ، والصلاة داخل الكعبة مستحب ، كما يقوله النووى
فى " شرح المهذب"، وليس من المناسك، كما حققه الحافظ فى "الفتح".
ومن أدب الداخل أن لا ينظر إلى سقفها إجلالاً للبيت كما هو فى حديث
رواه عائشة وذكرها الحافظ .
( م - ٥٣)
١٨٤
معارف السنن
ج - ٦
تنبيه : وقع فى إسناد الترمذى: " عن علقمة بن أبى علقمة عن أبيه عن
عائشة"، ووقع فى رواية أبى داود: "عن علقمة بن أبى علقمة عن أمه"، وكذا
عزاه الحافظ العينى والحافظ العسقلانى إلى أبى داود والترمذى والنسائى، كلهم "عن
أمه" بدل "عن أبيه". وأمه: مرجانة، ذكرها ابن حبان فى الثقات، كما يقوله
العينى. ولعل الصحيح: " عن أمه"، و "عن أبيه" تصحيف " عن أمه".
وكذا ما وقع فى "النسائى" فى أكثر النسخ الهندية: " عن أمه عن أبيه"، فهذا
أيضاً غلط، وعلماء الرجال يذكرون رواية علقمة بن أبى علقمة عن ٩:٩ ،
ويذكرون أن اسم أمه : مرجانة ، وكل هذه قرائن أن ما وقع فى نسخة
الترمذى والنسائى، غير صواب.
ومن العجيب أن صديقنا الأستاذ أحمد شاكر فى طبعة الحلبى من "جامع
الترمذى" أخرج إسناده: " عن أمه عن أبيه"، ولم ينبه على اختلاف النسخ،
ولا على الصواب، والله أعلم
ثم إن استقبال جزء من الحطيم فى الصلاة لا يكفى ، بل الواجب للمعاين
استقبال الكعبة، ولا تصح الصلاة بدون استقبال الكعبة ، فيقول البدر العينى فى
"العمدة" (٤ - ٥٨٣ ): ثم إن ثبت أن الحجر كله أو بعضه من البيت
فلا يصح صلاة كل مستقبل شيئاً منه ، وهو غير مستقبل لشَّى من الكعبة ؛
وذلك لأن الأحاديث فى هذا آحاد تفيد الظن ، وقد أمرنا باستقبال المسجد
الحرام يقيناً على ما هو معروف فى التفصيل بين الحاضر والبعيد ، وهذا هو
المذهب عند الحنفية والمالكية ، وهو الذى صححه الرافعى والنووى: أنه لا يصح
استقبال شئى من الحجر فى الصلاة مع عدم استقبال شى من الكعبة اهـ.
قال شيخنا رحمه الله: اتفق على المسألة هذه فقهاء المذاهب الأربعة ،
٢٠
. ١٨٥
بيان فضل الحجر الأسود والركن والمقام
(باب ما جاء فى فضل الحجر الاسود والركن والمقام)
حدثنا : قتيبة نا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس قال: قال رسول اللّه عَلّ: ((نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد
بياضاً من اللبن فسوّدته خطايا بنى آدم)).
ومدارها على مسألة عدم جواز الزيادة بخبر الواحد ، فإن استقبال البيت
مقطوع، وثبوت اكون الحجر من البيت مظنون ، فاستقبال ما هو المقطوع
فرض ولا يصح بما هو مظنون ، وهذا عين ما يقوله الحنفية ، بأنه لا تصح
الزيادة على كتاب الله المقطوع بأخبار الآحاد، فقد وافقوا الحنفية فى هذه المسألة،
مع أنهم ينكرون عليهم فى غير هذا المقام ، وهذا عجيب .
وبالجملة الأخذ بالأحوط فى الصلاة، وهو القدر المقطوع، وفى الطواف
الأحوط المقطوع والمظنون كله .
-: باب ما جاء فى فضل الحجر الأسود والركن والمقام :-
• أخرج الإمام الترمذى فيه حديثين - تفرد بإخراجها من بين أرباب
الصحاح الستة - :
الأول : حديث ابن عباس ، وهو صحيح كما يقوله الترمذى، ويقول
الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٣٦٩): أخرجه الترمذى وصححه ، وفيه عطاء
ابن السائب، وهو صدوق لكنه اختلط، وجرير ممن سمع بعد اختلاطه ، ولكن
له طريق أخرى فى "صحيح ابن خزيمة" فيقوى بها، وقد رواه النسائى من
طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصراً ، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط
١٨٦
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن عبد الله بن عمرو وأبى هريرة . قال أبو عيسى : حديث
ابن عباس حديث حسن صحيح .
اهـ . وفيه: " إن الحجر الأسود كان أبيض حين نزل من الجنة ثم صار أسود
بخطايا بنى آدم " المتبادر أنه حقيقة وليس فيه غرابة وبعد، والحديث صحيح،
أخبر به الصادق المصدوق حَلالٍ ، وفيه امتحان لإيمان المؤمن الصادق الذى
مؤمن بالغيب كما يقوله المحدث الشيخ عبد الحق الدهلوى فى ترجمته " مشكاة
المصابيح" بالفارسية، وليس بتمثيل كما يقوله الطيبى رحمه الله : أنه جار مجرى
التمثيل والمبالغة فى تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب اهـ .
ويقول الشاه ولى اللّه الدهلوى فى "حجة الله البالغة": يحتمل أن يكونا -
أى الحجر الأسود والمقام - من الجنة فى الأصل، فلما جعلا فى الأرض اقتضت
الحكمة أن يراعى فيهما حكم نشأة الأرض فطمس نورهما ، ويحتمل أن يراد أنه
خالطها قوة مثالية بسبب توجه الملائكة إلى تنويه أمرهما وتعلق همم الملأ الأعلى
والصالحين من بنى آدم ، حتى صارت فيها قوة ملكية الخ .
ويقول شيخنا : ولا يلزم ما يقال أنه كيف لا يبيضه حسناتهم وسودته
خطاياهم ، لأن النتيجة تابعة للأخس الأرذل دائماً . قال الحافظ فى " الفتح"
(٣ - ٣٧٠): اعترض بعض الملحدين على الحديث فقال : كيف سودته
خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد ؟ وأجيب بما قال ابن قتيبة :
لو شاء الله كان ذلك، وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ. ولا ينصيغ
على العكس من البياض . وقال المحب الطبرى : فى بقائه أسود عبرة لمن له
بصيرة ، فإن الخطايا إذا أثرت فى الحجر الصلد فتأثيرها فى القلب أشد ، قال:
وروى عن ابن عباس: "إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة
-------
١٨٧
تحقيق عدم مشاهدة بياض الحجر الأسود
حدثنا : قتيبة نا يزيد بن زريع عن رجاء أبى يحيى قال : سمعت مسافعاً
الحاجب يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول اللّه عَلالجه
يقول: ((إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما،
ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب)).
الجنة ، فإن ثبت هذا فهذا هو الجواب. قال الحافظ : قلت: أخرجه الحميدى
فی فضائل مكة بإسناد ضعيف اهـ .
قال الراقم : وربما يقتنع بالضعيف فى إبداء الحكمة البديعة دون حكم
الشريعة والله أعلم . وما قيل : إن التاريخ لم يثبت فيه " أن الحجر الأسود كان
أبيض فى وقت ولم يشاهد بياضه "، قال شيخنا : وهذا القول جهل ، فإن
التاريخ الواضح مبدؤه من الإسلام، وليست الأدوار التاريخية متصله مسلسلة
إلى عهد آدم ، وإن العهد القديم تاريخه فى دور مظلم ليست عندنا فيه
شواهد واضحة غير ما ثبت من الوحى بواسطة الأنبياء ، وأية رتبة للتاريخ
أمام الأحاديث النبوية بالأسانيد الصحيحة؟ وما هى منزلتها بمقابلة الأخبار
· الصحيحة الثابتة ومناط الوقائع التاريخية على الوقائع المتلقاة من أفواه الرجال
والحكايات المنقولة فيهم، وإن كان هناك أسانيد فى بعضها فليست بمتصلة إلى الوقائع،
وليس رجال أسانيدها مثل رجال أسانيد الأحاديث حيث حصحص الحق
بالجرح والتعديل ، وعلم أسماء الرجال ونقدها بمحك البحث والتحقيق ما لا
يوازيه التاريخ، فأين منزلة التاريخ من منزلة الحديث وإسناده ؟ وأنى سهيل
والسهى ؟ وأين الثرى من الثريا؟. وهذا توضيح ما قاله رحمه الله.
والحديث الثانى : حديث عبد الله بن عمرو ، وهو حديث غريب كما
يقوله الترمذى، وقد أخرجه الحاكم فى " المستدرك" ( ١ - ٤٥٦) من طريق
١٨٨
معارف السنن
ج - ٦
قال أبو عيسى: هذا يروى عن عبد الله بن عمرو موقوفاً قوله ، وفيه
عن أنس أيضاً ، وهو حديث غريب .
