النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ بحث التلبية ووقتها وفضل التلبية ( باب ما جاء فى فضل التلبية والنحر ) حدثنا: محمد بن رافع نا ابن أبى فديك ، وقُنا اسحاق بن منصور نا ابن أبى فديك عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن بربوع عن أبى بكر الصديق: ((إن رسول اللّه بِّلّ مثل: أى الحج أفضل؟ قال: العج والثج)) . حدثنا : هنادنا إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن أبى حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله بِّالجٍ: ((ما من مسلم يلبى إلاّ لبى من عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى ينقطع الأرض من ههنا وههنا )» حدثنا : الحسن بن محمد الزعفرانى وعبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصرى قالانا عبيدة بن حميد عن عمارة بن غزية عن أبى حازم عن سهل بن سعد عن النبى عّ لّ نحو حديث اسماعيل بن عياش. وكذلك فعل عبد الله بن الزبير ولم ينكر عليه أحد ممن كانوا هناك من أهل الآفاق من الشام والعراق واليمن ومصر وغيرها ، فصار ذلك إجماعاً لايخالف فيه اهـ. وقال الحافظ فى "الفتح" (٣ -٤٢٦): وأشار الطحاوى إلى أن كل من روى عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر، لاعلى أنها لا تشرع، وجمع فى ذلك بين ما اختلف من الآثار ، والله أعلم اهـ . -: باب ما جاء فى فضل التلبية والنحر :- أخرج فيه حديث أبى بكر واستغربه وحكم عليه بالانقطاع وحكى فيه الاختلاف ، ورواه ابن ماجه والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ٨٢ معارف السنن ج - ٦ وفى الباب عن ابن عمر وجابر قال أبو عيسى: حديث أبى بكر حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبى فديك عن الضحاك بن عثمان ، ومحمد ابن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع. وقد روى محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه غير هذا الحديث . وروى أبو نعيم الطحان ضرار بن صرد هذا الحديث عن ابن أبى مديك عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه عن أبى بكر عن النبىٍ تَكُلّ، وأخطأ فيه ضرار. ورواه الدارقطنى والبيهقى ، وحكى الدار قطنى فيه الاختلاف ، كما بينه الترمذى فى كتاب " العلل"، وحكاه الزيلعى فى " نصب الرأية" (٣ - ٣٥: ، وذكر أن الأشبه بالصواب رواية من رواه عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن يربوع عن أبى بكر ، وكذلك خطأ خلافه أحمد والبخارى والترمذى ، ورواه ابن أبى شيبة من طريق الواقدى عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبى بكر ، ويقول الدار قطنى فى "علله": من قال: سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع فقد وهم، وإنما هو: عبد الرحمن بن سعيد بن بربوع كما فى " التلخيص" و" نصب الرأية". ولا يضر هذا الاختلاف فى م الحديث ، فله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبى حنيفة الإمام فى " مسند ابن المقرى" وعند ابن أبى شيبة وأبي يعلى من طريق الإمام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عنه مرفوعاً قال: ((أفضل الحج العج والثج)»، والعج: العجيج بالتلبية ، والثج : نحور الدماء. وإسناده صحيح جداً . وقيس بن مسلم هو : الجدلى الكوفى من رجال الستة، وطارق بن شهاب ٨٣ فضل التلبية والبحث فى إسناد الحديث قال أبو عيسى: سمعت أحمد بن الحسن يقول : قال أحمد بن حنبل : من قال فى هذا الحديث: "عن محمد بن المنكدر عن ابن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه " فقد أخطأ . قال : وسمعت محمداً يقول : ذكرت له حديث ضرار بن صرد عن ابن أبى فديك ، فقال : هو خطأ ، فقلت : قد روى غيره عن ابن أبى فديك أيضاً مثل روايته ، فقال : لا شيئى، إنما رووه عن ابن أبى فديك ولم يذكروا فيه عن سعيد بن عبد الرحمن ، ورأيته يضعف ضرار بن صرد . و"العج" هو: رفع الصوت بالتلبية . و " الثج" هو : نحر البدن . صحابى صغير لم يسمع منه حَّ ل﴾. وما أشار إليه الترمذى من أحاديث الباب أخرجه الزيلعى فى " نصب الرأية" ، وكذلك أخرج فى الباب حديث سهل ابن سعد الأنصارى من طريق اسمعيل بن عياش، وهو ثقة فى