النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
صيام عشر ذي الحجة وفضل العمل فيها
((إن النبى عَلّ لم ير صائماً فى العشر)). وروى أبو الأحوص عن منصور عن
ابراهيم عن عائشة، ولم يذكر فيه عنى الأسود ، وقد اختلفوا على منصور فى هذا
الحديث . ورواية الأعمش أصبح وأوصل إسناداً، قال : سمعت أبا بكر محمد بن
أبان يقول : سمعت وكيعاً يقول : الأعمش أحفظ لإسناد ابراهيم من منصور.
( باب ما جاء فى العمل فى أيام العشر)
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم - وهو ابن أبى عمران البطين-
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه عَ ل: ((ما من أيام
الجمعة الأخرى)) رواه أحمد والنسائى وأبو داود . قال الزرقانى: وحسنه بعض
الحفاظ. وقال الزيلعى: حديث ضعيف
وعلى كل حال لا كراهة فى صيامها عند أحد ، بل صيامها من أعظم
القربات والمستحبات، لقوله :2 8$: ((ما العمل فى أيام أفضل منها فى هذه
الخ)) رواه البخارى واللفظ له ، والترمذى من حديث ابن عباس ، والصوم
من الأعمال المرغوبة فيها فيشمله ، ولا سيما صيام عرفة ، وذكر الحافظ فى
" الفتح" السبب فى امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العباد فيه ،
وهى الصلاة والصيام والصدقة والحج ، ولا يتأتى ذلك فى غيره .
-: باب ما جاء فى العمل فى أيام العشر :-
قال الشيخ : خاضوا فى إعراب حديث الباب وأجروا فيه إعراب مسألة
الكحل ، فيكون الجهاد فى هذه الأيام أفضل من الجهاد فى غيرها . أراد الشيخ
بمسألة الكحل مسألة إسم التفضيل فى قولهم : " ما رأيت رجلاً أحسن فى عينه

٤٤٢
معارف السين
ج -٥
العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ، فقالوا يا رسول الله:
ولا الجهاد فى سبيل الله؟ فقال رسول اللّه ◌َا} : ولا الجهاد فى سبيل الله، إلا
رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ ))
وفى الباب عن ابن عمر وأبى هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر . قال
أبو عيسى : حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح
حدثنا أبو بكر بن نافع البصرى نا مسعود بن واصل عن نهاس بن فهم
عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبى معَ ا﴾ قال: ((ما من أيام
أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها
بصيام سنة ، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)) .
الكحل منه فى عين زيد"، والمراد بها أن يكون الشىّ الواحد مفضلاً ومفضلاً
عليه باعتبارين ، وراجع شروح "الكافية" من بحث اسم التفضيل لمزيد
التفضيل، وقد أطال فى "الفتح" (٢ - ٣٨٢) فى ألفاظ هذا الحديث المروية
وتطريقها ومخارجها ، فراجعه وراجع " العمدة" (٣ - ٣٨٠)، وراجع
"الفتح" (٦ - ٣ و٤). والتركيب الإعرابية ذكرها القارى فى " المرقاة ".
قال الشيخ: لا حاجة إلى هذا التكلف بل يستقرأ عمله فَ ل وعمل السلف
فيهن ، ولم يثبت عنه وعنهم إلا الصيام والتكبيرات ، فقد ذكر البخارى فى
"صحيحه" فى العيدين. وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق فى أيام
العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، وكبر محمد بن على خلف النافلة اهـ. ويقول
الحافظ : وفسر العمل بالتكبير الخ ، وكان بعض السلف من أجل هذا الحديث
يكبرون فما عدى تكبيرات التشريق والعيد ، ويكبرون بعد الصلوات الخمس

٤٤٣
بيان فضيلة عشر ذي الحجة - وصيام ست من شوال
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن
واصل عن النهاس . وسألت محمداً عن هذا الحديث ؟ فلم يعرفه من غير هذا
الوجه مثل هذا، وقال: قد روى عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن النبى وَلَّه
مرسلا شئ من هذا .
أيام من شوال )
( باب ما جاء فى صيام ستة
حدثنا أحمد بن منيع نا أبو معاوية نا سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن
وحاصل الحديث أن العمل من الصيام والتكبيرات أفضل فى هذه الأيام
منه فى غيرها ، وكذا الجهاد فيها أفضل من الجهاد فى غيرها . اعلم : أنَّ
الحديث الأول أخرجه البخارى فى " صحيحه" من العيدين من طريق الأعمش،
وقد صرح بالسماع عن مسلم البطين عند الطيالسى فى " مسنده"، فالحديث
صحيح بلا شك ، نعم فيه اختلاف آخر ذكره الحافظ . والحديث الثانى
ضعيف لأجل مسعود بن واصل البصرى ، وهو لين الحديث ، وكذا شيخه
النهاس ضعيف .
-: باب ما جاء فى صيام ستة أيام من شوال :-
نسب إلى أبى حنيفة ومالك كراهتها ، وإلى الشافعى وأحمد استحبابها ،
والنقول التى حكاها المتأخرون من ابن نجم والكمال وابن الكمال وغيرهم من
علمائنا مضطربة ، ولكن أفرد هذا الموضوع المحقق العلامة الحافظ قاسم بن
قطلوبغا برسالة خاصة سماها : " تحرير الأقوال فى صوم الست من شوال" ،
وحقق من نصوص المذهب استحبابها عند أبى حنيفة وأبى يوسف . ثم اختلفوا
( م - ١٦ )

