النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
بقية بحث اختلاف المطالع
فإن حالت دونه غيابة فأكملوا ثلاثين يوماً)) .
وفى الباب عن أبى هريرة وأبى بكرة وابن عمر . قال أبو عيسى : حديث
- ابن عباس حديث حسن صحيح . وقد روى عنه من غير وجه .
أحدها : اختلاف المطالع ، قطع به العراقيون والصيدلانى ، ومجمحه النووى فى
" الروضة" و"شرح المهذب". ثانيها: مسافة القصر، قطع به الإمام والبغوى،
وصححه الرافعى فى "الصغير"، والنووى فى "شرح مسلم". ثالثها: اختلاف
الأقاليم ، وذكر وجهين آخرين ، وذكر ابن عابدين قدر البعد الذي يختلف
فيه المطالع مسيرة شهر فأكثر نقلا عن "الجواهر"، وحكى عن "شرح المنهاج"
"للرملى: أنه لا يمكن فى أقل من أربعة وعشرين فرضاً آه . قال الراقم: بعسر
التحديد للاختلاف فى الآفاق المائلة والمستوية واختلاف العروض وتفاوت
سطوح البلاد ارتفاعاً وانخفاضاً ، فالمؤثر فى اختلاف المطالع عدة أمورٍ يشكل
هناك قانون كلى لضبطها والله أعلم .
قوله: غيابة . قال السيوطى فى " القوت": بفتح الغين المعجمة واليايين
المثناتين من تحت وبينهما ألف، وهى: السحابة ونحوها . قال العراق: هذا
هو المشهور فى ضبط هذا الحديث . وقال ابن العربى : يجوز أن يجعل الياء
الأخيرة باءً موحدةً لأنه من الغيب ، تقديره ما خفى عنك واستسر ، أو نون
من النين وهو الحجاب اهـ .
قال الراقم: حديث الباب رواه بقية السنن وأحمد وابن خزيمة وأبو يعلى،
وورد فی بعض طر قه عند النسائى و غيره : فإن حال بينكم وبينه ساب فأكلوا
العدة، فا قاله العراق يكاد يتعين والله أعلم. وهذا اللفظ فى الروايات المختلفة
فى حديث أبى هريرة وابن عباس وغيرهما على صور مختلفة ، فى بعضها: ((من

٣٤٢
معارف السنن
٠
ج - ٥
( باب ما جاء أن الشهر بكون قسماً وعشرين)
حدثنا أحمد بن منيع نا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة قال أخبرنى عيسى بن
الغم)) وفى بعضها: ((من الغمى)) وفى بعضها من الغباوة كما فى حديث أبى هريرة
"فإن غبى " وفى بعضها: ((من العمى)) بالمهملة، ومفاد الكل واحد إما حقيقة"
وإما مجازاً والله سبحانه أعلم .
-: باب ما جاء أن الشهر يكون تسعاً وعشرين :-
يريد أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين ، وليس المراد نفى كونه ثلاثين .
قال الشيخ : وقد نص الشيخ عبد القاهر الجرجانى على أن تقديم الخبر قد
يكون لبيان الجزئية . قال فى " فتح البارى" (٤ - ١٠٤): قوله: " تسع
وعشرون" ، ظاهره حصر الشهر فى تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه ، بل
قد يكون ثلاثين . والجواب: أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين، أو اللام
.... وقال
للعهد والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب
ابن العربى: قوله: "الشهر يكون تسع وعشرون فلا تصوموا" معناه حصر من
جهة أحد طرفيه ، أى أنه يكون تسعاً وعشرين وهو أقله ، ويكون ثلاثين
وهو أكثره فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطاً ولا تقتصروا على الأقل
تخفيفاً، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداءً وانتهاءً باستهلاله اهـ.
وبالجملة الحافظ يفرق بين رواية الصحيح: ((الشهر تسع وعشرون))
وبين قوله: (الشهر يكون تسعاً وعشرين)) بأن الأول الحصر والثانى الجزئية. وعلى
قواعد أهل المعقول الكل فى حكم الجزئية لعدم حرف السور فيه . قال الشيخ :
ويؤيد ما قال الشيخ عبد القاهر رحمه الله ما روى فى " مسند أحمد" (٦ - ٥١)

٣٤٣
بيان أن رمضان فى عهد النبوة أكثره كان تسعاً وعشرين
دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبى ضرار عن ابن مسعود قال: ((ما صمت
مع النبى معَّجُلّ تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين)).
وفى الباب عن عمر وأبى هريرة وعائشة وسعد بن أبى وقاص وابن عباس
وابن عمر وأنس وجابر وأم سلمة وأبى بكرة: أن النبى معَّاللّه قال: ((الشهر
يكون تسعاً وعشرين ؟
حدثنا على بن حجر نا اسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس أنه قال: «آلى
رسول اللّهِ بَلٍ من نسائه شهراً فأقام فى مشربة تسعاً وعشرين يوماً، قالوا:
يا رسول الله إنك آليت شهراً؟ فقال: الشهر تسع وعشرون)».
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح .
من طريق محمد بن عمرو عن يحى بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن النبى عَ ليه
قال: ((الشهر تسع وعشرون، فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: رحم الله
أبا عبد الرحمن، إنما قال: الشهر يكون تسعاً وعشرين)). وإسناده جيد كما فى
" الفتح" ، فيريد عائشة ما يقوله الشيخ الجرجانى .
قوله عن ابن مسعود قال : ما صمت الخ. وحكى الشيخ أبو الطيب السندى
فى شرحه على " الترمذى" عن الشيخ ابن حجر - وهو المكى -: قال بعض
الحفاظ : صام رسول اللّه عَ ل تسع رمضانات منها رمضانان فقط ثلاثون اهـ .
وفى "المواهب": أنه مَ القد صام تسع رمضانات، وفى شرحه للزرقانى
( ٨ - ٩٧ ): لم يكمل له رمضان إلا سنة واحدة والبقية ناقصة آهـ .
قوله : آلى من نسائه. استدل به الترمذى على أن الشهر قد يكون تسعة.
وعشرين يوماً، ووجه الاستدلال ظاهر، واتفق الأئمة الأربعة على أن إيلاءه

٣٤٤
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى الصوم بالشهادة )
حدثنا محمد بن اسماعيل نا محمد بن الصباح نا الوليد بن أبى ثور عن سماك
عَ ء هذا كان إيلاءً لغوياً، أى حلفاً، ولم يكن إيلاءً شرعياً ، فإن الإبلاء
الشرعى أربعة أشهر. قال فى " العمدة" (٥ - ١٩٤): المراد منه الحلف
لا الإيلاء الشرعى، لأن الإبلاء الشرعى هو : الحلف على ترك قربان إمراته
أربعة أشهر أو أكثر ... ثم أخرج عن ابن أبى شيبة من أثر ابن عباس: ((إذا
آلى من امرأته شهراً أو شهرين أو ثلاثةً ما لم يبلغ الحد فليس بإيلاء آه"
ویأتی تفصيله فى بابه إن شاء الله تعالى .
ثم الحافظ شبهة قوية بأن عليه الصلاة والسلام وإن كان آلى إيلاءً لغوياً
ولكن المهاجرة فوق ثلاث لا يحل ، ولم يحب عنها فى هذا المقام ، وتعرض إلى
جوابها فى "الفتح" (٩ - ٢٩٤) فى النكاح، فقال: ومن اللطائف أن الحكمة
فى الشهر مع أن مشروعية الهجرة ثلاثة أيام أن عدتهن كانت تسعة ، فإذا ضربت
فى ثلاثة كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية لكونها كانت أمة ، فنقصت
عن الحرائر والله أعلم .
ثم إنه اختلفت الروايات فى سبب إيلائه ◌َّ له، ففى بعضها: طلب أمهات
المؤمنين النفقة عنه 3953، وفى بعضها: قصة العسل ، كما فى " الصحيحين"،
وفى بعضها : قصة مارية القبطية رضى الله عنها. وفصل الحافظ فى " الفتح"
(٩ - ٢٥٣) اختلاف الروايات، وذكر أن الراجح من الأقوال كلها قصة
مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها بخلاف العسل فإنه اجتمع فيه جماعة منهن
آهـ. وقصة النفقة فى " صصيح مسلم
-: باب ما جاء فى الصوم بالشهادة :-
سبق بيان المسألة فى ( باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال) بما يكفى .

٣٤٥
مسألة رؤية الهلال نهاراً
عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((جاء أعرابى إلى النبى ◌َّال﴾ فقال: إنى رأيت
الهلال ، فقال: أتشهد أن لا إله إلا اللّه؟ أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال:
نعم ، قال : يا بلال أذن فى الناس أن يصوموا غداً)) .
حدثنا أبو كريب نا حسين الجعفى عن زائدة عن سماك بن حرب نحوه .
قال أبوعيسى : حديث ابن عباس فيه اختلاف .
وروى سفيان الثورى وغيره عن سماك بن حرب عن عكرمة عن النبى
مسألة : لو شهد رجل برؤية الهلال نهاراً لا يعتبر بها سواء كانت قبل
الزوال أو بعد ، ولو شهد برؤيته فى الليلة الماضية فإن كان هلال رمضان
فليصم بقية يومه ويقضيه إن أكل ، وإن لم يأكل وكان قبل الضحوة الكبرى
صام ولا قضاء . عدم العبرة لها على قول أبى حنيفة ومحمد ، والأصل عندهما
أنه لا تعتبر رؤيته نهاراً ، وإنما العبرة لرؤيته بعد غروب الشمس ، وعند
أبى يوسف فيه تفصيل، وراجع له "رد المحتار"، وفيه: وقد صرحت أئمة
المذاهب الأربعة بأن الصحيح أنه لا عبرة برؤية الهلال نهاراً ، وإنما المعتبر
رؤيته ليلآ آهـ .
واعلم : أن بلاد الهند اليوم ليست فيها حكومة إسلامية ، وليس فيها.
دار القضاء للمسلمين ، فالحكم فى مثلها الصوم بإخبار ثقة ، والفطر بقول ثقتين،
ولا ينبغى لعلماء العصر من المفتيين المشى على ما هو شأن قضاة دار الإسلام من
الشهادة وغيرها . وحديث الباب لا يخالف الحنفية لحمله عندهم على الغيم فى
المطلع ، أو أن الرائى جاء من خارج البلدة.
قوله : وروى سفيان الخ . رواية سفيان أخرجه النسائى ولكن اختلف عليه

٣٤٦
معارف السنن
ج -ه
عَ ل مرسلا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبى عَلَا}
مرسلاً. والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم قالوا : تقبل شهادة رجل
واحد فى الصيام . وبه يقول ابن المبارك والشافعى وأحمد . وقال اسحاق : لا يصام
إلا بشهادة رجلين . ولم يختلف أهل العلم فى الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا
شهادة رجلين .
أيضاً، فروى عنه الفضل بن موسى الشيبانى مسنداً ، وروى عنه ابن المبارك
مرسلا، ورجح النسائى كما فى "نصب الرأية" رواية ابن المبارك بأنه أثبت
الناس فى سفيان من الفضل . ورواه مسنداً عن سماك أيضاً زائدة بن قدامة عند
النسائى وأبى داؤد ، وحازم بن إبراهيم عند الطبرانى والدارقطنى ، وأبو عاصم
عند الحاكم ، وحماد بن سلمة عند البيهقى . واختلف عليه أيضاً فاتفق الوليد بن
أبى ثور وزائدة وحازم وأبو عاصم وحماد بن سلمة فى طريق ، وسفيان فى طريق
على روايته مسنداً عن سماك. والحديث أخرجه مسنداً ما عدا أصحاب السنن :
ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصحوه ، والطحاوى فى "المشكل" والدار قطنى
والبيهقى والطبرانى وأبو يعلى وآخرون ، وراجع لمزيد البيان " نصب الرأية"
( ٢ - ٤٣٥ و ٤٤٣).
ثم إن قبول الشاهد الواحد فى الصوم مذهب أحمد وأحد قولى الشافعى ،
وإشتراط شاهدين مذهب مالك والليث والأوزاعى والثورى والشافعى - فى
رواية - بدليل حديث عبد الرحمن بن زيد عند أحمد والنسائى ، وحديث ربعى
ابن حر اش عند أحمد و أبی داؤد، وحديث أمیر مکة عند أبیداؤد والدار قطنی.

٠٣٤٧
بيان المعانى العشرة لحديث " شهرا عيد لا ينقصان"
( باب ما جاء شهرا عبد لا بنقصان )
حدثنا يحيى بن خلف البصرى نا بشر بن المفضل عن خالد الحذاء عن
عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه قال: قال رسول اللّه عَّالجّ: ((شهرا عبد
لا ينقصان رمضان وذو الحجة)» .
قال أبوعيسى : حديث أبى بكرة حديث حسن . وقد روى هذا الحديث
-: باب ما جاء شهرا عيد لا ينقصان :-
اختلفت الأقوال فى شرح حديث الباب ، والأقوال كلها فى شرحه
نحو عشرة .
الأول : إنها لا ينقصان معاً فى سنة واحدة، قال أحمد كما قاله الترمذى .
الثانى: لا ينقصان فى الأجر وإن نقصا فى العدد عن الثلاثين، قاله اسماق .
الثالث : لا ينقصان فى الأحكام ، أى إن الأحكام فيها متكاملة وإن كانا
تسعة وعشرين ، وبه جزم الطحاوى ثم البيهفى .
الرابع : لا ينقصان معاً فى سنة على الأكثر، حكاه الحافظ فى " الفتح".
الخامس : إنها لا ينقصان معاً فى الحقيقة وإن نقصا فى رؤية العين لعذر .
السادس : إنها لا ينقصان فى الفضائل ، أى أن عشرة ذى الحجة كشهر
رمضان فى الفضيلة، وهذان الوجهان قالها ابن حبان ، كما فى " العمدة ".
وهذا السادس قاله الخطابى أيضاً .
السابع: إنها لا ينقصان فى عام بعينه، وهو الذى قال فيه عَ ل هذه
( م - ٤ )

٣٤٨
معارف السنن
ج -۵
عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن النبى حَلّ مرسلة. قال أحمد: معنى هذا
الجديث " شهرا عيد لا ينقصان" يقول: لا ينقصان معاً فى سنة واحدة شهر
المقالة ، حكاه أبوالوليد ابن رشد وابن زيزة، ونقله المحب الطبرى عن ابن فورك ،
واختاره المازرى .
الثامن : حمله على الظاهر ، وهو باطل بالمشاهدة على خلافه .
التاسع : إن النقص الحسى باعتبار العدد ينجبر بأن كلّ منها شهر عظيم،
فلا ينبغى وصفهما بالنقصان ، قاله ابن المنير المالكى ، كما فى "الفتح"، وهذا
القول مآله إلى مقال اسحاق ، ولهذا قلت: نحو عشرة، فهذا ملخص ما ذكره فى
"العمدة" و "الفتح" بترتيب من الراقم. وما ذكره أحمد اختاره البخارى ،
وما ذكره الطحاوى والبيهقى اعتمده النووى . ثم إنه قال الطيبي : ظاهر سياق
الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست فى غيرهما من الشهور، وليس المراد
أن ثواب الطاعة فى غيرهما ينقص ؛ وإنما المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع
فيه موطأ فى الحكم لاختصاصهما بالعيدين وجواز احتمال وقوع الخطأ فيها ، ومن
ثم قال : "شهرا عيد" بعد قوله: " شهران لا ينقصان" - أى على لفظ البخارى
فى "الصحيح" - ولم يقتصر على قوله : " رمضان و ذى الحجة" اهـ . حكاه فى
"العمدة" (٥ - ١٩٨). وفى " الفتح" (٤ - ١٠٧ ): ثم إنه سمى فى
الحديث شهر رمضان شهر العيد ، وذلك إما لقربه من العيد ، أو لكون هلال
العيد ربما رؤى فى اليوم الأخير من رمضان، قاله الأثرم، كما فى " العمدة"
و "الفتح". قال الحافظ: والأولى ونظيره قوله عّ لّ: (( المغرب وتر النهار))
عند الترمذى من حديث ابن عمر آهـ بتلخيص . وما قاله أحمد فرده الطحاوى
رقال: الأخذ بظاهره أو حمله على نقص أحدهما يدفعه العيان، لأنا قد وجدناهما
ينقصان معاً، قاله فى "مشكل الآثار" (١ - ٢١٠ و٢١١) و" شرح معانى

٣٤٩
بقية بحث شهرا عيد لا ينقصان
رمضان وذوالحجة، إن نقص أحدهما تم الآخر. وقال اسماق : معناه لا ينقصان
الآثار" (١ - ٣٢٧)، وهو فى "المعتصر" ( ص ٩٧)، وحكاه الحافظ
فى "الفتح" ( ٤ - ١٠٧).
قال الراقم : علا أن بيان مثل هذه الأمور خلاف منصب النبوة ، فالنبى
حُ لم فى غنى من التوجه إلى مثل هذه الأمور الحسابية الهينة، فالراجح المتعين
ما قاله اسحاق رحمه الله ثم الطحاوى رحمه اللّه، وما قاله اسماق فقال شيخنا :
ويشكل ذلك، لأن أيام العبادة والنسك من ذى الحجة ثلاثة عشر يوماً ، فكيف
يكون أجرها أجر ثلاثين؟ أو كيف يقال : أنه لا ينقص؟ وإن كان تسعة
وعشرين إلا أن يكون له وجه على ما ذهب إليه بعض السلف من جواز تأخير
الأضحية إلى آخر ذى الحجة ، حكاه ابن رشد فى " قواعده"، قال : وهو شاذ
لا دليل عليه .
ومذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد فى انتهاء وقت : إلى مغيب الشمس من
اليوم الثالث من أيام النحر . وعند الشافعى والأوزاعى : آخر اليوم الرابع من
العيد ، فنسبة ذلك القول الشاذ إلى مالك غير صحيح كما نسبه البعض فليتنبه . قال
الشيخ: وقال السيوطى ما حاصله : أن الحديث تصدى لبيان ما هو حقيقة الأمر
وباطنه لا إلى الظاهر ، فقد ذكر أهل الحساب أن الأشهر الأوتار تكون تسعة
وعشرين يوماً والأشفاع ثلاثين يوماً ، فشهر رمضان من الأوتار، فيكون تسعة.
وعشرين يوماً وإن لم نشاهد الهلال ، وذو الحجة من الأشفاع ، فيكون ثلاثين
يوماً فينقص رمضان ولا ينقص ذو الحجة، ولا يجتمع النقص فيهما فلا ينقصان
معاً ، فالحديث بين نفس الأمر . وأطال فيه السيوطى. قال الشيخ : ويقال ذلك
ويلتجأ إلى قول أهل الحساب، وإن ما ذكره أهل الحساب هو مجرد اصطلاح
لهم لبناء الكبيسة ، لا أنهم أرادوا به بيان الواقع وحقيقة الأمر ، كما صرح به

٣٥,٠
معارف السّنْن
ج ــه
بقول: وإن كان تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان، وعلى مذهب اسماق يكون
ينقص الشهران معاً فى سنة واحدة .
فى كتاب: "زيج بهادر خانى". قال الراقم: لم أقف على قول السيوطى فى
المراجع التى عندى لكى أحكى لفظه أو تلخيصه أمام لفظه ، وكذا لم يكن عندى
"الريح" المذكور ، وتقدم فى الكسوف بيان الكبس فى المشهور الرائج فی عرب
الجاهلية متلقى من اليهود ، فلا داعى إلى الإعادة .
ثم إنه تبين فى موضعه أن السنة القمريه ستة أشهر ، منها تكون تسعة
وعشرين يوماً وستة منها ثلاثين يوماً، ولا يلزم فيها الترتيب والتوائى، ثم إنه
لا يتوالى النقص فى أكثر من ثلاثة أشهر كما فى " الغاية الحتبلية":
لا يتوالى النقص فى أكثر من . ثلاثة من الشهور با قطن
كذا توالى خمسة مكملة . هذا الصواب وما سواه أبطله
أى يمكن أن تكون ثلاثة شهور متوالية كل منه تسعة وعشرون يوماً كما يمكن
أن تكون خمسة متوالية كل منه ثلاثون يوماً ، أفاده الشيخ . ولم أتمكن من المراجعة
إليها، وفى " العمدة" (٥ - ١٩٢): قالوا: وقد يقع النقص متوالياً فى
شهرين وثلاثة وأربعة ولا يقع أكثر من أربعة الخ والله أعلم .
ثم إنه إذا كان معناه: " أنها لا ينقصان أجراً" فهل يمكن أن يكون
هو مراد الحديث؟ وهل يصدق على ذى الحجة ؟ قال شيخنا : لا إشكال فى
فى صدقه على رمضان ، وأما فى صدقه على ذى الحجة فبأن يقال : أن المراد
من شهر ذى الحجة الأيام العشرة منها ، وفضلها فى الأحاديث مشهور بأنها
أفضل أيام السنة ، وإن العمل فيها أحب إلى الله عز وجل . أقول: وفيه أحاديث
عن ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة وغيرهم ، راجع لها " الدر المنثور" (٦ -

٣٥١
المذاهب فى مسألة: ((إن لكل أهل بلد رؤيتهم))
( باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم )
حدثنا على بن حجر نا اسماعيل بن جعفر نا محمد بن أبى حرملة أخبرنى
كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام. قال : فقدمت الشام
٣٤٥ و٣٤٦)، ففى حديث أبى هريرة عند البيهقى مرفوعاً: (( ما من أيام من أيام
الدنيا العمل فيها أحب إلى الله من أن يتعبد له فيها من أيام العشر يعدل صيام كل
یوم منها بصيام سنة،وقيام كل ليلة بقيام ليلة القدر» . وورد فى حديث ابن عباس
من إكثار التهليل والتكبير وذكر الله فيها ومضاعفة العمل فيها بسبعمائة ضعف .
ثم إن من العمل فيها الصيام ، والصوم فى العاشر منها مكروه تحريماً، فيقال :
إنه ثبت فيه الإمساك إلى لضحى بالحديث ، فهذا القدر من الإمساك يقوم مقام
صومه ، فالتسعة وبعض من اليوم العاشر عشرة كاملة فى الأجر والثواب ، هذا
والله أعلم بالصواب
-: باب ما جاء لكل أهل بلد رويتهم :-
سبق تفصيل مسألة الباب ، وحمل الشافعية الحديث على ما إذا كانت البلاد
متباعدة ، وإن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً لا يختلف عندهم .
والمذاهب ثلاثة :
١ - لكل أهل بلد رؤيتهم، وإليه ذهب عكرمة والقاسم وسالم واسحاق،
وهو وجه الشافعية ، كما فى " الفتح" و " المغنى".
٢ - يلزم رؤية بلد أهل البلاد كلها بعد ثبوت شرعى، وإليه ذهب
الحنفية كما تقدم ، والمالكية كما فى "الفتح" وغيره، وهو مذهب الحنابلة
وقول الليث ، كما فى "المغنى"، وإليه ذهب بعض الشافعية.
٢٣

٢٥٢
معارف السين
ج -ه
فقضيت حاجتها واستهلَّ علىَّ هلال رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ،
٣ - حکم اللزوم فى البلاد المتقاربة کالبصرة وبغداد دون المتباعدة کالأندلس
وخراسان ، وهو المختار عند بعض المشائخ الحنفية ، والمشهور عند الشافعية بل
حكى الحافظ أبو عمر عليه الإجماع ، ولو ثبت الإجماع يقيد ما خالفه بالبلاد
القريبة التى لا تختلف مطلعها ، وعند قيام البرهان العقلى الصحيح بتأول فى
السمعيات القطعية فضلا عن باب المجتهدات الشرعية . وحديث ابن عباس على
إجماله يدل على هذا الذوق الفقهى العقلى ، وإن كان للكلام فى وجه استنباطه
مساغ بحث . وقد فصلنا القول فى بعض أطرافها تفصيلا قبل أبواب فراجعه ،
وربما يكون قول بعض مشائخنا فى الاعتبار لاختلاف مطالع البلاد تفصيل لقول
الأئمة وبيان لمحمل قولهم المجمل دون أن يكون هو قولاً جديداً على خلاف
المذهب ، ومن ظن قول الأئمة مطلقاً عاماً ظن قول بعض المشائخ شيئاً جديداً فى
المذهب، وإلا فيمكن أن يكون قول الأئمة خاصاً فى الحقيقة، وهؤلاء المشائخ أبدوا
خصوصه للناس ، ويؤيد ذلك أن صاحب " البدائع" يعتبر اختلاف المطالع فى
البلاد المتباعدة من غير تنبيه على خلاف فى المذهب ، فيقول فى " البدائع"
(٢ - ٨٣): فأما إذا كانت بعيدة" فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر ، لأن
مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف ، فيعتبر فى أهل كل بلد مطالع بلدهم
دون البلد الآخر . قال: وحكى عن أبى عبد الله بن أبى موسى الضرير أنه
استفى فى أهل اسكندرية، أن الشمس تغرب بها ومن على منارتها يرى الشمس
بعد ذلك بزمان كثير؟ فقال: يحل لأهل البلد الفطر، ولا يحل لمن على رأس المنارة
إذا كان يرى غروب الشمس ، لأن مغرب الشمس يختلف كما يختلف مطلعها ،
فيعتبر فى أهل كل موضع مغربه اهـ .
قوله : ليلة الجمعة الخ . فتكون غرة رمضان يوم الجمعة ، وحديث ابن

٣٥٣
بقية شرح حديث: ((إن لكل أهل بلد رؤيتهم))
ثم قدمت المدينة فى آخر الشهر فسألنى ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال : منى
رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة ؟ فقلت:
رآه الناس وصاءوا وصام معاوية، فقال: لكن رأيناه ليلة السبت ، فلا زال
نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو راه ، فقلت : ألا نكتفى برؤية معاوية
وصيامه ؟ قال : لا، هكذا أمرنا رسول الله
قال أبوعيسى : حديث ابن عباس حديث حسن صحيح غريب ، والعمل
على هذا الحديث عند أهل العمل : أن لكل أهل بلد رؤيتهم .
عباس هذا يستدل به لما ذكره الزيلعى شارح "الكنز" ويرد على المتون . وأجيب
بأنه لا دليل فيه لأنه لم يشهد على شهادة غيره ولا على حكم الحاكم ، ولئن سلم
فلأنه لم يأت بلفظ الشهادة ، ولئن سلم فهو واحد لا يثبت بشهادته وجوب
القضاء على القاضى كما أجاب عنه ابن الهام فى "الفتح" وابن نجيم فى " البحر"
وبلفظه ذكرت. واستدل الزيلعى فى "شرحه للكنز"، وحكاه فى "الفتح" و "البحر".
ثم إنه وقع فى لفظ "مسلم": ((أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس الخ))
والحديث رواه النصائى وأبو داؤد والبيهقى أيضاً .
قال الشيخ: والأولى فى الجواب ما أفاده شيخنا مولانا شيخ الهند محمود
حسن الديوبندى بأنه لا يخالف مسألة المتون فقد ذكر فيها : من أنه إذا صاموا
بقول واحد لأجل الغيم ، أو جاء من خارج البلدة ، أو كان على موضع مرتفع
ثم أكملوا ثلاثين يوماً ولم يروا هلال العيد ، فقيل : جاز لهم الإفطار وإن كان
مداره على قول واحد فإن الواحد وإن لم يكف قوله فى الفطر استقلالاً ولكن
یکفی بناء واستبتاعاً ، وقيل : لا يجوز بل یصوموا وإن كان واحداً وثلاثين ،
والقولان مذكوران فى كتبنا ، فقول ابن عباس ناظر إلى هذا النظر الفقهى فى

٤ ٣٫
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء ما يستحب عليه الافطار )
حدثنا محمد بن عمر بن على المقدمى نا سعيد بن عامر نا شعبة عن عبد العزيز
ابن صهيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه عَّاهُ: ((من وجد تمراً.
فليفطر عليه ومن لا فليفطر على ماء فإن الماء طهور)).
وفى الباب عن سلمان بن عامر . قال أبوعيسى : حديث أنس لا نعلم أحداً
رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ ، ولا نعلم
له أصلاً من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس . وقد روى أصحاب شعبة
هذا الحديث عن عاصم الأحول عن حفصة ابنة سيرين عن الرباب عن سلمان
المسألة . القول الأول روى عن محمد وصححه فى غاية البيان كما فى " البحر"،
والثانى قول الشيخين أبى حنيفة وأبى يوسف ، فعندهما تثبت الرمضانية بشهادته
لا الفطر. وأما إذا صاموا بشهادة اثنين فإنهم يفطرون بالإتفاق كما فى "البحر"
من " البدائع". وبالجملة فرق بين ثبوت الشىء ابتداءً وبين ثبوته بناءً فى
بعض المسائل ، كشهادة القابلة بناءً تصح فى النسب لا ابتداءً . وقيل : مورد
الخلاف إذا لم يغم هلال العيد ، وأما إذا غم فحل الفطر أيضاً إتفاقاً ، راجع
"التبيين" الزيلعى و "رد المحتار" لإبن عابدين والله أعلم.
-: باب ما جاء ما يستحب عليه الإفطار :-
غرض الشارع أن يكون الإفطار على شئ حلال طيب ، وشذً ابن حزم
فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء ، وإن لم يفعل فهو عاصٍ ولا يبطل
صومه بذلك ، كما فى "العمدة" (٥ - ٢٩١). وقد تصدوا لبيان الحكمة
فى الإفطار بالتمر فإن لم يجد فبالماء : أن هذا من كمال شفقته على أمته ، فإن

٣٥٥
مـ
بيان حكمة الإفطار بالحلو وتحقيق مراتب التمر
ابن عامر عن النبى من آل} ، وهذا أصح من حديث سعيد بن عامر. وهكذا رووا.
عن شعبة عن عاصم عن حفصة ابنة سيرين عن سلمان بن عامر ، ولم يذكر فيه
شعبة عن الرباب ، فالصحيح ما روى سفيان الثورى وابن عيينة وغير واحد
عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر وابن
حون، يقول: عن أم الرائح بنت صليع عن سلمان بن عامر، والرباب هى: أم الرائح.
حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع نا سفيان عن عاصم الأحولى ،
ح ولنا هناد نا أبو معاوية عن عاصم الأحول عن حفصة ابنة سيرين عن
الرباب عن سلمان بن عامر الضبى عن النبى معَّجلاء قال: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر
إعطاء الطبيعة الحلو عند خلو المعدة ادعى إلى قبوله وانتفاع القوى به ولا سما
الباصرة ، وحلاوة المدينة التمر وهو قوتهم ، ورطبه فاكهة لهم . وأما الماء فإن
الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده إلى
غير ذلك من نكات طبية وروحانية ليس هذا محل تفصيلها .
واعلم : أنه إذ جذ ثمر النخل فيسمى - قبل أن يجف - : رطباً، - وبعد
الجفاف بحيث يدخر - : تمراً بسكون الميم ، والتى تباع فى بلادنا فى الأسواق
من التمرات اليابسة فليس لها اسم فى اللغة العربية عندهم إلا أنها أقرب إلى
البسر ، والبسر : ما يقطع وهو أصفر قبل أن يخمر ، وهذه تقطع أصفر ثم
تجفف على النار ، فيطلق عليها: " البسر" نظراً إلى أول حالتها قاله الشيخ.
قال فى "اللسان" فى مادة "رطب": الرطب: نضيج البسر قبل أن يتمر.
وذكر فى مادة "البسر" عن الجوهرى: أوله: طلع، ثم: خلال، ثم: بلح،
ثم : بسر، ثم : رطب ، ثم: مر آهـ
(م - ٥)

٣٥٦
معارف السنن
ج - ٥
على تمر ، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور)) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا محمد بن رافع نا عبد الرزاق نا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس
ابن مالك قال: ((كان رسول اللّه عَل يفطر قبل أن يصلى على رطبات، فإن
لم تكن رطبات فتميرات ، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء».
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن غريب .
( باب ما جاء أن الفطر بوم تفطرون
والاضحى يوم تضحون
حدثنا محمد بن اسماعيل نا إبراهيم بن المنذر نا اسحاق بن جعفر بن محمد
قوله : حسن غريب . قال ابن عدى : تفرد به جعفر عن ثابت . قال
الحافظ فى " التلخيص» ( ص ١٩٢): والحديث مشهور بعبد الرزاق عنه،
وتابعه عمار بن هارون وسعيد بن سليمان النشيطى . قال البزار : رواه النشيطى
فأنكروا عليه وضعف حديثه آهـ .
-: باب ما جاء أن الفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون :-
قال شيخنا الإمام : لا يظهر وجه تبويب المصنف على هذا الحديث فإن
حديث اختلاف المطالع قد تقدم ، إلا أن يقال : أن الغرض من الحديث أن
القوم كلهم لو أخطأوا فى الفطر فى الواقع وصاموا لعدم قيام دليل شرعى يثبت
به الحكم شرعاً ، فالفطر هو يوم ما أفطروا ولا مساغ شرعاً لتطرق الوساوس
والأوهام ، وكذلك الحكم فى الأخرى. أقول: وهذا قريب مما قاله الخطائى فى

٣٥٧
بيان المسألة إذا وقع غلط للمسلمين جميعاً فى الفطر أو الأضحى
قال حدثنى عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبرى عن أبى هريرة أن
النبى معَ الّ قال: ((الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم
تضحون)) .
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن . وفسر بعض أهل العلم هذا
الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس .
شرح الحديث كما حكاه صاحب " المنتقى" فى معناه: أن الخطأ مرفوع عن
الناس فيما كان سبيله الإجتهاد ، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد
ثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين
فإن صومهم وفطرهم ماضٍ لا شئ عليهم من وزر أو عيب، وكذلك هذا فى
الحج إذا أخطأوا يوم عرفة فإنه ليس عليهم إعادته اهـ. وفيه أقوال أخر راجعها
من شرح " المنتقى". والحديث رواه أبوداود فى "سننه" بإسناد أصح من
إسناد الترمذى فى ( باب إذ أخطأ القوم الهلال ) بزيادة فيه فى آخر الحديث
وخذف فى الأول
قوله : غريب حسن . لا يظهر وجه الغرابة حيث أسنده أبوداود من
حديث حماد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبى هريرة ، وأسنده ابن ماجه
فى (باب ما جاء فى شهرى العيد) من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن
أبى هريرة والله أعلم .
قوله : وعظم الناس - بضم العين وسكون المعجمة - ، أى : أكثرهم
وعامتهم ، ومن هنا أدار الفقهاء حكم ثبوت الهلال على قضاء القاضى . ثم ما
بذكر فى كتب الفقه من أن القضاء لا ينفذ إلا فى المعاملات ولا مدخل له فى
العبادات فقال الشيخ الإمام: ليس هذا مطرداً عاماً فإنا نجد لقضاء القاضى مدخلاً
فى العبادات ، ألا ترى أن إقامة الحج والأعياد وصلاة الكسوف مفوضة إلى

٣٥٨
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء إذا أقبل الليل وأدبر النهار
فقد أفطر الصائم )
حدثنا هارون بن اسحاق الهمدانى نا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه
الإمام والحاكم ، وأن الصلوات الخمس كان ينصب لها الإمام من جهة خليفة
المسلمين وأمير المؤمنين فى عهد السلف الصالحين . وأما الزكاة فإن الإمام كان
يأمر الناس ويبعث السعاة لكى يرفعوا الصدقات إلى بيت المال . وأما الحج فكان
ينصب له إمام يكون أمير الموسم يقتدى به الناس وكذلك الصيام يحتاج ثبوتها
إلى حكم القاضى على الشهادة أو الإخبار عند الغيم ، فإن رد القاضى الشهادة
لا يكون قوله حجة، وفى " الدر المختار" وشرحه "رد المحتار" فى فصل القراءة:
عدم صحة صلاة بكلمة من القرآن وإن كرّرها مراراً إلا إذا حكم حاكم كما إذا
علق عنق عبده بصلاته صلاة صصيحة فصلى بمدها ستان غير مكررة أو مكررة
فترافعا إلى حاكم يرى صحة الصلاة بذلك فقضى بعتقه فيكون قضاءً بصحة
الصلاة ضمناً، فتصح اتفاقاً لأن حكم الحاكم فى المجتهد فيه يرفع الخلاف .
-: باب ما جاء إذا أقبل الليل وأدبر النهار فقد أفطر الصائم :-
ظاهر حديث الباب يدل على أنه إذا أقبل الليل وأدبر النهار فقد أفطر
بحكم الشريعة وإن لم يفطر باختياره بتناول مفطر، كما بينه الحافظ فى "الفتح"
(٤ - ١٧١) احتمالاً، ثم قال: وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال، والذى
ذكره الحافظ نفسه والحافظ العبنى فى " العمدة" (٥ - ٢٦٦): أفطر
الصائم : أى دخل فى وقت الفطر ، لا أنه يصير مفطراً بغيبوبة الشمس وإن
لم يتناول مفطراً، كما يقال: أعجد وأتهم: إذا قام بنجد وأقام بتهامة وحكى الحافظ

بيان وجه اجتماع الأشياء الثلاثة: الإدبار والإقبال وغروب الشمس ٣٥٩
عن عاصم بن عمر عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه فَل﴾: ((إذا أقبل
الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطرت)).
وفى الباب عن ابن أبى أوفى وأبى سعيد . قال أبوعيسى : حديث عمر
حديث حسن صحيح .
ابن خزيمة أنه لفظ خير معناه أمر ، أى فليفطر الصائم، وراجعه للتفصيل ،
إلا أنهم جوزوا الوصال . واختار ابن تيمية ندبه . وفى حديث "الصحيحين"
مرفوعاً من حديث أبى سعيد الخدرى: ((لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل
حی السحر الخ )» فهذا يخالف ظاهر حديث الباب ، فيحمل حديث الباب على
من لم يرد صوم الوصال إلى السحر .
ثم إنه ذكر فى الحديث الأمور الثلاثة من: إقبال الليل ، وإديار النهار،
وغروب الشمس ، وهى وإن كانت متلازمة إلا أنه قد لا يتفق مشاهدة عين
الغروب لعارض ويشاهد مجوم الظلمة، فقد يكون الغيم فى المغرب دون المشرق ،
وقد يكون عكس ذلك ، وقد يشاهد مغيب الشمس فلا يحتاج معه إلى أمر آخر،
فيأحد هذه الأمور الثلاثة يعرف انقضاء النهار ، وبؤبده الاقتصار فى حديث
ابن أبى أوفى بإقبال الليل فقط، قاله العراق، ولكن الأولى أن يقال كما قال القاضى
عياض ، وإنما ذكر الإقبال والإدبار معاً لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحفق
الغروب ، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون حقيقة بل لوجود
أمر يغطى ضوء الشمس وكذلك إدبار النهار ، فمن ثم قيد بقوله : "وغربت
الشمس " أو "غابت الشمس" إشارة" إلى تحقق الإقبال والإدبار بغروب الشمس
لا غير . هذا ملخص ما فى " الفتح" و"العمدة".

٣٦٠
معارف السنن
ج. ب
( باب ما جاء فى تعجيل الافطار )
حدثنا بنداء نا عبد الرحمن بن المهدى عن سفيان عن أبى حازم ،
ح وأخبرنا أبو مصعب قراءة عن مالك بن أنس عن أبى حازم عن سهل
ابن سعد قال: قال رسول اللّه عَلٍ: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)).
وفى الباب عن أبى هريرة وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك . قال أبو عيسى :
حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح ، وهو الذى اختاره أهل العلم من
أصحاب النبي ◌َّ لٍ وغيرهم: استحبوا تعجيل الفطر، وبه يقول الشافعى
وأحمد واسحاق .
حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى نا الوليد بن مسلم عن الأوزاعى عن
-: باب ما جاء فى تعجيل الإفطار :-
تعجيل الإفطار وتأخير السحور اتفق الأمة والأئمة على استحبابهما . قال
أبو عمر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صاح متواترة . وروى
عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودى قال: ((كان أصحاب محمد
عَّ لي أسرع الناس إفطاراً وأبطأهم سوراً)).
واتفقوا على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار
عدلين أو عدل واحد فى الأرجح . والحكمة فى ذلك أن لا يزاد فى النهار من
الليل ، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة . وفى رواية أبى هريرة عند
أبى داود: ((لأن اليهود والنصارى يؤخرونه)) فكان تعجيل الإفطار رغبة فى
اتباع السنة النبوية ونفرةً عن سنة النصارى واليهود ، هذا ملخص "الفتح"
و " العمدة"، ولكن عندنا معاشر الحنفية لا يحل الإفطار إلا بإخبار عدلين