أيوب بن سويد عن يونس بن يزيد عن الزهرى عن مسافع الحجبى عن عبد الله
ابن عمرو، قال الحاكم : تفرد به أبوب. ويقول الذهبى فى "تلخيصه": ضعفه
أحمد ، ولكن يقول الحافظ البدر الغينى فى " العمدة" (٤ - ٦٠٨ ) وأخرجه
البيهقى بسند على شرط مسلم ، وزاد : ولولا مسهما من خطايا بنى آدم ما مسهما
من ذى عاهة إلاشفى ، وما على الأرض من الجنة غيره الخ .
ويقول الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٦٩): أخرجه أحمد والترمذى ،
، وصححه ابن حبان ، وفى إسناده رجاء أبو يحيى، وهو ضعيف.
وبالجملة تعددت أسانيده ، وقد صحح جهابذة من المحدثين بعض أسانيده،
وله شاهد من حديث أنس أشار إليه الترمذى وأخرجه الحاكم ( ١ - ٤٥٦)
وقال: صحيح الإسناد، ولفظه: إن رسول اللّه ◌َ الله قال: (( الركن والمقام
ياقوتتان من بواقيت الجنة)،، ولكن فيه داود بن الزبرقان ، قال الذهبى فيه :
قال أبو داود : متروك اهـ .
والمراد فى الحديث من " الركن" " الحجر الأسود"، ومن "المقام"
"مقام إبراهيم عليه السلام"، وهو: الحجر الذى كان يقوم عليه سيدنا ابراهيم
عليه السلام، ويقف عليه عند بناء البيت، فيقول الحافظ ابن كثير فى "تفسيره "
فى تفسير قوله تعالى: ( واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى٥ ) بعد تفصيل روايات
وتخريجها : فهذا كله يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذى كان ابراهيم
عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة ، لم! ارتفع الجدار أتاه اسماعيل عليه السلام
به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده - إلى أن قال - : وكانت آثار
١٨٩
تحقيق مقام إبراهيم وأثر قدميه فيه
قدميه ظاهرة فيه ، ولم يزل هذا معروفاً تعرفه العرب فى جاهليتها ، ولهذا قال
أبو طالب فى قصيدته المعروفة : " اللامية":
وموطئى ابراهيم فى الصخر رطبة . على قدميه حافياً غير ناعل
إلى آخر ما ذكر، وذكره الحافظ فى الجزء الثامن من " الفتح" نقلة
عن ابن الجوزى .
وبالجملة أريد بالمقام فى الآية الكريمة هذا الحجر، قام عليه سيدنا ابراهيم،
وهو المنقول عن ابن عباس وجابر وقتادة وغيرهم ، كما فى " روح المعانى"
وغيره. وأخرج الأزرق عن أبى سعيد الخدرى قال: سألت عبد الله بن
سلام عن الأثر الذى فى المقام ؟ فقال : كانت الحجارة على ما هى عليه اليوم
إلا أن الله أراد أن يجعل المقام آية من آياته ، فلما أمر ابراهيم عليه السلام أن
يؤذن الناس بالحج قام على المقام وارتفع المقام حتى صار أطول الجبال وأشرف
على ما تحته، فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم، إلى آخر ما قال فى الرواية ،
حكاه السيوطى فى "الدر المنثور" (١ - ١١٩). فعلم من هذه الرواية أن
اللّه سبحانه جعل المقام آية" ربانيةً ، كان يرتفع بارتفاع الجدار عند البناء ،
وكلما احتاج إلى أى قدر من الإرتفاع كان يرتفع بإذن الله تعالى.
وأيضاً فى "الدر المنثور" عن ابن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن سعيد
ابن جبير قال: " الحجر مقام إبراهيم، لينه اللّه فجعله رحمةً، وكان يقوم عليه
وبناوله اسماعيل الحجارة". وذكر الحافظ فى "الفتح" (٨ -١٢٨) كلاماً طويلاً
عن ابن الجوزى، وفيه: "وإن أثر قدميه فى المقام كرقم البانى فى البناء لبذكر
به بعد موته" اهـ. وفى "روح المعانى" عن الحسن. "ثبت غوص رجلى إبراهيم
فى الحجر الذى وضعه زوجة اسماعيل عليه تحت رجليه لغسل رأمنه " . وعلى
١٩٠
معارف السنن
ج - ٦
كل حال تواترت الروايات على ظهور أثر قدمى سيدنا إبراهيم عليه السلام فى
الحجر (١)، ثم وقوفه عليه للإعلام بالحج - حيث أمر - أيضاً قول وإن كان هناك
أقوال أخر، فيقول ابن كثير : فقام على مقامه ، وقيل : على الججر، وقيل:
على الصفا ، وقيل : على أبى قبيس، وقال : يا أيها الناس ! إن ربكم قد اتخذ.