٤٤٤
معارف السنن
ج -ه
أبى أيوب قال: قال رسول اللّه بَّله: ((من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال
فذلك صيام الدهر )) .
وفى الباب عن جابر وأبى هريرة وثوبان. قال أبو عيسى : حديث أبىأيوب
حديث حسن صحيح . وقد استحب قوم صيام ستة من شوال لهذا الحديث .
هل الأفضل التفريق أو التتابع بعد الإتفاق بأداء أصل الفضيلة بأى طريق كان
من غير كراهة؟ واختار أبويوسف التفريق، وراجع للتفصيل "رد المحتار".
قوله : فذلك صيام الدهر . أى ذلك صيام الدهر تنزيلا لها منزلة صيام
الدهر بضابطة " الحسنة بعشر أمثالها"؛ فإنه إذا صام أحد شهر رمضان فاستحق
أجر عشرة شهور بهذه الضابطة ، بقى شهران فإذا ضربنا ستاً من شوال فى
عشر حصل ستون ، وذلك شهران ، فكان كصيام الدهر . ثم لموم الدهر
صور عديدة ، ومنها صيام البيض ثلاثة أيام من كل شهر ، وقاعدة
الحسنة بعشرة أمثالها من خصائص هذه الأمة المرحومة ، ومن مزايا ليلة الإسراء
التى فاز بها رسول اللّه عَلّ تلك الليلة، كما ثبت ذلك من حديث مسلم فى
"صحيحه" من حديث أنس الطويل عنده فى الإسراء، وفيه: ((ومنمهم بحسنة
فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم
بعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة)) ، وفيه حديث أبى هريرة
وحديث ابن عباس عند مسلم فى " صیحه " فی کتاب الإيمان فی ( باب تجاوز
الله تعالى عن حديث النفس الخ). ولفظ حديث ابن عباس عن رسول الله صلالجل
فيما يروى عن ربه عز وجل قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين
ذلك ، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، فإن هم بها
فعملها كتب الله عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة الخ».

٤٤٥
بيان صيام ست من شوال وثلاثة من كل شهر
وقال ابن المبارك : هو حسن مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر . قال ابن المبارك:
ويروى فى بعض الحديث: ((ويلحق هذا الصيام برمضان)). واختار ابن المبارك
أن تكون ستة أيام من أول الشهر، وقد روى عن ابن المبارك أنه قال : إن
صام ستة أيام من شوال متفرقاً فهو جائز .
قال أبو عيسى : وقد روى عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سليم
وسعد بن سعيد هذا الحديث عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب عن النبى حَثَد .
هذا وروى شعبة عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد هذا الحديث ، وسعد
ابن سعيد هو : أخو يحيى بن سعيد الأنصارى ، وقد تكلم بعض أهل الحديث
فى سعد بن سعيد من قبل حفظه .
(باب ما جاء فى صوم ثلاثة من كل شهر )
حدثنا قتيبة نا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن أبى الربيع عن أبى هريرة
ومن صيام الدهر صيام ثلاثة أيام ، يوماً فى أول الشهر ، ويوماً فى وسطه ،
ويوماً فى آخره .
قوله : ويروى فى بعض الحديث الخ . يريد ابن المبارك أن صيام ثلاثة
أيام من كل شهر روى منضماً مع صيام رمضان ، كما روى ست من شوال
مع صيام رمضان . أقول: وقد روى ذلك فى حديث جابر عند البزار. مرفوعاً:
((صم رمضان وثلاثة أيام من كل شهر)) قال الهيشمى فى " زوائد المسانيد":
رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، وروى مسلم فى حديث أبى قتادة فجمع
. بين رمضان وصيام ثلاثة من شهر ، هكذا يفهم هذا المقام لا كما ذكره
صاحب " التحفة " وغيره.
: باب ما جاء فى صوم ثلاثة من كل شهر :-
ولها عشرة صور ذكرها الحافظ فى "الفتح" (٤ - ١٩٨)، وإلى كل

٤٤٦
معارف السنن
ج -٥
قال: ((عهد إلىّ رسول اللّه عَل﴾ ثلاثةً:
أن لا أنام إلا على وتر ، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وأن أصلى
الضحى )).
حدثناً محمود بن غيلان نا أبو داود أنبأنا شعبة عن الأعمش قال : سمعت
يحيى بن بسام يحدث عن موسى بن طلحة قال : سمعت أبا ذر يقول : قال رسول
اللّه عَجله: (( يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع
عشرة وخمس عشرة)).
وفى الباب عن أبى قتادة وعبد الله بن عمرو وقرة بن إياس المزنى وعبدالله
ابن مسعود وأبی عقرب وابن عباس وعائشة وقتادة بن ملحان وعثمان بن أبي العاص
وجریر . قال أبو عیسی : حديث أبى ذر حديث حسن . وقد روى فى بعض
الحديث: ((إن من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر)).
ذهب ذاهب . وصيام ثلاثة من كل شهر أيضاً صيام الدهر تنزيلاً، لكون الحسنة
بعشر أمثالها .
قوله: عهد إلى الخ. وكذلك عهده عَّل إلى أبى الدرداء كما ثبت عند
مسلم فى " صحيحه"، وكذلك عهده إلى أبى ذر عند النسائى فى " صغراه" ،
وتقدم فى صلاة الضحى وجه تخصيص هؤلاء الثلاثة بهذه الثلاثة فى الحديث .
قوله : وأن أصلى الضحى. وقع فى بعض نسخ النسائى بدل الضحى ركعتا
الفجر، وقالوا: إنه خطأ. أقول: لفظ النسائى: ((أمرفى رسول اللّه ◌َ له بركمى

حديث أن صيام ثلاثة من كل شهر صيام الدهر - وفضل الصوم ٤٤٧
حدقظً هناد نا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن أبى عثمان عن أبى ذر قال:
قال رسول اللّه عَ لّ: ((من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر ،
فأنزل الله تبارك وتعالى تصديق ذلك فى كتابه: ( من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها)، اليوم بعشرة أيام )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن . قال أبو عيسى : وقد روى شعبة
هذا الحديث عن أبى شمر وأبى التياح عن أبى عثمان ، وقال : عن أبى هريرة
مُعَلالله
عن النبى
على
وس
حدثنا محمود بن غيلان نا أبو داود نا شعبة عن يزيد الرشك قال: سمعت.
معاذة قالت: قلت لعائشة: ((أكان رسول اللّه عَ لّ بصوم ثلاثة أيام من كل
شهر : قالت : نعم ، قلت : من أيه كان يصوم؟ قالت : كان لا يبالى من
أيه صام )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. قال : ویزید الرشك هو: یزید
الضبعى ، وهو : يزيد بن القاسم، وهو القسام . والرشك هو : القسام فى لغة
أهل البصرة .
(باب ما جاء فى فضل الصوم)
حدثنا عمران بن موسى القزاز البصرى نا عبد الوارث بن سعيد نا على بن
الضحى))، ومثله فى " الصحيح" فى الصيام، فالظاهر المتبادر أن " الفجر"
هناك تصحيف " الضحى"، ولا يخفى قرب هذا التصحيف.
-: باب ما جاء فى فضل الصوم :-
حديث أبى هريرة فى الباب حديث " الصحيحين " البخارى فى الصيام
٢٩

٤٤٨
معارف السنن
ج -ه
زيد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه حَاجٍ: ((إن
والتوحيد، ومسلم فى الصيام. وفى شرح قوله: ((والصوم لى وأنا أجزى به))
عشرة أقوال، ذكرها الحافظ فى "الفتح" (٤ - ٩١ وما بعدها)، وفى
"العمدة " ثمانية منها، وابن العراقى فى " شرح التقريب" ذكر منها ثمانية :
وزاد الزرقانى فى " شرح المؤطأ " قولاً" على العشرة لبعض الصوفية .
فمنها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع فى غيره من العبادات الظاهرة،
حكاه المازرى ، ونقله عياض عن أبى عبيد .
ومنها : أنى أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته فجزاؤ موكول
إلى ، حكاه أبو عبيد عن ابن عيينة . وهذان أقرب الأجوبة كما قاله الحافظ .
ومنها : أن الاستغناء عن الطعام والشراب وغيرهما من الشهوات من
صفات الرب جل جلاله ، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه .
ومنها : أن الصيام لم يعبد به غير الله بخلاف الصلاة والصدقة والطواف .
ومنها : أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصيام ، ونسب ذلك
إلى ابن عيينة ، ويؤيده رواية ويخالفه أخرى ؛ وهى ما أخرجه الترمذى فى
" جامعه" (٢ - ٦٤) فى (باب ما جاء فى شأن الحساب والقصاص ) من
حديث أبى هريرة مرفوعاً: ((المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام
وزكاة ، ويأتى قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم
هذا ، وضرب هذا ، فيقعد فيقتص هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن
فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه
ثم طرح فى النار))، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ففى هذا الحديث
تصريح بأن الصوم من جملةٍ ما يؤخذ فى المقاصة والكفارة ، والحديث فرح

تحقيق حديث لفظه: " كل عمل ابن آدم كفارة إلا الصوم" ٤٤٩
مدحه الترمذى، وإسناده إسناد حديث: ((إذا انتصف شعبان فلا صوم إلا
عن رمضان)) ، وكلام البعض فيه ليس من جهة السند كما تقدم. قال القرطبي :
قد كنت استحسنت هذا الجواب - أى جواب ابن عيينة - إلى أن فكرت فى
حديث المقاصة فوجدت فيه ذكر الصوم فى جملة الأعمال ثم ذكر الحديث .
قال الحافظ بعد حكايته: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك،
فقد يستدل له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن زباد عن أبى
هريرة رفعه: ((كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لى وأنا أجزى به آهـ)).
قال الشيخ: لا بد لكل من بشرح الحديث أن يقف أولاً على سائر
الروايات بمختلف السياقات فى الباب ، فوقع فى الحديث عند البخارى فى
التوحيد بلفظ: ((لكل عمل كفارة والصوم لى وأنا أجزى به) وقد اختلف فى
هذا الشيخ الرواة ونسخ الكتاب، ففى أكثر نسخ "الصحيح": ((لكل عمل كفارة
الخ))، فيكون معنى العمل فيه عمل السيئة والمعاصى، أى لكل عمل من المعاصى
كفارة من الطاعات . ووقع فى بعض نسخ "الصحيح" ، وفى رواية " مسند
أحمد"، وفى رواية البيهقى فى "الأسماء والصفات" كلها: ((كل العمل كفارة
الخ))، فاختلف معناه، وإذن بريد بالعمل الخير والطاعة ، يعنى أن كل عمل
من الطاعات كفارة للمعاصى .
أقول: هذا البحث استوفاه الحافظ فى " الفتح" (٤ - ٩٣ و ٩٤ )،
وقد اختلف فيه على شعبة ، ورواه أبو داود الطيالسى فى " مسنده" عن شعبة
عن محمد بن زياد عن أبى هريرة بلفظ: ((قاله ربكم تبارك وتعالى: كل العمل
كفارة إلا الصوم)»، ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى عنى شعبة بلفظ :
(( كلٍ ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم))، كما فى " الفتح"، وذكر أنه
يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة ، لكن يعارضه حديث حذيفة عند البخارى ،

٤٥٠
معارف السنن
ج -٥
وفيه: ((تكفره الصلاة والصيام والصدقة الخ)). ثم أجاب عن التعارض بحمل
الإثبات على كفارة شئ مخصوص والنفى على كفارة شئ آخر اهـ ملخصاً .
والحديث عند أحمد فى " المسند" (٢ - ٤٥٧)، ورواية البيهقى فى "الأسماء
والصفات" (ص - ١٦٠ طبع الهند). وفيها: ((لكل عمل كفارة))، وعزاه
إلى البخارى أيضاً ، والله أعلم .
وحكى السيوطى فى "زهر الربى" : أن الطالقانى فى " حظائر القدس"
قد بلغ الوجوه إلى خمسة وخمسين قولاً . قال الشيخ: والراجح عندى هو
رواية " مسند أحمد"، وهو الأفصح من جهة العربية، وكذلك المختار عندى
فى شرحه قول ابن عيينة. وأما ما فى " جامع الترمذى" فمراده: أن الصوم
يؤخذ فى حقوق العباد ، ومراد حديث الباب أنه لا يؤخذ فى حقوق الله وإن
وضع سائر العبادات لتكون كفارة بخلاف الصوم وإن صار بالآخر مكفراً .
هكذا فى الأصل - أى " العرف الشذى" - ، ولم ينشرح بمراده صدرى ،
فلم أقدر على تعبيره بلفظى فأبقيته كما هو ، فرب مبلغ أوعى له من سامع . ثم
إنه كان فى الأصل: " يؤخذ فى حقوق الله"، فسنح لى أن صوابه: "لا يؤخذ
فى حقوق الله" وإذن انتظم الكلام والله أعلم فيما أرى. ووجدت فى " مذكرة
الشيخ رحمه الله" ما لفظه بعد نقل اختلاف أحمد والبخارى فى لفظه: ولعل
الصوم يكفر السيئات غير المظالم ويزيد عليها ، ويقتص للمظالم منه غير
الاقتصاص ، أو شرع كل عمل لكفارة السيئات ، والصوم لم يشرع لها وإن
كفر به أيضاً آخراً، وراجع الفتح (٦ - ٤٤٥) انتهى كلامه .
قال الراقم: يريد به ما قال فى شرح حديث حذيفة: ((فتنة الرجل فى
أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة الخ)) قال: وأما تخصيص الصلاة وما ذكر
معها بالتكفير دون سائر العبادات ففيه إشارة إلى تعظيم قدرها ، لا نفى أن غيرها

البحث عن سياقات حديث : "كل عمل ابن آدم كفارة". ٤٥١
من الحسنات ليس فيها صلاحية التكفير . ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع
بنفس فعل الحسنات المذكورة ويحتمل أن يقع بالموازنة، والأول أظهر اهـ .
قال الراقم : والأولى عندى ما قاله الحافظ فى " الفتح" (٤ - ٩٥)، فقوله:
" كل العمل كفارة إلا الصيام" يحتمل أن يكون المراد: إلا الصيام فإنه كفارة
وزيادة ثواب على الكفارة آهـ .
قال الراقم : لا ريب أن الاختلاف الكثير فى سياقه مدهش ، وجعل
توجيه هذه الجملة مشكلاً ، غير أن بعض التوجيهات أقعد بها نظراً إلى بعض
السياقات، كما أن بعضاً آخر ألصق بها نظراً إلى سياق آخر، مثلاً سياق حديث
الباب الأقعد به، هو ما حكاه أبو عبيد عن ابن عيينة ، كما أن سياق " كل عمل
كفارة " الأقرب إليه هو الوجه الرابع هنا، وكما أن الوجه الثانى ألصق بسياق:
((إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجل)) والإستثناء فى بعض الصور أوقع
كما أن عدمه أوقع فى أخرى، فلو جعلت هذه الألفاظ والسياقات أحاديث مختلفة
عند تعدد المخارج فالكل ملائم حيث لا تزاحم فى النكات ، أو تجعل من قبيل
ذكر كل ما لم يذكره الآخر عند اتحاد المخرج هان خطبه أيضاً ؛ نعم اختلاف
سياق (( كل العمل كفارة الخ)) عند أحمد والبخارى مشكل لاتحاد المخرج، فلا بد
من ترجيح أحد السياقين على الآخر . ثم يشكل فيه الاستثناء نظراً إلى معارضته
الأحاديث الأخر الصريحة فى تكفير الصيام ، ويحتمل أن يقال : دخل سياق فى
سياق، وجاء الاستثناء من سياق آخر، وهان أمره من غير الاستثناء ، فلا يعارض.
وبالجملة لم أصادف بعد فى هذا الصدد ما يشفى الغلة ، وأما مع الاستثناء
فتعارض كون الصوم كفارة فى حديث وغير كفارة فى آخر لا بد فيه من
( ٢ - ١٧)

٤٥٢
معارف السنن
ج -٥
ربكم يقول : كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والصوم لى وأنا أجزى
به ، والصوم جنة من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ،
تأويل ، وقد جاءت أمامك عدة فاختر منها ما شئت ، فهذا ملخص ما دار فى
الباب، والله أعلم بالصواب .
قال الشيخ : وتدل عليه روايات على أن سائر العبادات كفارة ، منها
قوله مَّل: ((أرأيتم لو أن نهراً باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً هل يبقى
من درنه شَى؟ قالوا : لا يبقى من درنه شئ ، قال : فذلك مثل الصلوات
الخمس، يمحوا الله بهن الخطايا)) ( متفق عليه من حديث أبى هريرة رضى الله
عنه)، فهذا فى الصلاة، ومنها فى الوضوء، وهو قوله حَرْجُ: (( من توضأ
فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره )) .
( من حديث عثمان بن عفان ، وفيه حديث أبى هريرة عند " مسلم" وحديث
الصنايحى عند مالك والنسائى وابن ماجه ) .
قوله : والصوم جنة من النار . قال الشيخ : كنت أزعم أن الصوم جنة
أى وقاية وستر بشكل الجنة يوم القيامة حتى رأيت حديثاً: ((إن العبد إذا وضع
فى قبره فإذا كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن
شماله وفعل المعروف من قبل رجليه)) الحديث ، رواه ابن حبان ، كما عزاه
الحافظ فى "الفتح" (٣ - ١٨٨) إلى ابن حبان من حديث أبى هريرة،
وراجع " العمدة" و "الفتح" لما ذكروه فى تفسير " الجنة"، فعلمت أن
مراده ما فى هذا الحديث أى الصوم يأتى عن شماله فيقيه عن العذاب كما أن
الجنة تؤخذ بالشمال للوقاية .

٤٥٣
شرح كلمات حديث فضل الصوم
وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل : إنى صائم )).
وفى الباب عن معاذ بن جبل وسهل بن سعد وكعب بن عجرة وسلامة بن
قيصر وبشير بن الخصاصية ، واسم بشير : زحم بن معبد، والخصاصية هى
أمه . قال أبو عيسى : وحديث أبى هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه .
حدثنا محمد بن بشار نا أبو عامر العقدى عن هشام بن سعد عن أبى حازم
عن سهل بن سعد عن النبى معَّ الإِ قال: ((فى الجنة باب يدعى: الريان، يدعى
له الصائمون ، فمن كان من الصائمين دخله ومن دخله لم يظمأ أبداً » .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب .
قوله : وإن جهل الخ . الجهل هنا ضد الحلم ، كما قال شاعر المعلقة :
ألا لا يجهلن أحد علينا . فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال شاعر الحماسة :
وبعض الحلم عند الجهـ . ل للذلة إذعان
وبلفظ : "إن جهل" رواه أحمد، وفى "الصحيح" من طريق الأعرج عن
أبى هريرة: ((وإن امرؤ قائله أو شاتمه فليقل: إنى صائم))، وفى رواية:
((وإن شتمه إنسان فلا يكلمه))، وفى رواية: ((فإن سابه أحد أو قاتله))،
وانظر تفصيله فى " الفتح" (٤ - ٨٩) و " العمدة" (٥ - ١٦٨)، وهذه
الروايات يوضح معنى الجهل ههنا .
قوله : فليقل: إنى صائم . أى فى نفسه أو باللسان، وبالأول جزم المتولى،
ونقله الرافعى عن الأئمة، ورجح النووى الأول فى "الأذكار". وقال فى
"شرح المهذب": كل منهما حسن ، والقول باللسان أقوى ، ولو جمعهما لكان

٤٥٤
معارف السنن
ج -٥
حدثنا قتيبة نا عبد العزيز بن محمد عن سهل بن أبى صالح عن أبيه عن
أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَّالٍ: ((للصائم فرحتان، فرحة حين يفطر،
وفرحة جين بلق ربه )) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح .
( باب ما جاء فى صوم الدهر )
حدثنا قتيبة وأحمد بن عبدة الضبى قالا نا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير
أحسن . وقال الرؤيانى : إن كان فى رمضان فبلسانه وإلا فى نفسه ، وقال
ابن العربى : إن موضع الخلاف فى التطوع، وأما فى الفرض فيقوله بلسانه
قطعاً . وبالجملة الأقوال فيه ثلاثة : باللسان ، أو فى النفس ، أو التفرقة بين
الفرض والنفل . وذكر الكر مانى: أنه يجب الحمل على كلا المعنيين عند الشافعى،
فإذن الأقوال أربعة ، هذا ملخص ما فى " الفتح" و " العمدة".
-: باب ما جاء فى صوم الدهر :-
ذهب الجمهور إلى جوازه ، وهو مستحب عند الشافعى إذا أطاقه ولم يؤد
إلى فوات حق ، وإلى كراهته ذهب اسحاق والظاهرية وأحمد فى رواية ، وشذ .
ابن حزم فقال: يحرم، كما فى "الفتح". وقال ابن قدامة فى " المغنى":
والذى يقوى عندى أن صوم الدهر مكروه . وعزا النووى فى " شرح المهذب"
الكراهة إلى أبى يوسف وغيره من أصحاب الإمام ، ولم يذكر البدر العينى فى
"العمدة " خلاف أبى حنيفة ولا صاحبيه ، وقد صرح فى " البدائع" بما يدل
على كراهته عند أبى يوسف ، راجعه (٢ - ٧٩). قال ابن الهام فى " فتح
القدير": ويكره صوم الدهر لأنه يضعفه، أو يصير طبعاً له ، ومبنى العبادة

٤٥٥
بيان صوم الدهر - وصوم الوصال
. على مخالفة العادة اهـ . وصرح فى "الدر" بكراهته تنزيهاً، والكراهة هى
المذكورة فى " البدائع" . ويستفاد من " الفتاوى الهندية" أن صوم الدهر
وصوم الوصال واحد، حيث قال : ويكره صوم الوصال وهو أن يصوم
السنة كلها ولا يفطر فى الأيام المنهى عنها ، وإذا أفطر فى الأيام المنهية المختار
أنه لا بأس به ، كذا فى "الخلاصة" اهـ .
قلت : وهذا أحد التفسيزين للوصال، ذكرهما صاحب " البدائع". قال
الشيخ : وهذا خطأ، فإن صوم الدهر هو صيام السنة كلها ما عدى الأيام
الخمسة مع الأفطار كل يوم بعد الغروب كما هو المعروف ، وأما صوم الوصال
فهو صوم يومين من غير فصل بالإفطار بعد الغروب . أقول : وبه فسر
أبو يوسف ومحمد، كما نى "البدائع"، وذكره محمد فى " المؤطأ". قال
الشيخ : وكتاب الكراهية من هذه " الفتاوى الهندية" مشحون بروايات
ضعيفة، وذلك لأجل أن مأخذه كتاب "مطالب المؤمنين" لبدر الدین اللاهوری،
و ليس هو مما يوثق به .
قال الشيخ: ثم الوصال على قسمين : وصال إلى السحر، ووصال يومين
متصلاً من غير إفطار وسحور . فالثانى لا شك فى كونه منهياً عنه، وهذا هو
الذى ثبت نهيه فعَّ الّ الأمة وبيان اختياره بنفسه ◌َّلٍ خاصة. والأول فلا بد
من القول بجوازه عندنا ، فإن علمائنا الحنفية لم يتعرضوا له نفياً ولا إثباتاً ، وقد
صح ثوته عنه پآځ فی حدیث "الصحیحین" -أى من حديث أبىسعيد الخدرى،
ويأتى البيان فى بابه بعد أربعة أبواب إن شاء الله تعالى -: ((لا تواصلوا فأيكم أراد
أن يواصل فليواصل حتى السحر)». والكلام فى صوم الدهر فى هذا الباب هو
فى صيام الدهر حقيقةً لا ما أنزل منزلة صيام الدهر، كما تقدم .

٤٥٦
مغارف السنن
ج -۵
عن عبد الله بن معبد عن أبى قتادة قال: ((قيل يا رسول اللّه ! كيف بمن صام
الدهر ؟ قال : لا صام ولا أفطر، أو : لم يصم ولم يفطر)).
قوله : لا صام ولا أفطر الخ . عدم إفطاره ظاهر ، واختلفوا فى عدم
صومه ، فقيل: كأنه لم يصم لأنه إذا تعود صار طبعاً له كمن اعتاد الأكل مرة
فى اليوم والليلة، وقيل: النهى لأجل صيام الأيام الخمسة المنهى عنها، وهو غير
صحيح، فإن الصيام المنهية خارجة عن حديث الباب وكرهت تحريماً بلا خلاف .
وقيل : إنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقاً كما فى "العمدة".
وبالجملة التمسك بحديث الباب على كراهة صوم الدهر مشكل ، فإن
الأحاديث فى جوازه بلا كراهة صريحة ، وفى " فتح البارى" (٤ - ١٩٣ )
أخرج الحافظ حديثاً: ((من صام الدهر ضيقت عليه جهنم، وعقد بيده))،
وعزاه إلى أحمد والنسائى وابن خزيمة وابن حبان من حديث أبى موسى مرفوعاً ،
وعزاه البدر العينى فى "العمدة" (٥ - ٣١٧) إلى " سنن الكجى" بلفظ:
(( من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وضم أصابعه على تسعين))، قال
الحافظ : وظاهره أنها تضيق عليه حصراً له فيها تشديده على نفسه وحمله عليها
ورغبته عن سنة نبيه حَ واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضى
الوعيد الشديد، فيكون حراماً آهـ . فقيل: هذا بدل على كراهة صيام الدهر.
قال شيخنا : وهذا غير صحيح ، فإنه لو فرضنا كراهة صوم الدهر فلا يستحق
مثل هذا الوعيد الذى يستحقه مرتكب أكبر الكبائر .
وقيل : معناه : ضيقت عنه فلا يدخلها ، فعلى هذا تكون " على" بمعنى
" عن"، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مسدد، وحکی رده عن أحمد ، وحكاه
ابن خزيمة عن المزنى، ورجح هذا التأويل جماعة ، منهم الغزالى ، ذكره الحافظ

٤٥٧
بيان فضل صيام الدهر
وفى الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن الشخير وعمران بن حصين
وأبى موسى . قال أبوعيسى : حديث أبى قتادة حديث حسن ، وقد كره قوم
من أهل العلم صيام الدهر وقالوا : إنما يكون صيام الدهر إذا لم يفطر يوم الفطر
فى "الفتح" (٤ - ١٩٤)؛ ثم قال: والأولى إجراء الحديث على ظاهره
وحمله على من فوت حقاً واجباً بذلك فإنه يتوجه إليه الوعيد آهـ .
قال الشيخ: لا حاجة إلى هذه التكلفات ، وإلى إرتكاب المجاز يجعل "على"
بمعنى "عن"، والحديث على صرافة اللغة وذوق العربية، ومعناه واضح بأنها:
تضيق عليه أى لا تسعه ، يدل على فضل عظيم ووعد عظيم قطعاً. وبالجملة
المعنى الثانى صحيح من غير تجوز، ويؤيده حديث: ((تقول النار المؤمن يوم
القيامة: جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لحى))، أخرجه الحكيم الترمذى والطبرانى
وابن مردويه والخطيب والبيهقى فى " الشعب" من حديث يعلى بن أمية عن النبى
عَ ل، كما فى " الدر المنثور" (٤ - ٢٨٢)، وأيضاً عنده (٤ - ٢٨٠ )
عن أحمد والحكيم الترمذى وابن المنذر وغيرهم فى حديث طويل من حديث
أبى سمية: ((لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً
كما كانت على ابراهيم ، حتى إن النار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجى اللّه اللذين
اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً)) . ويمكن أن يقيد الحديث المذكور بصوم داود
عليه السلام ، وهو صوم الدهر، أو يحمل على صيام الدهر التنزيلى دون الحقيقى
المختلف فيه والله أعلم .
ثم قال الشيخ : إن صيام داود أفضل من صيام الدهر ، والوعد عليه
أعظم . أقول : واختلف المجيزون لصوم الدهر بالشروط المذكورة أيهما أفضل؟
فصرح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل ، لأنه أكثر عملاً، فيكون أكثر

