النص المفهرس

صفحات 101-120

بيان بعض محظورات الإحرام ولبس السراويل عند عدم الإزار ١٠١
( باب ما جاء فى لبس السراويل والتغير.
للمحرم اذا لم يجد الازار والتعلين )
حدثنا : أحمد بن عبدة الضبى البصری نا یزید بن زريع نا أيوب ناعمرو
النهى . ودل الحديث على حرمة الثوب الذى مسه ورس وزعفران ، فذهب
جماعة إلى إطلاقه سواء كان مغسولاً أو لم يكن مغسولاً، وهى رواية عن
مالك ، واختاره ابن حزم ، والجمهور أجازوا الغسيل منه إذا ذهبت الرائحة ،
وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد واسحاق وغيرهم لثبوت الإستثناء
فى حديث ابن عمر عند الطحاوى، وفيه بحث طويل توثيقاً وتضعيفاً فى " العمدة "
و "الفتح"، ومال صاحب "الفتح" إلى التضعيف، وصاحب " العمدة"
إلى التوثيق .
وزاد الثورى فى رواية هذا الحديث عن أيوب عن نافع عند عبد الرزاق :
(((ولا القباء))، وزاد غيره أيضاً عند الدار قطنى والبيهقى .
والورس نبت أصفر طيب الريح يصبغ به ، ويجلب من اليمن وغيرها ،
وقيل : ليس بنبات يشبه زهر العصفر . والزعفران معروف . هذا وفى شرح
الحديث مسائل وفوائد غيرها لسنا بصدد استيفائها ، ومن شاء الوقوف عليها
فليراجع " العمدة" و"الفتح" من جميع موارد الحديث من أجزاء شتى،
وفيما ذكرنا من المهمات كفاية ههنا ، والله المستعان، وهو الموفق فى كل شأن.
-: باب ما جاء فى لبس السراويل والخفين
للمحرم إذا لم يجد الإزار والنعلين :-
أخرج فى الباب حديث ابن عباس وقد أخرجه الشيخان ، وفيه مسألتان :
:

١٠٢
معارف السنن
ج - ٦
ابن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللّه محلّ له يقول:
(( المحرم إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس
الخفين )) .
حدثنا : فنيبة ناحماد بن زيد عن عمرو نحوه . وفى الباب عن ابن عمر
وجابر. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض
أهل العلم قالوا : إذا لم يجد المحرم الإزار لبس السراويل ، وإذا لم يجد النعلين
لبس الخفين. وهو قول أحمد، وقال بعضهم على حديث ابن عمر عن النبى عَامٍ:
(((إذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعها أسفل من الكعهين))، وهو قول
سفيان الثورى والشافعى .
الأول : مسألة لبس السراويل عند فقد الإزار ، فقال أبو حنيفة ومالك :
يلبسه بعد ما يشقه إذا أمكن ، وإذا لم يمكن منه الإزار مع شقه لبسه ولزمته
الفدية . وقال الشافعى وأحمد : لبسه من غير شقه ولا فدية عليه ، والذى قالوا
من أن القطع فساد ، أجيب عنه بأنه ثبت نظيره فى الخفين ، فالامتثال بالأمر
لافساد فيه أصلاً. وبالجملة أجمعوا على أن المحرم إذا وجد إزاراً لم يجزله لبس
السراويل ، واختلفوا إذا لم يجد الإزار ، هل يشقه أولا ؟ وإذا لم يمكن الازار
به مع الفتق ، اتفقوا أيضاً على لبسه ، وبقى الخلاف فى لزوم الفدية ، فتجب
عند أبى حنيفة ومالك خلافاً للشافعى وأحمد واسحاق ، ووجوب الدم لأدلة أخرى
قامت عليه .
وأما المسألة الثانية : وهى مسألة لبس الخفين عند فقد النعلين ، فالثلاثة
على لبسهما بعد القطع خلافاً لأحمد ، والحديث بظاهره حجته ، والجمهور
حملوه على ما وقع من التفسير والبيان فى حديث ابن عمر ، وهو أقوى منه فى

١٠٣
بحث قطع الخفين عند عدم النعلين ونزع الجبة عند الإحرام
( باب ما جاء فى الذى بحرم وعليه قميص أو جبة )
حدثنا : قتببة بن سعيد نا عبد الله بن ادريس عن عبد الملك بن أبى سليمان
عن عطاء عن يعلى بن أمية قال: ((رأى رسول اللّه عَل﴾ أعرابياً قد أحرم
وعليه جبة ، فأمره أن ينزعها)) .
الباب حيث اختلف فى حديث عباس ، فرواه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح كما
فى " الفتح" عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً، وحديث ابن عمر
لا یر تاب أحد من الحدثین بأنه أصح من حديث ابن عباس ، لأن حديث ابن عمر
جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، وقد اتفق عليه عن ابن عمر غير واحد
من الحفاظ ، منهم نافع وسالم وعبد الله بن دينار ، وحديث ابن عباس لم يأت
مرفوعاً إلا من رواية جابر بن زيد حتى ضعفه الأصيلى بالجهالة وإن لم يصب فيه .
علا أن لحديث ابن عباس طريقاً عند النسائى ما يوافق حديث ابن عمر، فرواه
عن اسمعيل بن مسعود وهو الجحدرى، وثقه النسائى وأبو حاتم وابن حبان ،
وقال فى " التقريب": ثقة من العاشرة، وبقية رجاله رجال "الصحيح"،
فالزيادة من الثقة مقبولة على الصحيح، فإذن ثبت القطع فى حديث ابن عباس.
نفسه من غير حمله على حديث ابن عمر . فخذ الكلام محرراً والله الموفق .
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى".
-: باب ما جاء فى الذى يحرم وعليه قميص أو جبة : -
دل حديث الباب على نزع الجبة من غير شقها ، وهو مذهب الجمهور،
وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد، فالحديث حجة هم ، وهو
حديث متفق عليه من حديث الشيخين .
( م - ٤٣ )