بيئاً فحجوه ، فيقال : إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض
وأسمع من فى الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شئى سمعه من حجر ومدر وشجر
ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: " لبيك اللهم لبيك"، ويقول :
هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير
واحد من السلف اهـ .
وبالجملة كون مقام ابراهيم آية ربانية لا براهيم عليه السلام فى جميع ذلك
جعله الله له كالعصا لسيدنا موسى عليه السلام، وقوله سبحانه تعالى فى "آل
عمران ": ( فيه آيات بينات مقام ابراهيم O ) جوز فيه أن يكون " مقام"
عطف بيان للآيات، كما يقوله الألوسى فى " تفسيره"، ويقول: وصح بيانه
(١) هذا وما عداها روايات تطابقت على وجود أثر قدميه عليه السلام
فيه ، وقد صدقها شاهد الحال ، فأخرج هذا الحجر فى عهد الملك فيصل
ملك الحجاز، ونجد ما يسمى الآن : " المملكة العربية السعودية" حرسها الله،
ووضع فى قارورة زجاجية على هيئة منارة صغيرة زجاجية، تسمى هذا الزجاج
فى اللغة الحديثة المعربة: "كرستيل"، وقد شاهدته غير مرة ، وهى متينة
صنعت خاصة فى بلاد " بلجيكا" من بلاد أوربا لهذا الغرض الوحيد،
فيشاهد كل أحد فيه أثر قدميه الشريفين غائصاً جداً، يؤيد الرواية التى صرحت
بغوصها إلى الكعبين ، فشوهد بعد قرون ما أيد تلك الروايات ، وهذه أيضاً
من آيات قدرته البينات، أتم الله بها حجته على العالمين .
١٩١
بيان فضائل مقام إبراهيم والحجر الأسود
الجمع بالمفرد بناءً على اشتمال المقام على آبات متعددة ، لأن أثر القدمين فى
الصخرة الصماء آية ، وغوصهما فيها إلى الكعبين آبة ، وإلافة بعض هذا النوع
دون بعض آية ، وإبقاءه على ممر الزمان آية ، وحفظه من الأعداء آية اهـ .
واكتفى صاحب " الكشاف" بكونه عطف بيان، وما يذكره الآلوسى من
إعراض أبى حيان على هذا التركيب بوجوب الموافقة فى التنكير والتعريف فى
عطف البيان ، وإن " آيات بينات " نكرة و" مقام ابراهيم " معرفة، فجوابه
أن التنوين فيه حل محل تعظيم وتخصيص ، فجعلها كالمعرفة ، مثل صحة الإبتداء
بالنكرة إذا تخصصت بوجه ما .
ثم إن كل ما ورد فى ذلك الحجر من كونه محمل وقوفه عند البناء أو
وقوفه للإعلام بالحج أو غير ذلك من أقوال لا ينافى كونه الجميع، فذكر كل
ما لم يذكره الآخر، ولا تزاحم فى النكات، وينقل الإمام الرازى فى " الكبير".
عن القفال مثله ، والله أعلم .
وقد وردت روايات أخرى فى الحجر الأسود ومقام ابراهيم فى "العمدة"
و " الفتح" و "مستدرك الحاكم" فليراجعها من شاء، وقد ذكرت سابقاً
بعض الروايات فى فضل الحجر الأسود وفى الحكمة فى تقبيله ، غير أننا نكتفى
منها بروايتين: الأولى حديث ابن عباس، أخرجه العينى فى " العمدة" (٤ -
٦٠٧) فقال: وفى " فضائل مكة" الجندى من حديث ابن جريج عن محمد
ابن عهاد بن جعفر عن ابن عباس: «إن هذا الركن الأسود هو يمين الله فى
اللأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه )). ومن حديث الحكم بن أبان
عن عكرمة عنه زيادة: ((فمن لم يدرك بيعة رسول اللّه فَ اه ثم استلم الحجر
فقد بابع الله ورسوله)). وفى " سنن ابن ماجه" من حديث أبى هريرة قال :
( م - ٥٤ )
١٩٢
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى الخروج الى منى والمقام بها )
حدثنا: أبو سعيد الأشج نا عبد الله بن الأجلح عن اسماعيل بن مسلم عن
عطاء عن ابن عباس قال: (صلى بنا رسول اللّه عَُّلِّ بمنى الظهر والعصر والمغرب
قال رسول اللّهَ بَّلج: (( من فاوض الحجر الأسود فكأنما يفاوض يد الرحمن)).