الشاميين، وكذلك ههنا روايته عن عمارة بن غزية ، وقد أخرج له مسلم والأربعة ، لا بأس به ، فالإسناد جيد ، والحديث رواه ابن ماجه أيضاً والحاكم وصححه على شرطهما . وقوله : " من حجر وشجر" بيان لمن عن يمينه، والنكتة فى التعبير بكلمة " من" مع أنها تختص بذوى العقول، ما قال الطبى : لما نسب التلبية إلى هذه الأشياء عبر عنها بما يعبر عن أولى العقول. وقوله : " من ههنا وههنا " إشارة إلى اليمين والشمال، أو إشارة إلى المشرق والمغرب كتابة عن جهات البسيطة كلها ، ولعل لأجل هذا حذفت الغاية . وحديثا الباب أخرجها الزيلعى فى "التخريج" (٣ - ٣٣ و٣٥). ٨٤ معارف السنن ج - ٦ ( باب ما جاء فى رفع الصوت بالتلبية ) حدثنا: أحمد بن منيع نا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر عن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن عن خلاد بن السائب عن أبيه قال . قال رسول اللّه عَّله: (( أتانى جبريل فأمرنى أن آمر أصحابى أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو بالتلبية )) قال أبو عيسى. حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح . وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن النبى حَ لّ : لا مصح، والصحيح هو: خلاد بن السائب عن أبيه ، وهو: خلاد بن السائب خلاد بن سويد الأنصارى . وفى الباب عن زيد بن خالد وأبى هريرة وابن عباس . -: باب ما جاء فى رفع الصوت بالتلبية :- أخرج فيه حديث خلاد بن السائب، ورواه بقية أصحاب السنن، ورواه مالك وابن خزيمة والحاكم وابن حبان والبيهقى وصصحه ، وعزوه فى " نصب الرأية" إلى الستة خطأ من الناسمين. وقد سبق بيان المسألة من أن المسنون للرجال رفع الصوت بالتلبية والخفض للنساء عند الجمهور، وثبت الجهربها عن عائشة وميمونة ، واختلف الرواية عن مالك ، فقال ابن القاسم عنه: لا يرفع صوته بالتلبية إلا فى المسجد الحرام ومسجد منى، وقال فى " الموطأ »: لا يرفع صوته بالتلبية فى مسجد الجماعات ، ولم يستثن شيئاً . وقد استوفى البدر العينى أحاديث الجهر فى "العمدة" (٤- ٥٣٠ و٥٣١) وراجعها لمزيد البيان . وما أشار إليه الترمذى فى الباب أخرجها العينى أيضاً . ورجال حديث الباب ثقات، ٨٥ بيان سنية غسل الإحرام وإنه النظافة ( باب ما جاء فى الاغتسال عند الأحرام ) حدثنا : عبد الله بن أبى زياد نا عبد الله بن يعقوب المدنى عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: ((أنه رأى النبى وعَظله تجرد لإهلاله واغتسل)) . وصححه الترمذى إلا أنه اختلف على التابعى فى صحابيه، ولا يضر مثل هذا الاختلاف فى صحة الحديث ، وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزنى قال: "كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين". وأخرج أيضاً بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبد الله قال: ((كان أصحاب رسول اللّه وَلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم)). كما فى " الفتح" وغيره . تنبيه : هذان البابان لم يتعرض إليها فى " العرف الشذى". -: باب ما جاء فى الإغتسال عند الإحرام :- يسن الغسل عند الإحرام ، ولكنه للتنظيف لا للتطهير، وفرعوا على هذا: أن الحائض تغتسل تنظيفاً ولا تطهر به . قال فى "البحر" فى شرح قول صاحب " الكنز": والغسل أفضل، وهو للنظافة لا الطهارة، فيستحب فى حق : وهذا الغسل أحد . الحائض والنفساء والصبى الخ . قال المرشدى الإغتسالات المسنونة فى الحج، ثانيها : لدخول مكة، ثالثها : للوقوف بعرفة ، رابعها : للوقوف بمز دلفة ، خامسها : لطواف الزيارة ، سادسها وسابعها وثامنها : لرمى الجمار فى أيام التشريق، تاسعها : لطواف الصدر، عاشرها : لدخول حرم المدينة . قال فى " البحر العميق": ولا غسل لرمى جمرة العقبة ٨٦ معارف السنن ج - ٦ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب. وقد استحب بعض أهل. العلم الإغتسال عند الإحرام ، وهو الشافعى . يوم النحر اهـ. كذا فى " منحة الخالق" نقلاً عن حاشية المدنى. وحكى الإجماع ابن المنذر على أن هذا الغسل غير واجب إلا ما روى عن الحسن البصرى أنه قال: إذا نسى الغسل يغتسل إذا ذكره ، وأئمة المذاهب قد اتفقوا على استحبابه عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بها ويكره تركه عند الشافعى كما نص فى " الأم" حكاه فى "المجموع"، وكذلك نص الشافعى فى "الأم" على الاغتسال للمواطن المذكورة كما فى شرح "المهذب" (٧ - ٢١٣). وكونه للنظافة مذهب الجمهور، ومن تفريعها أنه لا يسن التيمم إذا لم يجد الماء ، كما فى "البحر الرائق" من كتبنا، و " المغنى" من كتب الجنابلة ، وعند الشافعى يتيمم كما فى " المهذب"، ونص عليه فى " الأم"، واختاره القاضى من الحنابلة . فائدة : معنى " تجرد" أى: تجرد عن المخيط ولبس إزار ورداءً . قوله : حسن غريب. حسنه الترمذى وأعله الدار قطنى والعقيلى بابن يعقوب المدنى فإنه مجهول ، قال ابن القطان : وإنما حسنه الترمذى ولم يصححه للاختلاف فى عبد الرحمن بن أبى الزناد ، والراوى عنه عبد الله بن يعقوب المدنى، أجهدت نفسى فى معرفته فلم أجد أحداً ذكره اهـ ، حكاه الزبلعى . وحديث الباب أخرجه الدارقطنى والعقيلى والطبرانى والبيهقى، وللحديث شواهد من حديث عائشة عند الطبرانى ، ومن حديث ابن عباس عند الحاكم ، ومن حديث ابن عمر عند ابن أبى شيبة والدارقطنى والبزار والحاكم، وصححه على شرطهما، قال : من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم. ومن حديث عائشة عند . ٨٧ بيان المواقيت للآفاقيين ( باب ما جاء فى مواقيت الاحرام لاهل الافاق ) حدقتها : أحمد بن منيع ذا اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: ((إن رجلاً قال: من أين فهل يا رسول الله؟ فقال، يهل أهل المدينة من ذى الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن ، قال: وأهل اليمن من يلملم )) . مسلم فى قصة أسماء بنت عميس: ((فأمر رسول الله أبا بكر أن تغتسل وتهل)) ، ومثله فى حديث جابر فى قصتها عند مسلم أيضاً . فإنه لا يضر مسألة اغتسال المحرم ضعف طريق خاصة . -: باب ما جاء فى مواقيت الإحرام لأهل الآفاق :- قال الحنفية : المواقيت الخمسة - أى الأربعة المذكورة فى حديث ابن عير والخامس: ذات عرق لأهل العراق - هذه كلها وقتها النبي صَلَّه قال أبو العباس القرشى: أجمع العلماء على المواقيت الأربعة، واختلفوا فى ذات عرق لأهل العراق ، والجمهور على أنه ميقات . وقال ابن المنذر مثله لكنه قال : إن عمر رضى الله عنه وقته لأهل العراق ولا يثبت فيه عن النبي صَلّ سنة. قال العينى فى "العمدة" من العلم والمناسك، بعد حكابته: فلت: الصحيح هو الذى وقته النبى حلٍ، كذا ذكره فى " مطامح الأفهام " اهـ ثم إنه حكى الأثرم عن أحمد: إنه سئل: ((فى أى سنة وقت النبى حَا} المواقيت؟ فقال: عام حج)). حده فى "الفتح" (٣ - ٢٠٧ )، لكن حديث ابن عمر فى "صحيح البخارى". فى ( باب ذكر العلم والفتيا فى المسجد ): ( م - ٤١) ٨٨ معارف السنن ج - ٦ وفى الباب عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو. قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم . ((إن رجلا قام فى المسجد فقال: يا رسول اللّه من أين تأمرنا أن نهل الخ؟))، يدل على أن السؤال عن مواقيت الحج كان قبل السفر من المدينة ، والمراد من المسجد مسجده حّ الج، ذكره فى "الفتح" أيضاً (١ - ٢٠٣). قال الراقم: فلعل النبى حّ ليٍ أعلن بها فى حجته على رؤس الأشهاد مرةً أخرى تعليماً للناس كافة ، والله أعلم . قال الشيخ: غير أن الخامس " ذات عرق " كان غير مشهور فى عهده ◌َّالٍّ، فأعلن به عمر بالتهم. أقول: وكلام الشافعى فى "الأم" كما فى " العمدة" و "الفتح" يدل على أنه ليس منصوصاً عليه، وبه قطع الغزالى والرافعى فى شرح " المسند " والنووى فى شرح " مسلم"، وكذا وقع فى " المدونة " المالك، وممحت الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعى فى " شرح الصغير " والنووى فى شرح " المهذب" أنه منصوص عليه ، وقد وقع ذلك فى حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك فى رفعه ، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة ، وعند ابن ماجه من طريق ابراهيم بن يزيد كلاهما عن أبى الزبير عن جابر من غير شك فى رفعه ، وعند ابن أبى شيبة وابن راهوية وأبي يعلى الموصلى والدار قطنى من طريق حجاج - وهو ابن أرطاة - عن عطاء عن جابر من غير شك كذلك ، فهؤلاء ابن لهيعة وابراهيم بن يزيد وحجاج فى طرقهم من غير شك ، وهم وإن كانوا ممن لا يحتج بهم عند التفرد ، ولكن ضم بعض إلى بعض يقوى حديث جابر . : ٨٩ تحقيق أن ذات عرق كان منصوصاً أو غير منصوص عدقنا : أبو كريب ناوكيع عن سفيان عن يزيد بن أبى زباد عن محمد ابن على عن ابن عباس: ((إن النبى حَّالجٍ وقت لأهل المشرق العقيق)). علا أن هناك عن عائشة عند النسائى وابى داود والطحاوى من طريق أفلح ابن حميد عن القاسم عنها ، وعن الحارث بن عمرو السهمى عند النسائى وأبى داود ، وعن أنس بن مالك عند الطحاوى والطبرانى ، وعن ابن عباس عند البزار ، وابن عبد البر فى "التمهيد"، وعن عبد الله بن عمرو عند الدار قطنى، وعن ابن عمر عند ابن راهويه فى "مسنده". ففى أحاديث هؤلاء جميعاً: أن ذات عرق منصوص ثبت منه فضَّل ◌ّ مرفوعاً، وينجبر ضعف بعضها ببعض، هذا ملخص ما فى "نصب الرأية" و"العمدة" من العلم والمناسك و" التلخيص" و "الفتح" وغيرها. فثبت أن أكثر الأحاديث وأكثر أهل العلم سلفاً وخلفاً على أن ذات عرق منصوص عليه مرفوع منه وَاجِ . وبالجملة كون ذات عرق توقيته سواء كان فى عهد النبوة أو عهد الفاروق كلمة اتفاق بين جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم من الأئمة ، كأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد واسحاق وأبى ثور رحمهم الله أجمعين . وقلت فى مذكرة لى فى حديث ابن عمر فى "الصحيح" فى كتاب الحج وفيه: ((فحد لهم ذات عرق))، يدل أن ذات عرق غير منصوص ، وبه قطع الغزالى والرافعى والنووى ، كما فى " العمدة" و"الفتح"، ويعارضه حديث ابن عمر عند عبد الرزاق ، وحديث جابر عند مسلم وغيره ، فيدل على أنه منصوص ، وإليه ذهب الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعى فى شرح " الصغير " خلاف ما ذهب إليه فى شرح "المسند"، والنووى فى شرح "المهذب" خلاف ما اختاره فى شرح " مسلم"، واختلفوا فيه قديماً وحديثاً، وأشكل التفصى عنه بحيث يطمئن به القلب ، أنظر شرحى "الصحيح" "العمدة" و"الفتح". د ٩٠ معارف السنن ج - ٦ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن . والذى يظهرلى أن السائلين عن عمر لم يكونوا من أهل العراق خاصة ، وإنما كانوا بين نجد والعراق ، وكانوا من أتباع نجد ، وكان قرن المنازل أبعد عنهم ، وذات عرق أقرب إليهم ، فحد لهؤلاء ذات عرق لأجل المحاذاة ، وإنما كان المنصوص لأهل العراق لا لهؤلاء . وقوله : " لما فتح المصران" أوهم هذه الشبهة، والغرض أن السؤال وقع فى عهد عمر بعد ما فتح هذان المصران ، لا أن هؤلاء كان من أهلها والله أعلم . وأبعد المواقيت ميقات أهل المدينة " ذو الحليفة"، وهى على نحو مأتى ميل من مكة . قال ابن التين : هى أبعد المواقيت من مكة تعظيماً لإحرام النبى حَ لّ، حكاه فى " العمدة" (١ - ٦٣٢). وفى " الفتح" (٣ - ٣٠٥): أبعد المواقيت من مكة "ذو الحليفة" ميقات أهل المدينة. فقيل: الحكمة فى ذلك : أن تعظم أجور أهل المدينة ، وقيل : رفقاً بأهل الآفاق ؟ لأن أهل المدينة أقرب الآ فاق إلى مكة ، أى ممن له مبقات معين اهـ. وأقربها ذات عرق لأهل المشرق والعراق . وهذه المواقيت لأهلها ومن أتى عليها ، ومن كان فى طريقه ميقاتان فيحرم من أبعدهما ، وهو الأولى ، وجاز الإحرام من أقربها ، ومن جاوز الميقات غير مجرم أثم وعليه دم . قال الإمام محمد فى " مؤطئه" ( ص - ١٩٥): وقد رخص لأهل المدينة أن يحرموا من الجحفة الخ . والجحفة أقرب إلى مكة من ذى الحليفة ، واحتج له محمد بحديث مرفوع . والجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وكان اسمها : مهيعة بفتح الميم. ٩١ بحث أن الجحفة هى اليوم : رابغ، وإن للمدينة ميقاتين وسكون الهاء وفتح الياء ، وقيل : بكسر الهاء وسكون الياء ، وهى على ستة مراحل من مكة ، أى فى منتصف طريق الحرمين تقريباً ، وتسمى اليوم : "رابغ"، كما ذكره صاحب "البحر" وغيره، وذكر صاحب " البحر" فيها أيضاً : " رابض" بالضاد المعجمة، وهى بنصف مرحلة قبل الجحفة، وهى الباقية اليوم دون الجحفة، ثم ما ذكره محمد فى "مؤطئه" هو المعروف عند المالكية ، وبه قال أبوثور وابن المنذر من الشافعية ، وعند العامة من الشافعية : لا يؤخر الإحرام