١٠٤
معارف السنن
ج - ٦
حدثنا : ابن أبى عمر نا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان
ابن يعلى عن أبيه عن النبى وحَّالج نحوه بمعناه.
قال أبو عيسى : وهذا أصح، وفى الحديث قصة ، وهكذا روى قتادة
والحجاج بن أرطاة وغير واحد عن عطاء عن يعلى بن أمية ، والصحيح ما
روى عمرو بن دينار وابن جريج عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه عن
النبى ◌َلا؟
وقال الشعبى والنخعى : لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطباً رأسه
بل بشقه ، وروى ذلك عن على والحسن وأبى قلابة ، وعن أبى صالح وسالم :
يخلعه من قبل رجليه ، وقد وقع الحديث عند أبى داود بلفظ: ((اخلع عنك
الجبة، فخلعها من قبل رأسه))، وأخرج الطحاوى فى شرح " معانى الآثار"
فى ( باب الرجل يحرم وعليه قميص ) من حديث جابر بن عبد الله ما يدل
على شق القميص لكيلا يستر رأسه عند النزع، ثم عارضه بحديث الباب وقال:
إنه أحسن إسناداً منه . هذا ملخص ما فى " العمدة " فى عدة مواضع مع
زيادة . ولعل الجبة كانت على هيئة القميص حيث لم يمكن نزعها إلا من
قبل رأسه .
ثم إن الأعرابى صاحب القصة هل هو راوى الحديث نفسه أو غيره ؟
فالذى فى عامة طرق الحديث فى "الصحيحين" و"السنن" وشرح " معانى
الآثار " فى ( باب التطبيب عند الإحرام ) : أن صاحب القصة غير صاحب
الرواية ، وذكر ابن فتحون فى الذيل عن تفسير الطرطوشى : إن اسمه عطاء
ابن منية ، قال ابن فتحون : إن ثبت ذلك فهو أخويعلى بن منية راوى الخبر،
كما فى "العمدة" (٤ - ٥٠٩) و "الفتح" (٣ - ٣١١)، وراجعها

بحث إسنادى فى حديث نزع الجبة وما يقتل المحرم من الدواب ١٠٥
( باب ما جاء ما يقتل المحرم من الدواب )
حدثنا: محمد ب عبد الملك بن أبى الشوارب نا يزيد بن زريع نا معمر
عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول اللّه فَلٍ: ((خمس فواسق
لمزيد البيان والبحث . ويعلى بن منية هو: يعلى بن أمية، نسبة إلى جدته أو أمه،
كم فى "الإصابة". ووقع عند مسلم والطحاوى: يعلى بن منية، وتدل رواية
عند الطحاوى فى ( باب الرجل يحرم وعليه قميص) (١ - ٣٧١) على أن
صاحب القصة هو صاحب الحديث نفسه، فأخرج: ((أن رجلاً يقال له :
يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة الخ)) والأول أشهر وأكثر والله أعلم .
بحث إسنادى: بين الترمذى الإختلاف فى إسناد الحديث من زيادة الواسطة
بين عطاء ويعلى ورحج إثباتها ، وبذكر الواسطة رواه الشيخان . وكذلك رواية
عمرو بن دينار عند مسلم ورواية ابن جريج عند البخارى فى (باب غسل الخلوق
ثلاث مرات من الثياب) ، وكذا عند مسلم ، وعند البخارى أيضاً من رواية همام
فى ( باب إذا أحرم جاهلاً وعليه قميص ) ، وعند مسلم من رواية همام وقيس
أيضاً ، فهؤلاء : ابن جريج وابن دينار وقيس وهمام بن يحى كلهم زادوا
"صفوان" بين عطاء ويعلى. ويحتمل أنه سمع منها جميعاً، فتارةً يروى بالواسطة
وتارةً بلا واسطة، فإن عطاء سمع من نحو مائتى صحابى لبسه ولم ينكر سماعه من يعلى
أحد . والقصة التى أشار إليها الترمذى رواها البخارى فى (باب إذا أحرم
جاهلا وعليه قميص ) ومسلم فى ( باب ما يباح للمحرم ... لبسه ).
-: باب ما جاء يقتل المحرم من الدواب :-
قوله : خمس فواسق . كلمة " خمس" مرفوع بالابتداء لتخصصها بالصفة