وقال المحب الطبرى: والمعنى فى كونه يمين اللّه - والله أعلم - : أن كل ملك
إذا قدم عليه قبلت يمينه ، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لها
تقبيله نزل منزلة يمين الملك ويده ، ولله المثل الأعلى ، ولذلك من صافحه كان
له عند الله عهد، كما أن الملك يعطى العهد بالمصافحة اهـ .
وفى "الفتح" (٣ - ٣٧٠): وقال المهلب: حديث عمر هذا يرد على
منى قال: أن الحجر يمين الله فى الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون
الله جارحة، وإنما شرع تقبيله اختباراً ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك
شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم .
وقال الخطابى: معنى أنه يمين الله فى الأرض أن من صافحه فى الأرض
كان له عند الله عهد ، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد
موالاته والإختصاص به ، فخاطبهم بما يعهدونه اهـ .
قال الراقم : وهذا فى غاية اللطافة ، وتؤيده أحاديث واردة فى هذا
المعنى ، والله المستعان .
-: باب ما جاء فى الخروج إلى منى والمقام بها :-
"منى" - بكسر الميم مقصوراً فى الآخر مثل كلمة " إلى" - : قرية
١٩٣
بيان " منى" وخصائصها
والعشاء والفجر ثم غدى إلى عرفات)).
قال أبو عيسى : واسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه .
حدثنا: أبو سعيد الأشج نا عبد الله بن الأجلح الأعمش عن الحكم عن
مقسم عن ابن عباس: ((إن النبى ◌َُّلُّ صلى بمنى الظهر والفجر ثم غدى إلى
عرفات )) .
بمكة أى بقربها بنحو ثلاثة أميال ، تكتب بالياء ، يصرف ولا يصرف ، وهو
مذكر، وفى كتاب ياقوت بالتنوين ، سميت بها لما يمنى بها من الدماء ، أى
يراق . هذا ما فى "القاموس". وهناك وجوه أخر فى وجه تسميتها فى " تاج
العروس " للزبيدى. قال فى " العمدة" (٣ - ٥٣٠): "منى" يذكر
ويؤنث بحسب قصد الموضع والبقعة ، قيل: فإذا ذكر صرف وكتب بالألف،
وإذا أنث لم يصرف وكتب بالياء ، ثم ذكر وجوهاً للتسمية . طولها ميلان بين
جبلين مطلين عليها ، وعرضها يسير مبدؤه من جمرة العقبة من جهة مكة ،
ومنتهاها وادى محمسر، وهناك بحث فى كونهما من منى ، فراجعه من " إرشاد
السارى إلى شرح مناسك القارى" . تعمر أيام الموسم وتخلو بقية السنة إلا لمن
يحفظها ، هكذا كانت قرية منى ، غير أن الآن قد اتصلت أبنية مكة بها ،
وبنيت فيها بيوت للسكنى والحجاج فى الموسم . وذكر الأزرق : أن ذرعها
ما بين جمرة العقبة ومحسر سبعة آلاف ومائتا ذراع. وذكروا أن فى منى خمس
آيات جمعها الشاعر بقوله :
• لحجاج بيت الله لو جاوزوا الحدا
وآى منى خمس فمنها اتساعها
وقلة وجدان البعوض بها عدا
٠
ومنع حدأة خطف لحم بأرضها
ورفع حصی المقبول دون الذی ردا .
.
وكون ذباب لا يعاقب طعمها
١٣
١٩٤
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن عبد الله بن الزبير وأنس . قال أبو عيسى: حديث مقسم
عن ابن عباس ، قال على بن المديني: قال يحيى قال شعبة: لم يسمع الحكم من
مقسم إلاخمسة أشياء ، وعدها ، وليس هذا الحديث فيما عد شعبة .
و "المقام" بعضم الميم مصدر الإفعال بمعنى الإقامة، وقد سئل المفتى
أبو السعود عن الفرق بين المقام - بالفتح - وبين المقام - بالضم - ؟ فقال السائل:
يا وحيد الدهر با فرد الأنام . أفتنا فرق المقام والمقام
وما أجاب به العلامة الفقيه المفتى نظمه شيخنا بقوله :
٠
إن كان لك افتحه وإلاضمه
ذاك فرق فى الإقامة والقيام
يريد شيخنا رحمه الله أن المقام - بالفتح - ما كان لك مستقلا تقوم فيه
دائماً ، والمقام ما كان لغيرك تقيم فيه. والشطر الأخير كان تارةً يقول .
