النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
بيان الاختلاف على صابى واحد فى الإفراد والقران
وفى الباب عن جابر وابن عمر. قال أبو عيسى : حديث عائشة حديث
حسن صحيح. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم .
وروى عن ابن عمر: ((إن النبي ◌َّالِ أفرد الحج، وأفرد أبو بكر وعمر
وعثمان » .
حدثنا: بذلك قتيبة نا عبد الله بن نافع الصائغ عن عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر بهذا .
قال أبو عيسى: وقال الثورى : إن أفردت الحج فحسن ، وإن ترنت
فحسن ، وإن تمتعت فحسن . وقال الشافعى مثله ، وقال : أحب إلينا الإفراد
ثم النمتع ثم القران .
فعليهم ما على الناس ، كما فى " أحكام الجصاص"، وراجعه لمزيد البيان.
قوله : أفرد بالحج. هذه رواية الإفراد عن عائشة ، وروى عنها: ((أنه
ګ أهل بحجة وعمرة))، أخرجه الشيخان کما أسلفناه من قبل قريباً ، وحديثها
فى الباب من أفراد مسلم ، وأخرجه بقية السنن .
قوله : وفى الباب عن جابر الخ . يريد رواية الإفراد عنه ، وقد روى
عنه فى ( باب كم حج النبي ◌ِّ ي؟ ) ما يدل على أنه أهل بهما حيث قال:
( وحجة بعد ما هاجر معها عمرة))، ولا يضر تصويب البخارى إرساله أو
عدمٍ تحسين الترمذى إياه، فإن رجاله ثقات، وقد قدمنا متابعة عبد الله بن داود
الخريبى لزيد بن حباب عن سفيان عند ابن ماجه ، وقد تقدم عن جابر
وكذلك أراد برواية ابن عمر روايته فى
.
حديث القران غير هذا فلا نعيده
الإفراد ، أخرجه مسلم ، ويعارضه ما روى عنه من حديث البخارى ومسلم ،

ج - ٦
معارف السنن
( باب ما جاء فى الجمع بين الحج والعمرة )
حدقنا: قتيبة ناحماد بن زيد عن حميد عن أنس قال: ((سمعت النبي عَليه
يقول : لبيك بعمرة وحجة)) .
وفى الباب عن عمر وعمران بن حصين . قال أبو عيسى : حديث أنس
حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا ، واختاره من أهل
الكوفة وغيرهم .
( باب ما جاء فى التمتع)
سعدثنا: قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن
(((فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج)). وكذلك ما أشار إليه من روايته: (( بأن النبى
﴿ ياهي أفرد الحج، وأفرد أبو بكر وعمر وعثمان))، وعنه عند البخارى ومسلم من
حديث التمتع .
-: باب ما جاء فى الجمع بين الحج والعمرة :-
أخرج فى الباب حديث أنس وقد تقدم فى الباب السابق ما يتعلق به
وسيأتى فى الباب الذى بعده، وعلى كل حال حديث أنس هذا نص فى أنه عليها؟
كان قارناً من أول أمره كما اختاره أبو حنيفة رحمه الله ومن تبعه، فالحديث حجة
له من غير شك ، وحديث عمر فى الباب هو الحديث الذي أخرجه البخارى فى
" صححه"، وقد ذكر ناه من قبل وسيأتى فى سياق آخر، وحديث عمران بن
حصين أيضاً أخرجه الشيخان، ((إن رسول اللّه في الج جمع بين حجة وعمرة))،
واللفظ لمسلم. والباب هذا لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى".
-: باب ما جاء فى التمتع :-
قال أكثر العلماء : إن التمتع المذكور فى الآية تمتع لغوى لا عرفى فى

٦٣
بحث التمتع والقران وعدم تحلله فَ لّ فى البين
عبد الله بن الحارث بن نوفل: ((أنه سمع سعد بن أبى وقاص والضحاك بن
قيس، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك بن قيس :
لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن
أخى ، فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ، فقال سعد :
قد صنعها رسول اللّه بَلٍ وصنعناها معه)).
هذا حديث صحيح .
حدثنا : عبد بن حميد أخبرنى يعقوب بن ابراهيم بن سعد نا أبى عن صالح
ابن كيسان عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه: «أنه سمع رجلاً
من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟
إصطلاحی وظنی أنه اصطلاحی، کما تقدم بیانه واضحاً،وقد ذكر ابن كثير وغيره
أن التمتع عند أكثر السلف يشمل القران أيضاً وإنه لغة القران . أخرج فى الباب
حدیث سعد بن أبى وقاص، واحتجبه من ذهب إلى أفضلية التمتع، وقبل بإحلال
النبى عَاجِ فى الوسط أيضاً، قاله القاضى أبو يعلى وغيره، ذكره ابن القيم
فى "الهدى" ورده رداً بليغاً فراجعه، وسبقه إلى ذلك ابن حزم فى " المحلى"
وغيره .
قال الشيخ : ولاحجة لهذا القائل إلا رواية فى " النسائى"، ويرده
حديث " الصحيحين" من حلقه حمّ ل بمنى. وأيضاً اتفقوا على أنه ساق
الهدى، فكيف يحل فى البين؟ وحمل التمتع فى حديث الباب على أنه حَمِ
أجازه ، أو المراد أنه تمتع لغوى، وهو يشمل القران . واتفقوا على أن حديث
"النسائى" ذلك إما هو سهو من معاوية ، حيث استفاضت الروايات باحلاله
( ٢ - ٣٨ )