١٠٦
:٠
معارف السنن
ج - ٦
أو تعريفها بالإضافة ، فخمس إما مضاف إلى فواسق أو مرفوع بالتنوين . وقال
النووى بالأول ، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين مع ترجيح الثانى ، وذكر
الفرق بينهما بأن رواية الإضافة تشعر بالتخصيص ، فيخالف غيرها فى الحكم من
طريق المفهوم ، ورواية التنوين تقتضى وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى ،
فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك - وهو القتل - معلل بما جعل وصفاً - وهو
الفسق - ، فيدخل فيه كل فاسق من الدواب . هذا ملخص ما فى " العمدة "
وغيرها . فالحاصل أن التركيب الوصفى أشمل بمنطوقه مع التصريح بالعلة .
ثم إنه وقع هنا الحديث بلفظ: " الخمس"، وزاد مسلم فى حديث
إحدى نسوة النبى معَّ اج: "الحية"، فصارت سناً، وقع بلفظ الست فى
بعض طرق حديث عائشة عند أبى عوانة فى " المستخرج" كما فى " العمدة"
و"الفتح"، وزاد الترمذى فى حديث أبى سعيد فى الباب نفسه: ((السبع
العادى))، فصارت سبعاً ، غير أنى لم أقف برواية الحديث بلفظ " السبع".
وزاد ابن المنذر وابن خزيمة فى حديث أبى هريرة ذكر الذئب والنمر ، فتصير
تسعاً ، وفيه بحث، راجع " العمدة" (٥ - ٨١) و"الفتح" (٤ - ٣٠).
والخمس المذكور فى حديث الباب اشتمل على أنواع ثلاثة : (١) حشرات
الأرض . (٢) سباع الطير (٣) الدواب ، فاختلفوا فى تنقيح مناطها ، فنقحها
الشافعى بما لا يؤكل لحمه ، فيجوز عنده قتل كل مالا يؤكل لحمه من غير فدية
عليه . ونقحها مالك بمايؤذى ، ونقح بعضها أبو حنيفة بالإيذاء فى مثل العقرب
والفأرة ، وجوز قتل الحشرات والهوام أيضاً ، وتجد ذكر هذه التنقيحات عند
ابن رشد فى " قواعده" والبدر العينى فى " عمدته" (٥ - ٨٤ و ٨١ و ٨٢).
وذكر صاحب "العمدة" أن الشافعى قسم الحيوان ثلاثة أقسام: قسم يستحب
قتله وهى المنصوصات ، وقسم يباح، وقسم يكره . وقال عياض : ظاهر قول
٠)

١٠٧
تنقيح الدواب الخمس وما يجوز قتله المحرم
الجمهور أن المراد أعيان ماسمى فى هذا الحديث ، وهو ظاهر قول أبى حنيفة
ومالك، كما فى "العمدة " أيضاً، وهذا يؤمى إلى عدم تعدية معناها إلى ماعداها ،
فلعل عن الإمامين مالك وأبى حنيفة روايتين . والتنقيح بالإيذاء كما فعله
أبو حنيفة ومالك أولى من تنقيح الشافعى بعدم كونه مأكولاً ؟ فإن الإيذاء فى
المذكورات فى الحديث معروف . وأما وجه عدم الأكل فلايتبادر إليه الفكر
أول مرة ، ويؤيد علة التنقيح الرواية الثانية فى الباب ، وفيها ذكر السبع
العادى .
فائدة : ينسب بعض أرباب الأصول إلى صاحب " الهداية " القول باعتبار
مفهوم العدد ، ومنشؤ هذه النسبة كلام صاحب " الهداية" فى هذا المقام،
ولعله اعتبره فى هذا المقام دون اعتباره مطلقاً ، قاله شيخنا الإمام .
مسألة: ذكر فى كثير من كتب فقائنا الحنفية كـ " البدائع" و" الهداية "
و " الكنز" وغيرها: أن السبع إذا ابتدأ المحرم بالأذى وصال عليه فقتله المحرم
لاشيّى عليه ، وإن ابتدأه المحرم فقتله فيجب بقتله الجزاء ، ولا يجاوز شاة ،
وذكر ابن الهمام أنه ظاهر الرواية . وقال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه
من أهل العلم على أن السبع إذا بدأ المحرم فقتله لاشيئى عليه ، غير أن زفر من
أصحاب إمامنا أبى حنيفة قال : يجب الجزاء اعتباراً بالجمل الصائل ، كما فى
" الهداية " .
ثم المراد بالغراب فى الحديث عندنا هو : الأبقع ، وقد وقع مصرحاً
به فى رواية مسلم فى "صحيحه» (١ - ٣٨١) فى ( باب ما يندب المحرم
وغيره قتله ) من حديث عائشة من طريق ابن المسيب عنها . وكذا قيده البدر
العينى فى " العمدة" (٥ - ٨٢)، واحتج له بحديث مسلم قال : وقال

١٠٨
معارف السنن
ج - ٩
يقتلن فى الحرم : الفأرة، والعقرب، والغراب، والحديا ، والكلب العقور)).
القرطبى : هذا تقييد لمطلق الروايات التى ليس فيها الأبقع ، وبذلك قالت
طائفة .... وطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان ، ورأوا أن
ذكر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب . ثم رده العينى وقال : الروايات المطلقة
محمولة على هذه الرواية المقيدة التى رواها مسلم . وذلك لأن الغراب إنما أبيح
قتله لكونه يبتدأ بالأذى ، ولا يبتدأ بالأذى إلا الغراب الأبقع ، والغير الأبقع
لا يبتدأ بالأذى ، فلايباح قتله كالعقعق وغراب الزرع ، ويقال له : الزاغ ،
وأفتوا بجواز أكله ، فبقى ما عداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع ، ومنها الغداف .
وذكر أن حديث أبى سعيد الخدرى عند أبى داود وفيه: ((ويرمى الغراب
ولايقتله))، محمول على غراب الزرع . ومثله ذكر ابن الحمام فى " الفتح".
والغراب الأبقع هو الذى فى صدره بياض كما فى "الموعب" أويخالط سواده
بياض، كما فى " المحكم" أو فى بطنه وظهره بياض. قاله أبو عمر كما فى
" العمدة"، وهو أخبثها، وبه يضرب المثل لكل خبيث. ثم إن التقييد
موضع اتفاق بين الحنفية والشافعية والحنابلة ، وذهب إليه أكثر المالكية ، وزاد
الشافعية والحنابلة غراب البين أيضاً كما يستفاد من " المغنى" و"العمدة "
وغيرهما ، وهل هو قسم مستقل ؟ فليبحث عنه والله أعلم .
وفى كتب فقهائنا : إن الغراب على ثلاثة أصناف : (١) صنف يلتقط
الحب ولا يأكل الجيف وهذا لا يكره أكله اتفاقاً بين أئمتنا . (٢) وصنف يأكل
الجيف وهو مكروه اتفاقاً . (٣) وصنف بأكل الحب مرةً والجيف أخرى ،
وهذا مکروہ عند أبی یوسف غیر مکر وه عند أبى حنيفة ، کما ذكره صاحب
" العناية" على " الهداية" فى فصل عقيب الذبائح.
قوله . والكلب العقور . اختلفوا فى المراد به ، فقيل : هو الكلب

١٠٩
تنقيح الكلب العقور وبيان المذاهب
وفى الباب عن ابن مسعود وابن عمر وأبى هريرة وأبى سعيد وابن عباس .
قال أبو عيسى : حديث عائشة حديث حسن صحيح .
حدثنا : أحمد بن منيع نا مشيم نا يزيد بن أبى زياد عن ابن أبى نعم عن
أبى سعيد عن النبى ◌ّلي قال: ((يقتل المحرم السبع العادى والكلب العقور
والفأرة والعقرب والحدأة والغراب)».
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم
قالوا : المحرم يقتل السبع العادى والكلب، وهو قول سفيان الثورى والشافعى.
وقال الشافعى : كل سبع عدا على الناس أو على دوابهم فللمحرم قتله .
المعروف ، حكاه عياض عن أبى حنيفة ، والأوزاعى. والحسن بن حيى ،
وألحقوا به الذئب . وحمل زفر الكلب على الذئب وحده . وذهب الشافعى
والثورى وأحمد وجمهور العلماء إلى أن المراد كل مفترس غالباً . وقال مالك فى
"المؤطأ": كل ماعقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد
والذئب هو: العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان ، وقال بعضهم : هوقول
الجمهور . وقال أبو حنيفة : المراد بالكلب هنا الكلب خاصة ، ولا يلتحق
به فى هذا الحكم سوى الدئب . هذا ملخص ما فى "العمدة" (٥ - ٨٣).
وقال ابن الهام فى " الفتح" ( ٢ - ٢٢٧ ) فى صدد توجيه ما نقله صاحب
"الهداية" رواية عن أبى حنيفة " أن الكلب العقور وغير العقور والمستأنس
والوحشى منهما سواء" . أن المراد فى الحديث بالكلب العقور الكلب الوحشى ،
لأنه يكون عقوراً مبتدياً بالأذى ، فأفاد أنه وإن كان صيداً لاشئ فيه لكونه
عقوراً ، ثم ذكر ما ملخصه : أن الأنسى أيضاً يدخل فيه ، فأحد صنفيه صيد
وهو الوحشى، والآخر غير صيد وهو الأنسى ، وذكر أيضاً على سبيل التنزل :

١١٠
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى الحجامة للمحرم )
حدثنا : قتيبة نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس وعطاء
عن ابن عباس: ((إن النبي ◌ُّل احتجم وهو محرم)).
.وفى الباب عن أنس وعبد الله بن بحينة وجابر . قال أبو عيسى : حديث
ابن عباس حديث حسن صحيح. وقد رخص قوم من أهل العلم فى الحجامة
للمحرم وقالوا: لا يحلق شعراً. وقال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة.
وقال سفيان الثورى والشافعى : لا بأس أن يحتجم المحرم ولا ينزع شعراً.
تختار أن جنس الكلب غير وحشى وإن وجد منه وحتى فالتوحش عارض
له ، فاقتضى أن لا يجب بقتل شئ منه جزاء آهـ . وعن أبى يوسف : أن الأسد
كالكلب العقور كما فى " فتح ابن الحمام"، وهذا ليس بتنقيح مناط له بل جعل
الأسد من جملة ماصدقات الكلب، ويؤيد ما أخرجه الحاكم وغيره: ((إنه
حَّهه دها على رجل - وهو عتبة بن أبي لهب ـ: أللهم سلط عليه كلباً فافترسه
أسد)). حكاه فى " العمدة " (٥ - ٨٣).
-: باب ما جاء فى الحجامة للمحرم :-
هل يمنع منها أو يباح مطلقاً أو للضرورة ؟ والمراد بذلك كله المحجوم
لا الحاجم ، كما فى " العمدة" و "الفتح". فأجازه مطلقاً أبو حنيفة والثورى
والشافعى وأحمد واسحاق ، أخذاً بظاهر الحديث ما لم يقطع الشعر . ومنعه مالك
إلا لضرورة ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز حلق شيّى من شعر رأسه حتى
يرمى جمرة العقبة إلا من ضرورة ، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية ،
قضى بها رسول اللّه عَّ ل على كعب بن عجرة، فإن لم يحلق شعراً فهو
:

١١
بحث الاحتجام للمحرم وكراهية تزويج المحرم
( باب ما جاء فى كراهية تزويج المحرم)
حدثنا : أحمد بن منيع نا اسماعيل بن علية نا أيوب عن نافع عن نبيه بن
وهب قال: ((أراد ابن معمر أن ينكح ابنه فبعثنى إلى إبان بن عثمان وهو
أمير الموسم ، فأتيته فقلت : إن أخاك يريد أن ينكح ابنه فأحب أن يشهدك
كالعرق يقطعه ، أو الدمل يبطه ، أو كالقرحة ينكأها فلا شيئى عليه ، وخص
أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس . هذا ملخص ما فى " العمدة" (٥ - ٩٧ )
و " الفتح"
وبالجملة إن اضطر المجرم إلى حلق الشعر لأجل الحجامة لزمته الكفارة ،
وإلا فلا شيئى عليه. وفائدة العذر رفع الإثم، وثبت احتجامه وعَلِ فى حجة
الوداع كما صرح به الشافعى ، حكاه الترمذى فى الصيام وقد تقدم ، وقد ورد
فى حديث ابن بحينة فى "الصحيحين" قال: ((احتجم النبى فِظُّ وهو محرم
بلحى جمل فى وسط رأسه)). و "لحى جمل)" موضع بين مكة والمدينة قريباً
منها ، وقد جزم الحازمى وغيره بأن ذلك كان فى حجة الوداع ، كما فى
"العمدة" (٥ - ٩٨) و " الفتح" (٤ - ٤٤).
-: باب ما جاء فى كراهية ترويج المحرم :-
مسألة نكاح المحرم خلافية مشهورة سلفاً وخلفاً ، فذهب مالك والشافعى
وأحمد إلى أن نكاح المحرم باطل ، وإليه ذهب الليث والأوزاعى ، ويروى عن
عمر وعلى وابن عمر وزيد بن ثابت من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب وسالم
وقاسم من التابعين. وقال أبو حنيفة وأصحابه كلهم : إن نكاحه صحيح، وإنما
( م - ٤٤ )

١١٢
معارف السنن
ج - ٦
المنهى عنه الوطنى ودواعيه ، وإليه ذهب ابراهيم النخعى وسفيان الثورى
وعطاء والحكم بن عتيبة وعكرمة ومسروق والقاسم بن محمد بن أبى بكر وأبوه
محمد وابنه عبد الرحمن وحماد بن أبى سليمان . وقال ابن حزم : أجازه طائفة ،
صح ذلك عن ابن عباس ، وروى عن ابن مسعود ومعاذ ، ورواه الطحاوى
عن أنس أيضاً . هذا ملخص ما فى " الجوهر النقى" و"عمدة القارى".
وبالجملة اختلف فيها كبار الصحابة وفقهاؤهم وكبار التابعين وخيارهم،
فالترجيح فى مثلها والخروج عن الخلاف فيها صعب جداً ، كما يقول القاضى
أبو زيد الدبوسى فى مثل ذلك . ولكل وجهة هو موليها . وحجة الفريقين
أحاديث صحيحة غير أن حديث الصحة أصح إسناداً حيث اتفق على تخريجه
الشيخان، واختاره البخارى حيث بوب فى المناسك فقال: ( باب تزويج المحرم)
وترجم فى النكاح : ( باب نكاح المحرم). قال الحافظ فى " الفتح": ظاهر
صنيعه أنه لم يثبت عنده النهى عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص اهـ . ومثله
فى "العمدة" (٥ - ٩٨). وحديث النهى انفرد به مسلم، ومنشأ الخلاف
اختلاف الروايات فى نكاح أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها ، وهى خالة ابن
عباس ويزيد بن الأصم وخالد بن الوليد جميعاً .
و هذا الباب حجازیین وأخرج فيه حديث أبى رافع وحدیث یزید بن
الأصم ، وفى كلا الحدیثین مغامز إسنادية ومعنوية . فأما حديث أبي رافع ففيه:
أما أولاً : فإنه حديث مختلف إسناداً فى الإرسال والرفع ، والترمذى
رجح الإرسال ، ويقول الحافظ أبو عمر كما فى " العمدة" وغيرها : حديث
مالك عن ربيعة فى هذا الباب غير متصل . وقد رواه مطر الوراق فوصله ،
رواه حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن سليمان

١١٣
بحث جواز نكاح المحرم وأدلته
ذلك ؟ فقال: لا أراه إلا أعرابياً جافياً، إن المحرم لا ينكح ولا ينكح)، أو كما
قال ، ثم حدث عن عثمان مثله يرفعه .
ابن يسار عن أبى رافع، قال : وهذا عندى غلط فى مطر ؛ لأن سلمان بن
يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل : سنة تسع وعشرين، ومات أبو رافع
بالمدينة بعد قتل عثمان بیسیر، وكان قتل عثمان فى ذى الحجة سنة خمس وثلاثين،
وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان من أبى رافع، فلا معنى لرواية مطر ،
وما رواه مالك أولى اهـ .
وأما ثانياً: ففيه إشكال قوى، وهو أنه مح له فكح ميمونة بسرف ،
وهو بعد ذى الحليفة، فإن كان ◌َّ له غير محرم لزم تجاوزه بَلٍ عن الميقات
بغير إحرام. وجوابهم بأن المواقيت وقتها بَلٍّ فى حجة الوداع غير صحيح
حيث ثبت إحرامه بَل فى عمرة الحديبية من ذى الجليفة بنص "صحيح البخارى"
(ص - ٦٠٠)، وكان نكاح ميمونة فى عمرة القضاء بعدها بعام . وقد
اعترف الحافظ فى " الفتح" من كتاب العلم: أن توقيت المواقيت قبل حجة
الوداع بكثير، وقد أسلفناه من قبل تفصيلاً .
وبالجملة : القول ببطلان نكاح المحرم بمثل حديث أبي رافع ضعيف رواية
ودرايةً. ويأتى بقية البيان فى الباب اللاحق بما يكفى ويشفى إن شاء الله تعالى
قوله : إن المحرم لاينكح ولا ينكح ، الأول من النكاح والثانى من الإنكاح ،
فالأول من المجرد ، والثانى من المزيد فيه ؛ وكلاهما بصيغة المعلوم ، وحمله
الحجازيون على ظاهره ، فلايصح عندهم النكاح ولا الإنكاح ، فقد صرح فى
كتبهم كـ "المجموع" و"المغنى": إن التزوج والترويج كلاهما سيئان فى