ذاك فرق فى المقام والمقام
ويقول لبيد فى " معلقته ":
بمى تأبد غولها فرجامها
٠
عفت الديار محلها فقامها
ومن هذا فى بيت لبيد غير منى مكة .
ثم الخروج من مكة إلى منى صباح يوم التروية ، فيقيم بها إلى صبح يوم
عرفة يصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء يوم التروية ، وصلاة الفجر
وم عرفة، هذه خمس صلوات صلاهِن ◌َّالِ، كما جاء فى حديث الباب من
.واية ابن عباس، وكما فى حديث جابر الطويل فى " صحيح مسلم" و"سنن أبى
داود"، وغيره من الأحاديث الواردة فى هذا ، وبعد صلاة الفجر بمنى يغدو
١٩٥
حديث : ((" منى" مناخ من سبق))
( باب ما جاء أن منى مناخ من سبق )
حدثنا : يوسف بن عيسى ومحمد بن أبان قالا نا وكيع عن اسرائيل عن
إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة عن عائشة قالت: (( قلنا
يا رسول الله! ألا نبنى لك بناءً يظلك بمنى؟ قال: لا، منی مناخ من سبق».
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن .
إلى عرفات ملبياً ومكبراً وداعياً . وما ذكره الترمذى من ثبوت الانقطاع فى
الرواية الثانية بين الحكم ومقسم ، وإنه غير خمسة أسانيد ثبت فيها سماع الحكم
عنه ، كما يقوله لثبوته ، فغير مضر حيث ثبت ذلك فى أحاديث أخرى صحيحة
تشهد له ، وعليه اتفق المذاهب الأربعة .
-: باب ما جاء أن منى مناخ من سبق :-
" المناخ" - بالضم -: موضع إناخة الإبل، مثل: المراح والعطن .
حديث عائشة أخرجه أبو داود فى " باب تحريم مكة " وفيه : " بناء".
أو "بيتاً" من كتاب المناسك، وأخرجه ابن ماجه فى " باب النزول بمنى"
وفيه : " بيتاً" . والحديث حسنه الترمذى، وفى نسخة الحلبية صححه مع أن
فيه مسيكة . قال فى "تهذيب التهذيب": قال ابن خزيمة : لا أحفظ عنها
راوياً غير ابنها ، ولا أعرفها بعدالة ولا جرح، وجعلها الذهبى مجهولة فى
" الميزان". وأخرجه الحاكم فى " المستدرك" (١ - ٤٦٧) من طريقها :
وصححه على شرط مسلم ، وقرره الذهبى فى " تلخيصه". قال الخطائى
(٢ - ٢٢١): قلت : قد يحتج بهذا من لا يرى دور مكة مملوكة لأهلها ،
ولا يرى بيعها وعقد الإجارة عليها جائزاً، وقد قيل: إن هذا خاص للنبى
١٩٦
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى تقصير الصلاة بمنى )
حدثنا: قتيبة نا أبو الأحوص عن أبى اسحاق عن حارثة بن وهب قال :
عَّ وللمهاجرين من أهل مكة، فإنها دار تركوها لله تعالى، فلم ير أن يعودوا
فيها فيتخذوها وطناً أو يبنوا فيها بناءً، والله أعلم اهـ .
قال الراقم : هذا تأويل، والإستدلال به واضح ، احتج به الإمام
أبو حنيفة: أن أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يملكها أحد. قال الطيبى - كما
حكاه فى لحاشية فى معنى الحديث - : قال : لا ، لأن منى ليس مختصاً بأحد ،
إنما هو موضع العبادة، من الرمى، وذبح الهدى ، والجلق ونحوها ، فلو أجيز
البناء فيها لكثرت الأبنية وتضيق المكان، وهذا مثل الشوارع ومقاعد الأسواق ،
وعند أبى حنيفة أرض الحرم موقوفة ، فلا يجوز أن يملكها أحد اهـ . وعدم
جواز بيع أرض الحرم وبيوت مكة وإجارتها هو مذهب أبي حنيفة ومحمد
والثورى ، وإليه ذهب عطاء ومجاهد ومالك واسماق وأبو عبيد، وذهب إلى
الجواز أبو يوسف والشافعى وأحمد وطاوس وعمرو بن دينار وابن المنذر. وهذا
ملخص ما قاله فى "العمدة" ( ٤ - ٥٩٠ ).
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى" . .
-: باب ما جاء فى تقصير الصلاة بمنى :-
أخرج فيه حارثة بن وهب وهو الخزاعى ، وخزاعة حى من الأزه ، كما
يقوله البدر العينى فى "العمدة". وابن وهب الخزاعى هذا : أخو عبيد الله
ابن عمر بن الخطاب لأمه ، كما يقوله الخطابى فى " معالم السنن"، وهو حديث
أخرجه الشيخان ، وكذلك كل ما ذكره فى الباب من أحاديث عبد الله وابن
عمر وأنس، أخرجها البخارى ومسلم .
١٩٧
بيان قصر الصلاة بمنى والمذاهب فيه
((صليت مع النبى حّله بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين)).
وفى الباب عن ابن مسعود وابن عمر وأنس . قال أبو عيسى : حديث
حار ثة بن وهب حديث حسن
صيح .
قوله : آمن ما كان الناس وأكثره. "آمن" إفعال من أمن، ضد: خاف.
والأجمن الواضح أن يكون كلمة "ما" مصدرية، وأكثره عطف على "آمن"،
ووقع "آمن" حالاً، يريد أنه حَ الٍ قصر بمنى مع كونه عجّل والناس آمنين غير
خائفين كثيرين غير قليلين ، فلم يكن التقصير فى الصلاة لأجل الخوف ولا
لقلة الناس حتى يكون مخافة العدو. والغرض الإشارة إلى أن تشريع القصر ابتداء
وإن كان لأجل الخوف وقلة المسلمين فقد زالت العلة وبقى الحكم، فقصر وَلا؟
بمنى ، فكان التقصير حكماً مؤبداً فى السفر غير مقيد بخوف الفتنة من الكفار .
ولفظ حديث الباب فى "صحيح البخارى" فى المناسك: ((قال: صلى بنا النبى
عَل - ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه - بمنى ركعتين)). وقد شرحه البدر العينى
فى "العمدة" (٤ - ٦٦٩) و (٣ - ٥٣٣)، والشهاب العسقلانى فى "الفتح"
(٢ - ٤٦٥)، ولفظه فى " الصحيح" فى " باب الصلاة بمنى" من كتاب
الصلاة: ((صلى بنا النبي صَ لّ آمن ما كان بمنى)). وذكر الحافظان نقلاً عن
الطيبي : أن "ما" مصدرية، ومعناه: الجمع، لأن ما أضيف إليه " أفعل"
يكون جمعاً ، والمعنى: صلى بنا والحال أنا أكثر أكواننا فى سائر الأوقات
أمناً اهـ.
ومسألة الباب : تقصير الصلاة بمنى، فاتفق الأمة والأئمة على القصر فى
الصلاة للمسافر الحاج بمكة وإن كان بعض اختلاف فى حكم ذلك القصر، كما
قد فرغنا منه فى الصلاة ، ولكن اختلفوا فى علة القصر بمنى ، فقال أبو حنيفة
١٩٨
معارف السنن
ج - ٦
وروى عن ابن مسعود أنه قال: «صليت مع النبى حَ له بمنى ركعتين ومع
أبى بكر ومع عمر وعثمان ركعتين صدراً من أمارته)).
والشافعى وأحمد : إن القصر بمنى لأجل السفر ، فلا يقصر أهل مكة بمنى فى
الحج، لأنهم غير مسافرين ، وهو مذهب أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهرى
والثورى، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة من الأربعة . وقال مالك : يقصر بمنى
مطلقاً وإن كانوا أهل مكة ، وهذا التقصير عنده ليس لأجل السفر ، وإنما هو
لأجل النسك : أنه كونه نسكاً من مناسك الحج ، نظير جمع التقديم بعرفات
وجمع التأخير بمز دلفة عند أبى حنيفة وأصابه من أجل النسك لا لأجل السفر،
حيث إن السفر غير مبيح للجمع عنده لا تقديماً ولا تأخيراً ، كما أسلفناه من
قبل. ومذهب مالك مذهب ابن عمر وسالم والقاسم وطاؤس ، وبه قال الأوزاعى
واسحاق . والمذاهب لخصناها من "العمدة" و" مغنى ابن قدامة" وغيرهما.
ودليل ذلك عندهم: أن النبي ◌َّ ال﴾ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه،
ولا قال لأهل مكة: " أتموا"، وهذا موصع بيان. وحجة الفريق الأول
كما يقوله الإمام الخطائى فى "معالمه" (٢ - ٢١١): ليس فى قوله حَا} :
(((فصلى بنا ركعتين)» دليل على أن المكى يقصر الصلاة بمنى، لأن رسول الله
عَّالي كان مسافراً بمنى فصلى صلاة المسافر، ولعله لو سأل رسول اللّه عَّامٍ عن
صلاته لأمره بالإتمام، وقد يترك بَّ لي بيان بعض الأمور فى بعض المواطن
اقتصاراً على ما تقدم من البيان السابق ، خصوصاً فى مثل هذا الأمر الذى هو
من العلم الظاهر العام، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يصلى بهم فيقصر،
فإذا سلم التفت فقال: " أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر" اهـ.
قلت : رواه مالك فى "مؤطئه" وزاد: ثم صلى عمر ركعتين بمنى ولم
يبلغنا أنه قال لهم شيئاً. ولعل ذلك لقرب العهد بالإعلام ولم يعد الإعلام مرة؟
:
١٩٩
بحث أن القصر للسفر أو للنسك
وقد اختلف أهل العلم فى تقصير الصلاة بمنى لأهل مكة، فقال بعض أهل
العلم: ليس لأهل مكة أن يقصروا الصلاة بمنى إلا من كان بمنى مسافراً، وهو
قول ابن جريج وسفيان الثورى ويحيى بن سعيد القطان والشافعى وأحمد واسماق ،
وقال بعضهم: لا بأس لأهل مكة أن يقصروا الصلاة بمنى ، وهو قول الأوزاعى
ومالك وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدى .
أخرى، والله أعلم .
وقال الطحاوى كما فى "العمدة": وليس الحج موجباً للقصر، لأن
. أهل منى وعرفات إذا كانوا حجاجاً أتموا ، وليس هو متعلقاً بالموضع ، وإنما
هو متعلق بالسفر ، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون ، ولما كان المقيم
لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج اهـ .
والحافظ ابن تيمية فى " فتاواه " اختار قول مالك فى القصر بمنى مطلقاً
لأجل النسك، وادعى أنه لم يثبت عنه بَِّ لّ الأمر بالإتمام بمنى فى حجة الوداع
مثل ما ثبت عنه عَُّلّ فى عام الفتح.
وعلى كل حال الأئمة الثلاثة : أبو حنيفة والشافعى وأحمد، ومعهم الثورى
وعطاء من أهل مكة، والزهرى من أهل مدينة، كلهم يرون القصر لأجل السفر
لا لأجل النسك ، وحجة الطحاوى فى غاية القوة ، وعدم وجود الإسناد
أو الرواية لا يوجب النفى فى الواقع ، فكم فى الدنيا وقائع وليس لها إسناد ،
فالإسناد يحتاج إلى الواقع دون العكس ، والله أعلم .
ومن طريف ما يحكى لنا الخطابى بإسناده فى " المعالم": قال الوليد بن
( م - ٥٥ )
٢٠٠
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى الوقوف بعرفات والدعاء فيها )
حدثنا : قتيبة نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله
ابن صفوان عن يزيد بن شيبان قال: (( أتانا ابن مربع الأنصارى ونحن وقوف
مسلم : وافيت مكة وعليها محمد بن ابراهيم وقد كتب إليه : أن يقصر الصلاة
بمنى وعرفة ، فقصر، فرأيت سفيان الثورى قام فأعاد الصلاة ، وقام ابن
جريج فبنى على صلاته فأتمها .
قال الوليد: ثم دخلت المدينة فلقيت مالك بن أنس فذكرت ذلك له وأخبرته
بفعل الأمير وفعل سفيان وابن جريج؛ فقال: أصاب الأمير وأخطأ ابن جريج،
ثم قدمت الشام فلقيت الأوزاعى فذكرت له ذلك ؟ فقال : أصاب مالك ،
وأصاب الأمير وأخطأ سفيان وابن جريج، قال: ثم دخلت مصر فلقيت الشافعى
فذكرت ذلك له ؟ فقال : أخطأ الأمير وأخطأ مالك وأخطأ الأوزاعى وأصاب
سفیان وأصاب ابن جريج .
قلت : أما ابن جريج فإنما بنى على صلاته ، لأن من مذهبه أن المفترض
يجوز له أن يصلى خلف المتنفل ، وأعاد سفيان الصلاة لأنه لا يرى للمفترض
أن يصلى خلف المتنفل ، وكانت صلاة الأمير عنده نافلة حين قصرها وهو
مقيم بمكة والياً عليها ، فاستأنف سفيان صلانه ، وكذلك مذهب أصحاب الرأى.
فى هذا ، انتهى
:
-: باب ما جاء فى الوقوف بعرفات والدعاء فيها :-
حديث ابن مربع فى الباب أخرجه النسائى وأبو داود وابن ماجه، وابن مربع
هذا سماه الإمام الترمذى: يزيد، وقيل: زيد، وقيل: عبد اللّه، كما فى "التهذيب"