٦٤.
معارف السنن
ج - ٦
فقال عبد الله بن عمر : هى حلال ، فقال الشامى: إن أباك قد نهى عنها ؟
فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبى نهى عنها وصنعها رسول الله
ے
أمر أبى يتبع أم أمر رسول اللّه عَ ل﴾؟ فقال الرجل: بل أمر رسول اللّه مَلام !
بمنى ، أو أنه قصة عمرة الجعرانة وفيها وقع الإحلال بالمروة ؟ وأريد بذلك
ما رواه طاؤس قال: قال معاوية لابن عباس: ((أعلمت أنى قد قصرت من
رسول اللّه ◌َّلهم عند المروة؟ قال: لا الخ)). وقال قيس: فنحن نحلف بالله
أن هذا ما كان فى العشر قط، حكاه ابن القيم ، والحديث رواه أبو داود وغيره
أيضاً، وعند مسلم من حديث معاوية مختصراً ، والذى عند البخارى من حديثه
ليس فيه أى إشكال ، فعنده عن معاوية: (( قصرت عن رأس رسول الله
بمشقص))، وليس فيه ذكر المروة وغيرها .
قوله : قد نهى عنها . ثبت نهى عمرو عثمان عن القران والتمتع ، أمانهى عثمان
فرواه الشيخان ، ورواية البخارى ظاهر فى النهى عن المتعة والقران، واحتج به
الشافعية على أفضلية الإفراد ، وحمله النووى على الكراهة تنزيهاً ، ولعله أراد
المفضولية ، فإن الأقسام الثلاثة الحج كلها عبادات جائزة عند الأمة بالإجماع ،
وإنما الخلاف فى الأفضلية ، وقد أجاب الحنفية عن نهى عمر كما أجاب بنه
الطحاوى إجمالاً ، وملخصه : إن ابن عمر أخبر عن منشأ نهيه عن التمتع بأنه
يريد أن الأولى أن يسافر الرجل لكل مرة فيتم كلاً منهما كما أمر ، ويزور البيت
مرتين فى عام ، وهذا الوجه يشمل كلاً من القران والتمتع . ولم يفصلوا بين
النهى عن القران وبين النهى عن التمتع . والحق أن يوضح وجهة الفرق بين
كل منها .
قال الشيخ : إن مثار النهى عن القران : أن يسافر الرحل مرتين فى عام ،

٦٥
بحث أن الإفراد بمعنى الحج أولا ثم العمرة أفضل من القران
فقال: لقد صنعها رسول اللّه عَلَالٍ)).
هذا حديث حسن صحيح .
ويأتى بأفعال كل عليحدة فى سفر مستقل. فيريد أفضلية الإفراد الذى يكون
فى سفرين ، وهذا لا يخالف الحنفية أصلاً، بل هو كما نص عليه محمد بن الحسن
فى " مؤطئه" بإنشاء سفر لكل، وإن ذلك أفضل من القران، وعنه أنه قال:
عمرة كوفية وحجة كوفية أفضل عندى كما سلف من قبل . والدليل على أن
ذلك أراد عمر رضى الله عنه ما أخرجه الطحاوى فى " شرح معاني الآثار"
(١ - ٣٧٥) بإسناد عنه أنه قال: ((افصلوا بين حجكم وعمر تكم الخ)) ورواه
مسلم فى "صحيحه" فى ( باب وجوه الإحرام ) والحافظ فى " الفتح"، حكاه
عن ابن أبى شيبة. وأيضاً روى بإسناده عن ابن عمر أنه قال: ((فأراد عمر
بذلك تمام العمرة لقول الله عزوجل: ( وأتموا الحج والعمرة لله O). فاتضح
من ذلك أنه يريد أن يكون الحج والعمرة فى سفرين .
وبالجملة يتأول فى رواية النهى عن القران عنه ، وكيف لا ؟ ! وعند
الطحاوى فى " شرح الآثار" (١ - ٣٧٥) من طريق شعبة ومن طريق
سفيان كلاهما عن ابن كهيل عن طاؤس عن ابن عباس عنه أنه بتمناه ـ- أى
القران - ، فكيف ينهى عن شى يتمناه هو ؟ ويقول ابن عباس : يقولون :
((أن عمر نهى عن المتعة؟! قال عمر: لو اعتمرت فى عام مرتين ثم حججت
لجعلتها مع حجتى)) . والإسناد الأول من طريق سليمان بن شعيب ، وهو
الكيسانى .
قال الشيخ : وثقه الى يومس والسمعانى
قال الراقم: لم أجد عنهما التوثيق صراحةً. دعم فى رجال " الطحاوى":