٤٥٨
معارف السنن
ج -٥
ويوم الأضحى وأيام التشريق ؛ فمن أفطر فى هذه الأيام فقد خرج من حد
الكراهية ، ولا يكون قد صام الدهر كله. هكذا روى عن مالك بن أنس ،
وهو قول الشافعى. وقال أحمد واسحاق نحواً من هذا، وقالا: لا يجب أن يفطر
أجراً ، وبه جزم الغزالى ، وذهب جماعة منهم المتولى من الشافعية أن صيام داود
أفضل . قال الحافظ بعد حكايته: وهو ظاهر الحديث بل صريحه ، ويترجح
من حيث المعنى، ثم ذكره مفصلاً فراجعه .
وحديث الباب قوله: ((لا صام الخ))، قال فى "الفتح": والمعنى بالنفى.
أنه لم يحصل له أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنه أمسك اهـ. ويمكن أن يقال
فيه إبقاء له على ظاهره : بأنه لا يمكن له التعهد عليه دواماً، فكأنه لا صام .
وفى الحديث: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها)) كما رواه الشيخان من حديث
عائشة بألفاظ مختلفة، وفى لفظ لهما: ((أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن
قل)) . وأما دليل عدم التعهد على صيام الدهر فيدل عليه فعل عبد الله بن عمرو
ابن العاص، حيث ندم على عدم اختياره رخصة النبى معَّ امٍ فى آخر عمره، كما
فى حديث الصحيح : وكان عبد الله يقول بعد ما كبر: (( يا ليتنى قبلت رخصة
النبى معَّ له)). قال النووى: معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه
ووظفه على نفسه عند رسول اللّه عَ الجُ، فشق عليه فعله لعجزه ولم يعجبه أن
يتركه لالتزامه له، فتمنى أن لو قبل الرخصة فأخذ بالأخف . قال الحافظ :
ومع عجزه وتمنيه الاخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه ، بل صار يتعاطى فيه
(( وكان عبد الله حين ضعف
نوع تخفيف ، كما فى رواية "حصين" ...
وكبر يصوم تلك الأيام كذلك يصل بعضها إلى بعض ثم يفطر بعدد تلك الأيام
فيقوى بذلك ، وكان يقول : لأن أكون قبلت الرخصة أحب إلى مما عدل به
لكننى فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره)) " الفتح" (٤ - ١٩١ ) ..

٤٥٩
بحث صيام الدهر وحديث: " إن هذا الدين متين"
أياماً غير هذه الخمسة الأيام التى نها عنها رسول اللّه عَّ لهُ : يوم الفطر ويوم
الأضحى وأيام التشريق .
وبالجملة كل ما دار بين عبد الله بن عمرو وبينه عَ ل يدل على الاقتصاد
فى باب العبادة ، وأن يلتزم أمراً لا يشق عليه إلتزامه ودوامه، ويؤيد ذلك حديث
من جوامع كلمه مِّ: ((إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت
لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»، رواه أحمد من حديث أنس، والبزار من حديث
جابر كما فى "زوائد الهيثمى" وتخريج أحاديث "الإحياء" للعراقى. والمنبت اسم
فاعل من الإنبتات ، وهو الإسراع فى السير ، يقال للرجل إذا انقطع به سفره
وعطبت راحلته : قد أنبت ، من البت ، وهو: القطع ، يريد أنه بقى فى طريقه
عاجزاً عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب ظهره كما فى "النهاية"، يعنى
ينبغى أن يعمل بالرخص وعدم تحمل ما يكلفه وير هقه .
وهذا الحديث يشبه حديث الباب فى تعبيره وتصويره . وقيل: إن تشبيها
ح له لعدة صور للصيام من صيام البيض وست الشوال بصيام الدهر وتنزيلها
منزلته بدل على أن صوم الدهر عبادة عظيمة ، وذلك يدل على فضل صوم
الدهر، كما ذكره فى "الفتح" (٤ - ١٩٣) قال: وتعقب بأن التشبيه فى الأمر
المقدر لا يقتضى جوازه فضلاً عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على
تقدير مشروعية صيام ثلاث مائة وستين يوماً ، ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز
له صيام جميع السنة ، فلايدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه .
وأما "سرد الصوم" فهو: الصوم متوالياً مع الإفطار كل يوم، ولا يلزم أن
يكون فى السنة كلها، فهو أعم من صوم الدهر. قال فى "الفتح" (٤ - ١٩٤):
( ٢ - ١٨ )
٠

٤٦٠
معارف السنن
ج -ه
( باب ما جاء فى سرد الصوم )
حدثنا قتيبة نا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن شقيق قال : سألت
عائشة عن صيام النبى مُّ ل؟ قالت: ((كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر
حتى نقول: قد أفطر، وما صام رسول اللّه عَلٍ شهراً كاملا إلا رمضان)).
وفى الباب عن أنس وابن عباس . قال أبوعيسى: حديث عائشة حديث
صحيح .
حدثنا على بن حجر نا اسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس بن مالك أنه
سئل عن صوم النبي ◌َّ؟ قال: كان يصوم من الشهر حتى يرى أنه لا يريد
أن يفطر، ويفطر حتى لا يرى أنه لا يريد أن يصوم منه شيئاً ، فكنت لا تشاء
أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته مصلياً، ولا نائماً إلا رأيته نائماً)).
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح .
ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر ، فقد قال أسامة بن زيد: ((إن النبى
وَسَيْل
كان يسرد الصوم، فيقال: لا يفطر)) أخرجه أحمد. ومن المعلوم أن النبى
مثل اللّه
علـ
لم يكن يصوم الدهر، فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر اهـ. يريد أنه لا يتم
الإستدلال بروايات السرد بصيام الدهر .
-: باب ما جاء فى سرد الصوم :-
أخرج فى الباب حديثين رواهما الشيخان ، وصنيع الترمذى صريح فى
عدم التلازم بين سرد الصوم وصوم الدهر، والحديث الثانى صريح فى تفضيل
ضيام داود، وإليه ذهب جماعة ، منهم المتولى كما تقدم قريباً.
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى".