النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الأقوال فى اليد العليا والسفلى
حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع نا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن زيد
ابن عقبة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللّه ◌ُحَلٍ: ((إن المسألة كد"
وقيل : العلياء بد الله، ويد السائل السفلى، ومنشأه قوله تعالى: (ويد الله
هى العلياء ) .
والرابع : أن العلياء هى اليد المتعففة . .
والخامس : العلياء الآخذة والسفلى المانعة
والسادس: اليد هى النعمة ، فكان المعنى : العطية الجزيلة خير من العطية
القليلة ، وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ ، قاله
والسابع : اليد العلياء المعطية والسفلى المانعة ، روى ذلك عن الحسن
البصرى . والذى رجحه الحافظ العراقى ثم العينى وابن حجر : أن اليد العلياء
هى المنفقة المعطية وأن السفلى هى السائلة ، وقالوا : هذا هو المعتمد الصحيح ،
وهو قول الجمهور. واحتج له فى " الفتح" (٣ - ٢٣٦) بحديث ابن عمر
فى "الصحيح"، وبحديث طارق المحاربى عند " النسائى"، ويحديث ثعلبة بن
زهدم عند ابن أبى شيبة والبزار ، وبحديث حكيم بن حزام عند الطبرانى ،
وبحديث عوف بن مالك عن أبيه عند أبى داود ، وبحديث عطية السعدى عند
أحمد والبزار وغيرها . وقال الحافظ : ومحصل ما فى الآثار المتقدمة : أن أعلى
الأيدى المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير السؤال ، وأسفل الأيدى
السائلة والمانعة والله أعلم. وقال الخطابى: وقد يتوهم كثير من الناس: أن معنى
العلياء هو أن يد المعطى المستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علو الشئ إلى فوق.
قال : وليس ذلك عندى بالوجه ، وإنما هو من علاء المجد والكرم ، يريد به
الترفع عن المسألة والتعفف عنها . وقال ابن الجوزى: لا يمتنع أن يحمل على ما

٣٢٢
معارف السنن
ج - ٥
يكد بها الرجل وجهه ، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو فى أمر لا بد منه)»
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
أنكره الخطابى، لأنه إذا حملت العلياء على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر ، وقد
صحمت لفظة " المنفقة"، فكان المراد أن هذا البد التى علت وقت العطاء على
بد السائل هى العالية فى باب الفضل اه ، حكاه فى "العمدة" (٤ - ٣٢٦)
قوله: إلا أن يسأل الرجل سلطاناً الخ. وجه ذلك أن السلطان عنده
حقوق المسلمين فى بيت المال كما يقول الغزالى فى " الإحياء"، راجع الباب
الخامس فى إدرارات السلاطين وصلاتهم من كتاب الحلال والحرام من الجزء
الثانى من "الإحياء"، فقد استوفى هذا الموضوع بعلوم وفوائد على دأبه مما
ينبئ عن علم فياض غزير. ولو أردت تلخيصه لطال بى الخطب جداً ، فرحمه
الله رحمة واسعةً، وأفاض علينا من علومه وبركاته . وقيل: السلطان وإن
لم يكن لأحد عنده استحقاق من بيت المال ولكن له ولاية عامة على المسلمين ،
فالسؤال عنه لا يخل بالعرض ، والله أعلم بالصواب .
قوله : "أو فى أمر لابد منه" يعنى جاز عند الحاجة الشديدة السؤال.
من غير السلطان أيضاً ، لأن العطف يقتضى المغايرة ، واستفيد منه جواز
السؤال من السلطان مع الغناكما لو سأل حقه من بيت المال . وكد الرجل الوجه
كناية عن (ذهاب عرضه ورونق ماء وجهه. هذا ملخص ما قاله السيوطى
والسندى والخطانى بزيادة من الراقم ، وبالله التوفيق .
وذلك يوم الجمعة سابع عشر من حموال سنة ١٣٨٩هـ
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا
خاتم النبيين. وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين .

ج -٥
معارف السنن
٣٢٣
أُمِاللهِ الرَّحْمِنِ الَّحِمُع
( أبواب الصوم عن رسول الله ◌َ)
-: أبواب الصوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :-
الصوم لغةً: الإمساك مطلقاً عن طعام أو كلام، كما قال النابغة
الذبيانى :
خيل صيام وخيل غير صائمة « تحت العجاج وأخرى تعلك الية
وراجع لتفصيله " اللسان" و "العمدة" (٥ - ١٦١ و٢٦٢)،
صام الخيل: إذا لم تعتلف، وهو المشهور . وقال ابن فارس: إذا أمسكت
عن السير .
وفرض صوم رمضان لعشر شعبان بسنة ونصف بعد الهجرة ، ف ذكر
ابن جرير فى "تاريخه" وابن كثير فى " البداية والنهاية" (٣ - ٢٥٤) و
(٣ - ٣٤٧). وفى السنة الثانية وقع تحويل القبلة قبل الصيام، وفيها زكاة.
الفطر ونصب الصدقات ، كما يقوله ابن كثير وغيره ، وكان قبله صيام البيض
وعاشوراء فرضاً فنسخ فرضيتها بصوم رمضان ، وعليه يدل ما فى " سنن
(م - ١)

٣٢٤
معارف السنن
ج -
( باب ما جاء فى فضل شهر رمضان )
بسم الله الرحمن الرحيم
حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب نا أبو بكر بن عياش عن الأعمش
أبى داؤد" من أمره ◌َّكلّ بإتمام بقية صوم يوم عاشوراء. والأمر بقضائه فى
حديث قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه: ((أن أسلم أتت النبي ◌َ
ينيلا
صلاح
فقال : صمتم يومكم هذا ؟ قالوا : لا، قال : فأتموا بقية يومكم واقضوه)) . رواه
أبو داؤد فى فضل صوم عاشوراء . وفى " الصحيحين " من حديث الربيع بنت
المعوذ قالت: ((أرسل النبي حَّ الج غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح
مفطراً فليتم بقية يومه ، ومن أصبح صائماً فليصم الخ )) .
ومن الأدلة على فرضية البيض وعاشوراء حديث معاذ بن جبل عند أحمد
وأبىداؤد من حديث طويل، وفيه: (( كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويصوم
عاشوراء فأنزل الله: (كتب عليكم الصيام) الخ))، ورواه الحاكم ، وفيه علة
الإنقطاع . وفى "الصحيحين" من حديث الزهرى عن عروة عن عائشة أنها
قالت: ((كان عاشوراء يصام فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر)).
والبخارى عن ابن عمر وابن مسعود مثله، ولفظ حديث ابن عمر فى "الصحيح":
((صام التى تَّ لّ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك الخ)). ومن أجل
هذه الأحاديث ذهبت الحنفية إلى فرضية صوم عاشوراء قبل رمضان . والمسألة
خلافية فى السلف ، وقال الشافعية : لم يجب قط صوم قبل رمضان ، ويدعى
الحافظ فى "الفتح": أنه مذهب الجمهور. أنظر " الفتح" (٤ - ٨٧ )
والله أعلم .
-: باب ما جاء فى فضل شهر رمضان :-
ذكر علماء اللغة أن لفظ " الشهر" لا يضم إلا مع رمضان والربيعين،

بيان فضيلة رمضان وتحقيق كلمة " رمضان؟ من غير ضم "شهر" ٣٢٥
عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَل: (( إذا كان أول ليلة
من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النيران ، فلم
يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادى منادياً : يا
باغى الخير أقبل، ويا باغى الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)).
وفى الباب عن عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وسلمان .
واختلفوا فى رجب ، وقال قائل :
إلا الذى أوله الراء فادر
ولا تضف شهراً للفظ الشهر
كما ذكره ابن عابدين غير منسوب إلى قائله ، والتفصيل فى "رد المحتار"،
وإنما ذكروا الشهر مع الربيعين فرقاً بين الشهر والموسم ، كما ذكره بعض أئمة
اللغة، وذكرهم مع رمضان على توهم أنه إسم من أسمائه تعالى ، فلذا كرهوا
من غير ذكر الشهر ، ولكن عامة المشائخ على عدم الكراهة مجيئه فى الأحاديث
الصحيحة، وراجع " العمدة" (٥ - ١٧٥) و " الفتح" (٤ - ٩٦).
وذكر الشهر مع رجب قول الصلاح الصفدى ومن تبعه ، وليس ذلك عند عامة
أهل اللغة والأدباء ولبعضهم :
فی کلام الشهود لحن قبيح
٠
إن حادی عشرين: شهر جمادى
والربيعين غير ذا لم يبيحوا
ذكروا الشهر وهو مع رمضان
وورد فى رواية ضعيفة: ((إن رمضان إسم من أسمائه تعالى))، ورواه
أبو معشر المدنى عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة مرفوعاً: ((لا تقولوا رمضان فإن
رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان)) أخرجه ابن
عدى كما فى "العمدة" و"الفتح"، وراجعهما للتفصيل والبحث. والآخر فى
شهر ربيع الآخر ، قيل : بكسر الخاء ، وقيل : بفتحها . أفاده الشيخ .

٣٢٦
معارف السعر
ج -
حدثنا هنادنا عبدة والمحاربى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة
قال: قال رسول اللّه ◌َلج: ((من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له
ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)).
هذا حديث صحيح . قال أبوعيسى : وحديث أبى هريرة الذى رواه
أبوبكر بن عياش حديث غريب ، لا نعرفه من رواية أبى بكر بن عياش
عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة إلا من حديث أبى بكر ، وسألت
محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: نا الحسن بن الربيع نا أبو الأحوص
عن الأعمش عن مجاهد قوله: ((قال: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان» فذكر
الحديث . قال محمد : وهذا أصح عندى من حديث أبى بكر بن عياش .
قوله : وقامه الخ. هذا يدل على التراويح، وسيأتى تفصيله فى ( باب ما
جاء فى قيام شهر رمضان ) .
قوله : إيماناً واحتساباً الخ، الإحتساب: قصد الحسبة، وأيضاً:
طلب الأجر من الله أو إرادة وجه الله بأن يكون عمله بإخلاص ورغبة لا يشوبه
رياء، وراجع تفصيله من " العمدة" (٥ - ١٨٥) و (١ - ٢٦٣ ) ،.
وللشيخ فيه تفصيل بديع فى إملائه على البخارى من كتاب الإيمان فليراجع .
وأكثر ما يأتى ذكره فى مواقع الذهول عن الأجر .
التصفيد: الشد بالأصفاد، وهى: الأغلال ، فمعنى صفدت : سلسلت :
وبهذا اللفظ فى "الصحيح" من طريق أبى أنس عن أبى هريرة.
و "المردة" جمع: ما رد، وهو العاقى الشديد ، واختلفوا فيه هل هو
على الظاهر، أو كناية عن كثرة الأجر والعفو عن الذنوب، أو كناية عن تقليل تأثير

٣٢٧
تحقيق تصفيد الشياطين وحديث عدم تقدم رمضان بصوم
( باب ما جاء لا تتقدموا الشهر بصوم)
حدثنا أبو كريب نا عبدة بن سلمان عن حمد بن عمرو عن أبى سلمة عن
الشياطين وشرورهم ، وما إلى ذلك من معانى مناسبة بالمقام ؟ قال ابن المثير :
الأول أوجه، ولاداعى إلى الصرف . وقال عياض: يحتملها ، وجزم التوربشتى
بالثانى بقرينة قوله فى رواية مسلم من طريق يونس عن الزهرى: (( فتحك
أبواب الرحمة))، ورجح القرطبى الأول وقال : إن وقوع المعاصى لها أسباب
غير الشياطين ، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحه والشياطين الإنسية . ولفظ
"مردة الجن" عند الترمذى كذلك وقع فى رواية ابن خزيمة والنسائى وابن ماجه
والحاكم . وحديث أبى بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى صالح ، قال الترمذى:
غريب ، ولم يحكم عليه بصحة ولا حسن مع كون رجاله رجال الصحيح لتفرد
أبى بكر بن عياش به ، وإن كان احتج به البخارى ، فإنه ربما غلط ، كما قال
أحمد، ولمخالفة أبى الأحوص له فى روايته عن الأعمش ، فإنه جعله مقطوعاً من
قول مجاهد ، ولذلك أدخله الترمذى فى "كتاب العلل" قاله العراقى، وأخرجه
الحاكم وابن حبان وصصحاه ، هذا ملخص ما فى " العمدة" و"الفتح"، وراجعها
للتفصيل من ( باب هل يقال : رمضان أو شهر رمضان؟ ) .
-: باب ما جاء لا تتقدموا الشهر بصوم :-
حديث الباب صحيح ، وأخرجه الشيخان أيضاً ، ويستفاد من كتاب
" الهداية" من كتبنا : كراهة التقدم على رمضان تحريماً بصوم يوم أو يومين
بقصد رمضان لا غير . أنظر فصل رؤية الهلال من كتاب الصوم . منها قال
فى :" العمدة" (٥ - ٢٠٠): قال العلماء: معنى الحديث ((لا تستقبلوا

٣٢٨
معارف السنين
ج -
أبى هريرة قال: قال النبىِ عَالَ: ((لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن
رمضان بصيام، : على نية الإختلاط لرمضان ، تحذيراً مما صنعت النصارى فى
الزيادة على ما افترض عليهم برأيهم الفاسد الخ . ثم ذكر قول الترمذى ، وحمل
الكراهة على التحريم ، ثم حكى المذاهب فذهب بعضهم إلى أنه: لا يصح صومه
أصلا ولو وافق عادة له ، وقال طائفة: لا يصح تطوعاً ويصح لو وافق صوماً
کان یصومه على ظاهر الحديث ، وروى ذلك عن ابن عمر وعلى وعمار وحذيفة
وابن مسعود ، وعن طائفة من التابعين ، وهو قول الشافعى . وجاز عند طائفة
تطوعاً أيضاً، وروى عن عائشة وأسماء، وهو قول الليث والأوزاعى وأبى حنيفة
وأحمد وانحاق انتهى ملخصاً .
واختلف العلماء فى القضاء والكفاره ، فقيل : خلاف الأولى أى يكره
تنزيهاً، وصوم ثلاثة أيام فصاعداً قبل رمضان فلا كراهة فيه . قال فى "العمدة"
(٥ - ٢٠١) ناقلاً عن بعضهم فى حكمة النهى: إنما اقتصر على يومٍ أو
يومين ، لأنه الغالب ممن بقصد ذلك اهـ. وفى حاشبة سعدى حلى على
"العناية": إن المحتمل هو التقدم بيوم أو يومين كما هو الواقع من المارسين لعلم
النجوم وغيرهم من عوام المتقشفة ، وقد شاهدناه فى اتباع الشيخ ابن الوفا
ببلدتنا قسطنطينية ١ هـ .
قال الشيخ : وما قال صاحب " الهداية " فغرضه: أن يقصد بصومه
رعاية رمضان كما ذكر الترمذى فى الباب: لمعنى رمضان . لا أنه ينوى رمضان
قبل دخول رمضان كما يزعم ، فإن هذا أمر لغو ، والشريعة لا تتعرض لمثل
ذلك الأمر المفروض ، وإنما تريد الشريعة بهذا تحديد الحدود . وبالجملة
فالمكروه تحريماً هو صوم يوم أو يومين رعايةً لرمضان وحاله ، وأما صوم
يوم الشك فيستحب فى بعض الصور كما بأنى .

٣٢٩
بيان أن العبرة للرؤية لا الحساب وعدم التقدم بيوم أو يومين
يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم ، صوموا لرويته وأفطروا لرؤيته ، فإن
غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)) .
قوله: صوموا لرؤيته . يأتى تحقيق مسألة الرؤية ، والعبرة عند الأئمة
الثلاثة للرؤية وما يقوم مقامها . وعند بعضهم: يعتبر حساب منازل القمر
عند أهل الحساب أيضاً ، كما ذكره فى " العمدة" من قول ابن سريح وابن
قتيبة ومطرف بن عبد الله، راجع للتفصيل "العمدة" (٥ - ١٨٢). والمنقول
عن أحمد فى الغيم ليلة الثلاثين من شعبان الصوم صبيحتها ، بدليل قوله : ((فإن
غم عليكم فاقدروا له ثلاثين)) فى حديث ابن عمر عند مسلم، وحمل القدر له
على التضييق دون التقدير، كما فى "المغني" (٣ - ١٣ و ١٤)، ومثله فى
"العمدة" ( ٥ - ١٨٢) والله أعلم
قوله: فإن غم عليكم. أى ستر الهلال عليكم، ومنه : الغم ، لأنه يستر
القلب ، وعممت الشئ : إذا سترته .
ثم إن الشافعية قالوا : محرم التقدم بيوم أويومين بحديث الباب ويكره
التقدم من نصف شعبان، وغاية المنع من أول السادس عشر من شعبان ، لما رواه
أصحاب السنن من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعاً :
((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا))، والحديث ضعفه بعضهم بالعلاء، وصححه
ابن حبان وابن حزم وابن عبد البر، وعارضه حديث عمران بن حصين عند
الشيخين فى صوم سرر شعبان . والسرر - بفتح السين والراء - ومثله السرار
بالكسر : آخر الشهر، وجمع بينهما بحمل حديث العلاء على من يضعفه الصوم،
ولكن الجمهور جاز عندهم الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان مطلقاً. هذا.
ملخص ما فى " العمدة" ( ٥ - ٢٠١ ).

٣٣٠
معارف السفن
ج -
وفى الباب عن بعض أصاب التى يَّامٍ أخبرنا منصور بن المعتمر عن
ربعى بن حراش عن بعض أصحاب النبي ◌َ عن النبى ◌َلِ بنحو هذا. قال
أبو عيسى: حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أهل
العلم: كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان ،
وإن كان رجل يصوم صوماً فوافق صيامه ذلك فلا بأس به عندهم .
حدثنا •نادنا وكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة
عن أبى هريرة قال: قال رسول اله بَلٍ: « لا تقدموا شهر رمضان بصيام
قبله بيوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصمه )) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح .
قوله : أخبرنا منصور بن المعتمر الخ . هذا يرويه الترمذى عنه معلقاً ،
فالتعبير بـ " أخبر نا " فی مثله غیر سیح، فإن الترمذى لم يلاقه ، حيث توفى
منصور صنة مائة واثنين وثلاثين هجرية ، وولد أبوعيسى الترمذى سنة مائتين
وتسع ، فبينهما مفازة واسعة ، وربما يكون سقط من النسخة أول السند ،
واله أعلم .
قوله: لمعنى رمضان، أى مراعاةً لرمضان، ولا يصح تفسيره بتعظيم
رمضان ، كما فى الحاشية المطبوعة بالهند. والحديث الذى تقدم فى الزكاة وفيه
" لتعظيم رمضان" فضعيف كما تقدم فى (باب ما جاء أن فى المال حقاً سوى
الزكاة) من حديث أنس، وضعفه الترمذى بصدقة بن موسى ، وكذا النسائى
وأبو داؤود .

٣٣١
كراهية صوم يوم الشك وتحقيق يوم الشك
(باب ما جاء فى كراهية صوم يوم الشك)
حدثنا أبو سعيد عبدالله بن سعيد الأشج نا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن
قيس عن أبى إسحاق عن صلة بن زفر قال: (( كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة
مصلية، فقال: كلوا، فتنحىّ بعض القوم، فقال: إنى صائم، فقال عمار:
من صام اليوم الذى شك فيه فقد عصى أبا القاسم)).
وفى الباب عن أبى هريرة وأنس. قال أبوعيسى: حدیث غمار حديث.
حسن صحيح .
-: باب ما جاء فى كراهية الصوم يوم الشك :-
قالوا : يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان ليلة الغيم دون الصحو ،
ونقلوا عن أبى حقيقة ومالك والشافعى كراهة صوم يوم الشك . قال فى "العمدة"
(٥ - ١٨٣): وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة
صوم يوم الشك أنه من رمضان ، منهم على وعمر وابن مسعود وحذيفة وابن
عباس وأبو هريرة وأنس ... والأئمة الأربعة، وجاء ... الجواز عن جماعة
من الصحابة ، فذكر عن أبى هريرة وعمرو بن العاص ومعاوية وعائشة وأسماء ،
ثم ذکر إذا حال الغيم دون منظره فلا يجب عند مالك والشافعى والکوفیین، وفى
رواية عند أحمد ، ويجب عند ابن عمر وأحمد وطائفة، وذكر أقوالاً أخرى
راجعها . وقال فى (٥ -... ١٩١): ويوم الشك هو اليوم الذى يتحدث الناس
فيه برؤية الهلال ولم يثبت رؤيته، أو شهد وأحد فردت شهادته ، أو شاهدان
فلسقان فردت شهادتهما. وقال ابن المنذر فى " الإشراف": قال أبو حنيفة
(٢ - ٢)

٣٣٢
معارف السنن
ج -.
ومن بعدهم
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي
وأصحابه : لا بأس بصوم يوم الشك تطوعاً ، وهذا قول أهل العلم ، وبه قال
الأوزاعى والليث بن سعد وأحمد واسحاق ، ومثله عن مالك على المشهور، وكانت
أسماء تصومه ، وذكر القاضى أبويعلى : أن صوم يوم الشك مذهب عمر بن
الخطاب وعلى وأنس وأبى هريرة وابن عباس الخ ما ذكره ، وراجعها لبقية
البيان والبحث . وظهر أن الصحابة مختلفون فيه ، وكذا اختلف وتعارض عنهم
النقل أيضاً ، وكذا عن الأئمة من بعدهم ، إلا أن يقال أن الكراهة محملها إذا
كان بقصد أنه من رمضان، وأما إذا كان بنية التطوع فلا يكره عندهم والله أعلم .
والعبرة فى نقل المذهب قول أهله ، والفرق بين مذهب أبى حنيفة وأحمد : أن
الصوم يوم الشك واجب عند أحمد ، تطوع عند أبى حنيفة .
وادعى ابن تيمية أن يوم الشك هو يوم الصحو دون الغيم ، والشك هنا:
الوهم والوسواس ، وأكثر ابن تيمية على دعواه من الآثار ، وذكر من السلف
ابن عمر فيمن صام يوم الغيم . قاله فى "فتاواه"، وهو فى " المغنى" لابن
قدامٍ أوفى وجه ، فذكر ابن قدامة : أن النهى عن صوم الشك محمول على
حال الصحو ، وقال : وبالجملة لا يجب الصوم - أى عند أحمد - إلا برؤية
الهلال ، أو كمال شعبان ثلاثين يوماً، أو يحول دون منظر الهلال غيم أو فتر ،
على ما ذكرنا ، وراجعه للتفصيل . قال الشيخ : مذهب أبى حنيفة مثل مذهب
أحمد فى استحباب صوم يوم الغيم ، وعليه تدل المسائل المنقولة عنه. وذكر فى
" الهداية " فى صوم الشك وجوهاً ستةً فى فصل رؤية الهلال، وهى فى
الحقيقة خمسة ، والخامس يتضمن وجهين ، فهما ستة . فذكر أن صوم يوم
الشك بنية التطوع غير مكروه، وقال: المختار أن يصوم المفتى بنفسه أخذاً
بالإحتياط ، ويفتى العامة بالتلوم، أى الإنتظار إلى وقت الزوال ، ثم بالإفطار

٣٣٣
صوه يوم نشك ومعنى النية
من التابعين . وبه يقول سفيان الثورى ومالك بن أنس وعبد اله بن المبارك
نفياً للتهمة ، وراجع "العمدة" (٥ - ١٨٤) لبعض تفصيل أقوال المشائخ
وغرر النقول ، وكذا (٥ - ١٩١) منها .
وبالجملة ففى هذه الصورة ينبغى له نية التطوع لا غير ، فالعامة فيه من
يتردد بين النية ولا يتمكن من القطع فيها إلى جهة واحدة ، والخاصة يتمكنون
من أضاع النية على جانب واحد .
- فالحاصل أن مذهب أبى حنيفة هو استحباب صوم يوم الشك. قال الشيخ:
وليحمل حديث الباب على ما حمله ابن تيمية ، ومنشأ النهى هو الصوم من غير
وجه شرعى، ويكون بناؤه على وهم وأساسه على وسواس ، وعندى: أن صوم
التطوع هو لرعاية رمضان وله وجه صحيح فليس هو منهياً عنه بخلاف ما كان
مداره على احتمالات ضعيفة ومنشأ غير صحيح .
فائدة : النبة: قصد القلب، ومن مقولة الفعل عندهم ، ويستنبط هذا
من مسائلهم وفروعهم أيضاً ، كما ذكروا فى مسألة تترس الكفار بالمسلمين عند
القتال أن يرموهم قاصدين بالرمى الكفار ولا يصدهم ذلك عن المحاربة والقتال .
وذكر الإمام الرازى أيضاً أن التصديق الشرعى من مقولة الفعل ، وهذا صحيح
أيضاً ، فإن الأشعرى صرح بأن التصديق المعتبر فى الإيمان هو الكلام النفسى،
وإذا تكلم به صار لفظياً، واللغة تساعده أيضاً ، فإن التصديق لغةً: النسبة إلى
الصدق ( راست كو داشتن )، وما ترجموا به التصديق بالفارسية: (باور
كردن) فلا أصل له فى اللغة ولا يكاد يصح، أفاده الشيخ . استوفى البحث
عنه الزبيدى فى "الإتحاف"، ويكفى ما ذكره الشيخ ابن الهام فى "المسائرة"
وشارحها فى " المسامرة"، وقول الأشعرى إرتضاء الغزالى وإمام الحرمين

٣٣٤
معارف السفن
ج -:
والشافعى وأحمد وإسحاق : كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذى يشك فيه ،
ورأى أكثرهم : إن صامه وكان من شهر رمضان أن يقضى يوماً .كانه .
(باب ما جاء فى اجاء حلال شعبان لرمضان)
حدثنا مسلم بن حجاج نا يحيى بن يحيى نا أبو معاوية عن محمد بن عمرو
عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه بَالج: «أحصوا هلال شعبان
لرمضان » .
والباقلانى وغيرهم من المحققين ، وراجع أقوالهم أيضاً من " فتح الملهم "
(١٠ - ١٥٥ ) .
قوله: وأحمد. نسبته إلى أحمد غير صحيحة كما تقدم ، فإنه اختار الصوم
يوم الشك .
-: باب ما جاء فى إحصاء هلال شعبان لرمضان :-
قوله: حدثنا مسلم بن حجاج. مسلم هذا صاحب "الصحيح" . قال العراقى:
لم يرو المصنف فى كتابه شيئاً عن مسلم صاحب الصحيح إلا هذا الحديث، وهو
من رواية الأقران ، فإنهما اشتركا فى كثير من شيوخها كما فى " القوت".
قوله : أحصوا الخ . هذا مختصر من حديث قد رواه الدارقطنى بنامه
فراد : (( ولا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياماً كان يصومه أحدكم ،
وصوموا الرؤية وأفطروا، فإن غم عليكم فإنها ليست تنمى عليكم العدة)» ،
والإحصاء فى الأصل: العد بالحصى، والمراد: عدوا هلال شعبان واحفظوه
.اضبطوه لمعرفة رمضان. وقال العراقى: يحتمل أن المراد: " أحصوا استهلاله

٣٣٥
البحث فى حديثى التقدم والإحصاء
قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث
أبى معلوية ، والصحيح ما روى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة
عن النبى بجد الج قال: ((لا تقدموا شهر رمضان بيوم ولا يومين)).
وهكذا روى عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة نحو
حديث محمد بن عمرو الليثى
(باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والافطار له)
حدثنا قتيبة نا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس
حتى تكملوا العدة إن غم عليكم"، ويدل عليه الزيادة التى عند الدار قطنى، أو
المراد : " تراءوا هلال شعبان وأحصوه ليترتب عليه رمضان بالإستكمال أو
الرؤية"، هذا فى ما فى "القوت" و "شرح أبى الطيب السندى".
قوله : لا نعرفه الخ . يريد أنه تفرد أبو معاوية، وهو: محمد بن خازم بمتن
هذا الحديث، وإن المتن المشهور خلافه ، وهو فى " الصحيحين"، وربما يقال
بتعدد الحديثين لأن كلّ منهما يبين ما ليس فى الآخر ، ولكن الحاكم فى مثله
ذوق المحدثين الخذاق واعتبارهم ، ولا عبرة بقول غيرهم فى مثل هذا المقام ،
وليس هذا موضع احتمالات عقلية فليتنبه والله أعلم .
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى "العرف الشذى".
-: باب ما جاء أن الصوم لروية الهلال والإفطار له :-
إعلم : إن الهلال بثبت بالشهادة على الرؤية ، أو الشهادة على الشهادة ،
أو الشهادة على القضاء، أو استفاضة الخبر من جهات شتى. وفى متون الحنفية:
٢٢

٣٣٦
معارف السنن
ج -۵
(( لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته
قال قال رسول الله
وأفطروا لرؤيته
إن هلال رمضان يثبت بخبر واحد يوم غيم ، وأما فى الصحو فلا بد من إخبار
جماعة كثيرة يحصل بهم اليقين . وهلال العيد فى الغيم لا بد فيه من شهادة
رجلين ، وفى الصحو لا بد من جماعة كثيرة. وفى الشروح: جواز الإكتفاء
بواحد إن جاء من خارج البلد أو كان على مكان مرتفع فى الصحو أيضاً ، كما
فى "الدر المختار"، وصححه ظهير الدين المرغينانى، وهو قول الطحاوى، وجعل
بعضهم ظاهر الرواية كما تجد كل هذا مع تفصيل وشروط فى "الدر المختار ".
وشرحه "رد المحتار" فلا حاجة إلی حکایته بكلماتهم فليراجع إليهما.
قال الشيخ: ويقيد هذا الجائى من خارج البلدة بحوالى البلدة لا من بلد بعيد،
ولو كان هذا الجائى من غير هذه البلدة تحولت المسألة إلى مسألة اختلاف المطالع،
هل يعتبر ذلك أم لا ؟ وبالجملة لا بد من هذا القيد وإن لم يصرحوا به هنا .
ويشترط فى الفطر الشهادة بلفظ : "أشهد" وما فى معناه من سائر
اللغات ، لا كما يزعمه الجهلة من خصوص لفظ "أشهد" بالعربية. قال صاحب
"الدر المختار" فى كتاب الصوم: وشرط فى الفطر مع العلة العدالة، ونصاب
الشهادة ، ولفظ " أشهد، وعدم الحد فى قذف ... لكن لا تشترط الدعوى
آهـ. وقال قبله ريل بلا دعوى وبلا لفظ " أشهد" وبلا حكم ومجلس قضاء
للصوم مع علة كغيم وغبار خبر عدل أو مستور .... ولو كان العدل قناً
أو أنثى أو محدوداً فى قذف تاب آهـ. وذكر فى تعليله : لأنه خبر لا شهادة ،
ومن شاء البيان الشافى فليراجع إليه وإلى شرحه وغيرهما من كتب الفروع.
قال شيخنا الإمام : ثم إذا رآى الهلال أهل بلدة وانتقلت الرؤية إلى بلدة

٣٣٧
مسألة اختلاف المطالع وتحقيق عدم عبرتها
أخرى بشروطها المذكورة فی الکتب وثبت لدیھم الهلال بشوت شرعی فهل
يلزم أهل هذه البلدة الأخرى حكم الأولى أم لا ؟ ففی عامة کتبنا اللزوم ولو كان
بين البلدتين بعد المشرقين ، ويلقبون هذه المسألة بقولهم : لا عبرة باختلاف
المطالع، وذكروا أن فى المواقيت ووقت الفطر لاختلافها عبرة كما فى "رد
المحتار" . وقيل: يعتبر اختلاف المطالع فى البلاد البعيدة . قال الزيلعى شارح
"الكنز": وهو الأشبه، وهو الذى اختاره القدورى فى " التجريد"، وبه
قال الجرجانى. قال الشيخ: وهذا هو الصواب ، ولا بد من تسليم قول الزيلعى
وإلا لزم وقوع العيد يوم السابع والعشرين والثامن والعشرين أو الحادى والثلاثين
والثانى والثلاثين إذا كان بين البلدتين مسافة بعيدة كالهند والقسطنطينية ، فربما
يتقدم طلوع الهلال فى بلاد القسطنطينية يومين ، فإذا رؤى الهلال فى بلاد الهند
بعد رؤية الهلال هناك بليلتين ثم بلغتنا رؤيتهم فإن لزمتنا رؤيتهم لزم تقدم العيد،
وإن رآى رجل الهلال فى القسطنطينية ثم جاءنا قبل العيد فهل يعمل برؤيته أو
برؤية أهل بلدنا؟ لم أجد هذه الصورة فى كتبنا ، والظاهر أنه يتبع أهل بلدنا.
نظير ما يقوله الشافعية فيمن صلى الظهر فى بلد ثم وصل من فوره إلى بلد لم يدخل
وقت أنه يصلى معهم والله أعلم .
قال الشيخ : وكنت قطعت القول بما قاله الزيلعى ثم رأيت فى " قواعد
ابن رشد " نقل الإجماع على اعتبار الاختلاف فى البلاد البعيدة أيضاً، وحد
البعد مفوض إلى رأى المبتلى به وليس له حد معين ، وذكر الشافعية فى تحديده
شيئاً .
قال الراقم : اعلم أن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه بمعنى أنه قد
يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا فى إحدى البلدتين دون
الأخرى ، وكذا مطالع الشمس ، لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس

٣٣٨
معارف الشفن
ج -٥
يختلف بإختلاف الأفطار حتى إذا زالت الشمس فى المشرق لا يلزم أن تزول فى
المغرب ، وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس ، بل كلما تحركت الشمس درجة
فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل
لغيرهم ، كما فى "الزبلعى" شرح "الكنز"، وإنما الخلاف فى اعتبار المطالع
بمعنى أنه : هل يجب على كل قوم اعتبار مطلعهم ولا يلزم أحد العمل بمطلع
غيره أم لا ؟ لا يعتبر اختلافها بل يجب العمل بالأسبق رؤيةً، حتى لو رؤى فى
المشرق ليلة الجمعة وفى المغرب ليلة السبت وجب على أهل المغرب العمل بما رآه
أهل المشرق، فقيل بالأول، واعتمده الزيلعى وصاحب "الفيض" وهو الصحيح
عند الشافعية ، لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما فى أوقات الصلاة ، وأيد
فى " الدرر" بعدم وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتهما، وظاهر الرواية.
الثانى . قال ابن عابدين : وهو المعتمد عندنا وعند المالكية والحنابلة . وقال ابن
الهمام : والأخذ بظاهر الرواية أحوط . وذكر ابن الحمام أيضاً : ومختار صاحب
"التجريد" وغيره من المشائخ اعتبار اختلاف المطالع اهـ. وذكر اعتباره فى
"الإختيار شرح المختار" عن الفتاوى الحسامية، أنظر (١ - ١٢٨ ) من
"الإختيار". واحتج لهذا بحديث ابن عباس عند مسلم والنسائى وأبى داؤد
والترمذى ، فهذا ملخص ما دار بينهم ..
قال الراقم : والذى يظهر أن الأئمة لم ينقل عنهم إلا قول عدم العبرة
للإختلاف مطلقاً من غير فرق بين قرب وبعد ومن غير تفصيل ، وإنما المنقول
عنهم قول إجمالى، ومنشأ ذلك أن طىّ مسافة بعيدة يختلف فى مثلها مطلع الهلال
ما كان يمكن فى شهر واحد ، نظراً إلى نظام المواصلات فى ذلك العهد، ونظراً
إلى النظام المعهود فى قطع المسافة عند ذلك ، فما کان یمکن أن یری رجل الهلال
ثم يصل قبل تمام الشهر إلى بلد يختلف مطلعه فكان الحكم هو اللزوم بالوجه

٣٣٩
تحقيق اعتبار اختلاف المطالع
الشرعى وعدم العبرة للإختلاف، فجاء قول عدم العبرة من هذه الجهة، وظاهر
أن نفس اختلاف المطالع الشرقية والغربية لم يكن ليخفى على مثل الأئمة حكماء
الأمة ، ثم إذا جاء من بعدهم فوسعوا دائرة قولهم إلى مالم يريدوه ، وأخذوا قولهم
بأوسع معنى الكلمة عاماً فى كل مطلع . وأرى أن هذا غير ملائم ، ولا بد أن
يراعى تلك الظروف المحيطة والأحوال المحاطة والأغراض الدائرة فى الباب، وليس
الجمود على الظاهر من باب التفقه فى مثل هذا أصلاً
ثم إن قصة كريب مولى ابن عباس فى رؤية أهل الشام قبل أهل المدينة
وإن كان يحتمل وجوهاً فى عدم قبول ابن عباس قوله " وقد بينوها"، كما فى
" الفتح" و "البحر" غير أن ذلك القدر ليستأنس به للقول بالعبرة للإختلاف
فى أقدم عهد السلف، بل يكاد يحتج به ، ثم أضف إلى ذلك أنهم لم يعتبروه
للصوم دون الفطر ، وذلك مراعاة للأحوط ، فإن لزمهم الحكم فى الصيام
لم يلزمهم فى الفطر فى ظاهر الرواية ، وإنما هذا تدقيق شرعى أساسه على
الإحتياط فحسب لا غير. وبالجملة إذا وقفنا على نقل الإجماع على عبرة الإختلاف
فى البلاد المتباعدة لا بد أن نقيد قولهم المطلق بذلك الإجماع ، وهذا الذى يريده
شيخنا رحمه الله. فقال ابن رشد: أجمعوا أنه لا يراعى ذلك فى البلدان النائية
كالأندلس والحجاز، قال: والسبب فى هذا الخلاف تعارض الأمر والنظر ،
أما النظر فهو أن البلاد إذا لم يختلف مطالعها كل الاختلاف فيجب أن يحمل
بعضها على بعض لأنها فى قياس الأفق الواحد ، وأما إذا اختلفت اختلافاً كثيراً
فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض ، وأما الأثر فمارواه مسلم عن كريب الخ
فذكره . ثم قال : فظاهر هذا الأثر يقتضى أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد ،
والنظر يعطى الفرق بين البلاد النائية والقريبة ، وبخاصة ما كان نأيه العرض
(م - ٣)

٣٤٠
معارف السنن
ج - ٥
كثيراً اهـ. وكذلك بقول الحافظ فى " الفتح" (٤ - ١٠٥)، لكن حكى
ابن عبد البر الإجماع على خلافه وقال : أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد
من البلاد كخراسان والأندلس اهـ. والمتبادر من نقل الإجماع هو إجماع العلماء
من أهل المذاهب دون المالكية خاصة كما يتوهم ، فعلم إذن أن قول الأئمة المجمل
مخصوص بالبلاد القريبة التى لا يختلف أفقها اختلافاً فاحشاً .
وقد دارت المسألة فى هذه الأيام فى توحيد نظام الأمة فى الصيام والعيد
فى بلاد الهند، فاضطروا إلى الإعلان بواسطة الآلة التى تسمى : "راديو"،
وكل ذلك تنطع وتكلف ينبو عن مقاصد الشرع ، فضلاً عن أن الإعلان
بـ " راديو" لا يقوم مقام الإخبار الشرعى أو الشهادة الشرعية ، ولو كان القاضى
يعلن نفسه لو كان هناك قاضياً شرعياً. وبالجملة هناك مغامز شرعية لا يستقيم
الحكم الشرعى أبداً . ثم كيف يتصور هذا التوحيد فى القرى والجبال والبوادى
التى لم تبلغ إليها هذه الوسائل المادية؟ ثم كيف يمكن انتظار الخبر بهذه الآلة
لرجل يرى بعينى رأسه الهلال متهللا متبسماً فى الأفق؟ فليس ذلك إلا سفه
ومجرفة أو سفسطة . وعلى كل حال بلاد الهند واسعة الأرجاء تختلف عروضها
من ست عشرة درجة إلى أربع وثلاثين درجةً ، والمسافة بينها تبلغ إلى نحو
ألفى ميل ، وحققوا وقوع الاختلاف فى المطلع بنحو خمسمائة ميل ، فكيف
يتصور الجهد للتوحيد فى مثله؟ فكل ذلك نبوء وبعد عن السهلة السمحة البيضاء.
نعم إذا تواردت أخبار " راديو" متعددة من شتى الجهات ولا تختلف جهات
الأنباء عن البلد الذى لم ير فيه الهلال ببعد يختلف فيه المطلع فيسوغ العمل بهذه
الأنباء المرسلة ، وتدخل فى حد الاستفاضة المفيدة للطمانينة ، وليس هذا موضع
إنجاز البحث، وإنما القصد إشارات إلى المقصود والله ولى التوفيق والسداد .
ثم إنه قال الحافظ فى "الفتح" (٤ - ١٠٥): وفى ضبط البعد أوجه،