٦٦
معارف السنن
ج - ٦
ذكر توثيقه عن اللباب فى "تهذيب الأنساب"، فلعل السمعانى وثقه فى
"الأنساب"، والحافظ نقل فى " اللسان" توثيقه عن العقيلى، وأبوه من
أصحاب الإمام محمد بن الحسن كما ذكره أبو اسحاق الشيرازى صاحب "المهذب"
فى "طبقات الفقهاء". ثم رأيت فى (باب تزويج المحرم) فى كتاب النكاح
من " الجوهر النقى " نقل عن السمعانى توثيقه.
قال الشيخ : وأما مدار النهى عن التمتع عنده فذلك لعدم رغبته بالحل فى البين ،
کما یدل عليه رواية مسلم فى « صحه » . أقول : بريد به ما أخرجه فی ( باب
وجوه الإحرام) بإسناده :... فقال عمر: ((قد علمت أن النبى ◌َّالِ قد فعله
وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهم فى الأراك ثم يروحون فى الحج
تقطر رؤسهم )) . قال الراقم : ويستأنس له أيضاً بما رواه مسلم فى " صحيحه"
(١ - ٣٩٣): فلما قام عمر قال: ((إن الله (تبارك) كان يحل لرسول الله
عَ ◌ّ ماشاء بماشاء، وإن "القرآن" قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما
أمركم الله تعالى الخ))، وفى (١ - ٤٠١): إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله
يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول اللّه عَّ﴾ لم يحل حتى بلغ الهدى محله.
ثم إن حديث مسلم هذا يدل على جواز القران عند الفاروق رضى الله
عنه صريحاً ، وقال المازرى : اختلف فى المتعة التى نهى عنها عمر فى الحج ،
فقيل: هى فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: هى العمرة فى أشهر الحج ثم الحج
من عامه . قال : وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيباً فى الإفراد الذى هو أفضل ،
لا أنه يعتقد بطلانها أو تحريمها ، حكاه النووى ، ورجح القول الثانى كما حكى
عن القاضى عياض ترجيح الأول ، فيقول النووى : قلت : والمختار أن عمر
وعثمان وغيرهما إنما فهوا عن المتعة التى هى الإعتمار فى أشهر الحج ثم الحج من
عامه ، ومرادهم نهى أولوية للترغيب فى الإفراد لكونه أفضل ، قال : وقد

٦٧٠
بيان منشأ أمره علي بالتحلل عن العمرة
انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهة ،
وإنما اختلفوا فى الأفضل منها اهـ .
قال الشيخ: فكان منشأ النهى عن التمتع هو منشؤ إنكار الصحابة من الحل
فى الوسط كما قالوا: ((نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر المنى))، وسر ذلك
رغبتهم فى التمادى فى العبادة أى الإحرام والاقتداء والتأسى بفعله عَامٍ ،
وزعموا أن أمره ◌َّ إياهم بالتحلل إنما هو إبقاء عليهم. والذى زعموا من أن
وجه ترددهم فى الامتثال هو زعم الجاهلية بأن العمرة فى أشهر الحج من أفجر
الفجور ، أخرج الشيخان من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: (( كانوا
يرون أن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فى الأرض ، ويجعلون المحرم
صفراً، ويقولون : إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن
اعتمر))، قدم النبى بَّه وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن
يجعلوها عمرةً ، فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله ! أى الحل ؟
قال : حل كله .
قال الشيخ : وكأنهم اتفقوا على هذا الوجه ، ولم أر من عدل عنه ،
ولكنى أقول : لا يلائم هذا الوجه عندى ، فإن الصحابة كانوا قد اعتمروا قبل
هذه الحجة ثلاث عمر كلها فى أشهر الحج ، أى فى ذى القعدة ، ولم ينكر
أحد منهم عليها فى كونها فى أشهر الحج . قال الراقم : ويدور بالبال : إن
رواية ابن عباس السابقة تؤيد ما فهمه الجمهور من أن الأمر بالإعتمار منه عَ لَا﴾
وتعاظمهم منه كان لذلك ، ولم يكن فى العمر التى قبلها إلا طائفة ، فلعلها
خفيت على كثير منهم الذين تفرقوا فى الأفطار . وأما فى حجة الوداع فقدم
بشر كثير من أكناف الجزيرة ، وبلاد العرب ربما يكون خفى أمر الاعتمار
فى أشهر الحج عليهم، فكان ذلك الوجه جد ملائم استئصالاً لشأفة حكم الجاهلية .

٦٨
معارف السنن
ج -. ٦
ويحتمل أن يكون الناس قسمين : قسم تعاظم عليهم ذلك الأمر لأمر الجاهلية ،
وقسم: كبر عليهم لعدم موافقتهم له عَّ فى النسك. ولاريب أن قوله :
((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت الخ)) إنما هو عند الجمهور تطبيب لقلوبهم
ودفع لما اختلج فى صدورهم ، وراجع " العمدة" (٤ - ٥٦٢) و " فتح
الملهم " (٣ - ٢٧١) من قوله : قال شيخنا المحمود قدس الله روحه وهذا
لتمنى الخ، وحديث ابن عباس فى "مشكل الآثار" وغيره: ((والله ما أعمر
رسول اللّه عَّ الّ عائشة فى ذى الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الجاهلية الخ)) أيضاً
يؤيد ١٠ فهمه الجمهور ، كما فهمه حبر الأمة والله أعلم .
قال الشيخ : وبالجملة فوجه ترددهم فى قبول الأمر أو إبطائهم لم يكن
إلا من جهة أنهم أحبوا التمادى فى حال الإحرام ، ولم يرضوا بالتحلل فى
البين ، ومن أجل هذا قالوا : نذهب إلى منى ومذاكيرنا تقطر منباً. وأما
وجه نهى عثمان فلم أجد فى الروايات إلا فى " مسند أحمد" والله أعلم. أقول:
هكذا فى الأصل ، وبالأسف أنه لم يذكره الشيخ ، ولم نجد فى " مسند أحمد "
إلا الاعتراف منه كما قدمنا فى أحاديث القران. نعم فى "المسند" (١- ٦١) -
كما فى مسلم -: ثم قال على رضى الله عنه: ((لقد علمت أنا قد تمتعنا مع
رسول اللّهِ بَلٍ ؟ قال: أجل ولكنا كنا خائفين اهـ)) فتأوله بالخوف . وقد
استشكل هذه الكلمة فإنه لم يكن هناك إلا أمن . وقد قال ابن مسعود كما فى
" الصحيحين": ((كنا آمن ما يكون الناس))، وتأوله القرطبى بالخوف من
عظم أجر الإفراد ، واستبعده الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٣٧)، وربما يخطر
بالبال من أن معناه الحوف من الوقوع فيما لا يحل للمحرم فيما إذا تمادى
الإحرام ، وذلك إنما يكون فى القران دون التمتع العرفى . ويقول الحافظ :
لأن عثمان لم يخف عليه أن التمتع والقران جائزان ، وإنما نهى عنها ليعمل

٦٩
بحث فسخ الحج إلى العمرة
بالأفضل كما وقع لعمر ، لكن خشى على أن يحمل غيره النهى على التحريم
فأشاع جواز ذلك ، وكل منهما مجتهد مأجور اهـ . ولشيخنا العثمانى تأويل آخر
فى "فتح الملهم" (٣ - ٢٩٩) فراجعه فهو لطيف .
ثم إن شيخنا العثمانى أتى برواية من " إعلام ابن القيم" من طريق محمد بن
إسحاق عن يحى بن عباد عن عبد الله بن الزبير ، وفيها منشأ نهيه من أنه رضى
الله عنه أراد زيارة البيت مرتين وأنه أفضل ، فإذن يكون مثل مارآه عمر
الفاروق فى النهى عن القران كما تقدم ، وإن اختلف منحى الفاروق فى النهى
عن القران ، وفى النهى عن التمتع على ما حققه شيخنا رحمه الله تعالى . وفى
"أحكام الجصاص": وقد روى عن عثمان أنه لم يكن ذلك منه على وجه النهى
ولكن على وجه الإختيار ، وذلك لمعان : أحدها : الفضيلة ليكون الحج فى
أشهرها المعلومة لها .. والثانى: أنه أحب عمارة البيت ، وأن يكثر زواره
فى غيرها من الشهور . والثالث : أنه رآى إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول
الناس إليهم ، فقد جاءت بهذه الوجوه أخبار مفسرة عنه آهـ .
ثم إن فسخ الحج إلى العمرة للذى لم يسق الهدى وتحلله بعدها هل كان
خاصاً بعهده بَلٍ فلا يجوز لمن بعده، أوهو جائز وباق إلى يوم القيامة ؟
فالأول : هو مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وجماهير العلماء من السلف
والخلف، كما فى شرح "مسلم" للنووى، قال: وإنما أمروا به تلك السنة
ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة فى أشهر الحج ، والثانى .
مذهب أحمد وطائفة من الظاهرية . ودليل الجمهور حديث أبي ذر عند مسلم
والدارمى والدارقطنى وغيرهم ولفظ أبى داود والدارقطنى صريح فى فسخ
الحج إلى العدرة، فوقع به تفسير المتعة عند " مسلم " . وأيضاً فيه حديث
الحارث بن بلال عن أبيه عند النسائى وأبى داود والدارمى ، وحديث سراقة

٧٠
معارف السنن
ج -٠ ٦
عند مسلم أريد به الإعتمار فى أشهر الحج عند الجمهور ، وكذا بقية الأحاديث
التى احتج بها أحمد ، وللشيخ ابن الهام فى "الفتح" كلام متين روايةٌ ودراية"
فى تأييد مسلك الجمهور ، فليراجعه من شاء .
والدى عند ابن تيمية فذكر صاحبه فى "الهدى": أنه قائل بوجوب الفسخ
فى حق الصحابة وبالإستحباب للأمة إلى يوم القيامة . نعم اختار الوجوب صاحبه
ابن القيم فقال : كل من طاف ممن لا هدى معه من مفرد ، أو قارن ، أو
متمتع، فقد حل إما وجوباً وإما حكماً ، حتى بالغ وقال : هذه هى السنة
التى لا راد لها ولا مدفع، ثم هو مال إلى الوجوب خلافاً لإمامه وخلافاً لشيخه،
فكأن إمامه وشيخه كل قد خالف السنة الصريحة عنده فى عدم القول بالوجوب.
فيا للعجب! وأسهب جداً فى التدليل له بأربعة عشر حديثاً، ولا يقوم حجة على
الجمهور أصلاً، فإنها فى حق الصحابة الذين كانوا معه حلّ له، ولم ينكر عن
ذلك أحد فى الأمة، وأصرح دليل له منها فى الظاهر حديث سراقة: ((يارسول
اللّه! ألعامنا هذا أم للأبد ؟ قال: للأبد))، وبلال بن الحارث عند النسائى
وأبى داود وابن ماجه والدارمى والدار قطنى كل صريح فى المقصود نص فى
مورد النزاع، فتشغيبه كله فى غير محله ، وليس فيه حديث صريح ما عدى
حديث سراقة بظاهره . ثم بعد البحث ليس هو صريحاً أيضاً، وشيخه كان أبصر
منه فيما دار فى الموضوع، فلم يزد إلا اختياراً منه قول إمامه أحمد بن حنبل ،
وقد تصدى ابن الهمام فى " الفتح" ثم الشيخ عابد السندى فى "المواهب اللطيفة"
فى شرح "مسند أبى حنيفة" لرد كلام ابن القيم بما يشفى ويكفى. وشيخنا العثمانى
قد حكى فى " فتح الملهم" من كلامها بما فيه مقنع وكفاية، وراجع أيضاً
" أحكام الجصاص"، والله ولى التوفيق والهداية.
ثم إنه وقع فى إسناد الحديث الثالث "ليث"، وهو ابن أبى سليم ،

٧١
الكلام فى ليث بن سليم ومن روى التمتع
حدثنا : أبو موسى محمد بن المثنى نا عبد الله من ادريس عن ليث عن
طاؤس عن ابن عباس قال: ((تمتع رسول اللّه عَ ل وأبو بكر وعمر وعثمان،
وأول من نهى عنه معاوية ،
وهو الذى يروى حديث: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)) عند
الطحاوى فى " شرح معاني الآثار" (١ - ١٢٨)، وحسن له الترمذى
حديثه ههنا ، وعده مسلم فى مقدمة " صحيحه" من رواة الطبقة الثانية أى
رواة لحسان ، وتكلموا فيه ، والحق عند شيخنا أنه من رواة الحسان ، وقد
وثفه عير واحد منهم ابن معين والدار قطنى على اختلاف على ابن معين، وربما
يكون أعدل كلمه فيه ما ذكره الترمذى فى " علله الكبير" عن البخارى :
صدوق يهم، كما فى " التهذيب» وغيره ، ومن رواة مسلم والأربعة والبخارى
فى التعليق. ثم حديث من طريقه فى الفاتحة خلف الإمام له أسانيد من غير طريقه
كـ. أسلفناه تفصيلاً فى القراءة خلف الإمام.
وروى الترمدى فى الباب حديث التمتع عن ابن عمر وابن عباس ، وقد
سبق عند الترمذى من حديث ابن عمر رواية إفراد الحج قال الراقم: وكذلك
روی ابی عباس عند أبى داود والترمذى وابن ماجه كلهم من طريق داود بن
عبد الرحمن عن ابن عباس قال: ((اعتمر رسول اللّه ◌َلْي أربع عمر: عمرة
الحديبية ، والثانية : حيى تواطئوا على عمرة من قابل ، والثالثة: من الجعرانة،
والرابعة : التى قرن مع حجته . وتابع داود بن عبد الرحمن عكرمة عند أحمد ،
فالإسناد صحيح ولا ينزل عن الحسن .
قوله : نهى عنه معاوية الخ . قد ثبت النهى عن التمتع عن عمر وعثمان كما.
( ٢ - ٣٩)

٧٢
معارف السنن
ج - ٦
وفى الباب عن على وعثمان وجابز وسعد وأسماء ابنة أبى بكر وابن عمر .
قال أبو عيسى : حديث ابن عباس حديث حسن ، واختار قوم من أهل العلم
من أصحاب النبي ◌ِّله وغيرهم التمتع بالعمرة. والتمتع: أن يدخل الرجل بعمرة
فى أشهر الحج ثم يقيم حتى يحمج فهو متمتع ، وعليه دم ما استيسر من الهدى،
فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، ويستحب
تقدم قبل معاوية ، وتقدم آنفاً تحقيق نهى الشيخين عنه ، وأما نهى معاوية
فأخرج أحمد ومسلم واللفظ له: من حديث غنيم بن قيس قال: ((سألت سعد
ابن أبى وقاص عن المتعة ؟ - وفى طريق سفيان: المتعة فى الحج - فقال:
فعلناها، وهذا - وفى طريق يحيى بن سعيد يعنى: معاوية - كافر بالعرش يعنى:
بيوت مكة)) . يريد قبل إسلام معاوية، فإذن لا عبرة بنهيه إذا قاومه من هو
أقوى منه بزيادة من علم .
قوله : وعليه دم ما استيسر الخ . قال الشافعى : دم التمتع والقران هو:
دم جبر، أى جبر ما فاته من إفراد الإحرام ، فلا يجوز له الأكل منه . وقال
أبو حنيفة: هو دم شكر، فيجوز له الأكل منه . ومذهب الشافعى هو مذهب
مالك، ومذهب أحمد هو مذهب أبى حنيفة ، كما فى " المغني" ( ٣ - ٥٦٥ )
وقد ثبت أكله عٍَّ من هديه مع كونه فَّلجه قارناً عندنا وعندهم كما تقدم.
قوله : فى الحج قال أبو حنيفة : يستحب تلك الثلاثة فى الأيام السابع
والثامن والتاسع ، وإذا تأخر عن التاسع تعين الدم . والمستحب عند الشافعى
أن يفرغ منه قبل يوم عرفة كما فى " المهذب"، وإذا فات صوم الثلاثة فى
الحج لزم قضاؤها ولا دم عليه ، وعند بعضهم يلزم ، كما فى "شرح المهذب"
( ٧ - ١٨٦). ومذهب أحمد. كأبى حنيفة كما فى " المغنى". (٣ - ٥٠٥).
قوله: وسبعة إذا رجع إلى أهله قال أبو حنيفة : الرجوع هنا مجاز عن

٧٣
بحث الصيام العشرة لمن لم يكن معه هدى
للمتمتع إذا صام ثلاثة أيام فى الحج أن يصوم فى العشر ، ويكون آخرها يوم
عرفة ، فإن لم يصم فى العشر صام أيام التشريق فى قول بعض أهل العلم من
من أصحاب النبى ◌ُله، منهم ابن عمر وعائشة.
الفراغ عن الحج . وقال الشافعى: محمول على الحقيقة ، فلا يصومها إلا إذا
رجع إلى بلده، ومذهب أبى حنيفة هو مذهب مالك وأحمد، وقول الشافعى فى
" الإملاء " مثل مذهب الجمهور، كما فى " شرح المهذب" والأقوال كلها
عنه أربعة. أنظر " شرح المهذب" (٧ - ١٨٨)، وراجع لأدلة أبى حنيفة
"أحكام الجصاص" و "فتح ابن الحمام". وحديث ابن عمر فى " الصحيحين»:
((وسبعة إذا رجع إلى أهله)). وحديث ابن عباس عند البخارى: ((وسبعة
إذا رجعتم إلى أمصاركم))، ربما يكون نظراً إلى التخفيف والتوسعة دون
اللزوم، فلا يكون نصاً فى مورد النزاع، وحمله فى "المغنى" على وقت الإختيار،
وذكر أن وقت الجواز بعد أيام التشريق ، وعن مجاهد وعطاء أن يصومها
فى الطريق ، وهو قول اسماق، وقول عن الشافعى، وعنه : إذا رجع إلى مكة
من منى، فتم به الأقوال الأربعة عنه .
تذييل وتكملة : قوله تعالى : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد
الحرام O)، تقدم أن مفاده عند الحنفية النهى للمكى عن التمتع والقران . قال
الشيخ: ولى فيه إشكال قوى لم أر من ذكره أو تنبه له ، وهو أن مثار النهى :
إما وقوع العمرة فى أشهر الحج ، فآل الأمر إلى ما يقوله الشيخ ابن الهمام من
عدم جوازها للمكى وإن لم يحج من عامه ، وذلك خلاف ما عليه الحنفية ؟ أو
يكون مثار النهى ضم العمرة والحج فى إحرام واحد ؟ فإذن يدل الآية على
أفضلية الإفراد مع أن الحنفية على أفضلية القران .

٧٤
معارف السنن
ج - ٦
وبه يقول مالك والشافعى وأحمد واسماق . وقال بعضهم: لا يصوم أيام التشرق،
قال : ويمكن أن يجاب أن مثار النهى غير هذين الأمرين ، وهو أن محط
نظر الشارع هو أداؤها فى سفرين . وقال الشيخ فى " مشكلات القرآن"
(ص - ٥٠ و٥١): وعلى طريقة من فضل التمتع ، فمعنى التمتع: سقوط
سفر الحج وميقاتسه، كما فى "الأم"، فمحط معنى التمتع فى الحج لا فى
العمرة ، أو معنى التمتع فعل العمرة فى أشهر الحج ، وهو عن ابن عمر فى
( الموطأ"، أو روعى: أن السفر كان فى الأصل الحج وتمتع بالعمرة فيه ،
وهو غير الاعتبار الأول، .... وصار التمتع على هذه الاعتبارات رخصة
من الإفراد فى السفرين ..... وقد يمنع كون كل رخصة مفضولاً" كالمسح
على الخفين، والقصر والإفطار للمسافر، .... والظاهر: أن سياق القرآن
على الرخصة إنما هو بالنظر إلى ما كانوا عليه من ترك العمرة فى أشهر الحج ،
ثم هو عزيمة فى الحديث . وفى الواقع : وهو : دخلت العمرة فى الحج إلى
يوم القيامة ، ونظيره فى السعى : فلا جناح عليه أن يطوف بهما مع وجوبه
فى الواقع الم مختصراً.
فإن قيل : إن الإفراد الذى يكون بالحج ثم بعد الفراغ من العمرة يجب أن
يكون أفضل من القران حيث أتى المحرم بعبادتين من ميقات واحد فى القران
وبها من ميقاتين فى ذلك الإفراد، فكان فى الإفراد مزية ليست فى القران حيث
أحرم أولاً لحج من ميقات الآفاقى وأحرم ثانياً من ميقات المكى .
قال الشيخ : إن المفرد فى هذه الصورة اعتمر عمرة لم تكن لازمة عليه
من جانب الشريعة ، فكان العمرة تطوعاً . وأما فى القران فصارت العمرة عليه
واجبة ، فلاشك أن التى من جانب الشارع يكون أفضل مر. التى كانت بطوعه .
قوله : وبه يقول مالك والشافعى وأحمد الخ . هذا الذى ذكره الترمذى

٧٥
المذاهب فى صيام أيام التشريق لمن لم يكن عنده هدى
وهو قول أهل الكوفة .
قال أبو عيسى : وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة فى الحج، وهو
قول الشافعى وأحمد وإسحاق .
عن الشافعى قوله فى القديم، ويقول المزنى: إنه رجع عنه. والجديد: أنه لا يجوز
الصيام للمتمع أيضاً فى أيام التشريق ، وعليه الفتوى عند أصحابه ، وكذلك هو
رواية عن أحمد كما فى "المغني" (٣ - ٥٠٧) وروى ذلك عى على والحسن
وعطاء ، وهو قول ابن المنذر .
وبالجملة فعدم الجواز فى أيام التشريق هو مذهب أبى حنيفة والشافعى
وأحمد فى رواية ، ثم إذا لم يصم فى هذه الأيام تعين الدم عند أبى حنيفة ولا
قضاء ، وهو قول الشافعى على تخريج طائفة من الشافية كأبى حامد والماوردى
وأبى اسحاق والمحاملى وابن الصباغ وابن سريع وغيرهم ، والمشهور من مذهبه
لزوم القضاء ولا دم عليه . وقال أحمد : يصوم عشرة أيام بدلها وعليه دم ،
وفى رواية: لا دم عليه كما فى "المغنى". وقال مالك: يصوم الثلاثة قبل يوم
النحر، فإن لم يصمها صامها أيام التشريق، فإن لم يصم فيها صامها بعد ذلك إن
كان معسراً ويجب الدم إذا كان مؤسراً، أنظر "المدونة" (١ -٣٠٩) وراجع
ما قدمناه فى ( باب ما جاء فى كراهية صوم أيام التشريق ) من بيان المذاهب
وأدلتها فلا نعيده، والله الموفق .
قوله : وهو قول الشافعى وأحمد واسماق . أقول : مذهب الشافعى
المشهور اختيار الإفراد دون التمتع، وهذه رواية عنه كما فى شرح " المهذب"،
وعنه رواية ترجيح القران أيضاً ، كما فى شرح " مسلم" للنووى ، وقد تقدم
بيان المذاهب تفصيلاً فى ( باب إفراد الحج) فليراجع .

٧٦
م٣
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء فى التلبية )
حدثنا : أحمد بمنيع نا اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن نافع عن
ابن عمر قال: ((كاديمية النبىمحَّلجٍ: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك
-: باب ما جاء فى التلبية :-
قال الشيخ: الوقفَ مستحب فى أربعة مواضع من كلماتها ، وراجع ما
قدمناه فى ( باب ما جاء من أى موضع أحرم ؟ الخ ) ، وراجع "رد المحتار"
من الخلاصة .
قال الشيخ: والجهربها يسن لهم لا لهن. أقول : كما هو مصرح به فى
كتب فروع المذاهب، وفى " العمدة " (٤ - ٥٣١): وأجمعوا أن المرأة
لا ترفع صوتها بالتلبية، وإنما عليها أن تسمع نفسها . ثم ذكر الحافظ العينى ما
يستدل به لهذا من آثار ابن عباس وابن عمر وعطاء وابراهيم ، وذكر ما
يعارضه من فعل أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين ميمونة من الجهربها . وتعبير
شيخنا رحمه اللّه بالسفية لهم لا لهن أحسن تعبير أفصح عن الحقيقةو الله أعلم.
وأما حكم التلبية فقد تقدم بيانه، وراجع له "العمدة" ( ٤ - ٥٣٢)
و " الفتح" (٣ - ٣٢٦).
قوله: لبيك الخ. مثنى مضاف، وقع مفعولاً مطلقاً، يجب حذف عامله
الضابطة قياسية ذكرها الرضى، كما أسلفنا بيانها فى أوائل الكتاب فى شرح قوله:
" غفرانك" فى ( باب ما يقول إذا خرج من الخلاء). وقد أوضحناه
إيضاحاً فلا نعيده .

شرح كلمات التلبية
لك لبيك ، إن الحمد
ومعنى " لبيك": ألب لك إلباباً بعد إلباب، مأخوذ من قولهم : ألب
بالمكان: إذا قام به ، وقيل : أتجاهى إليك ، وقيل: محبتى، وقيل : إخلاصى
لك ، وقيل : قرباً منك ، وقيل : خضوعاً لك ، كما فصلها فى " العمدة"
(٤ - ٥٣٢) و "الفتح" (٣ - ٣٢٤). والأولى هو الأشهر والأظهر ،
وعليه الأكثر. والمثى فى مثله للتكرير والتكثير كما صرح به النحاة ، ومثله
ذكر السيوطى فى قوله تعالى: ( ثم ارجع البصركرتين ٥ الآية "الملك" ) أى
كرة بعد كرة ، كما فى " الكشاف" و"أبى السعود" و"الروح" وغيرها .
وعليه حمل قوله تعالى: ( ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد ٥)، أى: ألق ألق،
كما فى "الكشاف" وغيره .. ثم لفظه تثنية عند سيبويه لأجل التكثير دون
حقيقة التثنية ، وللتأكيد عند الفراء ، ومفرد عند يونس ، والياء فيه عنده كما
فى "لديك" و"عليك" و"إليك"، كما فى " العمدة" و"الفتح".
قوله: إن الحمد الخ. قال فى "رد المحتار": وحكى الشراح عن الإمام
الفتح، وعن محمد والكسائى والفراء الكسر إلا أن المذكور فى " الكشاف" أن
اختيار الإمام الكسر والشافعى الفتح، وهو الذى يعطيه ظاهر كلامهم "نهر" اهـ.
وفى " الفتح" و "العمدة": روى بكسر الهمزة على الاستئناف وبفتحها على
التعليل والكسر أجود عند الجمهور، ورجحه الخطابى ، وابن دقيق العيد ،
والنووى . وحكى الرافعى الوجهين من الشافعى من غير ترجيح وهذا خلاف
ما نقله الزمخشرى: إن الشافعى اختار الفتح وأبا حنيفة الكسر انتهى ملخصاً .
زائدة: قال الشيخ عبد القاهر فى " دلائل الإعجاز" فى (باب اللفظ
والنظم) والخطيب القزويني فى "الإيضاح" (١ - ٢١١) المطبوع بهامش

.٧٨
معارف السنن
ج - ٦
والنعمة لك والملك لا شريك لك " .
حدثنا: فتيبه نا الليث عن نافع عن ابن عمر: (( أنه أهل فانطلق يهل يقول:
"لبيك اللهم لبيك لا شريك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" ».
قال: وكان عبد اللّه ابن عمر يقول: هذه تلبية رسول اللّه عَ ل} ،
الشروح الأربعة " للتلخيص" ما ملخصه: إن بشار بن برد قرأ قصيدته فى
ابن قتيبة على أبى عمرو بن العلاء وخلف الأحمر حتى فرغ منها ، فقال خلف:
لو قلت : يا أبا معاذ بدل: "إن ذاك النجاح" "بكرا فالنجاح" كان أحسن؟
فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية: "إن ذلك النجاح" كما يقول الأعراب
البدويون ، ولو قلت: "بكرا فالنجاح" كان من كلام المولدين ولا يدخل فى
معنى القصيد ، فقام خلف فقبل بين عينيه اهـ . والقصة بإسنادها مذكورة فى
"الأغانى" فى الجزء الثالث، فى ترجمة: بشار بن برد برواية الأصمعى .
قوله: "والنعمة لك"، المشهور فيه النصب، ويجوز الرفع على الابتداء
بحذف الخبر، حكاه عياض عن ابن الأنبارى قوله : و "الملك" أيضاً بالنصب
على المشهور، وجاز فيه الرفع أيضاً بتقدير الخبر، والحكمة فى مشروعية التلبية
هى التنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء
منه عزوجل ، وقرن النعمة بالحمد لأن " النعمة " من متعلقات الحمد
و" الملك" مستقل بنفسه، وهو بضم الميم معناه: "الحكومة" و"السلطنة"،
هذا ملخص ما فى الشرح الصحيح بزيادة .
ومعنى " التلبية " قيل: إجابة دعوة ابراهيم عليه السلام حين أذن فى
الحج، وفيه آثار عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء وغيرهم بأسانيد قوية
كما فى "الفتح". وقيل: دعوة الله سبحانه وتعالى، وقيل: دعوة نبينا محمد

٧٩
بحث التلبية وجواز الزيادة بعدها
وكان يزيد من عنده فى أثر تلبية رسول اللّه عَلالٍ: «لبيك لبيك وسعديك
والخير فى يديك لبيك والرغباء إليك والعمل ».
هذا حديث صحيح. قال أبو عيسى: وفى الباب عن ابن مسعود وجابر وعائشة
وابن عباس وأبى هريرة . قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن
صحيح .
والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ وغيرهم ، وهو قول
سفيان الثورى والشافعى وأحمد واسحاق ، وقال الشافعى: فإن زاد زائد فى التلبية
شيئاً من تعظيم الله فلابأس إن شاء الله. وأحب إلىّ أن يقتصر على تلبية رسول الله
عَ له، واستوفى ما ورد من الزيادة فى التلبية البدر والشهاب فى شرحيها،
فليراجعهما من شاء، وزيادة ابن عمر فيها ما أشار إليها الترمذى ، رواها مسلم
فى " صحيحه".
قوله : وكان يزيد فى تلبية الخ. قال فى "الكنز" ما لفظه: ((زد فيها
ولا تنقص)). قال ابن عابدين فى "المنحة": أى زد على هذه الألفاظ ماشئت ،
كذا فى الشرح . قال فى " النهر": فالظرف بمعنى " على"، لأن الزيادة
إنما تكون بعد الإتيان بها لا فى خلالها، كما فى "السراج" اهـ . وصرح به
فى "الدر المختار" حيث قال: وزد ندباً فيها، أى عليها لا فى خلالها اهـ .
ومالك كره الزيادة ، وروى عنه أنه لا بأس بالزيادة . وعن الشافعى وجهان ،
وذكر فى "العمدة" ما ملخصه: إن استحباب الزيادة قول محمد بن الحسن
والأوزاعى والثورى . وقال أبو حنيفة وأبو ثور : لا بأس بالزيادة . وقال
أبو يوسف والشافعى فى قول: لا ينبغى أن يزاد فيها على تلبية النبى معَلِ ،
(م - ٤٠:

٨٠
معارف السنن
ج - ٦
قال الشافعى: وإنما قلنا : لا بأس بزيادة تعظم اللّه فيها لما جاء عن ابن
عمر وهو حفظ التلبية عن رسول اللّه عَله، ثم زاد ابن عمر فى تلبيته من قبله :
" لبيك والرغبى إليك والعمل " .
وإليه ذهب الطحاوى آهـ .
قال الشيخ : وما ذكره فى "النهر" وغيره من الزيادة فى نهايتها دون
خلالها فلتكن هذه ضابطة فى كل من الأدعية المأثورة ، والأولى الإقتصار على
المأثور ، ففيه البركة . قال الفقهاء : ويكثر الحاج من التلبية ما قدر عليها .
قال فى "الكنز" و"الدر" وغيرهما: وأكثر المحرم التلبية ندباً متى صلى
أو علا شرفاً أو هبط وادياً أولقى ركباً أو أسمر رافعاً صوته بها بلاجهد الخ . ثم
الحاج يختمها عند رمى الجمرة الأولى والمعتمر عند استلام الحجر . قال فى
"الكنز": " وأقطع التلبية بأولها" أى بأول حصاة ترمى بها جمرة العقبة،
وحجته حديث جابر فى "الصحيحين": وقطع المعتمر التلبية عند الاستلام،
ذكره صاحب "البحر " وغيره. وقطع التلبية الحاج عند جمرة العقبة مذهب
الثورى والشافعى وأحمد أيضاً مع اختلاف قليل بينهم . فقال أبو حنيفة والثورى
والشافعى : مع أول حصاة يرميها . وقال أحمد واسحاق: حتى يرمى جمرة العقبة
بأسرها . وقال مالك : قطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة ، هذا ملخص
ما فى "العمدة" (٤ - ٦٩٦)، وقال فى (٤ - ٧٠٠): وروى سعيد بن منصور
من طريق ابن عباس قال: ((حججت مع عمر رضى الله عنه إحدى عشرة حجة
فكان يلبى حتى يرمى الجمرة)). وذكر الطحاوى: أن الإجماع وقع من الصحابة
والتابعين على أن التلبية لا تقطع إلا مع رمى جمرة العقبة ، إما مع أول حصاة
أو بعدتمامها على اختلاف فيه. ودليل الإجماع أن عمر بن الخطاب كان بلى
غداة المزدلفة بحضور ملأ من الصحابة وغيرهم فلم ينكر عليه أحد منهم بذلك ،
٠٠