النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
الجديث فى حق السائل من دفع الظلف المحرق
(باب ما جاء فى حتى السائل )
حدثنا قتيبة نا الليث عن سعيد بن أبى هند عن عبد الرحمن بن يجيد عن
جدته أم بجيد - وكانت ممن بايع النبى حلا﴾ - أنها قالت لرسول اللّه فَلجاجٍ :
((إن المسكين ليقوم على بابى فا أجد له شيئاً أعطيه إياه؟ فقال لها رسول الله
حَالج: إن لم تجدى له شيئاً تعطيه إياه إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه فى يده)).
وفى الباب عن على وحسين بن على وأبى هريرة وأبى أمامة . قال أبو عيسى :
حدیث أم بجيد حديث حسن صحيح .
: باب ما جاء فى حق السائل :-
قوله : أم بجيد. بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون الياء : حواء بنت زيد
ابن السكن الأنصارية ، مشهورة بكنيتها .
قوله: " إلا ظلفاً محرقاً. الظلف بكسر الظاء المعجمة وإسكان الفاء، هو
للبقر والغنم ، كالحافر للفرس والبغل، والظفر للإنسان، وتقييده بالإحراق
مبالغة فى رد السائل بأدنى ما يتيسر، فلا يرده محروماً ويعطيه ما أمكن، فضرب
مثل للمبالغة كقوله: (( من بنى الله مسجداً ولو كفحص قطاة بنى الله له بيتاً فى
الجنة)). وما قيل : إن الظلف المحرق كان له قدر عندهم بأنهم كانوا يسحقونه
ويسفونه ففيه بعد، وليس فيه مبالغة ولا حث على إعطاء السائل والله أعلم .
والحديث رواه أحمد وأبو داؤد .
تنبيه: هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الهدى".
( م - ٣٦)
٢٨٢
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى اعطاء المؤلفة قلوبهم )
حدثنا الحسن بن على الخلال نا يحيى بن آدم عن ابن المبارك عن يونس عن
الزهرى عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: (( أعطانى رسول الله
◌ُّلق يوم حنين، وإنه لأبغض الخلق إلى ، فما زال يعطينى حتى إنه لأحب
الخلق إلى)).
-: باب ما جاء فى إعطاء المؤلفة قلوبهم : -
كان رجال حديث العهد بالإسلام ولم يكن الإسلام راسخاً فى قلوبهم
فكان رسول اللّه عَّله يعطيهم من مال الصدقة تأليفاً لقلوبهم، وانقطع هذا
المصرف الآن كما قال الأئمة الأربعة ، والترمذى عزا إلى الشافعى القول ببقائه ،
ثم انقطاع هذا المصرف عند القائلين بانقطاعه ، فقيل: لإنتهائه بانتهاء العلة ،
وقيل : إنه منسوخ ، والشاه ولى الله ذهب إلى القول ببقائه إلى اليوم ، أى فى
كتابه " حجة الله البالغة". ثم إن ظاهر حديث الباب " أنهم يعطون فى حال
الكفر" وفيه نظر، فإن المؤلفة قلوبهم هم الذين أسلموا ولم يرسخ الإسلام فى
قلوبهم ، كذا أفاده الشيخ .
أقول : وتفصيل هذا المقام أن المؤلفة القلوب ستة أقسام : قسمان من
الكفار ، فقسم يرجى خيره ، وقسم يخاف شره . وأربعة أقسام من المسلمين،
الأول: قوم لهم شرف فيعطون ليرغب نظراؤهم فى الإسلام . والثانى : قوم فى
إسلامهم ضعف فيعطون لتقوى إسلامهم . والثالث: قوم يليهم قوم من الكفار،
إن أعطوا قائلوهم . والرابع: قوم يليهم قوم من أهل الصدقات ، إن أعطوا
جبوا الصدقات . فذهب أبو حنيفة ومالك إلى: أنه لا مؤلفة اليوم وقد انتهت ،
وهى رواية عن أحمد لا كما جعله الترمذى مذهباً له . وعند الشافعى الصنفان
١
٢٨٣
بيان أصناف المؤلفة القلوب
قال أبوعيسى : حدثنى الحسن بن على بهذا أو شبهه . وفى الباب عن
أبى سعيد. قال أبو عيسى : حديث صفوان رواه معمر وغيره عن الزهرى عن
سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية قال: ((أعطانى رسول اللّه جلين))، وكأن
هذا الحديث أصح وأشبه ، إنما هو: سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية .
وقد اختلف أهل العلم فى إعطاء المؤلفة قلوبهم: فرأى أكثر أهل العلم:
أن لا يعطوا، وقالوا: إنما كانوا قوماً على عهد رسول اللّه فَله، كان يتألفهم على
الإسلام حتى أسلموا ، ولم يروا أن يعطوا اليوم من الزكاة على مثل هذا المعنى.
الأخيران يعطيان قولاً واحداً، والأربعة الأول قسمان من الكفار وقسمان من
المسلمين، فيهم قولان، والأصح فى الأولين الإعطاء . وعند أحمد يعطى الكل
من الستة المذكورة ، وهو المذكور فى " الخرقى" و"المقنع" وشرحه "الكبير "
للشمس ابن قدامة .
وبالجملة فرواية عدم الإعطاء عن الشافعى إنما هى فى الأربعة الأول فقط،
هذا ملخص ما نقحته من " شرح المهذب" و" شرح المقنع" و" فتح القدير"
و"قواعد ابن رشد"، والتفصيل فى الثلاثة الأول منها. ثم إنهم إذا أعطوا فم
يعطون؟ من الصدقات ، أو المصالح ، أو سهم الغزاة ، أو الصدقات وسهم
الغزاة جميعاً ؟ أقوال أربعة عن الشافعى . ثم دليل الإنقطاع عندنا هل هو بانتهاء
العلة ، أو بالنسخ ، أو بانعقاد الإجماع مستنداً إلى دليل النسخ ، أو تقيد الحكم
بعهد النبوة ؟ فراجع له "فتح القدير"، ففيه كلام متين جداً. وحقق أن مجرد
تعليله بانتهاء العلة لا يصلح دليلا على نفى الحكم ، فاحفظه وكن من الشاكرين .
قوله : رواه معمر الخ . بريد أنه اختلف على الزهرى ، فرواه يونس
ابن يزيد عنه عن ابن المسيب بصيغة الإتصال عن صفوان بن أمية، ورواه معمر
٢٨٤
معرف السنن
ج - ٥
وهو قول سفيان الثورى وأهل الكوفة وغيرهم ، وبه يقول أحمد واسحاق . وقال
بعضهم : من كان اليوم على مثل حال هؤلاء ورأى الإمام أن يتألفهم على
الإسلام فأعطاهم جاز ذلك ، وهو قول الشافعى .
( باب ما جاء فى المتصدق برث صدقته )
حدثنا على بن حجر نا على بن مسهر عن عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن
بريدة عن أبيه قال: ((كنت جالساً عند النبى معٍَّ إذا أتته امرأة فقالت: يا
رسول الله إنى كنت تصدقت على أمى بجارية، وإنها ماتت؟ قال: وجب
عنه بلفظ لا يدل على الإتصال ، ورجحه الترمذى ، لأن ابن المسيب ليس له
سماع عن صفوان ، فكان صيغة الانقطاع أصح ، ويونس وإن كان ثقة إلا أن
فى حديثه عن الزهرى وهماً قليلا ، كما فى "التقريب".
-: باب ما جاء فى المتصدق برث صدقته :-
المتصدق بالشئ إذا ورثه جاز له أخذه عندنا وعند غيرنا من الأئمة . قال
العينى فى "العمدة" (٤ - ٤٣٨): وقد أجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم
ورثها أنها حلال ، ثم ذكر عن المن التين أنه قال: شذت فرقة من أهل الظاهر
فكرهت أخذها بالميراث آه . ومدار المسألة على ضابطة بذكرها علماؤنا : بأن
تبدل الملك يوجب تبدل العين ، وهذا الأصل مأخوذ من قوله: ((هو عليها
صدقة ولنا هدية)) فى حديث أنس وعائشة فى "الصحيح" فى قصة صدقة بريزة
قال الشيخ: غير أن هذه الضابطة غير مطردة ، فقد تخلف عنها بعض
الجزئيات والفروع ، ففى " الهداية" فى فصل أحكام البيع الفاسد: من اشترى
جاريةً بيعاً فاسداً وتقابضا فباعها وربح فيها تصدق - المشترى - بالريح ويطيب
٢٨٥
بيان مسألة تبدل العين بتبدل الملك وما يخالفها
أجرك وردها عليك الميراث . قالت : يا رسول الله كان عليها صوم شهر ،
أفأصوم عنها؟ قال: صومى عنها. قالت: يا رسول الله إنها لم تحج قط، أفأحج
عنها ؟ قال : نعم حجى عنها )) .
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح لا يعرف من حديث بريدة إلا
للبائع ما ربح فى الثمن . أقول : ولم أدرك مأخذ كلام الشيخ فى تخلف هذا
الفرع ، فإن ملك المشترى فيه لم يتبدل وهى الجارية والله أعلم . قال الشيخ:
وهذه مسألة "الجامع الصغير" كما فى "فتح القدير"، ومدارها على أن الدراهم
لا تتعين فى البيع الفاسد ، وهناك رواية أخرى من تعيين النقود فيه ، فعليها حكم
الربحين كالغصب . أنظر " فتح القدير" . وذكر الشيخ سعد الدين الديرى فى
فى حاشيته على " العناية": أن خبث الربح هذا فى التصرف الواحد، ويرتفع
إذا تعدد التصرف . وفى غصب " الهداية" (ص - ٣٥٩): ومن غصب
ألفاً فاشترى بها جاريةً فباعها بألفين ثم اشترى بالألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف
درهم فإنه يتصدق بجميع الربح، غبفى الخبث مع تعدد التصرف . أقول: وأصل
هذه المسألة : أن الغصب إذا تصرف فى المغصوب ورج لا يطيب له الريح .
وذكر فى "العناية": وإنما كرر الشراء فى وضع المسألة تنبيهاً على تحقق الحبث
وإن تداولته الأيدى اهـ. وهذه المسألة ظاهرة فى غرض الشيخ بأنه بقى الحبث
مع تعدد التصرف وتجدد الملك وتبدل العين .
وبالجملة ليست تلك الضابطة كلية مطردة ، ويمكن لأحد أن يقول :
إنها كلية فيما ليس فيه معاوضة أو تسبب تصرف عن تصرف .
قوله : صومى عنها . هذه مسألة النيابة فى العبادة ، فتى " الهداية " من
كتبنا فى (باب الحج عن الغير): العبادات أنواع: مالية محضة كالزكاة ، وبدنية
٢٨٦
معارف السنن
ج - ٥
من هذا الوجه ، وعبد الله بن عطاء ثقة عند أهل الحديث ، والعمل على هذا
عند أكثر أهل العلم: أن الرجل إذا تصدق بصدقة ثم ورثها حلت له ، وقال
محضة كالصلاة ، ومركبة منها كالحج . والنيابة تجرى فى النوع الأول فى حالتى
الاختيار والضرورة لحصول المقصود بفعل النائب ولا تجرى فى النوع الثانى
بحال ؛ لأن المقصود هو إتعاب النفس لا يحصل به وتجرى فى النوع الثالث عند
العجز ... ولا تجرى عند القدرة. وقد تعرض فى " الهداية" إلى مسألة
الإثابة وإهداء الثواب ، فقال: الأصل فى هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل
ثواب عمله لغيره صلاةً أو صوماً أو صدقةً وغيرها عند أهل السنة والجماعة
الخ، والمسألة مذكورة فى "البدائع" أيضاً. وذكر ابن المام: أن مالكاً
والشافعى لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة بل غيرها كالصدقة والحج
آهـ. وتعرض إليها فى "البحر الرائق" فى (باب الحج عن الغير) فذكر
جوازها .
ثم إن إهداء الثواب هل هو للميت فقط أو له وللحى جميعاً ؟ وهل ذلك
مختص بالنافلة أو يعم الفريضة ولكن لا تسقط أصلها عمن وجبت فى ذمته ؟
أقوال ليس هذا محل تفصيلها .
ومذاهب الأئمة فى مسألة جواز النيابة فى الصيام ثلاثة : فقال أبو حنيفة
ومالك : لا تجوز ، وهو قول الشافعى الجديد، وقال فى القديم : تجوز ،
ورجحه النووى . وفرَّق أحمد فى صيام رمضان وصوم النذر ، فجازت فى الثانى
دون الأول عنده ، حتى قال الحنابلة : من مات وعليه ستون صوماً من النذر
فصام عنه ستون رجلاً فى يوم واحد أجزأ عنه . والمذاهب كذلك ذكرها فى
"العمدة" (٥ - ٢٨٣) أيضاً، والنووى فى "شرح مسلم" و"شرح المهذب"،
وفى "شرح المهذب" (٦ - ٣٦٨): ذكر عن الحاوى والقاضى أبى الطيب
٢٨٧
بيان المذاهب فى النيابة فى الصيام
بعضهم : إنما الصدقة شئ جعلها الله ، فإذا ورثها فيجب أن يصرفها فى مثله ،
وروى سفيان الثورى وزهير بن معاوية هذا الحديث عن عبد الله بن عطاء .
أن مذهب الشافعى فى القديم والجديد : الإطعام لا الصيام ، وذكر أنه بالغ
الأصحاب فى تقوية هذا القول ، وأنه مذهب الشافعى ، وقال : وأنكر سائر
أصحابنا أن يكون صوم الولى عنه مذهباً للشافعى اهـ. وذكر فى "شرح مسلم":
أنه حكاه عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ، ورواية عن الحسن والزهرى .
وقال القاضى عياض : وهو قول جمهور العلماء . وأجمعوا على أنه لا يصلى أحد
عن أحد حياً وميتاً ، وكذلك أجمعوا على أنه لا يصام عن حىّ، وإنما الخلاف
فى الصوم عن الميت . واستدل أحمد بحديث الباب ، و وقع التصريح فى رواية
عند البخارى على صوم النذر (١ - ٢٦٢) (باب من مات وعليه صوم).
وقال المحدثون : إن ما ذهب إليه أحمد هو الراجح من جهة الحديث ، وبه قال
من السلف: طاؤس والحسن والزهرى وقتادة وأبو ثور والليث وأبو عبيد واسماق،
كما فى "شرح مسلم". واحتج الجمهور بحديث: ((لا يصلى أحد عن أحد ،
ولا يصوم أحد عن أحد))، وتأولوا حديث الباب على أن "أطعمى عنه" مكان
صيامه ، وهذا تأويل يخالف التبادر . قال الشيخ : الجواب عندى : أنه أريد
فى الحديث الصيام عنه حقيقةً، ولكن صيام إهداء الثواب دون الصيام نيابةً،
أى تصوم عنها وتجعل ثواب صيامها له ، قال : ولا يرد عليه أن لفظة "عن"
تدل على النيابة ، لأنا نقول : وتأتى هى ربما للإثابة أيضاً ، كما فى "صحيح
البخارى " فى صدقة الفطر، ولعل الشيخ يريد به قوله: " وكان ابن عمر
يعطى عن الصغير والكبير" والله أعلم. وراجع "فتح الملهم" (٣ - ١٥٩)،
وفيه أنه لا يكفى الفراغ الذمة عند القائلين بالإطعام ، بل لا بد من الإطعام
والله أعلم
19
٢٨٨
معارف السنن
ج - ٥
والحنابلة حملوا حديث :- ((ولا يصوم أحد عن أحد)) على الفريضة، والسائلة
فى حديث الباب امرأة ، وكذلك فى حديث ابن عباس فى طريق ، و وقع فى
طريق آخر عنده "رجل". واضطراب آخر عنده، ففى بعضها: ((إن أمى مانت))
وفى بعضها: ( إن أختى ماتت)). واضطراب آخر، ففى بعضها: ((وعليها
صوم شهر))، وفى آخر: ((وعليها صوم خمسة عشر يوماً))، وفى لفظ:
((وعليها صوم نذر)) وفى رواية خارج الصحيح: ((وعليها صوم شهرين
متتابعين))، وفى رواية ((ذات قرابة لها، إما أختها وإما بنتها)). فهذا اضطراب
لا يكاد يدفع. أنظر "العمدة" (٥ - ٢٨٦ و ٢٨٣)، فقيل: القصة متعددة ،
وقيل واحدة .
وأدلة الجمهور فى عدم جواز النيابة :
فمنها : حديث ابن عباس موقوفاً رواه النسائى فى " الكبرى" كما فى
"نصب الرأية" بإسناد صحيح، كما فى "الدراية" و"التلخيص".ال: ((لا يصلى
أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يعطم عنه مكان كل يوم مد
من حنطة)).
ومنها من بلاغات مالك فى " مؤطئه" عن ابن عمر: ((لا يصوم أحد
عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد)). ورواه عبدالرزاق موصولاً عنه فى "مصنفه"
مع زيادة قوله: ((ولكن إن كنت لا بد فاعلاً لصدقت عنه أو أهديت)) ،
أخرجه الزيلعى، وأخرجه أبو بكر بن الجهم موصولاً بزيادة قوله: ((ولو
كنت أنا لتصدقت وأعتقت وأهديت))، كما فى "نصب الرأية" عن "الإمام"
ابن دقيق العيد .
ومنها : ما أخرج الطحاوى عن عائشة موقوفاً ، فأخرج بإسناده عن
عمرة بنت عبد الرحمن، قلت لعائشة: (( إن أمى توفيت وعليها صيام رمضان ،
٢٨٩
بيان الأدلة على عدم جواز النيابة
أيصلح أن أقضى عنها ؟ فقالت : لا ، ولكن تصدقى عنها مكان كل يوم على
مسكين خير من صيامك))، كذلك فى " العمدة " (٥ - ٢٨٤) بهذا اللفظ ،
وهو فى "مشكل الآثار" (٣ - ١٤٢) بلفظ بغايره . قال العين: وهذا سند
صحيح ، يريد سنده عن أبى الفرج عن يوسف بن عدى عن عبيد بن حميد عن
عبد العزيز بن رفيع عن عمرة الخ . وروى الطحاوى أيضاً أثر ابن عباس السابق،
ثم قال ما ملخصه بلفظ صاحب "المعتصر": إنما لم تؤخذ بهذين الحديثين
- يريد حديث ابن عباس وعائشة المرفوعين - لأن ابن عباس وعائشة تركا ما رويا
من ذلك وقالا بخلافه، وهما العدلان فيما قالا ، فعلمنا أنها لم يتركا ما سمعا إلا
إلى ما هو أولى منه مما قد نسخه ، كما قال محمد بن سيرين فى متعة الحج : هم
يعنى أصحاب النبي ◌َّ الج حضروها وهم نهوا عنها ، فما فى مذهبهم ما يتهم ولا
فى رأيهم ما يستقصر، والذى رجع إليه ابن عباس هو ما روى عنه: ((لا يصلى
أحد عن أحد، ويفتدى الكبير إذا لم يطق الصيام))، وروى عن عائشة: ((أنها
سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم شهر ؟ فقالت : أطعموا عنها)) . وأخرج
الترمذى فى ما يأتى فى (باب ما جا من الكفارة ) عن ابن عمر مرفوعاً فى
رجل مات وعليه صيام: ((يطعم عنه كل يوم مسكين))، وذكره العينى فى
"العمدة" (٥ - ٢٨٤)، وراجعها لما ذكر من تقوية حديث ابن عمر
المرفوع . وحکی تضعيفه عن البیهنی و عبد الحق بمحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى
وأشعث بن سوار ، وتحسينه عن القرطبى . وحكى عن الدار قطنى والبيهقى أن
الصواب وقفه ، والترمذى أيضاً صوّب وقفه . ومولاناً السهار نفورى فى
حاشيته على "صحيح البخارى" لخص كلام العينى باختصار مخل، فحكى حكاية
تحسين القرطبى ولم يحك تضعيف البقية إياه .
( م - ٣٧)
٢٩٠
معارف السنن
ج - ٥
وحديث ابن عمر المرفوع هذا أخرجه ابن ماجه فى " سننه " من طريق
محمد بن سيرين عن نافع عن ابن عمر. قال الشيخ: وهو إسناد صحيح ليس فيه
ابن أبى ليلى، إلا أن الحافظ فى " التلخيص» (ص ١٩٧) يقول: هووهم
منه أو من شيخه، يريد أن الصحيح: " محمد بن عبد الرحمن" بدل: " محمد
ابن سيرين "، ويزيده أن فى "السنن الكبرى" للبيهقى وقع في موضعين :
"ابن أبى ليلى" فى (٤ - ٢٥٤) من السنن. قال الراقم : ولكن يقول العينى
فى "العمدة"؛ على أن ابن سيرين قد تابع ابن أبى ليلى على رفعه ، فلقائل أن
يمنع الوقف اهـ. فكأنه لا يسأثر من قال بالوهم ، بل يجعله متابعاً لابن أبى ليلى
والله أعلم. وكذلك الماردينى فى "الجوهر النقي" يرد على البيهقى بأن "محمد"
الذى يروى عنه أشعث عنده أيضاً هو : ابن سيرين ، بدليل رواية ابن ماجه .
ولا ريب أنه لم يقم دليل جازم على كون " محمد" هو: " ابن أبى ليلى"،
وأن محمد بن سيرين وهم ، ومنشأ الالتباس أنه لما كان يرويه عن نافع محمد
ابن أبى ليلى أيضاً - وكان أشهر - فلما رأوا محمداً غير منسوب زعموا أنه " ابن
أُمی لیلی
قال الشيخ : ولا يبعد أن يكون تحسين القرطبى نظراً إلى إسناد ابن ماجه
دون إسناد الترمذى أو البيهقى، فإن ابن أبى ليلى ذلك لم يحسن له أحد إلا
الترمذى فى موضع واحد من أبواب السفر فى (باب التطوع فى السفر ) ، وإلا
الذهى فى "التذكرة" حيث قال (١ - ١٦٢): قلت : حديثه فى وزن
الحسن ، ولا يرتقى إلى الصحة لأنه ليس بالمتقن عندهم. قال: وإنى قد جربت
أحاديثه فوجدتها تخالف الثقات .
وبالجملة الجمهور على تضعيفه. قال الشيخ: ومن أدلتنا : قراءة ابن
عباس فى قوله تعالى: (وعلى الذين يطوّقونه فدية طعام مسكين ) يريد الشيخ
٢٩١
الاستدلال بآية الفدية لعدم جواز النيابة
رحمه الله: أن ابن عباس هذه الآية عنده محكمة غير منسوخة ، وهى فى حق
الشيوخ والعجائز، يجهدهم الصيام فعليهم فدية ، فلو كانت النيابة جائزة لما كان
القول بوجوب الفدية، وفيه : أن النيابة فى الصيام عن الحى لم يذهب إليه أحد
والله أعلم. ومعنى: " يطوقونه" من: التطويق مجهولاً: يكلفونه، وهو المعنى
عنده على قراءة الجمهور : يطيقونه ، راجع "أحكام الرازى" و "القرطبى"
و"ابن جرير ".
ثم إن الشافعى لا يجوز إهداء ثواب تلاوة القرآن ، ولا يصح عنده الإثابة
فيما عدا الدعاء والصدقة ، ولكن الشافعية أفتوا بإيصال ثواب التلاوة ، ويجوز
عندنا إهداء ثواب كل شئ . ومثل مذهب الشافعى مذهب مالك كما أسلفناه
وتبين أن مذهب أبى حنيفة فى هذا الصدد أوسط المذاهب ، فلم يوسع مثل أحمد
ولم يضيق مثل مالك والشافعى . قال الراقم - وبالله التوفيق - : أريد أن أشير
فى هذا الصدد إلى أمور لابد من ملاحظتها لكى يتلخص فى ذهن القارى ما هو
الأعنى والأهم فى هذا الموضوع ، ولكى يتمكن من المحاكمة بين الأدلة، فقوله
تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقوله تعالى: ( لها ما كسبت وعليها ما
اكتسبت) وقوله تعالى: (ليس للإنسان إلا ما سعى) وما إلى ذلك من قواطع
التنزيل يدل على عدم صحة النيابة فى العبادات البدنية ، وعدم فراغ الذمة بعمل
آخر . وقد احتج بالآية الأولى القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق من الفقهاء
السبعة فى المسألة كما فى "الجوهر النقي"، وقد أجمعوا على عدم الصحة فى
( باب الصلاة أحياءً وأمواتاً) وعلى عدمها فى (باب الصيام أحياءً )، ودلت
آية الفدية على أن الإطعام هو بدل الصيام فى نظر الشارع عند العجز ، إما فى
الحياة كما هو عبارة النص ، أو بالموت كما هو إشارة النص ، وربما يكون فى
الموت بدلالة النص ، حيث أن العجز أقوى ، فتكون دلالة الآية فى الموتى من
باب الأولى .
٢٩٢
معارف السنن
ج - .
والقواعد الشرعية المتلقاة من النصوص والأصول المعقولة التى دلت على
صحتها نصوص كلها يأبى عن صحة النيابة فى الصوم ، ويقول عالم المدينة مالك :
ولم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين رضى الله عنهم بالمدينة أن أحداً
منهم أمر أن يصوم عن أحد الخ ، حكاه الزيلعى فى " نصب الرأية " ، فبذلك
جرى تعامل أهل المدينة إلى عهد مالك ، فكان أمر الصيام عن الصيام خاملاً
جداً ، ولم يعارضه إلا قول للزهرى من أهل المدينة ، وعنه قول آخر خلافه
أيضاً. وأيد ذلك أثر عائشة عند الطحاوى فى "المشكل" بإسناد صحيح كما صرح
به علاء الدين الماردين وغيره ، وأثر ابن عباس عند النسائى فى " الكبرى "
بإسناد صحيح ، كما اعترف به الحافظ فى " الدراية" و " التلخيص "، وأثر
ابن معمر الصحيح بإعتراف الدار قطنى والبيهفى وغيرهما . وصحة موقوفه قرينة
صحة مرفوعه وإن كان فى الرفع كلام لهم على دأبهم الخاص، وفى كل ذلك تشريع
قولى عام ، والآثار الموقوفة فى أمر غير معقول المعنى فى حكم المرفوع وقوته .
فحديث ابن عباس فى الصحيح مخبر الواحد فى قصة جزئية تحتمل الخصوصية
والتمثيل فى آخره ليس نصاً فى العموم بحيث لا يجرى فيه تأويل .
علا أن فيه عدة إضطرابات من الإضطراب فى السائل هل هو رجل أو
امرأة؟ وهل الميت المسؤل حكمه: أمه ، أو أمها ، أو أختها ، أو بنتها؟ وهل
الصيام من نذر ، أو من رمضان؟ وهل صيام خمسة عشر يوماً ، أو شهر، أو
شهرين؟ وإن كان القدر المشترك من موضع الاحتجاج غير مختلف ولكنه يورث
ذلك وهناً فى الرواية ، وكم ضعفوا روايات بأقل منها ، ومع ذلك كله معارض
بأثره الموقوف . فإذن احتمل أن يكون مرفوعه إما مؤول أو مخصوص أو
منسوخ ، وعمله بخلافه يؤيد أحد هذه المحامل بعد ثبوت عدله وبعد عدم جواز
الاجتهاد لأحد عند وجود النص . ولاريب أن الراوى أدرى بروايته غالباً ،
٢٩٣
البحث والتحقيق فى أدلة جواز النيابة
ولا سيما مثل حبر الأمة وبحرها الذى دعا له عَّله بقوله المجاب: ((أللهم فقهه
فى الدين، وعلمه التأويل)). وأما حديث عائشة وإن كان قولياً عاماً غير أنه
يحتمل التأويل الذى يوافق القواعد الشرعية القطعية ، وليس مراعاة ألفاظ الرواة
أولى بالعناية من مراعاة الأصول ، ولا الألفاظ أقدم من الأغراض . وعائشة
نفسها تفتى بالإطعام بعد عهد النبوة، ولفظها فى "مشكل الآثار": ((فقالت:
اقضيها عنها)) ثم قالت: ((بل تصدق مكان كل يوم على مسكين نصف صاع))،
فانظر كيف حكمت ! ثم استدركت فكأنها تذكرت النسخ أو تنبهت لتأويله ،
فهل مثل ذلك المحتمل المعارض يكون قولاً فصلاً فى الخصام؟ بقى حديث
بريدة عند مسلم والترمذى فيحتمل من المعنى ما يحتمله حديث عائشة . ثم إن قول
البيهقى ثم النووى: "أن إمامه لم يقف على تلك الروايات" تهور، فإنه إذا لم يقف
عليها فبأى دليل ذهب فى القديم إلى ما ذهب؟ وليس فى الباب إلا رواية عائشة
وابن عباس وبريدة .
وبالجملة : كان فى جانب نصوص التنزيل وتعامل أهل المدينة وآثار
عائشة وابن عباس وابن عمر، ثم موافقتها لنظائرها من مسائل الفدية فى الصيام،
ثم لمعادلتها مع الصلاة فى كونها عبادة بدنية ، ثم عدم مخالفتها القواعد المعقولة
المأخوذة من النصوص ، وفى جانب آخر أخبار آحاد لا تسلم من المعارضة
ولم توافق الأصول ، علا أن عندهم التخيير فى الصيام والإطعام ، وليس فى
أحاديثهم حكم الإطعام ، بل أمر بالصيام لا غير، فكأنهم تركوا العمل بأحاديثهم
الناطقة بشئ واحد بعد ذهابهم إلى التخيير ، فاحفظه ولا تكن من الغافلين .
فإذن رواياتهم انقلبت حجة عليهم لا لهم .
ثم اختلفوا فى " الولاية" ومعناه على أقوال . فانظر أى الفريقين
أهدى إلى الحق؟: فقهاء الأمة أبى حنيفة ومالك والثورى والشافعى ، أم أصحاب
٠
٢٩٤
معارف السنن
ج - ٥
(باب ما جاء فى كراهية العود فى الصدقة )
حدثنا هارون بن اسحاق الهمدانى نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى
عن سالم عن ابن عمر عن عمر: (( أنه حمل على فرس فى سبيل الله ثم رآها تباع،
فأراد أن يشتريها، فقال النبى حَ لّ: لا تعد فى صدقتك)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أكثر
أهل العلم
الحديث أحمد واسماق وأبى عبيد؟ ! فرحم الله من أنصف، واللّه ولى الهداية
والتوفيق . هذا وصلى الله على صفوة عباده محمد وآله وصحبه وعلماء أمته من
أئمة الدين أجمعين .
-: باب ما جاء فى كراهية العود فى الصدقة :-
قال الشيخ: التصدق بشئْ ثم شراؤه جائز، وإنما نهى رسول اللّه حَ له عمر
عن ذلك لئلا يحانى الرجل مراعاةً لعمر. أقول: ومثله فى " العمدة" (٤ -
٤٣٨) قال: وإنما كره شراؤها لئلا يحابيه المصدق بها عليه فيصير عائداً فى
بعض صدقته ؛ لأن العادة أن الصدقة التى تصدق بها عليه يسامحه إذا باعها اهـ .
قلت: ولفظ البخارى فى طريق نص فيه، فقال: ((فأردت أن أشتريه فظننت
أنه يبيعه برخص الخ))، وذكر قبله عن مالك والكوفيين والشافعى وأكثر
العلماء الكراهة ، ولعلها تنزيهية خصوصاً عندنا ، فإن عندنا لا يحرم الرجوع
فيه ، فكيف شراؤه ؟ ! وراجع كتب الهبة من الفقه .
قوله : حمل الخ . أى تصدق به وملكه إياه ، كما فى رواية " صحيح
البخارى": ((تصدق بفرس فى سبيل الله فوجده يباع الخ))، ولذلك ساغ له
٢٩٥
حديث الصدقة عن الميت واتفاق الأئمة عليها
الميت )
( باب ما جاء فى الصدقة من
حدثنا أحمد بن منيع فاروح بى عبادة نا زكريا بن اسحاق قال حدثنى
عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس: ((إن رجلا قال: يا رسول الله إن
أمى توفيت ، أفينفعها أن تصدقت عنها؟ قال: نعم . قال: فإن لى مخرفاً
فأشهدك أنى قد صدقت به عنها )) .
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن . وبه يقول أهل العلم ، يقولون: ليس
شئ يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء . وقد روى بعضهم هذا الحديث عن
عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبى محمد له مرسلاً. ومعنى قوله: " إن لى
مخرفاً" يعنى : بستاناً.
بيعه . قال ابن عبد البر: حمله على فرس حمل تمليك ، وغزا به فله أن يفعل ما
شاء فى سائر أموالها. حكاه العينى فى " العمدة". وقال ابن سعد: كان إسم
هذا الفرس " الورد"، وكان لتميم الدارى فأهداء للنبى ◌َّلّ فأعطاء لعمر
رضى الله عنه كما فى " العمدة" و"الفتح".
-: باب ما جاء فى الصدقة عن الميت :-
قوله : إن رجلا الخ . الرجل هذا هو: سعد بن عبادة ، كما وقع التصريح
به فى عدة روايات فى الصحيح. منها : فى (باب الإشهاد فى الوقف والصدقة)
من كتاب الوصايا ، وأمه هى: عمرة بنت مسعود أنصارية خزرجية ، وذكر
ابن سعد أنها أسلمت وبايعت وماتت سنة خمس كما فى "العمدة" (٦ -٤٩٨ ).
ومسألة حديث الباب مجمع عليها بين الأمة والأئمة ، نعم خالف مالك
والشافعى فى إهداء ثواب تلاوة القرآن ، والسيوطى أكثر من الروايات فى
٢,٩٦
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى نفقة المرأة من بيت زوجها)
حدثنا هنادنا إسماعيل بن عياش نا شرحبيل بن مسلم الخولانى عن أبى أمامة
الباهلى قال: سمعت رسول اللّه عَل﴾ يقول فى خطبته عام حجة الوداع:
« لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها ، قيل: يا رسول الله
ولا الطعام ؟ قال : ذلك أفضل أموالنا )) .
وفى الباب عن سعد بن أبى وقاص وأسماء ابنة أبى بكر وأبى هريرة وعبدالله
ابن عمرو وعائشة . قال أبو عيسى حديث أبى أمامة حديث حسن .
حدثنا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن عمرو بن مرة قال :
" شرح الصدور" ما يؤيد مذهب الحنفية، وليس هذا موضع بسط المسألة .
وبالجملة قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) مخصوص منه البعض ،
والأحاديث التى تخصصه مستفيضة. و "الخرف" بالفتح: حائط النخل لا بن
عبادة، وفى رواية فى الصحيح: ((مخرافاً ؛ بالكسر مفعال. والترمذى حسن
الحديث مع أن البخارى أخرجه فى مواضع من " صحيحه"، ورجال إسناد
الترمذى كلهم من رجال الصحيح ، ولم أقف له على علة ينزل بها عن الصحة
والله أعلم .
-: باب ما جاء فى نفقة المرأة من بيت زوجها :-
إن كانت المرأة مجازة من الزوج صراحةً أو دلالةٌ أو عرفاً جاز لها
الإنفاق من بيت زوجها ولها الأجر ، وإلا فلا ، وعليها وزر إذا أنفقت .
هذا ملخص ما قاله النووى فى " شرح مسلم" والعبنى فى " شرح البخارى"
( ٤ - ٣٣٦)، وراجعها التفصيل .
٢٩٧
حديث تصدق المرأة عن بيت زوجها وشركتها فى الأجر
سمعت أبا وائل يحدث عن عائشة عن النبى فهلالج أنه قال: ((إذا تصدقت المرأة
من بيت زوجها كان لها به أجر والزوج مثل ذلك والخازن مثل ذلك، ولا ينقص
كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئاً ، له بما كسب ولها بما أنفقت)) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن .
قوله : وللزوج مثل ذلك الخ . ليس التشبيه فى المساواة فى الأجر ، بأن
يكون أجر المرأة كأجر زوجها ، أو يكون أجر الخادم مثل أجر مالكه ،
ويشير إليه لفظ الحديث أيضاً. قال فى "العمدة" (٤ - ٣٢٢): والمعنى
أن المشارك فى الطاعات مشارك فى الأجر ، ومعنى المشاركة : أن له أجراً كما
لصاحبه أجر ، وليس معناه : أن يزاحمه فى أجره ، أو المراد المشاركة فى أصل
الثواب ، فيكون لهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار
ثوابهما سواء ، بل بکون ثواب هذا أكثر ، وقد یکون بعكسه اهـ . وقريب
منه ما فى "الفتح" (٣ - ٢٤٠). وأما حديث أبى هريرة: ((إذا أنفقت
المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره ))، رواه البخارى فى
البيوع وفى النفقات ، ومسلم فى الزكاة ، كلهم من طريق عبد الرزاق عن همام
عن أبى هريرة ، بلفظ واحد تقريباً .
قال الشيخ: ففيه إشكال ، فإنه إن كان الغرض من غير أمره الصريح وكان
هناك إذن لها دلالةً أو عرفاً فلها الأجر كاملةً من غير تنصيف ، وإن لم يكن
لها أمر ولم يكن لها إذن دلالةً ولا عرفاً فكيف الأجر؟ بل هناك عليها وزر .
قال : إن الغرض أنه من غير أمر صريح ولها أجر عملها. ومثله فى " العمدة"
( ٢ - ٣٨ )
٢٩٨
معارف السنن
ج -٥
حدثنا محمود بن غيلان نا المؤمل عن سفيان عن منصور عن أبى وائل عن
مسروق عن عائشة قالت: قال رسول اللّه عَ ل: ((إذا أعطت المرأة من بيت
زوجها بطيب نفس غير مفسدة فإن لها مثل أجره، لها ما نوت حسناً والمخازن
مثل ذلك )).
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح ، وهو أصح من حديث عمرو
ابن مرة عن أبى وائل ، وعمرو بن مرة لا يذكر فى حديثه عن مسروق .
( ٤ - ٣٣٦). قال: فمعناه من غير أمره الصريح فى ذلك القدر المهين ،
ويكون معها إذن سابق يتناول لهذا القدر وغيره .... ولابد من هذا التأويل
لأنه عَلّ جعل الأجر مناصفة .... ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن
صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر ، فتعين تأويله اهـ ،
حكاه عن النووى. وقال فى "العمدة" (٥ - ٤١٣) فى شرح حديث
أبى هريرة: قال الكرمانى: كيف لها أجر وهو بغير أمر الزوج ؟ فأجاب بقوله:
قد يكون بإذنه ولا يكون بأمره . ثم قال : قد تقدم أنه لا ينقص بعضهم أجر
بعض ، فلم يكن له النصف . ثم أجاب بقوله : ذلك فما كان بأمره أو أجرها
هو نصف الأجر ، ولا ينقص عما هو أجره الذى هو النصف . وقال ابن
التين: الحديثان غير متناقضين، وذلك أن قوله: ((لها نصف أجره)) بريد
أن أجر الزوج وأجر مناولة الزوجة يجتمعان، فكيف يكون للزوج النصف والمرأة
النصف؟ فذلك النصف أجرها كله، والنصف الذى الزوج هو أجره كله . وقال
المنذرى: هو على المجاز أى أنها سواء فى المثوبة ، كل واحد منهما له أجر كامل،
وهما إثنان، فكأنهما نصفان ، وقيل: يحتمل أن أجرهما مثلان فأشبه الشئ
المنقسم بنصفين اهـ. وبعضه فى " الفتح" (٤ - ٢٥٦). قال الشيخ :
تحقيق أجر المرأة بالتصدق من مال زوجها وحديث صدقة الفطر ٢٩٩
( باب جاء فى صدقة الفطر )
حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عياض
ابن عبد اللّه عن أبى سعيد الخدرى قال: « كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا
والنصف بمعنى الحصة دون جزء الشئ المساوى ، كما فى قول الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت
وآخر مثن باللذى كنت{ أصنع
وقال الشاعر :
فواصل شرب ليلك بالنهار
إذا نصف من الشعبان ولىّ
وبالجملة فالمعنى: أن المرأة لها أجر عملها والزوج له أجر ماله .
-: باب ما جاء فى صدقة الفطر :-
ذكر بعضهم : أن الفطرة بالتاء بمعنى: صدقة الفطر، لم تثبت فى اللغة ،
أفاده الشيخ. أقول: قائله صاحب "النهر"، فذكره أنهم مولد، وعد بعضهم
عن لحن العامة ، ولكن صاحب " القاموس" قال: الفطرة بالكسر: صدقة
الفطر والخلقة الخ . وردً بأنه خلط الحقائق الشرعية باللغوية ، ولكن المطرزى
يقول فى "المغرب" (٢ - ٩٩): " الفطرة" ... فمعناه صدقة الفطر، وقد
جاءت فى عبارات الشافعى رحمه الله وغيره، وهى صيحة من طريق اللغة وإن لم
أجدها فى ما عندى من الأصول اهـ. وعلى كل حال شاعت فى هذا المعنى فى
استعمال الفقهاء ويتحملها اللغة. وراجع " منحة الخالق".
وتسمى : زكاة الفطر، وزكاة رمضان ، وزكاة الصوم ، وصدقة الصوم،
وصدقة الرؤس ، وزكاة الأبدان ، كما فى " العمدة". قال الشيخ : وأضاف
٣٠٠
معارف السنن
ج - ٥.
رسول اللّه ◌َ ا﴾ صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر ، أو
صاعاً من زبيب ، أو صاعاً من أقط ، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة
الشرع الصدقة إلى الفطر ، فدل على أن الفطر سببها ، فإن الإضافة تدل فى
مثلها على السببية ، كما فى كتب الأصول . أقول: المشهور أنها من إضافة الشئ
إلى شرطه كحجة الإسلام ، وقيل : أضيفت إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من
رمضان، قاله فى "العمدة" (٤ - ٣٦١). وقال فى "البحر": والإضافة
فيها من إضافة الشئ إلى شرطه، وهو مجاز لأن الحقيقة إضافة الحكم إلى سببه ،
وهو الرأس بدليل التعدد بتعدد الرؤس الخ .
ثم وجوبها : صبح يوم الفطر عند أبى حنيفة ، وغروب الشمس من آخر
يوم رمضان عند الشافعى ، وعلى هذا الخلاف تدور عدة أحكام خلافية .
ووجه ما ذهب إليه أبو حنيفة : أن الفطر المعتاد كل يوم ، فينبغى أن يكون غير
معتاد ويكون فطراً جديداً له شأن ، وهوْ طلوع الفجر من يوم العيد. وانظر
تفصيله فى " البحر الرائق" . وعن مالك روايتان كالذهبين، رواية ابن
القاسم كأبى حنيفة ، ورواية أشهب كالشافعى ، كما فى " قواعد ابن رشد"،
وأحمد فيه كالشافعى .
وينبغى أن يذكر الخطيب فى خطبة العيد أحكام صدقة الفطر من كونها:
على من تجب؟ وعمن تجب؟ وكم تجب ؟ وم تجب؟ ومتى تجب؟: وهذه الأحكام
الخمسة كذلك ذكرها صاحب "السراج الوهاج" بأن يعلمها الخطيب فى خطبةً
العيد، كما فى "البحر"، غير أنه ذكر فيه: " لمن تجب؟" أيضاً. وأدرج:
"عمن تجب ؟" فى "على من تنجب؟" وهذه كلها خلافية مع خلافيات أخرى
فى هذا الصدد ، استوفاها صاحب " العمدة"، وتعرض إلى أكثرها ابن رشد