عن الميقات الأول ، فإن أخر أساء ولزمه دم ، كما فى شرح " المهذب" وغيره، وحكاه فى " الفتح"، ومذهب أحمد واسماق كالشافعى كما فى "المغني" (٣ - ٢١٤ ). ثم هذه المسألة التى ذكرها محمد ذكرها الحاكم فى "الكافى" كما حكاه ابن الحمام فى " فتح القدير" بنصه وفصه، ثم قال: ومن الفروع المدنى إذا جاوز إلى الجحفة فأحرم عندها فلا بأس به ، والأفضل أن يحرم من ذى الحليفة اهـ. وذكرها صاحب "البدائع" وغيره أيضاً، أنظر " رد المحتار". وهو المذكور فى "المغنى" لابن قدامة من بيان مذهبنا. وقال صاحب "البحر": وقد قالوا: من كان فى برأو بحر لا يمر بواحد من هذه المواقيت المذكورة فعليه أن يحرم إذا حاذى آخرها ... والمراد بالمحاذاة القريبة من الميقات، وإلا فآخر المواقيت باعتبار المحاذاة قرن المنازل . ثم قال: وذكر لى بعض أهل العلم من الشافعية - أراد به الشيخ شهاب الدين ابن حجر الهيتمى المكى الشافعى - : أن المحاذاة حاصلة فى هذا الميقات ، فينبغى على مذهب . الحنفية أن لا يلزم الإحرام من " رابغ" بل من " خليص"، القرية المعروفة، فإنه حينئذ يكون مماذباً لآخر المواقيت وهو قرن ، فأجابه: أن إحرام المصرى والشامى لم يكن بالمحاذاة، وإنما هو بالمرور على الجحفة ... والمحاذاة إنما تعتبر ٠٩٢ معارف السنن ج - ٦ عند عدم المرور على المواقيت ، انتهى ملخصاً مختصراً . ومثله قال الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٣٠٩) حيث يقول: ثم إن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس أمامه ميقات معين، فأما من له ميقات معين كالمصرى مثلاً يمر ببدر وهى تحاذى ذا الحليفة ، فليس عليه أن يحرم منها بل له التأخير حتى يأتى الجحفة والله أعلم اهـ . وذكر صاحب "البحر" أيضاً: فإذا لم يكن بحيث يحاذى فعلى مرحلتين إلى مكة اهـ. ومثله يقول النووى فى " شرح المهذب" اعتباراً بتوقيت عمر رضى الله عنه بذات عرق، وقال الحافظ فى " الفتح": وتعقب بأن عمر إنما حدها لأنها تحاذى قرناً، وهذه الصورة إنما هى حيث يجهل المحاذاة ، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل لأن ما زاد عليه مشكوك ، لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد آهـ . وقال الحافظ أيضاً : من ليس له ميقات عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتاً من هذه المواقيت الخمسة ، ولا شك أنها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شامية ويلملم يمانية، فهى مقابلها وإن كان أحدهما أقرب إلى مكة من الأخرى ، و"قرن" شرقية والجحفة غربية، فهى مقابلها وإن كانت إحداهما كذلك ، وذات عرق تحاذى قرناً ، فعلى هذا لا تخلوبقعة من بقاع الأرض من أن تحاذى ميقاتاً من هذه المواقيت إلى آخر ما قاله الحافظ نقلاً عن ابن المنذر والله أعلم .. ثم إن من أراد أن يدخل مكة يجب أن يدخلها محرماً إذا كان آفاقياً بمر على الميقات سواء كان أراد الحج أو العمرة أو لا عند أبى حنيفة ومالك وأحمد، وهو أشهر القولين عند الشافعية كما فى "المهذب"، وصححه ابن القاص والمسعودى والبغوى وآخرون كما فى شرح "المهذب" (٧ - ١١)، وفى قراء: يستحب ، وصححه أبو حامد والجوينى والغزالى والرافعى وغيرهم ، ٩٣ تحقيق قرن المنازل والعقيق وراجع لاستيفاء البيان شرح " المهذب" من الجزء السابع و "المغنى" لابن قدامة من الثالث، و " العمدة " العينى ( ٤ - ٤٩٨) و " فتح القدير" من فصل المواقيت، واستثنى منه الحطاب والحشاش عند الحنابلة ، كما فى " المغنى" لابن قدامة . ومذهب أبى حنيفة مذكور فى " الهداية " وغيرها من غير ذكر لاستثناء الحطاب والحشاش أو مثلهما ، وفى قول للشافعى : جازله الدخول غير محرم إلا إذا أراد إحدى العبادتين . و " القرن" بفتح القاف وسكون الراء هو قرن المنازل ، وغلط الجوهرى فى القول بفتح الراء ، كما نبه عليه صاحب " القاموس" والشهاب والبدر وغيرهم مع خطأ آخر له فى نسبة أويس القرنى لقرن المنازل ، وإنما هو منسوب إلى قرن بن رومان أحد أجداده. وبالجملة لا خلاف فى ضبطه بالفتح وسكون الراء بين رواة الحديث وأرباب اللغة وعلماء الفقه وأصحاب الأخبار، كما فى " تهذيب الأسماء واللغات" للنووى . وقال القابسى : من قال بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح - أى فتح الراء - أراد الطريق الذى يفرق منه، حكاه البدر فى " العمدة " من الجزء الأول والشهاب فى " الفتح" من الثالث. وهناك قرن الثعالب آخر ليس من المواقيت ، وقيل: هما وكذا قرن غير مضاف واحد، وراجع "العمدة " و " الفتح " . و " العقيق" هى: ميقات قريب من ذات عرق ، وبينها جمل فاصل. قال فى " الفتح": هو واد يتدفق فى غورى تهامة. وهذا غير العقيق الذى هو واد بقرب المدينة على عدة أميال . قال المهلبى : بين المدينة والعقيق أربعة أميال، حكاه فى "العمدة"، وعن الأصمعى: الأعقة الأودية ، وقال با قوت: العقيق عشرة مواضع، وعقيقا المدينة أشهرها وأكثر ما يذكر فى الأشعار فإياهما ٩٤ معارف السنن ج - ٦ ( باب ما جاء فى ما لا يجوز للمحرم لبسه ) حدثنا: قتيبة فا الليث عن نافع عن ابن عمربأحدثقال: ((قام رجل فقال: حكاه فى " العمدة". تنبيه : حسن الترمذى حديث ابن عباس فى توقيت العقيق لأهل المشرق مع أن فيه " يزيد بن أبى زياد" وهو ضعيف كما فى " الفتح" وقد تفرد به ، قال الحافظ : وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة . منها: إن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب، لأنه أبعد من ذات عرق. ومنها : أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المسدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة ، وقع ذلك فى حديث أنس عند الطبرانى، وإسناده ضعيف الخ. قال فى " العمدة " (٤ - ٥٠٣ ): قال ابن المنذر: اختلفوا فى المكان الذى يحرم من أتى من العراق على ذات عرق، فكان أنس بحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعى ، وكان مالك واسماق وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأى يرون الإحرام من ذات عرق ، وقال أبو بكر - أى ابن المنذر -: الإحرام من ذات عرق يجزئً، وهو من العقيق أحوط آهـ . قال الراقم : أحاديث ذات عرق أقوى وأكثر، فالأخذ بها أولى ، نعم تقديم الإحرام على الميقات أفضل عندنا لمن أطاقه . وبالجملة تعدد ميقاتى العراقيين نظير تعدد ميقاتى المدنيين ، فجاز التقديم على الأقرب والأبعد ، ولا يجوز التأخير عن الأقرب . -: باب ما جاء فى ما لا يجوز للمحرم لبسه :- المخبط الذى لا يجوز لبسه عند الحنفية هو الذى يستمسك على البدن من ٩٥ بيان محظورات الإحرام فى اللباس يا رسول الله ! ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب فى الحرم ؟ فقال رسول الله :، ولا السراويلات، ولا البرانس ، ولا العمائم، ولا ملاء : لا تلبس غير شد . فيجوز خياطة القطعتين فى الإزار والرداء، كما ذكره فى "البحر": وذكر الحلبى فى مناسكه : أن ضابطه لبس كل شيئى معمول على قدر البدن أو بعضه بحيث يحيط به بخياطة أو تلزيق بعضه ببعض أو غيرهما ، ويستمسك عليه بنفس لبس مثله اهـ. أقول : ويتلخص بلبس المخيط فى محله على الوجه المعتاد ، ومثل ما قال الحلبى قاله النووى فى شرح "المهذب" (٧ - ٢٥٥) وقال : ولا خلاف فى هذا كله اهـ. وكذلك جاز الوصل بالشوكة فى الإزار، ومثله قال فى " اللباب" فى فصل المكروهات للمحرم: وعقد الإزار والرداء وأن يخله بخلال ، كنحو إبرة الخ . قوله : لا تلبس القميص . القميص ما يكون شق جيبه من قبل الكتفين والدرع من قبل الصدر، ذكره ابن الهام فى "فتح القدير" (٣ - ٢٤٨ ) من النفقة . قوله : ولا السراويلات الخ . السروال معرب "شلوار". والبرانس جمع " برنس" وهى الجبة التى يستر بها الرأس أيضاً، ذكر الكرمانى كما فى "العمدة": أن السراويل أعجمية عربت، وجاء على لفظ الجمع وهو واحد، وقيل : جمع سروال أو سروالة تذكرو تؤنث . وقال الأصمعى: تؤنث . والبرنس بضم الباء الموحدة والتون ، قال فى "العمدة": هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أوجبة أو ممطر وغيره . وقال الجوهرى: قلنسوة ( ٢ - ٤٢ ) ج - ٦ معارف السنن الخفاف ، إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطعها ما أسفل طويلة كان النساك يلبسونها فى صدر الإسلام ، وهو من البرس والنون زائدة، وهو القطن ، وقيل: غير عربى . والسراويل لم تكن عند العرب ثم جاءت من قبل الإيرانيين ، وأثبت المحدثون أنه مح $ اشترى السراويل ولم يثبت أنه لبسها. قال فى " الفتح" .(١٠ - ٢٣١): وصح أنه ◌َ﴾ اشترى السراويل من سويد بن قيس، أخرجه أحمد والأربعة ، وصححه ابن حبان من حديثه ، وأخرجه أحمد أيضاً من حديث مالك بن عميرة الأسدى قال: « قدمت قبل مهاجرة رسول الله فاشترى من سراويل، فأرجح لى وما كان يشتريه عبثاً وإن كان غالب ليسه الإزار)، وفى حديث أبى هريرة عند أبى بعلى والطبرانى أنه اشترى سراويل بأربعة دراهم، وفيه: ((قلت يا رسول اللّه: وإنك لتلبس السراويل؟ قال : أجل فى السفر والحضر والليل والنهار فإنى أمرت بالتستر)»، وفيه يونس بن زياد البصرى وهو ضعيف آهـ . وفى " الهدى" (١ - ٤٩): واشترى سراويل ، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها ، وقد روى فى غير حديث أنه لبس السراويل وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه اهـ. وفى "العمدة" (١٠ - ١٣١) من حديث أبى هريرة عند أبى نعيم: ((إن أول من لبس السراويل إبراهيم عليه السلام)) . وفيها من حديث ابن مسعود فى سراويل لبسها موسى عليه السلام، وصححه الحاكم ورده المنذرى كما فى شرح الزرقانى على "المواهب" (٥ - ٤٤). قوله : فليلبس الخفين وليقطعها ما أسفل من الكعبين. قطع الخفين أسفل من الكعبين واجب عند الثلاثة، ومستحب عند أحمد مستدلاً بما رواه ابن عباس كما فى ٩٧ بحث من لم يجد النعلين ومن لم يجد الإزار الباب اللاحق حيث أطلق فيه لبسها من غير ذكر قطع . وقال الجمهور : إنه ساكت. وبالجملة القطع مذهب الجمهور كما فى "العمدة" و"الفتح" وشرح "المهذب"، وهو مروى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعروة والنخعى ، وما قاله أحمد مروى عن عطاء وسعيد بن سالم القداح احتجاجاً بحديث ابن عباس ، وقد رواه الشيخان ، وبحديث جابر ورواه مسلم . وحجة الجمهور حديث ابن عمر عند السنة بأن فيه زيادة ، فالأخذ به أولى ، ولأنه مفسر ، وإنه يحمل المطلق على المقيد ، ولأصحاب أحمد الجواب إما بالنسخ وإما بالترجيح. والتفصيل فى "العمدة" (١ - ٦٣٩) و"الفتح" (٣ - ٣٢٠). ثم إن وجد السراويل ولم يجد الإزار يلبسه من غير قطع عند الشافعى وأحمد كما فى شرح "المهذب" (٧ - ٢٦٦). وأما مذهب مالك فكأبى حنيفة ، ومثله فى " التمهيد " لابن عبد البر كما فى "العمدة"، وذكر فى " المغنى " عدم الخلاف بين الأئمة الأربعة فى جواز لبس السراويل عند عدم الإزار ، إلا أنه قال : تجب الفدية عند مالك وأبى حنيفة ، ولافدية عند الشافعى وأحمد. والشق عند أبى حنيفة، ذكره الطحاوى فى " معانى الآثار" (١ - ٣٧٨) والعينى فى " العمدة" (٤ - ٥٢٢ )، وذكره صاحب " البدائع " أيضاً ، وعنه حكى فى "العمدة" (١ - ٦٤١)، وذكره الخطابى وغيره . وقال إمام الحرمين والغزالى : لا يجوز ليسه إلا إذا لم يتأت فتقه وجعله إزاراً ، فإن تأتى ذلك لم يجز لبسه ، فإن لبسه لزمه الفدية كما فى " العمدة". وقال الرازى - أى الجصاص - من أئمتنا ـ: جاز لبسه، وعليه الفدية، كما فى شرح "المهذب". ولعل أبا حنيفة قاس السراويل على الخفين، كما هو المستفاد عن تعليل الطحاوى فى " شرح الآثار". قال الشيخ ، وظنى أنه إذا لم يمكن منه الإزار مع شقه فليلبسه من غير شق ٩٨ معارف السنن ج - ٦ من الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران ولا الورس ، ولا تنتقب المرأة الحرام ، ولا تلبس القفازين )) . وتلزمه الجنابة . قلت: هو كما نقل عن أبى بكر الرازى ، ونسب إلى محمد ابن الحسن أنه فسر الكعب بالعظم الذى فى وسط القدم المسمى عند الأطباء بـ: "العظم الزورقى"، وبعضهم جره إلى غسل الرجلين أيضاً، وهو خطأ ، وإنما الكعب عنده بذلك المعنى فى قطع الخفين للمحرم لاغير . وخلاصة مادار البحث : أن لفظ الكعب عند محمد والأصمعى فى اللغة يستعمل بالمعنيين : بمعنى العظم الناتى عند مفصل الساق والقدم ، وبمعنى العظم عند معقد الشراك ، فأخذه محمد بهذا المعنى فى المحرم لكونه أحوط ، ومحمد حجة فى اللغة ، فلا عبرة يقول من لم يعرفه، وراجع "العمدة" (٤ - ٥٢١) و" الفتح" (٣ - ٣٢٠) للتفصيل . قوله : مسه الزعفران . مناط النهى عنه فى الإحرام الطيب وفى الإحداد اللون ، كما هو المستفاد من "الهداية" وشرحها لابن الهمام ، حتى قالوا : يجوز للمحرمة أن تتحلى بأنواع الحلى وتلبس الحرير بخلاف المعتدة ، لأنها منهية عن الزينة ، قاله ابن الحمام . قوله : ولا تنتقب المرأة . جازلها نقاب لا يمس وجهها . قال فى " الفتح": قالوا: والمستحب أن. تسدل على وجهها شيئاً ويجافيه. والمستفاد من " النهاية" و"المحيط" كما فى شرح القارى على "اللباب" وجوب ذلك لكون المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة والله أعلم. قال فى "المغنى" (٣ - ٣٠٥): فأما إذا احتاجت إلى ستروجهها لمرور الرجال قريباً منها فإنها تسدل التوب من فوق بيان بعض محظورات الإحرام للنساء قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . والعمل عليه عند أهل العلم . رأسها على وجهها ، روى ذلك عن عثمان وعائشة، وبه قال عطاء ومالك والثورى. والشافعى واسحاق ومحمد بن الحسن، ولا نعلم فيه خلافاً ... وذكر القاضى أن الثوب يكون متجافياً عن وجهها الخ . وأما القفازان فجاز لها ليسهما عندنا مع الكراهة . ذكر فى شرح اللباب ما ملخصه : إن الرجل ممنوع من ليسهما عند الأئمة الأربعة ، والنهى فى حق الرجال للكراهة وفى حق النساء للندب والله أعلم . والنهى فى حديث الباب محمول عندنا على الكراهة . وأيضاً هذه القطعة فى الحديث أى قوله: " ولا تنتقب الخ " مدرجة من قول ابن عمر كما أشار اليه البخارى فى "صحيحه" أفاده الشيخ. أقول : وتوضيحه أن حديث ابن عمر هذا أخرجه البخارى فى " صحيحه" ما يزيد على عشر مرات فى العلم وفى الصلاة والمناسك واللباس ، ولم يذكر هذه الزيادة فيها ، فهذا دليل على أنه لم يصح فيه هذه الزيادة مرفوعاً ، وذكرها فى (باب ماينهى من الطيب للمحرم والمحرمة) من طريق الليث عن نافع، وعقبه بمخالفة عبيد الله العمرى ومالك، فذكرها موقوفة على قول ابن عمر ، وذكر متابعة ليث بن سليم مالكاً فى وقفها ، فكان البخارى رجح وقفها دون رفعها ، وكذلك الحافظ فى " الفتح" رجح الوقف بما يأتى بعضه . وكذلك رواه مسلم من طرق عنه أى من طريق نافع وصالم وعبد الله بن دينار عنه ، ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة فى حديثه. نعم ذكرها أبو داود أيضاً، وكما يقول الشيخ رحمه الله يقول الحاكم النيسابورى. قال أبو على الحافظ: ولا تنتقب المرأة الخ من قول ابن عمر، وأدرج فى الحديث، ذكره الزيلعى نقلا عن الإمام لابن دقيق العيد ، ثم تعقبه ابن دقيق العيد بما ملخصه : أنه خلاف الظاهر ، وأنه ورد فى بعض ١٠٠ محارف السنن ج - ٦ الطرق عند أبى داود فى صدر الحديث ، وأنه ورد مفرداً أيضاً عنده من رواية ابن عمر من غير اشتراك . وقد أجاب عنه الحافظ فى "الفتح" (٤ - ٤٦) بأن عبيد اللّه أحفظ فى نافع من جميع من خالفه ، وقد فصل المرفوع من الموقوف ، ومع الذى فصله زيادة علم، فهو أولى، وروايته فى صدر الحديث من تصرف الرواية بالمعنى ، والرواية المفردة من طريق ضعيف انتهى ملخصاً مع زيادة ، وراجع لمزيد البيان " نصب الرأية" و"الفتح" و "العمدة" (٥ - ١٠٤)، والله المستعان. فوائد : بقيت عدة فوائد فى لطائف الحديث أحببت ذكرها بالتلخيص ملتقطاً لها من " العمدة و" الفتح" وغيرهما، وبالله التوفيق. وقع السؤال فى الحديث عما يلبس والجواب بمالا يلبس ، فقال العلماء - ومنهم المازرى والنووى والبيضاوى - : بأن هذا من بديع الكلام وجزله . لأن ما لا يلبس منحصر ، والملبوس الجائز غير منحصر ، فكان أخصر وأحصر، وقيل : فيه أسلوب الحكيم بأن الأهم سؤال مالا يلبس ، وقال ابن دقيق العيد : يستفاد منه أن المعتبر فى الجواب ما يحصل منه المقصود ولو بنقص وزيادة . قال عياض : أجمع المسلمون على أن ما ذكره فى هذا الحديث لا يلبسه المحرم ، وإنه فيه بالقميص والسراويل على كل مخيط ، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به مخيطاً أو غيره ، وبالخفاف كل مايستر الرجل ، وقال مثله الطبى أيضاً . وقال الخطابى : ذكر العمامة والبرانس معاً ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر آهـ . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن للمرأة ليس جميع ما ذكر ، وإنما تشترك مع الرجل فى منع الثوب الذى مسه الزعفران أو الورس . وقوله : لا تلبس . بالرفع على الخبر فى معنى النهى ، وروى بالجزم على