١١٤
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن أبى رافع ومیمو نة . قال أبو عیسی : حديث عثمان حديث
حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ◌َِّلّ، منهم عمر ....
الخطاب وعلى بن أبى طالب وابن عمر، وهو قول بعض فقهاء التابعين، وبه يقول
مالك والشافعى وأحمد واسحاق ، لا يرون أن يتزوج المحرم ، وقالوا : إن
نکح فتكاحه باطل .
النهى للمحرم. أنظر شرح "المهذب" (٧ - ٢٨٣) و"المغني" (٣ -
٣١٣) . وحمله الحنفية على الكراهة لكونه سبباً للوقوع فى الرفث ، لا أن عقده
لنفسه أو لغيره بأمره غير جائز. وحجة ذلك أنه وقع فى رواية مسلم فى
"صحيحه" زيادة: ((ولا يخطب)). ووقع فى "صحيح ابن حبان" زيادة:
(( ولا يخطب عليه)) فقرن النكاح والإنكاح بالخطبة والخطبة عليه، ولا خلاف
فى جواز الخطبة ، وإنما الخلاف فى كرامتها . فالخطبة تصح عندهم مع
الكراهة ، فكذا النكاح والإنكاح ، وصار كالبيع وقت النداء ، كما يقوله الحافظ
علاء الدين فى " الجوهر النقي". وأثر أنس بن مالك عند الطحاوى من طريق
روح بن الفرج عن أحمد بن صالح عن ابن أبى فديك عن عبد الله بن محمد بن
أبى بكر قال: ((سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم؟ فقال. وما بأس به.
هل هو إلا كالبيع ، يؤيده؛ وروح وثقه الخطيب ، وأخرج له صاحب
"المستدرك"، وقوى الحافظ فى "الفتح" (٩ - ١٤٣) إسناده.
فحديث عثمان وإن كان تشريعاً قولباً عاماً ولكنه غير مقطوع الدلالة فى
الحكم كما راموه فإن قرانه بالخطبة حجة واضحة على أن ظاهره غير مراد ، وإنما
هو مؤول مجمول على الكراهة ، فقول الحافظ فى " الفتح" بعد ذكر أثر أنس
هذا : لكنه قياس فى مقابلة النص ، فلا عبرة به ، وكان أنساً لم يبلغه حديث
عثمان اهـ، يكاد يكون جرأة ، وأين النص قطعى الدلالة فضلاً عن قطعى الثبوت؟

١١٥
بحث نكاح المحرم وزواج ميمونة
حدثنا: قتيبة نا حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن
عن سليمان بن يسار عن أبى رافع قال: ((تزوج رسول اللّه عَظ له ميمونة وهو
حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت أنا الرسول فيما بينها)) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، ولا نعلم أحداً اسنده غير حماد بن
زيد عن مطر الوراق عن ربيعة .
وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار: ((أن النبى عَل؟
تزوج ميمونة وهو حلال)). ورواه مالك مرسلا، ورواه أيضاً سلمان بن
بلال عن ربيعة مرسلة .
قال أبوعيسى : وروى عن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت: ((زوجنى
رسول اللّه حَ ◌ّ﴾ وهو حلال)). وروى بعضهم عن يزيد بن الأصم: ((إن
النبى معَ لِ تزوج ميمونة وهو حلال)).
قال أبو عيسى : ويزيد بن الأصم هو: ابن أخت ميمونة .
ومقتضى الأدب مع صحابي جليل أن يقال : لعله حمل النهى على خلاف الأولى ،
ألاترى أن قوله تعالى: (وذروا البيع O) نص مقطوع ثبوتاً ودلالةً،
وقد حملوا البيع وقت النداء على الكراهة مع الصحة دون البطلان ، كما هو
قول جمهور الأمة نظير الصلاة فى الأرض المغصوبة .
وما يقوله الحافظ : " إن عمر وعلياً وغيرهما من الصحابة فرقوا بين
محرم فكح وبين امرأته اهـ" فبعد ثبوته وصحته يحتمل أن عملهم ذلك كان سيداً
للدرائع . وربما يؤيده أنهم فرقوا ، وإنما التفريق يكون بعد الانعقاد .
وبالجملة قولهم بالمعارضة بين حديث ابن عباس ويزيد بن الأصم ،

١١٦
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء من الرخصة فى ذلك )
حدثنا : حميد بن مسعدة نا سفيان بن حبيب عن هشام بن حسان عن عكرمة
عن ابن عباس: ((إن النبي ◌ُّ ل تزوج ميمونة وهو محرم)). وفى الباب عن
عائشة . قال أبوعيسى : حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. والعمل على
هذا عند بعض أهل العلم . وبه يقول سفيان الثورى وأهل الكوفة .
ورجوعهم إلى حديث عثمان خلوه عن المعارض لا ينفعهم . فحديث ابن عباس
أقوى سنداً ، وروى عنه خمس عشرة نفساً من كبار التابعين من الأئمة الفقهاء ،
فكيف يقاومه ما هو دونه من كل جهة ؟ وكان الذى نزوجها هو أبوه : العباس
رضى الله عنه ، فصاحب البيت أدرى بمافيه ، وأهل مكة أدرى بشعابها ،
والوكيل أعلم بالحقيقة من المؤكل فى مثل هذه الواقعة . علا : أن ابن عباس لم
ينفرد بذلك كما يقوله ابن عبد البر ، بل وافقه أم المؤمنين عائشة عند النسائى
والطحاوى والبزار وابن حبان ، وصححه ابن حبان ، واعترف بصحته الحافظ
فى " الفتح" (٩ - ١٤٣) ورد به قول ابن عبد البر. وشاركه أبوهريرة
عند " الدارقطنى" بإسناد ينجير ضعفه بالاعتضاد، فيقول الحافظ: وفى
إسناده : كامل أبو العلاء وفيه ضعف ، لكنه يعتضد بحديثی ابن عباس وعائشة ،
وقد جاء عن الشعبى ومجاهد مرسلا مثله عند ابن أبى شيبة ، كما حكاه الحافظ
فى " الفتح" من النكاح. وللبحث بقية تأتى فى الباب اللاحق، والله ولى التوفيق .
-: باب ما جاء من الرخصة فى ذلك :-
هذا الباب للعراقيين ، أخرج فيه حديث ابن عباس ، وهو أصح حديث
فى الباب على الإطلاق ، اتفق على تخريجه الشيخان وأصحاب السنن ، وقد رواه
عن ابن عباس خمسة عشر رجلاً من كبار أصحابه من أئمة فقهاء عند الطبرانى ،،

١١٧
تحقيق أن زواج ميمونة عند كونه عّ لّه محرماً
حدثنا : قتيبة ناحماد بن يزيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس :
((( إن النبى حَ لّ تزوج ميمونة وهو محرم))
كما فى " نصب الرأية"، ورواه ابن سعد فى "طبقاته" فى ترجمة ميمونة
رضى الله عنها (٨ - ٩٦ و ٩٧ ) من طرق كثيرة ، وكذا الإمام أبو جعفر .
الطحاوى فى شرح " الآثار" يرويه من طريق سعيد بن جبير وعطاء وطاؤس
وعكرمة وجابر بن زيد وابن سعد عنهم وعن ميمون بن مهران عنه وعن مقسم
عنه وعن الشعبى ومجاهد وأبى يزيد المدنى مرسلا أيضاً، فهؤلاء كلهم أئمة
فقهاء محتج بروايتهم ، والذين روواعنهم أئمة فقهاء كذلك ، كعمرو بن
دينار وأيوب السختيانى وعبد الله بن أبى نجيح وابن جريج والحكم وحبيب بن
الشهيد وعثمان بن خيثم وغيرهم ، وأخذ الشافعية يتأولون فيه .
فمنها: ما تأول به الترمذى فى الباب: ((تزوجها حلالاً وظهر أمر تزويجها
وهو محرم ثم بنى بها وهو حلال الخ)، وهذا التأويل لا مساغ له أصلاً فإنه على
هذا يلزم أنه 03 9$ جاوز الميقات من غير إحرام وهو يريد العمرة ، حيث ثبت
عند "النسائى" (٢ - ٧٧) فى حديث ابن عباس من طريق يعلى بن حكيم
عن عكرمة عن ابن عباس: ((إنه تزوجها بسرف))، وسرف موضع قريباً
من مكة على نحو عشرة أميال خارج الحرم ، والاعتذار بتوقيت المواقيت بعد
ذلك فى حجة الوداع باطل ، حيث وقع التصريح فى " الصحيح " فى غزوة
الحديبية (٢ - ٦٠٠) فى حديث المسور بن مخرمة ومروان الحكم بن: ((فلما أتى
ذا الحليفة قلد الهدى، وأشعر وأحرم منها بعمرة))، وهذا قبل عمرة القضاء
بعام ، وفيها أمر التزويج . وبالجملة هذا التأويل يرده الرواية والدراية معاً ،
علا أن الحنفية أن يعارضهم فى هذا التأويل بأن يقولوا : تزوج وهو محرم وظهر
أمر تزويجه وهو حلال على ضدما قالوا ، وهذ أقرب إلى الحقيقة وأوفق

١١٨
معارف السنن
ج - ٦
بالواقعة ؟ فإن إفشاء أمر الزواج إنما يكون عند الوليمة ، والتعريس والبناء
بها ، ثم الوليمة كان بسرف بعد الحل عند الرجوع ، فإذن لنا أن نأول قوله :
" تزوج وهو حلال" أى ظهر أمر تزويجها وهو حلال، ولا ريب أن هذا
أقرب إلى العقل والنظر .
ومنها: ما تأول ابن حبان كما حكاه الزيلعى فى "نصب الرأية" (٣ -
١٧٣): أن معنى قوله: " تزوج وهو محرم" أى داخل الإحرام ، كما
يقال : أنجد وأتهم إذا دخل تجداً وتهامة الخ . واحتجوا لذلك بقول الشاعر :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً . ودعا فلم أر مثله مخذولا
(ويروى: مقتولاً). وقالوا: إن عثمان بالت لم يكن فى الإحرام ، وإنما
كان فى حرم المدينة . وهذا التأويل لا حجة فيه أصلاً .
أما أولاً": فإنه لا حصر للمحرم فى هذا المعنى، بل لم يثبت فى اللغة هذا المعنى
فى هذه المادة، والقياس بقولهم: أنجد وأتهم وأشأم وأمثالها غير صحيح، فإن
اللغة لا تثبت بالقياس، وإنما ثبت فى اللغة من معانيه : أحرم الرجل دخل فى
"الشهر الحرام ، كما فى " سماح الجوهرى" .
وأماثانياً : فإن المحرم فى البيت المذكور معناه : محقون الدم ذو حرمة
لا يستحق عقوبة ولا يحل منه شئ، كما فى قول عدى بن زيد :
قتلوا کسری بلیل محرماً
فتولى لم يمتع بالكفن
( ويروى: غادروه لم يمتع الخ ) فيحدثنا الخطيب كما فى "نصب الرأية "
عن " التنقيح"، بسنده عن اسحاق الموصلى، قال : سأل هارون الرشيد
الأصمعى بحضرة الكسائى عن قول الشاعر ع :

أقوال الأصمعى والأزهرى وابن برى فى تحقيق معنى المحرم ١١٩
حدثنا : قتيبة نا داود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار قال :
سمعت أبا الشعثاء يحدث عن ابن عباس: ((إن النبي ◌َُّلّ تزوج ميمونة وهو
محرم)».
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً
٥
فقال الأصمعى: ليس معناه هذا: أنه أحرم بالحج، ولا أنه فى شهر حرام،
ولا أنه فى الحرم . فقال الكسائى: ويحك ما معناه ؟ قال الأصمعى : فما أراد
عدى بن زيد بقوله: [ قتلوا كسرى بليل محرماً الخ]، أى إحرام لكسرى؟!
فقال الرشيد : فما المعنى؟ قال : كل من لم يأت شيئاً يوجب عليه العقوبة فهو
محرم لا يحل منه شيئ. فقال له الرشيد: أنت لاتطاق اهـ. والشعر الأول
الراعى والمحرم فيه قد فسره الأزهرى وابن برى، كما فى "اللسان" (١٥ -
١٣) بما فسره الأصمعى، فقال ابن برى: وإنما يريد حرمة الإسلام، وذمته لم
يحل من نفسه شيئاً بوقع به اه . ومثله قال الأزهرى .
فهؤلاء الأصمعى والأزهرى وابن برى كلهم اتفقوا على أن المحرم فى شعر
الراعى معناه غير ما فسره به ابن حبان ومن أتبعه ، والأصمعى هو : أبو سعيد
عبد الملك بن قريب البصرى من أئمة الحديث، كما هو من أئمة اللغة ، روى
له مسلم فى مقدمة "صحيحه»، وأبو داود فى أسنان الإبل، والترمذى فى
حديث أم زرع، بل له ذكر فى "صحيح البخارى" من كتاب الرقاق ، كما
ذكره الحافظ فى "التهذيب" فى ترجمة أبى عبيد القاسم بن سلام .
وأما ثالثاً : فلا يصح ما قاله ابن حبان من وجهة أخرى؛ فإنه إذا ثبت
نكاحها بسرف فى رواية النسائى فلامساغ لهذا التأويل بأنه داخل الحرم ، فإن
( م - ٤٥ )
ر

١٢٠
معارف السنن
ج - ٦.
قال أبو عيسى هذا حديث صحيح . وأبو الشعثاء اسمه : جابر بن زيد .
واختلفوا فى تزويج النبى فَّ الج ميمونة، لأن النبى ◌َلّ تزوجها فى طريق
مكة ، فقال بعضهم : "زوجها حلالاً وظهر أمر تزويجها وهو محرم ثم بنى
بها وهو حلال بسرف فى طريق مكة ، وماتت ميمونة بسرف حيث بنى بها
رسول اللّه ◌َلٍ ودفنت بسرف.
سرف فى الحل دون الحرم .
وأيضاً يرده لفظ البخارى: «إنه عليه السلام تزوجها وهو محرم ، وبنى
بها وهو حلال)) ، فهذه المقابلة بين المحرم والحلال يدفع هذا التفسير ، وعلى
الأقل إنه يبعده ، كما يقوله الزبلعى .
وأما رابعاً: ففى رواية "مسلم" (١ - ٤٥٣): من طريق ابن نمير فى
حديث ابن عباس: ((تزوج ميمونة وهو محرم))، زاد ابن نمير: فحدثت به
الزهرى فقال: أخبرنى يزيد بن الأصم: ((أنه نكحها وهو حلال)). فمقابلة
الزهرى بين المحرم والحلال كل ذلك بدل على أن المحرم ضد الحلال فى هذه
الرواية ، ولم يثبت الحلال بمعنى الداخل فى الحل .
وأما خامساً : فقد ورد فى رواية عند ابن سعد فى " الطبقات "
(٨ - ٩٦ ) وعند ابن حجر فى "الإصابة" عنه من حديث عكرمة عن ابن
عباس: ((إن رسول اللّه ◌َ ا﴾ تزوج ميمونة بنت الحارث بسرف وهو محرم ،
ثم دخل بها بسرف بعد ما رجع))، وقال يزيد بن هارون: ماتت بسرف وقبرها
ثم فكأن الراوى يتعجب من أن هذه الوقائع الثلاثة المتفرقة فى الأزمنة
كيف اجتمعت لها فى سرف؟ وعلى ما يدعى ابن حبان لا محل لمثل هذا التعجب.
وبالجملة هذه وجوه خمسة تدل دلالة واضحة على أن ما تأول به ابن حبان
: