النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
مسألة الاكتحال للصائم والإختلاف فيها
مالك قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌َّ قال: اشتكت عينى، أنأكتحل وأنا
صائم ؟ قال : نعم)).
وفى الباب عن أبى رافع . قال أبو عيسى : حديث أنس حديث إسناده
ليس بالقوى، ولا يصح عن النبي عٍَّ فى هذا الباب شئ.
وأبو عائكة يضعف ، واختلف أهل العلم فى الكحل للصائم ، فكرهه
بعضهم ، وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد واسماق . ورخص بعض أهل
فى الكحل للصائم ، وهو قول الشافعى .
أولا؛ لأن الموجود فى حلقه أثره داخلاً من المسام ، والمفطر الداخل من المنافذ
الخ. وفى "البحر": وكذا لو بزق فوجد لونه فى الأصح آهـ . ومن زق
وفيه أثر الكحل ثم أعاده فسد صومه، وإن لم يعد فلا شيء عليه ، والبزاق المنقطع
إذا ابتلعه أفسد الصوم وإن لم يظهر فيه أثر الكحل ، كما فى كتب الفقه ، راجع
"رد المحتار".
واعلم : إن الاكتحال بقصد الزينة مكروه ، كما قال صاحب "الهداية"،
ولفظها : ولا بأس بالاكتحال للرجال إذا قصد به التداوى دون الزينة اهـ .
وأن التختم للزينة مكروه ، كما فى " الكفاية" وغيرها . ويظهر أن للفقهاء فيه
خلافاً ، راجع كراهية "رد المحتار" من فصل اللبس من موضعين. وأما التختم
بالذهب فكروه قولاً واحداً من غير خلاف .
قوله : وأبو عائكة الخ . اسمه: طريف بن سليمان ، ويقال : سليمان بن
طريف ، كما فى " نصب الرأية" وغيره، وذكر فى "التهذيب" اسمه. طريف
ابن سلمان، ويقال: سلمان بن طريف، وأحدهما مصحف من الآخر . قال
فى "الميزان": مختلف فى اسمه مجمع على ضعفه. قال البخارى: منكر الحديث،

٤٠٢
معارف السنن
ج -٥
(باب ما جاء فى القبلة للصائم )
حدثنا هناد وقتيبة قالانا أبو الأحوص عن زياد بن علاقة عن عمرو بن
ميمون عن عائشة: ((أن النبي ◌َ ◌ّ كان يقبل فى شهر الصوم)).
وفى الباب عن عمر بن الخطاب وحفصة وأبى سعيد وأم سلمة وابن عباس
وأنس وأبى هريرة . قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح .
واختلف أهل العلم من أصحاب النبى نَّهُ وغيرهم فى القبلة للصائم، فرخص
وذكره السليمانى فيمن عرف بوضع الحديث اهـ . وبالجملة هو شيخ معمر ،
كوفى أو بصرى ، جاوز مائة وأربع وستين سنة ، اختلط عقله وحفظه فى
آخر عمره ، فكان الحديث من طريقه واهياً .
-: باب ما جاء فى القبلة للصائم :-
ولا بأس بالقبلة للصائم إذا أمن على نفسه الجماع مثل الشيوخ ، وتكره
إذا لم يأمن على نفسه كالشبان ، وهذا هو مذهب أبى حنيفة والشافعى والثورى
والأوزاعى ، وحكاه الخطابى عن مالك ، وكرهها قوم مطلقاً ، وإليه ذهب
مالك فى المشهور عنه ، وأباحها قوم مطلقاً ، وإليه ذهب أحمد واسحاق وداود ،
ومنهم من أباحها فى النفل ومنعها فى الفرض، ومنهم من منعها مطلقاً ، وذهب إليه
طائفة من التابعين، فالأقوال خمسة. وانظر تفصيلها فى "العمدة" (٥ - ٢٢٨).
وأما الاعتكاف فلا تجوز فيه القبلة مطلقاً، ووجه الفرق بين جواز ارتكاب
دواعى الوقاع فى الصوم وعدم جوازه فى الاعتكاف مذكور فى " الهداية "
وشروحها من " العناية" و"الفتح"، وملخصه: أن الأمر بالكف عن الجماع
قصدى فى. الاعتكاف وضمنى فى الصوم ، فقال تعالى فى الإعتكاف : ( ولا

٤٠٣
ارتكاب دواعى الشهوة فى الاعتكاف
بعض أصحاب النبي حَ لّ فى القبلة للشيخ ولم يرخصوا للشاب مخافة أن لا يسلم
له صومه ، والمباشرة عندهم أشد
وقد قال بعض أهل العلم : القبلة تنقص الأجر ولا تفطر الصائم ، ورأوا
أن الصائم إذا ملك نفسه أن يقبل ، وإذا لم يأمن على نفسه ترك القبلة ليسلم له
صومه ، وهو قول سفيان الثورى والشافعى .
( باب ما جاء فى مباشرة الصائم )
حدثنا ابن أبى عمر نا وكيع نا اسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى ميسرة عن
تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد) ، وقال فى الصيام : ( ثم أنموا الصيام
إلى الليل ). فتعدى الأمر الصريح إلى الدواعى دون الضمنى ، وإن الجماع من
محظورات الاعتكاف كالإحرام ، وليس بركن منه ، فحرم الأصل ودواعيه ،
وأما فى الصيام فالكف عنه ركن من أركان الصوم لادخل فيه لدواعيه . وراجع
الشرحين للتفصيل والله أعلم
واعلم : إن الإفطار لازم والتفطير متعد ، وكذا أفطر: دخل فى وقت
الإفطار، كما فى "القاموس".
-: باب ما جاء فى مباشرة الصائم :-
قال الحافظ فى "الفتح" (٤ - ١٢٩): وأصل المباشرة التقاء البشرتين ،
ويستعمل فى الجماع سواء أولج أو لم يولج، وليس الجماع مراداً بهذه الترجمة اهـ.
ومثله فى " العمدة". وبالجملة فالمراد بالمباشرة: اللمس دون المباشرة الفاحشة .
( م - ١١)

٤٠٤
معارف السنن
ج -ه
عائشة قالت: ((كان رسول اللّه عَل يباشرنى وهو صائم، وكان أملككم لإربه)).
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن ابراهيم عن علقمة والأسود عن
عائشة قالت: ((كان رسول اللّه عَ ل﴾هل يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم
لإربه » .
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح . وأبو ميسرة اسمه : عمرو بن
شرحبيل ، ومعنى : "لإربه " يعنى: لنفسه .
( باب ما جاء لاصيام لمن لم يعزم من الليل )
حدثنا اسحاق بن منصور نا ابن أبى مريم نا يحيى بن أيوب عن عبد الله بن
أبى بكر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن حفصة عن النبى معَلجه
قال : (( من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له )) .
قال أبو عيسى: حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا
و "الإرب" بالكسر: العضو، وجمعه آراب ، وبفتحتين: الحاجة ، كما
فى " الفتح" و"العمدة"، وجاء بالكسر أيضاً بمعنى الحاجة ، وروى هنا
بالوجهين، والثانى أى فتح الهمزة والراء أشهر ، وإلى ترجيحه أشار البخارى
بما أورده من التفسير ، قاله الحافظ : واختار التوربشتى أن حمله على العضو
غير سديد مائل عن سنن الأدب ، ومال الطيبى إلى أخذه بمعنى العضو . أنظر
"الزرقانى" (٢ - ١٦٦) على "الموطأ". قال شيخنا: والأشبه بالتعظيم
الثانى أى الحاجة .
-: باب ما جاء لا صيامٍ لمن لم يعزم من الليل :-
المذكور فى الحديث مسألة تبييت نية الصوم ، فالتبييت لرمضان مذهب

١٠
٤٠٥
مسألة التبييت فى الصوم والمذاهب فيها
الوجه ، وقد روى عن نافع عن ابن عمر قوله: وهو أصح ، وإنما معنى هذا
عند بعض أهل العلم : لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فى رمضان،
مالك وأحمد وإسحاق أيضاً، وللنفل أيضاً عند مالك. وأما عند الشافعى فيجب البيت
فى كل صوم إلا النفل ، وجوز فيه أن ينوى بعد الزوال إذا لم يصبح مفطراً،
وهذا أحد القولين له ، واكتفى به ابن المنذر ، والذى نص عليه فى معظم كتبه
التفرقة بين قبل الزوال وبعده ، كما يقوله الحافظ ، وجعل النووى جواز النافلة
بنية فى النهار قبل الزوال مذهب الجمهور ، وقال أبو حنيفة: لا يجب التبيت
فى رمضان والنذر المعين والنفل ، وهو مذهب أصحابه ، ومذهب الثورى
والنخعى ، ويجب التبييت عنده فيما عدا ذلك من القضاء والكفارات والنذور
المطلق ، كما فى "فتح القدير" وغيره. ثم الأصح النية قبل نصف النهار فما
لم يجب التبيت على ما فى " الجامع الصغير" كما فى " الهداية" لكى تتحقق
النية فى أكثر النهار . ودليل أبى حنيفة أن رمضان موقت من جهة الشارع ،
والنذر المعين من جهة العبد ، والنفل وقته كل يوم ، والحديث ساقط ، وذلك
لاختلاف الأئمة فى رفعه ووقفه، ورواه الأكثر موقوفاً، ورجح النسائى وأبو داود
والترمذى والبخارى وغيرهم وقفه . وقال البخارى : وهو - أى المرفوع -
خطأ ، وهو حديث فيه اضطراب . أنظر للتفصيل " نصب الرأية" ( ٢ -
٤٣٥). و "التلخيص" (ص - ١٨٦) و " العمدة" (٥ - ٢١٩).
فلا يقوم بمثله حجة . فلا حاجة إلى جوابه .
وحجتنا فى مسألة الباب ما استدل به الإمام الطحاوى فى " شرح معانى
الآثار" من حديث سلمة بن الأكوع: ((إنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلاً
من أسلم: أن أذن فى الناس: "أن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل
فليصم فإن الیوم یوم عاشوراء")) . رواه الشيخان البخارى فى الصيام وفى (باب

٤٠٦
معارف السنن
ج -٥
أو فى قضاء رمضان أو فى صيام نذر إذا لم ينوه من الليل لم يجزه . وأما صيام
التطوع فمباح له أن ينويه بعد ما أصبح ، وهو قول الشافعى وأحمد وأسماق .
إجازة خبر الواحد) ومسلم فى الصيام بألفاظ مختلفة . وأطال الطحاوى فى تأييده
بالروايات ، وذكر أن صوم عاشوراء كان فرضاً ، فروى عن عبد الله وعلى
وحذيفة وأنس وأبى طلحة وعثمان وابن عباس وأبى الدرداء وأبى أبوب من
الصحابة: أنهم نووا الصيام بعد ما أصبحوا غير مبيتين، وحقق أن فيها دليلاً على
أن من لم ينو الصوم ليلا فله أن ينوى نهاراً، وذلك فى الفرض والنفل ، وحمل
حديث حفصة بعد تسليمه مما يحتج به : أن محمل ذلك فى القضاء والكفارات
حتى لا تتضاد الروايات ، وعلى ذلك يجمع بينها . قلتَ : ويستدل له بما رواه
الترمذى فى الباب اللاحق من فعله عّلّ . قال الحافظ: لم يثبت أمره عليه السلام
من أكل بالقضاء فلا يكون صوم عاشوراء فرضاً، أى لا يتم الاستدلال به للفرض.
قال الشيخ : كيف غفل الحافظ عن رواية أبى داود فى " سننه"، ففيها
تصريح الأمر بالقضاء . أقول : ولكن الحافظ أطال البحث فيه ، وذكر فى
"الفتح" (٤ - ١٢٢ ): وعلى تقدير أنه كان فرضاً فقد نسخ بلاريب فنسخ
حكمه وشرائطه .... وعلى تقدير أن حكمه باق فالأمر بالإمساك لا يستلزم
الإجزاء ، فيحتمل أن يكون لحرمة الوقت .... وكل ذلك لا ينافى أمرهم
بالقضاء ، بل ورد ذلك صريحاً فى حديث أخرجه أبو داود والنسائى ، وفيه :
(((فأتموا بقية يومكم واقضوه))، وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث ....
فلا يتعين ترك القضاء ؛ لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه ( كذا فى الأصل
ولعل كلمة " لا" خطأ) القضاء، كمن بلغ أو أسلم فى أثناء النهار. وكذلك
أشار إلى حديث أبى داود فى "الفتح" (٤ - ٢١٦)، فالحافظ كما ترى الحديث
أمامه؟ نعم قال ابن الجوزى فى " التحقيق" على ما حكاه الزيلعى عنه، أنه رد

٤٠٧
مسألة الإفطار فى صوم النفل ووجوب القضاء
( باب ما جاء فى افطار الصائم المتطوع )
حدثنا قتيبة نا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن ابن أم هانئ عن أم هانئ
قالت: (( كنت قاعدة عند النبى حّ له فأتى بشراب فشرب منه ثم ناولنى فشربت
منه ، فقلت : إنى أذنبت فاستغربى؟ قال: وما ذاك؟ قالت: كنت صائمة
فأفطرت . فقال : أمن قضاء كنت تقضينه؟ قالت: لا، قال: فلا يضرك)).
فرضية عاشوراء بحديث معاوية فى " الصحيحين"، وبدليل أنه لم بأمر من أكل
بالقضاء اهـ. ورده كله صاحب "التنقيح" كما بسطه الزيلغى فى "التخريج"
( ٢ - ٤٣٦ ) .
-: باب ما جاء فى إفطار الصائم المتطوع :-
ههنا مسألتان: أحدهما: مسألة جواز الإفطار وعدمه للمتنفل . والثانية :
وجوب القضاء وعدمه لو أفطر. فقال مالك - كما فى "المدونة" (١ -
١٨٣) -: أن من أصبح صائماً متطوعاً فأفطر متعمداً يكون عليه القضاء ،
وهذا قريب من مذهب أبى حنيفة ، وجعلهما ابن رشد فى " قواعده" واحداً،
وفى "المغنى" (٣ - ٨٩): وقال النخعى وأبو حنيفة ومالك : يلزم فى الشروع
فيه ولا يخرج منه إلا لعذر، فإن خرج قضى، وعن مالك: لا قضاء عليه اهـ.
فظهر أن عنه روايتين ، رواية كأبى حنيفة والله أعلم .
وقال أبو حنيفة : يلزم الصوم بالشروع، فإن أفطر يقضى مطلقاً سواء
كان من عذر أو من غير عذر . قال ابن الحمام فى " الفتح": لا خلاف بين
أصحابنا رحمهم الله فى وجوب القضاء إذا فسد عن قصد أو غير قصد .....
وإنما اختلاف الرواية فى نفس الإفساد ، هل يباح أو لا ؟ فظاهر الرواية لا إلا

٤٠٨
معارف السنن
ج -ه
وفى الباب عن أبى سعيد وعائشة . وحديث أم هانئ فى إسناده مقال .
والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َُّّ وغيرهم: أن الصائم
المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يحب أن يقضيه، وهو قول سفيان الثورى
وأحمد وامضاق والشافعى .
حدثنا محمود بن غيلان نا أبو داود نا شعبة قال : كنت أسمع سماك بن حرب
بعذر، ورواية " المنتقى" يباح بلا عذر آهـ. واتفق الأئمة على أن من شرع
فى الحج وجب عليه إتمامه . فقال أبو حنيفة: كذلك الحكم فى وجوب الإتمام
بعد الشروع فيه فى الصلاة والصوم ، وقال الشافعى : لا قضاء فى صوم المتطوع
إن أفطر الصائم ، ومثله قال أحمد كما فى كتب الحنابلة ، ومثله فى "المهذب"
و "متن الخرقى" و"المغني (" الفتح" و "العمدة" وغيرها ، ولكن صرح
أحمد نفسه فى كتاب الصلاة له على وجوب الإتمام بعد الشروع فى الصلاة
والصيام أفاده الشيخ. ولم يكن عندى " كتاب الصلاة" لأحمد ، غير أن فى
"المغنى" (٣ - ٨٩): وقد روى حنبل عن أحمد: إذا أجمع على الصيام
فأوجهه على نفسه فأفطر من غير عذر أعاد يوماً مكان ذلك اليوم اهـ. ثم تأوله
ابن قدامة بالجمل على استحباب ذلك أو على النذر، وأنت ترى أنها رواية عنه
كرواية عن مالك مثلها ، وهل يمكن تطبيق الروايات المختلفة فى كل مسألة ؟!
وأما مسألة الإفطار ، ففى ظاهر الرواية جوازه بعذر . والضيافة عذر
للضيف والمضيف ، ولكن فيه اختلاف وتفصيل ، كما فى " فتح ابن الحمام"،
فقيل : عذر، وقيل: لا، وقيل: عذر قبل الزوال لا بعده، راجع "الفتح".
وكون الضيافة عذراً فى حق الضيف والمضيف مذكور فى "البحر" و"شرح
الوقاية "، واكتفى فى عامة الكتب بأنه عذر فى حق الضيف . وفى " الكنز"

٤٠٩
أدلة القضاء وعدم القضاء فى صوم النفل
يقول : أحد بنى أم هانئ حدثنى، فلقيت أنا أفضلهم وكان اسمه : جعدة ،
وكانت أم هانئ جدته، فحدثنى عن جدته: ((أن رسول اللّه حَ لّ دخل عليها
فدعا بشراب فشرب ، ثم نَاولها فشرب ، فقالت : يا رسول اللّه أما إنى كنت
صائمة، فقال رسول اللّه بحّله: الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام وإن
شاء أفطر » .
و "المنتقى" الحاكم الشهيد جوازه بغير عذر أيضاً، كما فى "الفتح"، وتقدم
نقله . واكتفى به فى "الكنز"، وهى رواية أبى يوسف . والجمع بينهما أن
الإفطار من غير عذر جائز لكنه غير مرضى ، والمفهوم من الأحاديث جوازه
من غير عذر ، ومن أجل هذا يقول ابن الحمام : واعتقادى أن رواية " المنتقى"
أوجهآه. ولإبن الهام هنا كلام متين.
وأما تفقه أبى حنيفة فى المسألة فهو أن الشروع بمنزلة النذر والنذر لازم
اتفاقاً ولكن التحريمة كالنذر القولى فى الصلاة دون الصوم والله أعلم ، قاله
الشيخ. وعلم أن الشيخ لم يطمئن قلبه فى قياس الصوم على الصلاة كقياس الصلاة
على النذر . قال الراقم : وأدلة الفريقين من الأحاديث متكافئة ، وربما تكون
الكثرة الحنفية ، غير أن عمومات النصوص القرآنية من قوله تعالى: ( ولا تبطلوا
أعمالكم) وقوله: ( رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله
فما رعوها حق رعايتها )، وقوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل )، وقوله :
( ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ) ، وقوله : ( ومن يعظم
حرمات الله فهو خير له ) من آيات التنزيل كلها تدل على ترجيح مذهب
أبى حنيفة ، وكذلك أدلة الأصول من تعارض الحاظر والمبيح وغيره تؤيده ،
فالأدلة الخاصة إذا كانت متكافئة ثم كانت متعارضة فالرجوع فى مثلها إلى
عمومات القطعيات أولى وأحوط وأبلغ، وللإمام أبى بكر الرازى كلام جيد

٤١
معارف السنن.
ج -٥.
قال شعبة : قلت له : أنت سمت هذا من أم هانئ؟ قال : لا ، أخبرنى
أبو صالح وأهلنا عن أم هانئ. وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن سماك
فقال: عن هارون بن بنت أم هانئ عن أم هانئ .
ورواية شعبة أحسن ، هكذا حدثنا محمود بن غيلان عن أبى داود فقال :
متين ببسط واسع فى "أحكام القرآن" فليراجعه، وليراجع "الزرقانى على الموطأ".
ثم إن حديث عائشة فى الباب رواه الطحاوى فى " شرح الآثار" (١ -
٣٥٥) من طريق الإمام الشافعى عن سفيان بن عيينة بسند فى غاية الصحة، وفيه:
(سأصوم يوماً مكان ذلك)) فصح فيه ثبوت القضاء فكان حجة لنا إلا أن الطحاوى
ذكر بعد روايته : قال محمد : هو ابن ادريس سمعت سفيان عامة مجالستى إياه
لا يذكر فيه : "سأصوم يوماً مكان ذلك" ثم إنى عرضت عليه الحديث قبل
أن يموت بسنة فأجاز فيه: "سأصوم مكان ذلك" ومر عليه الحافظ فى "التلخيص"
(ص - ١٩٧) فقال: وابن عيينة كان فى الآخر قد تغير اهـ. والذهبى
ينكر ذلك ويرد على من يدعى اختلاطه وذكر منشأ ذلك ثم لم يرض به .
قال الذهبى فى "الميزان" فى ترجمة سفيان ما ملخصه: إن ابن عمار
الموصلى قد حكى عن يحيى القطان أن سفيان اختلط سنة سبع وتسعين ومائة ،
وأن سفيان مات سنة ثمان وتسعين ومائة ، فيقول الذهبى توفى قبل قدوم الحاج
بأربعة أشهر فى تلك السنة ولم بلاقه أحد فيها ، وإن القطان نفسه قد مات فى
صفر سنة ثمان وتسعين ، فمتى تمكن يحبى القطان من أن يسمع اختلاط سفيان
ثم لم يشهد عليه بذلك ، ثم قال : فلعله بلغه ذلك فى أثناء سنة سبع مع أن يحي
متعنت جداً فى الرجال ، وسفيان فثقة مطلقاً والله أعلم . ولكن الحافظ فى
"التهذيب" يذكر كلام الذهبى ويلجأ إلى قوله: " فلعله بلغه الخ". أقول:

٤١١
بحث قضاء صوم التطوع
" أمين نفسه"، وحدثنا غير محمود عن أبى داود فقال : " أمير نفسه" أو
" أمين نفسه" على الشك. وهكذا روى من غير وجه عن شعبة " أمير" أو
" أمين نفسه" على الشك .
وعلى كل حال الذهبى يوثقه مطلقاً ويستبعد كلام يحيى القطان بل يعده غلطاً من
ابن عمار الموصلى ، والذهبى ذهبى الرجال، فالقول قوله على كل حال .
قال الشيخ : ولم ينفرد بروايته الشافعى بل رواه غير الشافعى رجلان ،
أحدهما عند النسائى فى "الكبرى" ، والثانى عند الدار قطنى فى " سننه". أقول:
ذكره الحافظ فى "التلخيص"، والراوى عن ابن عيينة عند النسائى: " محمد
منصور"، وعند الدارقطنى: "محمد بن عمرو الباهلى"، ولفظها: ((وأصوم
يوماً مكانه))، كما فى " نصب الرأية" و" التلخيص".
أقول: أولاً إنه قد صحح هذه الزيادة الحافظ أبو محمد عبد الحق الأشبيلى
صاحب " كتاب الأحكام" وغيره كما فى " شرح الهداية" للعينى (٢ -
١٣٥٦) مع خطأ من الكاتب فى الإسم .
وثانياً: أن الشافعى من أخص تلامذة ابن عيينة وهو أعرف بحاله، والشافعى
قبل هذه الزيادة وحملها بالقضاء تطوعاً ، كما فى " نصب الرأية" عن البيهفى
فى "المعرفة" .
وثالثاً : إنه تابع الشافعى محمد بن منصور وهو الطوسى من رجال أبى داود
والنسائى ، وثقه غير واحد ، وذكره ابن حبان فى الثقات، كما فى "التهذيب"،
فاتفق على هذه الزيادة ثقتان ، فهى مقبولة ألبتة على أصولهم .
قوله: أمير نفسه . هذا لا ينفى القضاء . قال الزرقانى فى "شرح الموطأ"
( م - ١٢ )

٤١٢
معارف السنن
ج -٥
حدثنا هناد نا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن
عائشة أم المؤمنين قالت: ((دخل على رسول اللّه عَّ ال﴾ يوماً فقال: هل عندكم
شئء؟ قالت: قلت: لا ، قال : فإنى صائم ))
حدثنا محمود بن غيلان نا بشر بن السرى عن سفيان عن طلحة بن يحيى
عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: ((إن كان النبى معَ لم يأتينى
فيقول : أعندك غداء؟ فأقول: لا ، فيقول : إنى صائم ، قالت : فأتانى يوماً
فقلت: يا رسول اللّه إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هى؟ قلت : حيس،
قال: أما إنى أصبحت صائماً، قالت: ثم أكل)).
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن .
ولفظه : وأما خبر الترمذى وصححه الحاكم: " المتطوع أمير نفسه" ...... فمعناه
مريد التطوع جمعاً بين الأدلة ، ومنها: " لا تبطلوا أعمالكم" اهـ. وفى بعض
الروايات: "أمين نفسه" بدل " أمير نفسه". قال الشيخ: وظنى أنه تصحيف
من الناسمين والله أعلم. قلت : لا ريب أن الأمير أقعد بالمقام من الأمين، وورد
عند الدار قطنى والحاكم: ((المتطوع بالخيار الخ))، وهو يؤيد "الأمر"، غير أنه
وقع بالشك والترديد عند الترمذى والطبالسى والدارقطنى والبيهقى ، ووقع
"الأمير" من غير شك عند أحمد والحاكم والدار قطنى فى طريق والبيهقى فى
طريق ، فالقول بتصحيف الناسخ مشكل والله أعلم .
تنبيه : الحديث عزاه الزيلعى إلى النسائى - ولعله فى " الكبرى" - وإلى
أبى داود وليس فيه: " المتطوع الخ".

٤١٣
حديث وجوب القضاء فى صوم التطوع
( باب ما جاء فى ايجاب القضاء عليه )
حدثنا أحمد بن منيع نا كثير بن هشام نا جعفر بن برقان عن الزهرى
عن عروة عن عائشة قالت: ((كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام
اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول اللّه فَلّ فبدرتنى إليه حفصة - وكانت ابنة
أبيها - فقالت : يا رسول اللّه إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا
منه؟ قال : اقضيا يوماً آخر مكانه )).
قال أبو عيسى : وروى صالح بن أبى الأخضر ومحمد بن أبى حفصة هذا
الحديث عن الزهرى عن عروة عن عائشة مثل هذا . وروى مالك بن أنس
ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهرى
-: باب ما جاء فى إيجاب القضاء عليه :-
حديث الباب دليل صريح الحنفية والمالكية، ورجح الترمذى إرساله، والسند
جيد ، وكذلك حجة فى الباب الحديث الذى تقدم من رواية الطحاوى فى "شرح
معانى الآثار" (١ - ٣٥٥) عن المزنى عن الشافعى ، وتقدم ما يتعلق به ، ومما
احتج به ابن عبد البر على ما حكاه الزرقانى حديث: ((إذا دعى أحدكم إلى
طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليأكل)) وروى: (( فإن شاء أکل وإن كان
صائماً فليدع))، وروى: ((فإن كان صائماً فلا يأكل))، فلو جاز الفطر فى
التطوع لكان أحسن فى إجابة الدعوة. وحديث : (( لا تصم امرأة وزوجها.
شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه)) يدل على أن المتطوع لا يفطر ولا
يفطره غيره ، ولو كان مباحاً كان إذنه لا معنى له . قال ابن عمر: ذلك المتلاعب
بدينه ، أو قال : صومه . وأجاب الزرقانى عن حديث أم هانئ وحديث
عائشة: ((دخل علىّ رسول اللّه عَّالّ الخ)) أنها قضية عين لا عموم فيها آهـ.

٤١٤
معارف السنن
ج -۵
عن عائشة مرسلا، ولم يذكروا فيه عن عروة ، وهذا أصح ، لأنه روى عن
ابن جريج قال: سألت الزهرى فقلت : أحدثك عروة عن عائشة؟ قال :
لم أسمع من عروة فى هذا شيئاً ولكن سمعت فى خلافة سلمان بن عبد الملك من
ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث .
حدثنا بهذا على بن عيسى بن يزيد البغدادى ناروح بن عبادة عن ابن
جريج : فذكر الحديث .
وقد ذهب قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّالج وغيرهم إلى هذا
الحديث ، فرأوا عليه القضاء إذا أفطر، وهو قول مالك بن أنس .
( باب ما جاء فى وصال شعبان برمضان.
حدثنا بندار نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان عن منصور عن سالم بن
أبى الجعد عن أبى سلمة عن أم سلمة قالت: ((ما رأيت النبى حَ لّ يصوم شهرين
متتابعين إلا شعبان ورمضان » .
وفى الباب عن عائشة . قال أبوعيسى : حديث أم سلمة حديث حسن .
وقد روى هذا الحديث أيضاً عن أبى سلمة عن عائشة أنها قالت: (( ما رأيت
التى ټځ فى شهر أ کثر صياماً منه فى شعبان ، كان يصومه إلا قليلاً ، بل كان
يصومه كله )) .
-: باب ما جاء فى وصال شعبان برمضان :-
حديث أم سلمة يدل على الصيام فى شعبان كله ، وحديث عائشة يدل
"على صيامه عَّل﴾ فى أكثره لا كله، أفاده الشيخ. وههنا بحثان فى حديث الباب:
الأول : هل هو حديث واحد؟ اختلف الرواة ، فجعله طائفة من مسند

٤١٥
بحث وصال صوم شعبان بصوم رمضان
حدثنا بذلك هنادنا عبدة عن محمد بن عمرو نا أبو سلمة عن عائشة عن
النبى معَّ ل بذلك. وروى سالم أبو النضر وغير واحد هذا الحديث عن أبى سلمة
عن عائشة نحو رراية محمد بن عمرو. وروى عن ابن المبارك أنه قال فى هذا
الحديث : وهو جائز فى كلام العرب ، إذا صام أكثر الشهر أن يقال : صام
أم سلمة وطائفة من مسند عائشة؟ أم هو حديثان؟ واتفق أبو النضر ويحيى بن.
أنی کثیر عند مالك والشبخین ومحمد بن ابراهيم التیمی وزید بن أبیغیاث عند
النسائى ومحمد بن عمرو عند الترمذى كلهم عن أبى سلمة عن عائشة ، وخالفهم
يحيى بن سعيد وسالم بن الجعد عند النسائى وكذا الترمذى ، فروياه عن أبى سلمة
عن أم سلمة ، فقال الحافظ فى "الفتح": وقال الترمذى عقب طريق سالم بن
أبي الجعد : هذا إسناد صحيح ، ويحتمل أن یکون أبوسلمة رواه عن کل من
عائشة وأم سلمة . قال الحافظ : ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمى رواه عن
أبى سلمة عن عائشة تارةً وعن أم سلمة تارةً أخرى ، أخرجها النسائى.
والبحث الثانى : هل مفاد الروايتين واحد أم هو مختلف ؟ فجنح الترمذى
تبعاً لإبن المبارك الجمع بينهما بأنه أطلق الكل على الأكثر ، والمراد الأكثر ،
واستبعده الطيبى والعراقى وحملاهما على اختلاف الأحوال ، فتارةً كله وتارة"
أكثره ، وقيل : معنى كله أنه لا يخص أوله أو أوسطه أو آخره بالصوم ، بل
يعم أطرافه بالصوم وإن كان بلا اتصال الصيام ، نقله أبو الحسن السندى ،
وراجع "العمدة " و "الزرقانى" و "الفتح" للتفصيل. والذى ظهرلى أن معنى
قولها : "كان يصومه إلا قليلا" كان يصوم كل شعبان إلا بعضاً، أى لا يترك
الصيام فى بعض الشهور من شهر شعبان ، فكان لا يصوم فى ذلك البعض ، وأما
إذا كان يصوم فيه فيصوم أكثره بل كله، فقوله : " بل كله" ليس متعلقاً
٢٤

٤١٦
معارف السفن
ج -٥
الشهر كله ، ويقال : قام فلان ليلة أجمع ، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره ،
كان ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين ، يقول: إنما معنى هذا الحديث
أنه كان يصوم أكثر الشهر .
بالإستثناء ، وإنما هو راجع إلى أول الكلام .
وأما وجه صيامه جَلالٍ ، فهو قضاء أمهات المؤمنين رضى الله عنهن
ما فاتهن من الصيام بعذر الطمث أو غيره، وهذا أحد الوجوه الستة التى ذكرها
محب الطبرى . الثانى : أنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فربما
تركها فيتداركها فيه . الثالث: تعظيماً لرمضان . الرابع : لرفع الأعمال فيه .
الخامس: لنسخ الآجال فيه . السادس : لغفلة الناس عن العبادة فيه لكونه محاطاً
بشهرى الحرام ، والأولى فى ذلك والأقوى ما جاء فى حديث أسامة عند النسائى
وأبى داود وصصحه ابن خزيمة، قال: ((قلت: يا رسول اللّه لم أرك تصوم من شهر
منالشهورما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر یغفل الناس عنه بین رجب ورمضان،
وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)).
فقد بين عَ لَّم نفسه وجه ذلك، ويحوى ذلك وجهين من الستة المذكورة الخ.
وبالجملة الإكتفاء به أولى، وراجع "العمدة" (٥ - ٣١٠) و " الفتح"
( ٤ - ١٨٧ ) لمزيد البيان. قال شيخنا: ويفيد الشافعية شيئاً فى مسألة أن
قضاء رمضان لا ينبغى أن يتأخر من رمضان القابل فإذا تأخر فى قضاء رمضان
حتى دخل رمضان آخر يلزمه من كل يوم فدية عند الشافعى وأحمد ومالك كما
فى "شرح المهذب" (٦ - ٣٦٦). وقال أبو حنيفة والنخعى والمزنى وداود:
يقضيه ولا فدية عليه، والتعجيل مستحب عند الكل فى قضائه، ولذا قال الشيخ:
يفيدهم شيئاً وليس فيه دليل صريح والله أعلم .

٤١٧
حديث كراهية الصوم فى نصف شعبان
( باب ما جاء فى كراهية الصوم فى النصف
الباقى من شعبان لحال رمضان)
حدثنا قتيبة نا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن
أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَ ل: ((إذا بقى نصف من شعبان فلا تصوموا)).
قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح ، لا نعرفه إلا من
هذا الوجه على هذا اللفظ. ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم : أن يكون
-: باب ما جاء فى كراهية الصوم فى النصف الباقي
من شعبان لحال رمضان :-
يريد فى الترجمة أنه يكره الصيام بعد نصف شعبان رعاية لرمضان . قال
الشيخ : ومحمل هذا الحديث فى حق من يصوم بعد النصف منه ، وأما صيامه
عَّ $ فى شعبان فكان الشروع فيه قبل النصف فلا ينافى. وفى " الفتح" (٤ -
١٨٧) فى الجمع بينهما : بأن يحمل النهى على من لم يدخل تلك الأيام فى أصيام
اعتاده اهـ. أقول : قد استثنى ذلك صراحة فى حديث أبى هريرة ، وأيضاً إذا
كان لأجل رمضان وقع النهى فلا يرد إذا كان لأمر آخر من القضاء أو العادة
أو غيرهما .
وحديث الباب قوى غير أنه أعله عبد الرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل
كما فى "العمدة" (٥ - ٣١٢)، فقال: قال أحمد : هذا حديث منكر،
قال : وكان عبد الرحمن لا يحدث به ، ومثله فى " الفتح" ، وصححه ابن حبان
وابن عساكر وابن حزم كما صححه الترمذى كما فى "العمدة". وبوب عليه
الطحاوى أيضاً . وحاصل ما ذكره : أن النهى فى حديث الباب نهى شفقة

٤١٨
معارف السفن
ج -٥
الرجل مفطراً، فإذا بقى شئ من شعبان أخذ فى الصوم لحال شهر رمضان .
وقد روى عن أبى هريرة عن النبى ◌َُّّ ما يشبه قولهم ، حيث قال النبى
عَم: «لا تقدموا شهر رمضان بصيام إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه
أحدكم)). وقد دل فى هذا الحديث أنما الكراهية على من يتعمد الصيام لحال
رمضان .
( باب ما جاء فى ليلة النصف من شعبان )
حدثنا أحمد بن منيع نا يزيد بن هارون نا الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن
وإرشاد. وقد أطال فى تأييده بروايات عامة وخاصة ، فراجعه (١ - ٣٤٠
وما بعدها ) من " شرح الآثار".
قوله : لا تقدموا شهر رمضان بصيام الخ ..
أخرجه المصنف فيما تقدم فى ( باب ما جاء لا تتقدموا الشهر بصوم ) ،
بلفظ: (( لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله بيوم أو يومين))، قال الشيخ :
لفظ الصيام مصدر وليس بجمع صوم ، كما صرّح أرباب اللغة ، ففى "القاموس".
و "اللسان" وغيرهما لفظ: "صيام" استعمل مصدراً وجمع "صائم"، كما
فى قوله النابغة ع :
خيل صيام وخيل غير صائمة الخ .
ولم يأت جمع صوم أصلاً.
-: باب ما جاء فى ليلة النصف من شعبان :-
ليلة النصف من شعبان هى ليلة البراءة ، ووردت روايات فى فضلها ،
أخرج السيوطى فى " الدر المنثور" روايات فى فضلها عن عكرمة وعن عطاء بن

٤١٩
أحاديث صيام ليلة البراءة من نصف شعبان
أبى كثير عن عروة عن عائشة قالت: ((فقدت رسول الله في ليه ليلة فخرجت فإذا
هو بالبقيع، فقال: أكنت تخافين أن يحيف اللّه عليك ورسوله؟ قلت: يا رسول
يسار وراشد بن سعد عن كل مرسلاً ، وعن عائشة وعلى وأبى بكر وعثمان
وأبى ثعلبة عدة روايات عن كل مرفوعاً ، وربما يكون أحسنها حديث عائشة
فى الباب ، وقد أخرجه ابن أبى شيبة وابن ماجه والبيهفى أيضاً ، وهو مع ذلك
منقطع ، ولم أقف على حديث مسند مرفوع صحيح فى فضلها .
وأما الأحاديث فى صلاة ليلة البراءة فحكى البدر العينى عن أبى الخطاب
أنها موضوعة ، وفيها عند الترمذی حدیث مقطوع ، وأشار إلى حدیث الباب،
وحديث صلاة مائة رکعة فيها عن على صرح ابن الجوزى وغيره على وضعه ،
وكان بين الشيخ تقى الدين ابن الصلاح والشيخ عزالدين بن عبد السلام فى هذه
الصلاة مقاولات، فإبن الصلاح يزعم أن لها أصلاً ، وابن عبد السلام بنكره ،
كما فى "العمدة" (٥ - ٣٠٩). وفى " البحر المحيط" كما فى "روح المعاني":
قال أبوبكر ابن العربى: لا يصح فيها شئ ولا نسخ الآجال فيها ولا يخلو من
مجازفة والله أعلم .
وأما ما ذكره المصنفون فى فضلها من الضعاف والمنكرات فلا أصل لها .
ومن ذلك ما ذكر أبو طالب المكى فى "قوت القلوب" وتبعه الغزالى فى "الإحياء"
وتبعهما من جاء بعدهما كالشيخ عبد القادر الجيلانى فى " الغنية ".
واختلف فى الليلة المباركة المذكورة فى "القرآن المجيد"، فقيل: هى ليلة
القدر ، وقيل : هى ليلة النصف من شعبان ليلة البراءة . والأول قال النووى ،
وهو الصواب ، وبه قال أكثر العلماء ، وقال ابن كثير : ومن قال : أنها ليلة
(م - ١٣ )

٤٢٠
معارف السنن
ج -٥
الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة
النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب)) .
وفى الباب عن أبى بكر الصديق . قال أبو عيسى : حديث عائشة لا نعرفه
إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج ، وسمعت محمداً يقول : يضعف هذا
الحديث . وقال يحيى بن أبي كثير: لم يسمع من عروة . قال محمد: والحجاج
لم يسمع من يحيى بن أبي كثير .
النصف من شعبان - كما روى عن عكرمة - فقد أبعد النجعة ، فإن نص القرآن
أنها فى رمضان الخ . القول الأول قول جمهور المفسرين ، والثانى قول عكرمة
وطائفة . وقال الآ لوسى فى القول الأول : روى عن ابن عباس وقتاده وابن
جبير ومجاهد وابن زيد والحسن ، وعليه أكثر المفسرين والظواهر معهم الخ .
ثم إن كل فريق يضطر إلى تأويله فى إنزاله تلك الليلة إلى القول بالتجوز فى
الطرف أو التجوز بالإسناد ، فإن ابتداء السنة من المحرم أو شهر ربيع الأول ،
ومنه مبدأ التاريخ إلى عهد عمر، وكان الوحى إليه ◌َّ لّ على رأس الأربعين
سنة من عمره حَ ج، وليس هذا موضع البسط. وتمسك أرباب القول الأول
بأن القرآن صرح بنزوله فى رمضان ، والتى فى رمضان هى ليلة القدر دون
.
ليلة البراءة
قوله : غم كلب. بنوكلب قبيلة من قبائل العرب وهى أكثر غنماً من
سائر القبائل ، ثم كلب وبنوكلب وبنى كلية وبنوأكلب وبنو كلاب كلها
قبائل ، كما فى " القاموس" و"اللسان".
وحديث الباب لم يبلغ درجة الصحة ، لأن فى سنده حجاج بن أرطاة
مع انقطاعين بينهما الترمذى ، غير أن ابن معين أثبت ليحى السماع من عروة ،