النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
استحباب تعجيل الإفطار
قرة عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَلٍ: ((قال
الله عز وجل: أحب عبادى إلىّ أعجلهم فطراً)).
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن نا أبو عاصم وأبو مغيرة عن الأوزاعى نحوه.
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن غريب .
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبى عطية قال:
( دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد
عَّلِ أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر
الصلاة ، قالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ؟ قلنا: عبد الله بن مسعود،
قالت: هكذا صنع رسول اللّه ◌َلْمٍ، والآخر: أبو موسى)).
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأبو عطية اسمه : مالك بن
أبى عامر الهمدانى، ويقال : مالك بن عامر الهمدانى وهو أصح .
بالغروب ، كما فى " فتح القدير" و"رد المحتار" وغيرهما
أخرج الترمذى فى الباب حديث سهل بن سعد ، وهو حديث أخرجه
الشيخان بلفظ الترمذى، وزاد أبوذر فى حديثه عند أحمد: ((وأخروا السحور)
ثم أخرج حديث أبى هريرة وهو حديث أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان
وأخرج عائشة، ورواه مسلم والنسائى أيضاً، وأشار إلى حديث ابن عباس
وحديث أنس ولم يخرجها، فحديث ابن عباس أخرجه الطيالسى ، وحديث أنس
أخرجه أبويعلى كما فى " العمدة".
قفيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى".

٣٦٢
مغارف السنن
ح-٥
( باب ما جاء فى ناخير السحور )
حدثنا يحيى بن موسى نا أبو داؤد الطبالسى نا هشام الدستوائى عن قتادة عن
أنس عن زيد بن ثابت قال: ((تسحرنا مع رسول اللّه عَّخليج ثم قمنا إلى الصلاة،
قال : قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية)).
حدثنا هناد نا وكيع عن هشام بنحوه، إلا أنه قال: ((قدر قراءة
خمسين آية )) .
وفى الباب عن حذيفة . قال أبوعيسى : حديث زيد بن ثابت حديث
حسن صحيح ، وبه يقول الشافعى وأحمد واسماق : استحبوا تأخير السحور .
-: باب ما جاء فى تأخير السحور :-
يستحب تأخير السحور وتعجيل الإفطار ، والمدة بين الفراغ من السحور
والدخول فى الصلاة وهى قراءة خمسين آية أو نحوها، قدرها الحافظ فى "الفتح"
(٢ - ٤٥) من مواقيت الصلاة فى قدر ثلث خمس ساعة أى أربع دقائق .
قال الشيخ: وهذا التبين الدقيق من شأن النبوة لا يقوم بمعرفته أحد غيره عَّ الي ،
ودل على تغليسه عَلَ بالفجر فى شهر رمضان، وعليه تعامل أهل العلم من
مشايخنا بديوبند ، و" ديوبند" قرية بقرب "دهلى"، أصبح مركزاً للعلوم
الشرعية ومناراً لرد البدع وإقامة السنة ، قام بتأسيسه الحجة مولانا الشيخ محمد
قاسم النانوتوى ورفقاؤه رحمهم الله من نحو قرن . وراجع لفوائد الحديث
"العمدة" (٥ - ٢١٢) و "الفتح" (٤ - ١١٩).

٣٦٣
بيان جواز الأكل إلى الفجر والإختلاف فيه
( باب ما جاء فى بيان الفجر)
حدثنا هناد نا ملازم بن عمرو قال حدثنى عبد الله بن النعمان عن قيس بن
-: باب ما جاء فى بيان الفجر :-
فى "الفتاوى الهندية" رواية جواز الأكل للصائم إلى انتشار الصبح، وقد
اختلف فى أن العبرة لأول طلوع الفجر الثانى ، أو لاستطارته وانتشاره فيه ؟
قال شمس الأئمة الحلوانى: القول الأول أحوط ، والثانى أوسع ، هكذا فى
"المحيط"، وإليه مال أكثر العلماء، كذا فى "خزانة الفتاوى" فى كتاب الصلاة
اهـ . وثبت عن أبى بكر الصديق الأكل بعد طلوع الفجر بسند صحيح ، وكذا
عن حذيفة . وأثر الصديق رواه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر من
طرق عن أبى بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر ، كما فى "الفتح"
(٤ - ١١٧ ) و "العمدة" (٥ - ٢١٠). وحديث حذيفة أخرجه أحمد
والنسائى كما فى "العمدة" (٥ - ٢١٠)، والطحاوى فى " شرح معانى الآثار"،
وسعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبى شيبة من طرق صيحة كما فى "الفتح".
ولفظ سعيد بن منصور عن حذيفة قال: ((تسحرنا مع رسول اللّه عَ ﴾ هو والله
النهار غير أن الشمس لم تطلع)). قال الحافظ فى "الفتح": وذهب جماعة من
الصحابة - وقال به الأعمش من التابعين وصاحبه أبوبكر بن عياش - إلى جواز
السحور إلى أن يتضح الفجر .... آم .
وقال الحافظ : وفى هذا تعقب على الموفق وغيره حيث نقلوا الإجماع على
خلاف ما ذهب إليه الأعمش والله أعلم اهـ. والنووى فى " شرح المهذب" فى
(٢ - ٦)

٣٦٤
معارف السنن
ج -۵
طلق بن على قال: حدثنى أبى طلق بن على: أن رسول اللّه عَّاله قال: (( كلوا
المواقيت (٣ - ٤٥) قد نقل جواز الأكل للصائم حتى تطلع الشمس عن
حذيفة وأبىموسى وأبى مجلز والأعمش ، وقال : هكذا نقله أبوحامد عن هؤلاء ،
مع ظهور تحريم الأكل بطلوع الفجر فى
قال : ولا أظنه یصح عنهم .
كل عصر مع ظاهر القرآن .... وبإجماع أهل الأعصار على تحريم الطعام
والشراب بطلوع الفجر الخ . وأجاب عنه الطحاوى بأنه كان ثم نسخ ، وبه
أجاب الداودى المالكى شارح "البخارى" أفاده الشيخ . فقال فى كتاب الصيام
من "شرح الآثار" (١ - ٢٢٥): رواية حديث حذيفة ثم ما يخالفه من
الروايات: واحتمل أن يكون ما روى حذيفة من ذلك عن رسول اللّه عَلام
كان قبل نزول تلك الآية، فلما أنزل الله عز وجل تلك الآية أحكم ذلك ورد
الحكم إلى ما بين فيها، - إلى أن قال: فلا يجب ترك آية من كتاب الله نصاً،
وأحاديث عن رسول اللّه بَلٍ متواترة قد قبلتها الأمة وعملت بها من لدن
رسول الله پێ إلى اليوم إلى حديث قد يجوز أن یکون منسوخاً بما ذكرناه فى
هذا الباب اهـ . وبمثله حقق الحافظ أبوبكر الرازى فى " أحكام القرآن" ،
ولم أقف على قول الداودى فى المراجع الموجودة عندى . قال الشيخ : لو اتفق
لأحد مثل ما ذكره فى "الهندية" الأكل بعد الصبح فعليه أن يقضى ولا كفارة عليه.
ثم فى تعيين الفجر الذى يمتنع بعده الأكل والشرب للصائم ثلاثة أقوال :
الأول : الجواز إلى الصبح الأحمر ، ودلیله حديث الباب ، وهذا قول
متروك عند الجمهور، بل جعله الطحاوى وأبوبكر الرازى وابن قدامة والنووى
مخالفاً للإجماع وإن اعترضه الحافظ وجعله ابن رشد قولاً شاذاً.
والثانى: الجواز إلى الصبح الصادق الأبيض ، وإليه ذهب الجمهور ، ثم

٣٦٥
بحث تعيين الفجر ، والتشديد فى الغيبة للصائم
واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر)).
وفى الباب عن عدى بن حاتم وأبى ذر وسمرة . قال أبو عيسى : حديث
طلق بن على حديث حسن غريب من هذا الوجه . والعمل على هذا عند أهل
العلم: أنه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض .
وبه يقول عامة أهل العلم .
حدقنا مناد ویوسف بن عیسی قالا نا وكيع عن أبى هلال عن سوادة بن
حنظلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللّهِ بَدّ: ((لا يمنعكم من محوركم
أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير فى الأفق)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن .
( باب ما جاء فى التشديد فى الغيبة للصائم )
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنی نا عثمان بن عمر قال وحدثنا ابن أبي ذئب
اختلف فيه على قولين: هل المراد نفس تبين الصبح الصادق فى نفس الأمر ؟ أو
المراد تبينه للناظر الذى يريد الصوم؟ والقولان ذكرهما ابن رشد فى "قواعده "
فى كتاب الصيام من آخر الركن الأول وبين ثمرة الخلاف وكذا منشأ الاختلاف
فراجغه .
قوله : لا يهيدنكم الخ . بفتح الباء وكسر الماء أى: لا يزعجتكم، ماده إذا
أزعجه وحركه . والسطوع : اللمعان ، والإصعاد : الارتفاع. وفسر الخطابى
الأحمر ههنا بأن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة ، كما فى "العمدة"
(٥ - ٢١١ )
-: باب ما جاء فى التشديد فى الغيبة للصائم :-
قوله : وحدثنا ابن أبى ذئب الخ . هنا تحويل كان ينبغى علامة التحويل

٣٦٦٠
معارف السنن
ج - ٥
قال : (( من لم يدع
عن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة أن النبى
ولعل الناسخ أسقطها .
والغيبة : أن تصف أخاك حال كونه غائباً بوصف يكرهه إذا سمعه ، ولها
أقسام عديدة تعرضوا لها فى كتب الفقه من الحظر والإباحة ، وذكروا : أن
الغيبة إذا کان لغرض میح کالوقوف على حال رجل شرير ليأمنوا من شره جائز
وليست بمعصية . وانظر للتفصيل "كتاب الحظر والإباحة" من " رد المحتار"
وكتاب الكراهية من " الهندية" . وحكى ابن عابدين عن الفقيه أبى الليث أربعة
أوجه الغيبة: كفر، ونفاق، ومعصية، وإباحة . ثم ذكر فى الإباحة أحد
عشر شيئاً ، جمعها بقوله :
بما يكره الإنسان بحرم ذكره
سوى عشرة حلت أتت تلو واحد
٥
بفسق ومجهولاً وغشاً القاصد
تظلم وشر واجرح وبين مجاهراً
كذاك امتمم حذر فجور معاند
وعرفکذا استفت استعن عندزاجر
ولم يقل بفساد الصوم بالغيبة إلا الأوزاعى كما فى " شرح المهذب" (٦
- ٣٥٦). وروى عن الثورى أيضاً مثله، ففى " العمدة" (٥ - ١٨٧ ):
واختلف العلماء فى أن الغيبة والنميمة والكذب هل يفطر الصائم ؟ فذهب الجمهور
من الأئمة إلى أنه لا يفسد الصوم بذلك ، وإنما التنزه عن ذلك من تمام الصوم .
وعن الثورى: أن الغيبة تفسد الصوم ، ذكره الغزالى فى « الإحياء " الخ . قال
الشيخ: ودل حديث الباب عند الأئمة الأربعة على اجتماع فهى الشارع عن شئ
ومته ، فإنهم قائلون بصحة صوم المغتاب مع ورود النهى عن الغيبة للصائم
وغيره ، وخالفهم ابن تيمية بالقول بعدم صحة الشئ بعد النهى وسبأنى تحقيقه .
ثم فى الجمع بين الصحة والكراهة تحريماً قولان ، فيحبط الثواب فى قول ،

٣٦٧
حكم من اغتاب ثم أفطر بظن أنه أفطر بالغيبة
ويبقى شئ منه فى قول، كما فى "رد المحتار" فى الصيام .. وفى بحث الإمامة من
الصلاة عند قوله : "ويصف الرجال الخ" لعله يريد بما فى الصيام قوله:
"قوله فعَّالّ: ثلاث تفطر الصائم" مؤول بالإجماع بذهاب الثواب الخ . وبما
فى الصلاة قوله : لأن شرط فضيلة الجماعة عندهم أن تؤدى بلا كراهة ، وعندنا
ينال التضعيف ويلزمه مقتضى الكراهة أو الحرمة ، كما لو صلاها فى أرض
مغصوبة اهـ والله .
وللشافعية أقوال أربعة ذكرها فى "جمع الجوامع" كما تقدم فيه فى المواقيت
وغيرها من أبواب الصلاة مفصلاً فليراجع .
مسألة : من اغتاب فظن فطره به فأكل عمداً فعليه القضاء ، وهل تجب
عليه الكفارة ؟ فقال صاحب " الهداية": عليه الكفارة أيضاً ، وكذا قال فيمن
احتجم وظن أن ذلك يفطره ثم أكل متعمداً عليه القضاء والكفارة إلا إذا أفتاه
فقيه بالفساد ؛ لأن الفتوى دليل شرعى فى حقه آهـ . وقيل بعدم الكفارة فيها ،
وقيل بعدم الكفارة فى الصورة الأولى وبالكفارة فى الثانية . ثم جعل الغيبة
والحجامة واحداً فى الحكم بلزوم القضاء والكفارة عند صاحب "الهداية"
وصاحب "البدائع" وصاحب "الفتح" وغيرهم. أنظر "رد المحتار" و"البحر"
و "الفتح" للتفصيل .
قال الشيخ: ويمكن أن يقال فى وجه الفرق بينهما بأن: الغيبة یکثر وقوعها
ويشكل الاحتراز عنها ، وأما الحجامة فنادر الوقوع ، فافترقا ، والحديثان
صحيحان فى الحجامة والغيبة ، وذهب إلى الفساد بالحجامة الأوزاعى وأحمد ،
و یأتی بیانه فى بابه .
اعلم : إن تبويب الترمذى بقوله : ( باب ما جاء فى التشديد الخ ) قال
٢٢

٣٦٨
معارف السنن
ج -٥
قول الزور والعمل به فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه)) .
وفى الباب عن أنس . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
( باب ما جاء فى فضل السحور)
حدثنا قتيبة نا أبو عوانة عن قتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس بن
مالك أن النبى حَ الٍ قال: ((تسحروا فإن فى السحور بركة)).
وفى الباب عن أبى هريرة وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد اللّه وابن
العراقى: فيه إشكال ؛ لأن الغيبة ليست قول الزور ولا العمل به ، إذ الغيبة :
ذكرك أخاك بما فيه مما يكره ، ووافق الترمذى بقية أصحاب السنن ، وكأنهم
فهموا من الزور والعمل به الأمر بحفظ النطق ، ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى
الزيادة فى بعض طرقه وهى الجهل ، ويصح إطلاقه على جميع المعاصى انتهى
ملخصاً من " العمدة" و" الفتح".
قوله: فليس لله الخ. ليس معناه أن يدع صيامه، وإنما معناه: التحذير
من قول الزور والعمل به ، ففيه مزيد التقبيح فى الزور وغيره فى الصوم ، كما
يقال : من باع الخمر فليشقص الخنازير أى يذبحها . وبالجملة هنا مجاز عن
عدم الالتفات وعدم القبول بذكر السبب وإرادة المسبب ، وحول هذا المعنى
تدور كلمات الأعلام كابن بطال وابن عبد البر والقاضى ابن العربى وابن المنبر
وغيرهم ، كما حكيت فى "العمدة" و "الفتح" وليراجعهما من شاء.
-: باب ما جاء فى فضل السحور :-
السحور - بالفتح - : ما يتسحر به من الطعام والشراب ، وبالضم: مصدر

٣٦٩
بيان فضل السحور وتحقيق لفظ السحور
عباس وعمرو بن العاص والعرباض بن سارية وعتبة بن عبد وأبى الدرداء . قال
أبوعيسى : حديث أنس حديث حسن صحيح .
وروى عن النبى معَّلي أنه قال: ((فضل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب
أكلة السحر)) .
حدثنا بذلك قتيبة نا الليث عن موسى بن على عن أبيه عن أبى قيس مولى
عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص عن النبى محمد له بذلك . وهذا حديث حسن
صحيح . وأهل مصر يقولون : موسى بن على ، وأهل العراق يقولون :
كما قاله العراقى والجزرى وغيرهما . ونظير الفتح: الوضوء ، والسعوط ،
والحنوط ، والقطور ، والوجور ؛ وتقدم بيانه فى أول الطهارة . وقال العراقى :
رويناه بفتح السين وضمها كما فى "العمدة". وقال فى " الفتح" فى قوله :
" فإن فى السحور بركة": هو بفتح السين وبضمها ، لأن المراد بالبركة الأجر
والثواب ، فيناسب الضم لأنه مصدر بمعنى التسحر أو البركة ، لكونه يقوى
على الصوم وينشط له ويخف المشقة فيه فيناسب الفتح آهـ .
قوله : فصل ما بين صيامنا الخ . كان أهل الكتاب يحرم عليهم الأكل فى
ليالى الصوم بعد ما ناموا، وكذلك كان الحكم فى شرعنا ابتداءً كما فى "سنن
أبى داود" ( ١ - ٧٤) فى الأذان من حديث ابن أبي ليلى، وفيه: (( وكان
الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح الخ )) .
قوله : أكلة السحر . الأكلة بالفتح فى ضبط الجمهور ، وهو المشهور،
وهى : المرة الواحدة من الأكل كالغدوة والعشوة ، وبالضم : اللقمة الواحدة .
وادعى القاضى عياض: أن الرواية بالضم، قال: والصواب الفتح . هذا ملخص
ما قاله النووى فى " شرح مسلم" (١ - ٣٥٠).

KX.
معارف السنن
ج -٥
موسى بن علىّ ، وهو : موسى بن على بن رباح اللخمى.
(باب ما جاء فى كراهية الصوم فى السفر)
حدقدا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر
قوله : موسى بن علىّ. علىّ مصغر على ما هو المشهور، وكذلك يسمونه ،
وكان على يغضب منه ، كما فى " الترمذى" حيث كان يقول : لا أجعل فى حل
من صغر اسم أبى. وفى "التهذيب" فى ترجمة على رباح: قال الليث: قال على
ابن رباح: لا أجعل فى حل من سمانى على ، فإن اسمى على الخ .
اعلم : أن البركة فى السحور تحصل بجهات متعددة : وهى اتباع السنة ،
ومخالفة أهل الكتاب ، والتقوى به على العبادة ، والزيادة فى النشاط ، ومدافعة
سوء الخلق الذى يثيره الجوع ، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع
معه على الأكل ، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة ، وتدارك نية
الصوم لمن أغفلها . قال ابن دقيق العيد: هذه البركة تجوز أن تعود إلى الأمور
الأخروية ، فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور
الدنيوية ، كقوة البدن على الصوم ، وتيسيره من غير إضراره بالصائم الخ .
هذا ما فى "الفتح" و"العمدة". قال الحافظ (٤ - ١٢٠): يحصل السحور
بأقل ما يتناوله المرأ من مأكول ومشروب ، وفى حديث الخدرى عند أحمد :
(«السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته
يصلون على المتسحرين))، ولسعيد بن منصور مرسلاً: ((تسحروا ولو بلقمة))
انتهى ملخصاً
-: باب ما جاء فى كراهية الصوم فى السفر :-
ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعى إلى أن الصوم أفضل للمسافر

٣٧١
بحث الصوم والإفطار للمسافر
ابن عبد الله: ((إن رسول اللّه عَّلي خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ
كراع الغميم وصام الناس معه ، فقيل له : إن الناس شق عليهم الصيام ، وإن
الناس ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر ، فشرب والناس
ينظرون إليه ، فأفطر بعضهم وصام بعضهم ، فبلغه: أن ناساً صاموا ، فقال :
أولئك العصاة )».
وفى الباب عن كعب بن عاصم وابن عباس وأبى هريرة . قال أبو عيسى:
وجاز له الإفطار، فالأفضل عندهم الصوم. وأما مذهب أحمد فالأفضل له الإفطار
دون الصوم ، وهو المذ کور فی " جامع الترمذى" وفی کتب مذهبه، " کغنى
ابن قدامة" و "الشرح الكبير" على "المقنع"، وكذلك فى "قواعد ابن رشد"
و "الفتح" و " العمدة"، وسائر الكتب. وهو مذهب الأوزاعى واسماق
وآخرين، ورواية عن الشافعى . ووجوب الفطر مذهب بعض أهل الظاهر ،
وروى عن طائفة من الصحابة . فهذه ثلاثة أقوال مشهورة ، والتخيير عند بعض
وعلى التيسير عند آخرين. فالأقوال خمسة، راجع "الفتح" (٤ - ١٥٩)
و "العمدة" (٥ - ٢٦٦). وقال داود الظاهرى : لا يجوز الصوم، ويشير
إليه بعض الأحاديث، وهو قوله فّالمِ: (( ليس من البر الصيام فى السفر)»
رواه البخارى ومسلم ويأتى . والجمهور حملوه على حالة الجهد والمشقة .
واعلم : أن ههنا مسألتين :
الأولى: عدم جواز الإفطار للمسافر يوم الخروج من البيت ، وبه قال
أبو حنيفة كما فى " الهندية" عن " المحيط السرخسى"، ولكن صرح بأنه إن
أفطر لا كفارة عليه ، وإليه ذهب مالك والشافعى وفقهاء الأمصار وأحمد فى
( ٢ - ٧)

٣٧٢
معارف السنن
ج - ٥
حديث جابر حديث حسن صحيح. وقد روى عن النبى محمد الج أنه قال: « ليس
من البر الصيام فى السفر)). واختلف أهل العلم فى الصوم فى السفر، فرأى
بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّال﴾ وغيرهم: أن الفطر فى السفر أفضل،
حتى رأى بعضهم عليه الإعادة إذا صام فى السفر ، واختار أحمد واسحاق الفطر
رواية . وجاز له الإفطار عند الحسن والشعبى ، وهى رواية عن أحمد أيضاً ،
كما فى "المغنى" وغيره، وإليه ذهب اسحاق، واختاره المزنى كما فى "الفتح".
الثانية : عدم جواز الإفطار للمسافر فى أثناء اليوم بعد ما نوى الصوم ،
وهو مذهب أبى حنيفة والأكثرين، وذكر الحافظ فى " الفتح" الجواز مذهب
الجمهور ، وقطع به أكثر الشافعية . قال : وفى وجه ليس له أن يفطر ، ولى
فيه بعض نظر. أنظر "المغنى" (٣ - ٣٤) و " فتح البارى" (٤ - ١٥٨)
و " العمدة" (٥ - ٢٦٩) . وحديث الباب يرد على ما ذهب إليه أبو حنيفة
حيث ثبت الإفطار للصائم فى أثناء اليوم ، ولم يجب عنه أحد من الحنفية . قال
شيخنا : قد صرّح فى "الفتاوى التتارخانية" بجواز الإفطار للغزاة الصائمين
عندنا ، وكذلك فى غيرها . أقول : لم أجد نقل " التاتار خانية" فيما عندى من
المراجع ، نعم فى " الهندية" عن "محيط السرخسى": الغازى إذا علم أنه يقاتل
العدو فى رمضان وهو يخاف الضعف فله أن يفطر اهـ. وفى " فتح القدير":
قالوا : الغازى إِذا كان يعلم يقيناً أنه يقاتل العدو فى شهر رمضان ويخاف الضعف
إن لم يفطر يفطر قبل الحرب مسافراً أو كان مقيماً اهـ (٢ - ٧٩) فى أول
فصل العوارض ، فكان الإفطار لهم جائزاً عندنا لأنهم كانوا غزاة مجاهدين ،
ون، عليه روايات، منها ما فى " جامع الترمذى" (١ - ٢٠٢) من حديث
أبى هريرة: "فلما بلغ النبى معَّ مرّ الظهران فآذننا بلقاء العدو فأمرنا بالفطر

٣٧٣
بحث الإفطار والصيام فى السفر وأدلته
فى السفر. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي حَلّ وغيرهم: إن وجد
قوةً فصام فحسن وهو أفضل ، وإن أفطر فحسن ، وهو قول سفيان الثورى
ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك .
الخ". ورواه ابن خزيمة وغيره. وقال ابن خزيمة: فيه دليل على أن للصائم
الإفطار فى السفر بعد مضى بعض النهار ، حكاه الحافظ فى "الفتح". وواقعة
حديث الباب واقعة السنة الثامنة للهجرة . ثم إنه وقع عند مسلم من حديث
أبى سعيد اختلاف من الرواة فى ضبط ذلك ، والذى اتفق عليه أهل السير: أنه خرج
فى عاشر رمضان ودخل مكة تسع عشرة خلت منه، كذا فى "العمدة" (٥ -
٢٦٨)، وفى رواية معمر عن الزهرى فى الصحيح من المغازى خروجه عَّله؟.
وسير
على رأس ثمان سنين من مقدمه المدينة فى رمضان .
واستدل داود الظاهرى لمذهبه بحديث: ((ليس من البر الصيام فى السفر))
متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله ، ومن حديث ابن عمر عند الطحاوى،
ومن حديث كعب بن مالك بن عاصم عند أحمد والنسائي وابن ماجه والطحاوى،
ومن حديث ابن عباس ، ومن حديث أبى هريرة عند ابن عدى ، كما فى
"العمدة" (٥ - ٢٧١ ). وفى رواية بلفظ: ((ليس من امبر امصيام فى
امسفر)) رواه عبد الرزاق فى " مصنفه" بهذا اللفظ من حديث كعب بن عاصم
الأشعرى كما فى " نصب الرأية"، ورواه أحمد من طريق عبد الرزاق به فى
" مسنده" (٥ - ٤٣٤)." قال فى " العمدة": قال الزمخشرى: هى لغة
طى، فإنهم يبدلون اللام ميماً اهـ. وقال الحافظ فى "التلخيص" (ص - ١٩٥):
وهذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميماً، ويحتمل أن يكون النبى
عَّل خاطب بها هذا الأشعرى كذلك لأنه لغته ، ويحتمل أن يكون الأشعرى هذا
نطق بها على ما ألف من لغته فحملها عنه الراوى عنه وأداها باللفظ الذى سمعها

٣٧٤
معارف السنن
ج -٥
به، وهذا الثانى أوجه عندى والله أعلم اهـ.
وأجابوا عنه: فقال الطحاوى بما ملخصه : المراد بـ "البر" البر الكامل
الذى هو أعلى مراتب البر، وليس المراد به إخراج الصوم فى السفر عن كونه براً،
لأن الإفطار ربما يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوى على الجهاد مثلاً، نظير
قوله فَظِلّ: (( ليس المسكين بالطواف، الحديث))، حيث لم يرد إخراجه من
المسكنة ، وإنما أراد المسكين الكامل المسكنة ، أو يقال: أنه ورد فى شخص
معين المذكور فى الحديث ، فمعناه : ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ
من الجهد، والدليل على صحة هذا التأويل صومه ح09ٍَ فى السفر فى شدة الحر ،
ولو كان إثماً لكان أبعد الناس منه. أنظر "شرح معاني الآثار" (١ - ٣٣٠ وما
بعدها ) و"العمدة" (٥ - ٢٧٢) و"الفتح" (٤ - ١٦١). وأجاب
عنه بمثل الجواب الثانى الطحاوى ولكنه بأسلوب أصولى خاص متين ، ومما
ذكر: قال: والمانعون فى السفر يقولون أن اللفظ عام والعبرة بعمومه لا بخصوص
السبب، قال : وينبغى أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على
تخصيص العام ، وعلى مراد المتكلم وبين مجرد ورود العام على سبب لا يقتضى
التخصيص به كنزول آية السرقة فى قصة رداء صفوان ، وأما السياق والقرائن
الدالة على مراد المتكلم فهى المرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات ، كما فى
حديث الباب اهـ . وعلى الجواب الثانى من كلام الطحاوى يدور كلام ابن المنير
فى "الفتح".
وبالجملة سياق حديث جابر فى " الصحيحين" وحديث كعب بن عاصم
عند آخرين ، وبالأخص رواية الطبرى فى " الفتح" كل ذلك يدل على أنه كان
فى حق رجل خاص وصل من المشقة والتعب إلى حد كان لا يستطيع معه الصوم.
قال الشيخ: ويستفاد من كلامهم أن مدار جوابهم أن تقديم الجار والمجرور

٣٧٥
حديث: ((ليس من البر الصيام فى السفر)) ومعناه
وقال الشافعى: إنما معنى قول النبى حَلّ: « ليس من البر الصيام فى
السفر)) وقوله - حين بلغه أن ناساً صاموا فقال -: ((أولئك العصاة)) فوجه
هذا إذا لم يحتمل قلبه قبول رخصة اللّه تعالى، فأما من رأى الفطر مباحاً وصام
وقوى على ذلك فهو أعجب إلى .
كان فى المثبت يفيد الحصر، فورد النفى على هذا الحصر ، فيكون إذن معنى قوله
◌َخُّ : أن الصوم فى السفر غیر منحصر فی کونه براً، بل ربما يكون لعدم قبول
رخصة رخص الله بها عباده . غير أن ظاهر الحديث يشير إلى عدم كونه براً فی
السفر . ويقول ابن تيمية فى " فتاواه" ما معناه : إن الحديث لا بدل على
عدم جوازه فى السفر، لأن نفى البر لا ينز منه عدم الجواز، وهذا مماً لا يتحصل
فإنه إذا انتفى البر فما بقى شئ والله أعلم انتهى كلام الشيخ .
قوله: وقال الشافعى: معنى قوله الخ . ومثله حكاه الحافظ فى "الفتح".
(٤ - ١٦١)، قال: وبه جزم ابن خزيمة وغيره. وأيضاً حكى عن الشافعى
أنه قال : ويحتمل أن يكون معناه : ليس من البر المفروض الذى من خالفه أثم
اهـ. قال الشيخ: وليس قوله هذا شرح الحديث بل هو بيان المسألة، ونظير
هذا ما يقوله الإمام محمد بن الحسن فى حديث: (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا))
فقد ذكر المسألة لا شرح الحديث ، فقال فى "مؤطئه" فى ( باب ما يوجب
البيع بين البائع والمشترى ) : وتفسيره عندنا على ما بلغنا عن ابراهيم النخعى أنه
قال : المتبائعان بالخيار ما لم يتفرقا ، قال: مالم يتفرقا عن منطق البيع، إذا قال
البائع: قد بعتك فله أن يرجع مالم يقل الآخر: قد اشتريت، فإذا قال المشترى:
قد اشتريت بكذا ، فله أن يرجع مالم يقل البائع : قد بعت ، قال : وهو قول.
أبى حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله اهـ. والظاهر من كلامه أنه يشرح
الحديث ، وسيأتى البيان الشافى فى بابه إن شاء الله تعالى، نسأل الله سبحانه

٣٧٦
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى الرخصة فى الصوم فى السفر)
حدثنا هارون بن اسحاق الهمدانى نا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة: ((أن حمزة بن عمرو الأسلمى سأل رسول اللّه عَ لٍ عن
الصوم فى السفر - وكان يسرد الصوم-؟ فقال رسول اللّه عَ ل: إن شئت فصم
وإن شئت فأفطر )) .
وفى الباب عن أنس بن مالك وأبى سعيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن
عمرو وأبى الدرداء وحمزة بن عمرو الأسلمى. قال أبوعيسى: حديث عائشة: ((إن
حمزة بن عمرو الأسلمى سأل رسول اللّه مَ ا}ٍ))، هذا حديث حسن صحيح
التوفيق والمعونة (١). وبالجملة أجاب الجمهور من حديثهم هذا بالجمل على
حالة الجهد والمشقة .
-: باب ما جاء فى الرخصة فى الصوم فى السفر :-
حديث الباب حجة للحمهور کما قال النووی وغيره ، وقول الترمذى
"وكانوا يرون الخ" أوضح دليل عليه، ولا ينفى الحديث كون الصيام عزيمة وكونه
أفضل ، لأنه عمل بالأصل وارتفع المانع فعاد الفضل ، وبهذا يحصل الجمع بين
سائر الأحاديث المتعارضة ، والله أعلم .
(١) وفى مذكرتى الحاوية على فوائد متفرقة فائدة متعلقة بهذا الحديث
لا أرى بأساً بنقلها هنا فقلت :
فائدة: قوله عَ ظ لي: (( البيعان بالخيار مالم يتفرقا )» فى حديث ابن عمر فى
الصحاح كلام الشارحين فيه معروف ، والذى أقول - وبالله التوفيق - :
أما أولاً: فأبو حنيفة ومالك والثورى فقهاء العصر وفقيه المدينة شيخ مالك

٣٧٧
بحث الرخصة فى الصوم فى السفر
حدثنا نصر بن على الجهضمى نا بشر بن المفضل عن سعيد بن يزيد أبى سلمة
عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال: ((كنا نسافر مع رسول اللّه عَ لٍ فى شهر
رمضان فما يعيب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره )).
حدثنا نصر بن على نا يزيد بن زريع نا الجريرى .
ح ونا سفيان بن وكبع نا عبد الأعلى عن الجريرى عن أبى نضرة عن أبى سعيد
الخدرى قال: (( كنا نسافر مع رسول اللّه ◌َ لٍ فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد
قوله : فلا يجد الخ . من وجد موجدةً: إذا غضب، ووجد وجداً: إذا
حزن ، ووجداناً معناه بالفارسية : " يا فتن"، ووجوداً معناه معروف: ضد
العدم. وتفصيله فى الوجود من باب ضرب وسمع، ويأتى مصادره: الوجد بالضم
ربيعة الرأى وفقيه العراق ابراهيم النخعى هؤلاء كلهم ذهبوا إلى عدم " خيار
المجلس" بعد الإيجاب والقبول ركنى العقد، واتفاق هؤلاء الفقهاء القدماء يرشدنا
إلى: أن تعامل السلف لم يكن على خيار المجلس، ويذكر ابن رشد فى "قواعده":
أنه لم يلف عمل أهل المدينة عليه ، وعليه اعتمد مالك فى رد العمل بالحديث .
وأما ثانياً : فإن ركنى البيع هما الإيجاب والقبول ، وبها يتم عقد البيع
كسائر العقود على ما دل عليه نصوص الكتاب والسنة ، فقوله تعالى: ( إلا أن
تكون تجارةً عن تراضٍ منكم) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود،
وأشهدوا إذا تبايعتم) كل ذلك يدل عليه . والعقود من : النكاح ، والخلع ،
والصلح ، والرهن ، والإجارة وغيرها ، ولا ينتظر إلى خيار المجلس وتفرق
الأشخاص بالإتفاق .

٣٧٨
معارف السفن
ج -هـ
المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر ، وكانوا يرون أنه من وجد قوةٌ
والوجد، والجدة، والوجدان، والإجدان بتبديل الواو همزة. ويأتى من: "نصر"
على هذا المعنى شاذاً لغة عامرية . وفى " الموجدة " من باب ضرب ونصر :
وجداً وجدةً وموجدةً ووجداناً كلها فى معنى: الغضب، وصلته " فى"
وأما ثالثاً : فالتفرق عند القائلين بخيار المجلس أيضاً ليس على ظاهره من
تفرق الأشخاص ، بل كناية عن تبدل المجلس كالقاعد إذا قام ، والقائم إذا مشى،
وبذلك ينتهى خيار المجلس وإن لم يتفرقا حقيقةً، فإذا كان لهم ذلك فلغيرهم
أن يقولوا : إنه كناية عن التفرق بالقول ، فإذا لم يضم أحدهما القبول فكأنها
لم يتفقا بل افترقا ، وهذا أولى من تجوزهم فى معنى التفرق ، فإن التفرق
هناك لم يوجد أصلاً وهنا قد وجد. والتفرق بالقول استعمال فصيح نزل به
التنزيل العزيز ، قال تعالى: (وإن يتفرقا يغن اللّه كلاً من سعته)، وقال تعالى:
(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) ، وقال تعالى : (وما تفرق الذين أوتوا
الكتاب) إلى غيرها من آيات التنزيل .
وأما رابعاً : فلو سلمنا أن المراد هو التفرق بالأبدان والأشخاص ، ومع هذا
يصح أن يكون هذا كناية عن الفراغ عن الإيجاب والقبول وإتمام العقد ، فإن
المشترى مثلا إذا أراد شراء شئ أو البائع إذا عزم على بيع شئ فهو مجلس العقد ،
وإذا انتهى العقد فهما يتفرقان غالباً حيث لم يجتمعا إلا العقد . فكان التفرق
لازماً فى الغالب لإنتهاء العقد والفراغ من الإيجاب والقبول ، فإذن يصح أن
يقال : أن تفرق الأبدان كنابة عن الإنتهاء عن الإيجاب والقبول .
وأما خامساً: فقوله جَلٍ: ((ولا يحل لأحد أن يفارقه خشية أن يستقيله))
فى حديث عبد الله بن عمرو دليل على إتمام العقد بالإيجاب والقبول دون أن

٣٧٩
بقية البحث الضمنى فى خيار المجلس
فصام فحسن ، ومن وجد ضعفاً فأفطر فحسن )) .
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح .
و "على". وفى معنى الحزن من سمع، ومصدره: الوجد فقط . هذا ملخص
ما فى معاجم اللغة العربية .
ينتظر للتفرق، فإن الاستقالة يكون بعد إنجاز العقد ، ولا معنى للإقالة قبل
تمام العقد .
وأما سادساً : فيحتمل أن يكون الحديث من قبيل مكارم الأخلاق
والمروءة ، يريد أن كمال التراضى ينبغى أن يكون عند البيع . وفى فقهنا : أن
الإقالة مندوبة عند ندم أحد المتعاقدین ، فالشريعة رغبت أن يكون الافتراق عن
غاية التراضى وإن كان حق الوجوب قد انتهى بتمام العقد بالإيجاب والقبول ،
ولكن يبقى أمر لهما مندوب مرغب فيه وهو حق الفسخ والإقالة .
وأما سابعاً : فلفظ المتبائعين حقيقة فيهما قبل تمام العقد ومجاز بعده ،
فعند القائلين بخيار المجلس تجوز فى التعبير دون القائلين بخلافه .
وأما ثامناً: فالذى ذهب إليه الإمام أبو يوسف من بقاء حق القبول للآخر
قبل الافتراق من مصداق الحديث أقرب إلى شرح الحديث من قول الشافعى
وأحمد مع اشتراكهم فى القول بتفرق الأبدان. وراجع " النكت الطريفة"
للشيخ الكوثرى من الحديث نفسه ومن الاستدراك فى آخر الكتاب .
هذا ملخص ما ألقيته على طلبة "الجامعة الإسلامية" بدابيل (سورت) سنة
١٣٦٨ هـ عند التدريس، وقد أوضحته هناك إيضاحاً.
( ٢ - ٨)

٣٨٠
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى الرخصة للمحارب فى الافطار )
حدثنا قتيبة نا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن معمر بن أبى حبية عن
ابن المسيب: أنه سأله عن الصوم فى السفر فحدث: (( أن عمر بن الخطاب قال:
غزونا مع رسول اللّه عَّلٍّ فى رمضان غزوتين يوم بدر والفتح فأفطرنا فيها)).
وفى الباب عن أبى سعيد . قال أبوعيسى: حديث عمر لا نعرفه إلا من
هذا الوجه، وقد روى عن أبى سعيد عن النبي ◌ِّ الّ: ((أنه أمر بالفطر فى
غزوة غزاها)) . وقد روى عن عمر بن الخطاب نحو هذا إلا أنه رخص فى
الإفطار عند لقاء العدو . وبه يقول بعض أهل العلم .
-: باب ما جاء فى الرخصة للمحارب فى الإفطار :-
الحديث رواه الترمذى من طريق ابن لهيعة ولا يضر ضعفه ؛ فإن له
شواهد من حديث أبى سعيد عند مسلم ، وحديث أبى الدرداء عند البخارى ومسلم
وغيرهما ، ووقع فى الإسناد : معمر بن أبى حية بضم الحاء المهملة وتكرار المثناة
من تحت مصغراً ، ويقال : معمر بن أبى حبيبة ، كما فى "التهذيب".
و "التقريب"، وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان فى الثقات، ولم يخرج له
أرباب الستة إلا الترمذى ولم يخرج له إلا هذا الحديث ، كما يقوله السيوطى .
وأراد بالفتح فتح مكة ، كما هو مصرح فى حديث أبى سعيد ، وقد تقدم
بعض ما يدور حول هذا الباب .
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى".