النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
بيان الاختلاف فى مسألة الركاز وتحقيق ما هو الراجح
والمعدن جبار، والبئر جبار، وفى الركاز الخمس)).
الروايتين بالحمل على اختلاف الأحوال باختلاف تعامل أهل البلاد . أقول :
" الحاوى القدسى" من المعتبرات ، وبالأسف إنه لم يطبع ولم أقف على لفظه
منقولاً فى ما عندى من الكتب الفقهية ، ونظير ما قاله الشيخ ما فى " الفتح "
(١٢ - ٢٢٩): لو جرت عادة قوم بإرسال المواشى ليلا وحبسها نهاراً
انعكس الحكم على الأصح اهـ.
قوله : والمعدن جبار . أى من استأجر حافراً لاستخراج المعدن فانهار عليه
فمات قدمه هدر لا ضمان عليه من النقود والدية ، وهذا شرحنا الحديث ، وفيه
الخمس عندنا ، وليس فيه الخمس عند الشافعية ، فمعنى الجبار عندهم أى :
لا خمس فيه ، الظاهر أنه لا فرق فى نفس شرح اللفظ، وإنما الاختلاف فى
حكم المعدن بدليل أنه لم يقل بعده: ((وفيه وفى الركاز الجمس)). أنظر "العمدة"
(٤ - ٤٥٦) و"الفتح" (٣ - ٢٨٩).
قوله : والبئر جبار . شرحه مثل شرح الجملة السابقة .
قوله : وفى الركاز الخمس . مسألة الركاز هذه أول مسألة اعترض فيها
البخارى على أبى حنيفة، وذكره بلفظ: "بعض الناس". قال الحافظ فى "الفتح"
(٣ - ٢٨٨): ويحتمل أن يريد به أبا حنيفة وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك.
قال ابن بطال : ذهب أبو حنيفة والثورى وغيرهما إلى أن المعدن كالركاز الخ .
وذكر البدر العينى : أن ممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة والثورى والأوزاعى من
أهل الشام . قال الشيخ : وذكر هذه الكلمة فى أربع وعشرين موضعاً، وزعم
( ٢ - ٣١ )

٢٤٢
معارف السنن.
ج - ٥
, وفى الباب عن أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو وعبادة بن الصامت وعمرو
ابن عوف المزنى وجابر. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
الشافعية أنه أريد فى تلك المواضع كلها أبو حنيفة ، وزعموا أن غرضه الرد عليه.
قال الشيخ : وكلا الزعميين غير صحيح .
أما الأول: فلأنه ربما یزید به محمد بن الحسن صاحبه، وربما يريد به عيسى
ابن أبان صاحب محمد ، أو زفر بن الهذيل من أصحاب أبى حنيفة ، وقد يريد به
الشافعى كما لا يخفى على من وقف على ذلك . وأجاب عن كل ذلك البدر العينى فى
"العمدة"، وأفرد له الشيخ أحمد على السهار نفورى جزءً سماه: "دفع الوسواس
فى بعض الناس " .
وأما الثانى : فلأنه ربما يذكر قول: "بعض الناس" فى مسألة ثم يختارها،
كما فى " سورة الرحمن"، كما يدل عليه سياقه ، ولا يخفى ذلك على تتبع كلامه
فى "الصحيح" أفاده الشيخ. يريد به قوله فى تفسير " سورة الرحمن": وقال
بعضهم: ليس الرمان والنخل بالفاكهة، قال البخارى: وأما العرب فإنها تعدها
فاكهة الخ . ثم إنى لم أقف على دلالة السياق على اختياره والله أعلم . وأبو حنيفة
اختار فى عدم كونها فاكهة لقوة الغذاء فيها ، ولعل عرف بلاد الكوفة جرى
بذلك أيضاً .
فالركاز عند الحجازيين دفين الجاهلية فقط ، وعند العراقيين أعم من
المخلوق والمدفون، فيعم المعدن، فإنه مختص عندهم بالمخلوق، كما أن الكنز مختص
بالمدفون . ثم الكنز إن وجد فيه سمة الكفر فهو فى حكم الغنيمة يجرى فيه الخمس،
وإن وجد فيه علامة الإسلام فهو فى حكم اللقطة .
وبالجملة المعدن فيه الخمس أيضاً عند العراقيين كالركاز عند الحجازيين ،

بيان أنه لا فرق فى تحقيق المناط بل فى تحققه عند الشافعية والحنفية ٢٤٣
وحكم المعدن عندهم حكم الزكاة . ثم فى الزكاة روايتان عن الشافعى ، ففى رواية
يشترط له النصاب ، وفى أخرى لا ، وكذلك روايتان فى اشتراط حولان الحول
وعدم اشتراطه. وجه تفقه أبى حنيفة فى استواء حكم المعدن والركاز أنهما من أجزاء
الأرض ، وتفقه الشافعى بأن المعدن مخلوق فكان کمن حصل فى يده مال . ودفن
الجاهلية كالغنيمة فيكون فيه الخمس . وقال صاحب " الهداية": وفى الركاز
الخمس ، فأطلق على المعدن ، ولأنها كانت فى أيدى الكفرة فحوتها أيدينا غلبة
فكانت غنيمة ، وفى الغنائم الخمس الخ . وفى إملاء "البخارى" من كلام الشيخ
رحمه الله: قلت: ولما كان مناط الخمس فى دفائن الجاهلية كونها فى حكم الغنيمة
- وذلك متحقق فى المعدن أيضاً - فإن أراضى الكفار إذا حو تها أبدينا وجب
فيها الخمس لزم أن يجب الخمس فيما خلق فيها أيضاً ، لأنها غنيمة بما فيها .
فالمناط مشترك، وهذا هو نظر الحنفية . أما الشافعية ففرقوا بينهما مع تسليم
المناط بأن الدفينة تكون من جهتهم فيكون حكمها حكم سائر أموالهم من وجوب
الخمس فيها بخلاف المعدن فإنه ليس من جهتهم بل مخلوق من الله تعالى ،
فكأن المناط لم يتحقق فيه عندهم وعندنا تحقق فى الموضعين، فوجب الخمس
مطلقاً، فلا فرق فى تحقيق المناط بل فى تحققه اهـ . وهذ الكلام فى غاية النفاسة
والمتانة ، كما إنها فى غاية النصفة والديانة .
ثم قال الشافعية : لو كان فى المعدن الخمس أيضاً لوقع التعبير بقوله:
"وفيه الخمس" بالضمير، ولم تكن حاجة إلى إعادة لفظ "الركاز". ويقول الحنفية:
المعدن خاص لا يشتمل دفين الجاهلية ، فكان حق التعبير أن يقال: "وفى الركاز
الخمس" لكى يشتمل المخلوق والمدفون معاً. قال الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٢٨٨):
والحجة للجمهور تفرقة التى عَ لي بين المعدن والركاز بـ"واو العطف"، نصح
أنه غيره اهـ. وقال ابن الحمام فى " الفتح" (١ - ٥٣٨): ولا يتوهم عدم

٢٤٤
معارف السنن
ج - ٥
إرادة المعدن بسبب عطفه عليه بعد إفادة أنه جبار أى هدر لا شئ عليه ،
وإلا لتناقض ، فإن الحكم المعلق بالمعدن ليس هو المعلق به فى ضمن الركاز ليختلف
بالسلب والإيجاب ؟ إذ المراد به أن إهلاكه أو الهلاك به للأجير الحافر له غير
مضمون ، لا أنه لا شئ فيه نفسه، وإلا لم يجب شئ أصلاً، وهو خلاف
المتفق عليه ، إذ الخلاف إنما هو فى كميته لا فى أصله، وكما أن هذا هو المراد
فى البئر والعجاء .
فخاصله أنه أثبت للمعدن بخصوصه حكماً ، فنص على خصوص اسمه ،
ثم أثبت له حكماً آخر مع غيره فعبر بالإسم الذى يعمها ليثبت فيها فإنه علق
الحكم أعنى وجوب الخمس بما يسمى ركازاً ، فما كان من أفراده وجب فيه آهـ.
وهو كما ترى كلام متين بوافقه ذوق العربية والتفقه. ويزيد عموم الركاز حديث
رواه أبو يوسف فى "كتاب الخراج"، إلا أنه مضعف بعبد الله بن سعيد
المقبرى، وهو حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله وَلاجُ: ((فى الركاز
الخمس ، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: الذى خلقه الله فى الأرض
يوم مخلقت)). ورواه البيهقى فى " السفن" (٤ - ١٥٢ ) وقال : تفرد
به عبد الله بن سعيد وهو ضعيف جداً ا هـ، ورواه فى " المعرفة" أيضاً
كما فى "نصب الرأية"، وذكره البدر العينى، قال: وهذا ينادى بصوته: أن
الركاز هو المعدن، قال : وأصرح منه ما رواه الدارقطنى فى "العلل" وإن كان
تكلم فيه حديث أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه فَ لام: ((الركاز
الذى ينبت على وجه الأرض)» . قال: وذكر حميد بن زنجويه النسائى فى " کتاب
الأموال" عن على بن أبى طالب رضى الله عنه (أنه جعل المعدن ركازاً وأوجب
فيه الخمس))، ومثله عن الزهرى، وروى البيهقى من حديث مكحول: ((أن
عمر بن الخطاب رضى الله عنه جعل المعدن بمنزلة الركاز فيه الخمس ١ هـ)).

٢٤٥
بيان من ذهب إلى وجوب الخمس فى المعدن
قال الشيخ : ويستدل له بما رواه أبو داؤد فى "سننه" من كتاب اللقطة
(١ - ٢٤٠) وفيه: ((وما كان فى الخراب، يعنى: ففيها وفى الركاز الخمس))،
وسنده قوى . واستدل به الزيلعى فى "نصب الرأية" وعزاه إلى "مستدرك الحاكم" ،
ولعله لم يقف عليه فى " سنن أبى داؤد"، والحديث رواه الشافعى فى "الأم"
وأبو عبيد فى " كتاب الأموال"، والبيهفى في " الكبرى"، كلهم من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من حديث طويل ، وقد تقدم قريباً مصة
الرواية بهذا الإسناد . والدليل على عموم الركاز ذكره الإمام محمد فى "مؤطئه"
أيضاً ، فذكر حديث أبى هريرة الذى تقدم آنفاً ولم يسنده ، وإنما قال: الحديث
المعروف الخ . وهو الذى فى إسناده المقبرى ، ورواه أبو يعلى فى "مسنده» كما
فى "زوائد الهيشمى". ومن الأدلة على وجوب الخمس أثر ابراهيم النخعى فى
آثار أبي يوسف عن أبى حنيفة عن حماد عنه قال : فى المعدن الخمس ..
وبالجملة فذهب إلى وجوب الخمس فى المعدن أبو حليفة وأبو يوسف
ومحمد - وغيرهما من أصحابه - وسفيان الثورى، والأوزاعى ، والنخعى ،
وفى " الأوجز" أنه قول المالك ، وقول الشافعى أيضاً ا هـ، ورواه أبو عبيد فى
"كتاب الأموال" عن على والزهرى (ص ٣٤٠ و ٣٤١)، وكذا حميد بن
زنجويه فى "كتاب الأموال"، كما حكاه البدر العينى ، ورواه البيهقى عن حمر
الفاروق كما تقدم ، ودل قول صاحب " العين" ، وأبي عبيد وصاحب
" مجمع الغرائب" وصاحب " النهاية" على: أن الركاز يعم المعدن، كما حكى
أقوالهم العينى فى " العمدة" (٤ - ٤٥٤). قال الراقم : وحكاه صاحب
"اللسان" عن ابن الأعرابى قال: الركاز ما أخرج المعدن، وحكى عن غيره:
أركز صاحب المعدن إذا كثر ما يخرج منه له من فضة وغيرها . أنظر "اللسان"
(٧ - ٢٢٣). قال أبو عبيد فى "الأموال" (ص ٣٤٠): وهذا القول -
أى كون المعدن ركازاً وفيه الخمس - أشبه عندى بتأويل الحديث المرفوع الذى

٢٤٦
معارف السنن
ج - ٥
ذكرناه عن عبد الله بن عمرو: ((إن النبى معَّالله سئل عن المال يوجد فى الخرب
العادىّ؟ فقال: فيه وفى الركاز الخمس))، قال أبو عبيد: فقد تبين لنا الآن أن
الركاز سوى المال المدفون، لقوله: ((فيه وفى الركاز الخمس))، فجعل الركاز غير
المال ، فعلم بهذا أنه المعدن ، ثم أسنده عن على والزهرى إلى أن قال : فأما
حديث ربيعة الذى رواه ( مالك) فى القبلية فليس له إسناد ( متصل )، ومع هذا
إنه لم يذكر فيه أن النبى ◌َّالج أمر بذلك، إنما قال: فهى تؤخذ منها الصدقة
إلى اليوم، ولو ثبت هذا عن النبى معَّالم كان حجةً لا يجوز دفعها آهـ. وقال
أبو عبيد : والذى يرى المعدن ركازاً يقول مثل ذلك فى المعادن كلها من النحاس
والرصاص والحديد كما يراه فى الذهب والفضة، والذى يرى فيها الزكاة ينبغى أن
يكون فى قوله : أن لا يكون فى شىء منها زكاة إلا فى الذهب والفضة خاصة اهـ .
قال الراقم : وهذا نقض قوى من أبى عبيد على الحجازيين بأنهم خالفوا
قولهم بأنه فيه الزكاة إذا لم يخرج منه الذهب والفضة ، فاستبان فى رائعة النهار
أن قول العراقيين أثبت أثراً ونظراً ولغةً. ولو سلمنا أن الركاز بخص الدفين
وهو غير المعدن فلا يلزم من ذكر الخمس فى الركاز عدم الخمس فى المعدن ،
فإن التنصيص لا يدل على التخصيص ، وغايته أن يكون حكم المعدن مسكوناً عنه
فى ذلك الحديث، فليراجع إلى غيره من الروايات وإلى وجوه التفقه فى "الأشباه
والنظائر» من إلحاقه بحكم الر كاز ، فیکون من جملة أسباب الخلاف الجلاف فى
مناط الركاز فقهاً ونظراً، فدونك الكلام محرراً وبالله التوفيق .
فائدة : ورد فى حديث " أبى دائؤد" هذا: (ما كان منها فى طريق الميتاء
والقرية الجامعة فعرفها سنة الخ)). والميتاء مفعال من الإتيان: الشارع العام والطريقة
المسلوكة ، يأتيها الناس . قال الشيخ: وهذه الرواية تفيدنا فى مسألة اشتراط
المصر أو القرية الجامعة لصلاة الجمعة . وتقدم فى صلاة الجمعة من أثر عظاء

٢٤٧
تحقيق الخرص والمذاهب فيه
( باب ما جاء فى الخرص )
حدثنا محمود بن غيلان نا أبو داؤد الطيالسى نا شعبة قال أخبرنى خبيب بن
فى " مصنف عبد الرزاق" عن ابن جريج، قلت لعطاء: ما القرية الجامعة ؟
قال: ذات الجماعة والأمير والقاضى والدور المجتمعة الآخذ بعضها ببعض مثل
"جدة" اهـ. قال شيخنا رحمه الله فى تعليقاته على "الآثار": وأستفيد منه تفسير
"الجامع" أيضاً، أو هو على عرف اللغة كما فى حديث اللقطة عند أبى داؤد اهـ.
-: باب ما جاء فى الخرص :-
الخرص : التخمين والحرز ، أى حرز ما على النخل من الرطب تمراً ،
وتفسيره كما ذكر الترمذى : أن الثمار إذا أدركت بعث السلطان خارصاً ينظر
فيحصيه وينظر مبلغ العشر فيثبته عليهم ويخلى بينهم وبين الثمار الخ . وفائدته
التوسعة على أرباب الثمار فى التناول منها وإيثار الأهل والجيران والفقراء ، كما
فى " فتح البارى". واتفق الكل من الأئمة الأربعة على عدم جواز الخرص فى
المزارعة ، وعلى عدم الجواز فى المساقاة ، فلا يجوز الخرص بين المالك والمزارع
ولا بين المالك والمساقى ، وإنما الخلاف فى الخرص على أرباب الثمار ببعث رجل
من جهة بيت المال ، فذهب إليه الحجازيون مع الخلاف بينهم أيضاً على وجوه
كثيرة ، فقيل : واجب، وقيل : مستحب . وهل يختص بالنخل ؟ أو يلحق
به العنب ؟ أو يعم كل ما ينتفع به رطباً وجافاً؟ وهل بمضى قول الخارص أو
يرجع ما آل إليه الحال بعد الجفاف ؟ الأول: قول مالك وطائفة ، والثانى :
قول الشافعى وأتباعه . وهل يكفى خارص واحد عارف ثقة أو لابد من اثنين ؟
قولان الشافعى ، وهل هو اعتبار أو تضمين ؟ كذلك قولان الشافعى ، وهل

٢٤٨
معارف السنن
ج - .
عبد الرحمن قال سمعت عبد الرحمن بن مسعود بن نيار يقول : جاء سهل بن
يحاسب أصحاب الزرع والثمار بما أكلوا قبل الجذاذ أم لا؟ وهل يؤخذ قدر
العوارى والضيف وما فى معناه أم لا؟ وهل إذا غلط الخارص ماذا يحكم به ؟
هل يؤخذ بقوله أم لا؟ وهل يلزم الخارص أن يترك الثلث أو الربع أم لا ؟
قيل : بالأول قال أحمد واسماق والليث ، وبالثانى : مالك والشافعى .
فهده وجوه ثمانية خلافية بينهم استوفيناها من "العمدة" (٤ - ٤١٨)
و "الفتح" (٣ - ٢٧٤)، وآثرت نقلها بألفاظها تقريباً، وراجعها لتفصيل
الأطراف . ثم رأيت فى " شرح المهذب" خلافيات أخرى فى مذهب الشافعى
فراجعه . قال الشيخ: ثم إنه نسب إلى أبى حنيفة عدم القول بالخرص مطلقاً ،
ومنشأه لفظ الإمام أبى جعفر الطحاوى فى " شرح معالى الآثار"، وهذه النسبة
ليس حقيقة الأمر. وغرض الطحاوى من كلامه فى "شرح الآثار" أن الخرص
إنما هو اعتبار وتعمير فقط، وليس بلازم ولا مناطاً للوجوب، وهذا هو الصواب.
قال الراقم : وأعدل الأقوال فى نقل مذهب أبى حليفة وأصحابه لفظ
ابن قدامة فى "المغني" (٢ - ٥٦٨). قال أهل الرأى: الخرص ظن وتخمين
لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفاً للأكرة لئلا يخونوا ، فإما أن يلزم
به نحكم فلااهـ. وفى وجه عدم اللزوم عندنا التمسك بأحاديث النهى عن المزابنة،
فنهى رسول اللّه عَل عن بيع التمر فى رؤس النخل بالتمر كيلاً، ونهى عن
بيع الرطب بالتمر نسيئة . وبالجملة فالقول بلزوم الخرص كان عندهم معارضاً
لهذه الروايات التى هى بمنزلة الأصول والقواعد الكلية فى الباب، فوضعوا كل
حديث فى موضعه ، وإنما كرهوا القول بوجوب الخرص وبلزوم ما نخرص
دون الخرص نفسه مصلحة لبيت المال ولرب المال والله أعلم بحقيقة الحال . علا

٢٤٩
بيان أن الخرص لم يكن مداراً فى اللزوم
وَاجٍ كان يقول: ((إذا خرصتم
أبى حثمة إلى مجلسنا فحدث : أن رسول اللّه
أنه لم يصح حديث سعيد بن المسيب عن عتاب للانقطاع، ولا حديث سهل بن ·
أبى حثمة كما صرح به القاضى أبوبكر ابن العربى، وذلك لوجود عبد الرحمن بن
مسعود فيه ، ولا حديث عائشة فى بعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر ،
لكون رجل مجهول فى إسناده. على أن ابن عبد البر يقول فى "الإستذ كار": وإنما
كان أمر النبي ◌َّظلم إلى آخره، يقال: إنه من قول ابن شهاب، وقيل: من قول
عروة ، وقيل : من قول عائشة ، كما فى " الجوهر النقى" . وثبت عند الحنفية
حديث جابر عند "الطحاوى": ((نهى رسول اللّه ◌َ اتج عن الخرص الخ))،
وإن كان فيه ابن هیعة، وإذا حمل النهى على اللزوم والإذن على الاعتمار فلا يبقى
بينهما تناف ، وعليه يحمل تعامل الشيخين فى خلافتها بعد ثبوته عنها ، وراجع
"العمدة" لبعض التفصيل ، أو يحمل أحاديث الخرص على غير المسلمين ،
والنهى عنه على أموال المسلمين كما جنح إليه القاضى أبوبكر ابن العربى فى
"العارضة". ومذهب أبى حنيفة هو مذهب الشعب والثورى وأبى يوسف
ومحمد أيضاً .
قال الشيخ : فإذن لا يلزمنا جواب حديث الباب ، فنحن لم ننكره بهذا
المعنى ولا يخالفه مذهبنا، وقد ثبت الخرص فى عهده بَ الجَ، نعم إن الحنفية
لم يذكروه فى كتبهم ، لأنه لم يكن مداراً فى اللزوم ولا مناطاً لفصل النزاع ،
فتوهموا: أنا لا نقول به أصلاً، فإذا وقع النزاع بين الخارص والمالك فالعمل
عندنا بالبينة على المدعى واليمين على من أنكر .
قال الشيخ : وأما وقت وجوب العشر، فعند أبى حنيفة إذا صلح الزرع
(٢ - ٣٢)

٢٥٠
معارف السنن
ج - ٥
فخذوا ودعوا الثلث ، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع )) .
وفى الباب عن عائشة وعتاب بن أسيد وابن عباس . قال أبوعيسى :
والعمل على حديث سهل بن أبى حثمة عند أكثر أهل العلم فى الخرص، وبحديث
سهل بن أبى حثمة يقول اسحاق وأحمد .
وأمن من العاهة ، وعند أبى يوسف عند الإيواء والرفع إلى البيت ، وعند محمد
ابن الحسن عند الحصاد. والمذكور فى "البدائع" (٢ - ٦٣): ظهور الثمر
عند أبى حنيفة ، ووقت الإدراك عند أبى يوسف ، ووقت التنقية والجذاذ عند
محمد . فكان مذهبها على عكس ما هنا، والله أعلم . فإذا تلف المال قبل وجوب
وقت العشر اختلفت الفروع على أقوالهم .
قوله : ودعوا الثلث الخ . اختلفت الأقوال فى شرح هذه الجملة ، فذكر
الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٢٧٤) (باب خرص التمر) عن الليث وأحمد : أنه
قال بظاهر هذا الحديث ، يعنى يجب عندهما أن يوضع هذا القدر من العشر
بعد ما بلغ خمسة أوسق . وذكر عن مالك والشافعى : أنه لا يترك لهم شئ ،
فكأنها لم يرا العمل بهذا الحديث . قال الشيخ: الشافعى يرى العمل، ولعله
ثم يقف عليه الحافظ وذكر ما هو المشهور عن الشافعى ، كما يدل عليه لفظه فى
"الفتح"، والقول به حكاه الماوردى، قال فى "شرح المهذب" (٥ - ٤٧٩):
لكن فى حكاية الماوردى أنه يترك الثلث أو الربع، ويحتج له بحديث عبد الرحمن بن
مسعود بن نيار الخ، أى حديث الباب . وقال القاضى أبوبكر ابن العربى: إن هذا
القدر المتروك لهم هو قدر المؤونة، قال: ولقد جربناه فوجدناه كذلك فى الأغلب
مما يؤكل رطباً اهـ، قاله فى " العارضة"، وحكاه ابن حجر فى " الفتح" أيضاً.
وقال القاضى: الثانية إذا خرص ما بخرص، فاختلف الناس: هل يستوفى عليهم

٢٥١
تحقيق قوله: ((ودعوا الثلث))
والخرص : إذا أدركت الثمار من الرطب والعنب مما فيه الزكاة بعث
السلطان خارصاً فخرص عليهم . والخرص : أن ينظر من يبصر ذلك فيقول :
يخرج من هذا من الزبيب كذا ومن التمر كذا وكذا ، فيحصى عليهم وينظر
مبلغ العشر من ذلك فيثبت عليهم ثم يخلى بينهم وبين الثمار فيصنعون ما أحبوا ،
وإذا أدركت الثمار أخذ منهم العشر. هكذا فسره بعض أهل العلم ، وبهذا
مقول مالك والشافعى وأحمد واسحاق .
حدثنا أبو عمرو مسلم بن عمرو الحذاء المدينى نا عبد الله بن نافع عن محمد
ابن صالح التمار عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد: (( أن
النبى ◌َّ له كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم)).
وبهذا الإسناد: إن النبي ◌َّ الج قال فى زكاة الكروم: ((إنها تخرص كما
يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيباً كما تؤدى زكاة النخل تمراً )) .
قال أبوعيسى : هذا حديثحسن غريب. وقد روى ابن جريج هذا الحديث
عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ، وسألت محمداً عن هذا ؟ فقال : حديث
ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أصح .
الكيل أم يترك لهم ما يأكلونه رطباً ؟ فقال مالك وأبو حنيفة - وساعدهما الثورى - :
أنه لا يترك لهم شئ ، وهذا يدل على أن مالكاً وسفيان لم يراعيا حديث سهل
ابن أبى جثمة فى الرفق فى الخرص وترك الثلث أو الربع أو لم يرياه . وقال
محمد وأبو يوسف: يراعى ٠! يأكل الرجل وصاحبه وجاره، حتى لو أكل جميعه
رطباً لم يجب عليه شئ، وإنما يجب مما أونى بالحصاد وضمه إلى الجرين آه .
والمالكية قائلون برفع المؤونة من العشر . قال الشيخ: وقيل: هذا القول يدل على
أن الخرص ليس بأمر تحقيقى يكون مناطاً لفصل الأمر ، وإنما هو أمر تقريبى

٢٥٢
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى العامل على الصدقة بالحق )
حدثنا أحمد بن منيع نا يزيد بن هارون نا يزيد عياض عن عاصم بن عمر
ابن قتادة .
الحرز والتخمين ، فروعيت أحوال أرباب الثمار توسعةً عليهم ، وظنى أن هذا
هو المراد من قوله عَّله. أقول: لم أقف على قائله صراحةً، نعم إنما يلائم
مسلك الحنفية فى المسألة والله أعلم .
ثم إنه يستفاد من كلام صاحب " البدائع" (٢ - ٦٤ ): أن صاحب
الثمر لو أكل من ثمره أو أطعم غيره يضمفى عشره عند أبى حنيفة ، ولا يضمن
عند أبى يوسف ، ذهاباً إلى أن ترك الثلث أو الربع فى الحديث لأجل هذا ،
فاحتج بحديث سهل بن أبى حثمة . قال الشيخ: وبالجملة الأكل بالمعروف من
ثمره جائز لصاحب الثمر من غير أن يكون فيه العشر عند أبى يوسف ، وبذلك
أفى الفقيه أبو جعفر الهندوانى بأن المالك جاز له أن يأكل بالمعروف قبل الخرص .
أقول : ولم أجد قول أبى جعفر الهندوانى فى الكتب التى عندى ، فإن كان النقل
عنه ثابتاً فكأنه اختار قول أبى يوسف وأفتى به والله أعلم. وقالت طائفة من
المالكية فى شرح هذه الجملة : إن مقدار هذا الثلث أو الربع جاز للمالك أن
يعطيه الفقراء بنفسه ولا يجب عليه رفعه إلى بيت المال والله أعلم .
-: باب ما جاء فى العامل على الصدقة بالحق :-
ذكر فى الباب حديث رافع بن خديج من طريقين : طريق يزيد بن
عياض وطريق محمد بن اسحاق ، ورجحها على الأولى ، فإن حديث ابن
اسحاق لا ينزل عن الحسن. قال القاضى أبوبكر فى "العارضة": المعنى صحيح،

٢٥٣
معنى قوله : العامل على الصدقة بالحق كالغازى فى سبيل الله
ح وحدثنا محمد بن اسماعيل نا أحمد بن خالد عن محمد بن اسحاق عن عاصم
ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله
لي يقول: ((العامل على الصدقة بالحق كالغازى فى سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)).
قال أبوعيسى: حدیث رافع بن خديج حدیث حسن ، ویزید بن عياض
ضعيف عند أهل الحديث ، وحديث محمد بن اسحاق أصح .
( باب فى المعتدى فى الصدقة )
حدثنا قتيبة نا الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن سعيد بن سنان عن
أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه عَ لّ: ((المعتدى فى الصدقة كمانعها)).
قال: وفى الباب عن ابنعمر وأم سلمة وأبى هريرة. قال أبوعيسى: حديث
أنس حديث غريب من هذا الوجه ، وقد تكلم أحمد بن حنبل فى سعد بن سنان ،
وذلك أن اللّه ذو الفضل العظيم ، قال : من جهز غازياً فقد غزا ، ومن خلفه
فى أهله بخير فقد غزا ، والعامل على الصدقة خليفة الغازى ، لأنه يجمع مال
سبيل اللّه فهو غاز بعمله وهو غاز بنيته ، وقد قال عليه السلام: ((إن بالمدينة
قوماً ما سلكتم وادياً ولا قطعتم شعباً إلا وهم معكم حبسهم العذر، فكيف بمن
حبسهم العمل للغازى وخلافته وجمع ماله الذى ينفقه فى سبيل الله ؟! وكما لابد
من الغزو فلابد من جمع المال الذى يغزى به ، فها شريكان فى النية شريكان فى
العمل ، فوجب أن يشتركا فى الأجر اهـ .
-: باب فى المعتدى فى الصدقة :-
ذكر فى الباب حديث سنان بن سعد عن أنس بن مالك ، قال القاضى

٢٥٤
معارف السنن
ج - ٥
وهكذا يقول الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن سعد بن سنان عن أنس
ابن مالك .
قال أبوعيسى : وسمعت محمداً يقول: والصحيح سنان بن سعد. وقوله:
((المعتدى فى الصدقة كمانعها)) يقول: على المعتدى من الإثم كما على المانع
: إذا منع.
. فى " العارضة": الصدقة دائرة بين آخذ ومأخوذ منه، فالآخذ يلزمه فى أخذه
وظائف ويتعلق به حدود ، وكذلك المأخوذ منه مثله ، ومن يأخذ ما ليس له
كمن يمنع ما عليه ، لأن كل واحد قد يتعدى حدود الله، فهما شريكان فى الإثم
الخ . وقيل : المعتدى هو الذى يعطيها غير مستحقها، والأول أنسب بمقابلة
العامل بالحق، ووجه الشبه: أن الساعى إذا أخذ الخيار أو أكثر فإن المالك
ربما يمنعها فى السنة الأخرى، فكان ظلماً للفقراء ، فيكون هو فى الإثم كمانعها ،
قاله أبو الطيب السندى فى شرحه ، واختار ذلك الشرح الأول الحافظ التوربشتى
الحنفى ، وشيخه الشيخ محى السنة البغوى ، وغيرهما من الأعلام .
والإختلاف فى اسم " سعيد بن سنان" على ثلاثة وجوه : الأول: سعيد
ابن سنان . الثانى: سعد بن سنان. الثالث: سنان بن سعد ، فقيل : الكل رجل
واحد ، والصواب فيها الثالث، وإليه مال البخارى ، وابن معين ، وابن يونس
وابن حبان ، وهو من رجال السنن ما عدا النسائى . قال فى " التقريب":
صدوق له أفراد .

بيان أن الشرع أرشد كلاً من المصدق والساعى إلى ما يليق بمكانته ٢٥٥
( باب ما جاء فى رضا المصدق )
حدثنا على بن حجر نا محمد بن يزيد عن مجالد عن الشعبى عن جرير
قال: قال النبى مَّل: ((إذا أتاكم المصدق فلا يفارقنكم إلا عن رضاً)).
حدثنا أبو عمار ثنا سفيان عن داؤد عن الشعبى عن جرير عن النبى
بنحوه
قال أبوعيسى : حديث داؤد عن الشعبى أصح من حديث مجالد ، وقد
ضعف مجالداً بعض أهل العلم ، وهو كثير الغلط :
-: باب ما جاء فى رضا المصدق :-
ذكر فى الباب حديث جرير ، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داؤد
من طريق محمد بن اسمعيل عن عبدالرحمن بن هلال العبسى عن جرير بن عبدالله،
وزاد أبوداؤد: ((قالوا: يا رسول الله وإن ظلمونا؟ قال: أرضوا مصدقيكم وإن
ظلمتم)) . والمصدق - بتخفيف الصاد - : العامل . وفى حديث جابر بن عتيك
عند أبى داؤد: ((وخلوا بينهم وبين ما يبتغون ، فإن عدلوا فلأنفسهم ، وإن
ظلموا فعلیھا ، وأرضوهم فإن تمام ز کاتكم رضاهم» . وعندہ فی حدیث بشير بن
الخصاصية: ((أفنكتم بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: لا)). فهذه الأحاديث كلها
ناطقة فى إرشاد المصدق للصر عند التعدى وإرشاده ولمكارم الأخلاق ، كما
أرشد الساعى إلى آداب كما فى الباب السابق ، فكلا أرشده إلى ما يليق بمكانه
ومكانته، ولذا رد البيهقى قول الشافعى فى معنى حديث الباب: أن يوفوه طائعين
ويتلقونه بالترحيب لا أن يؤتوه من أموالهم ما ليس عليهم اهـ. فقال البيهقى :
وهذا الذى قاله الشافعى محتمل لولا ما فى رواية أبى داؤد من الزيادة الخ ،
وانتصار أبى الطيب فى شرحه للشافعى بحديث: ((من سئل فوقها فلا يعط)» ليس

٢٥٦٠
معارف السنن
ج - ٥
(باب ما جاء أن الصدقة تؤخذ من الاغنياء
فترد على الفقراء)
حدثنا على بن سعيد الكندى نا حفص بن غياث عن أشعث عن عون بن
أبى جحيفة عن أبيه قال: ((قدم علينا مصدق النى عَ ل فأخذ الصدقه من
أغنيائنا فجعلها فى فقراثنا ، وكنت غلاماً يتيماً، فأعطانى منها قلوصاً)).
وفى الباب عن ابن عباس . قال أبوعيسى : حديث أبى جحيفة حديث
حسن غريب .
بذاك فإنه لا يقاوم تلك الروايات ، ولم أقف على حال حديثه والله أعلم.
.: باب ما جاء أن الصدقة تؤخذ من الأغنياء الخ :-
ذكر فى الباب حديث أبى جحيفة . والقلوص - بالفتح - : الناقة الفتية ،
جمعها : قلاص بالكسر . والظاهر من حديث الباب التصدق على فقراء البلاد ،
وهو الأولى ، إلا إذا كان غيرهم أحوج .
ومسألة نقل مال التصدق خلافية ، جاز عند أبى حنيفة وأصحابه والليث
ابن سعد، وروى عن الشافعى، ولم يجز فى المشهور عنه إلا إذا غدم المستحقون
هناك ، ولا ينقل عند مالك، وأجزأ إن نقل. وحديث معاذ: ((خذ من
أغنيائهم وردّ فى فقرائهم)) ليس نصاً فى فقراء البلاد، لأن الضمير راجع إلى
فقراء المسلمين لا إلى أهل اليمن . وراجع " البحر الرائق" قبيل صدقة الفطر.
وللتفصيل مجال غير هذا ، والحديث فيه أشعث بن سوار ضعيف إلا أن مسلماً
أخرج له فى "صحيحه" متابعةً ؛ فالحديث حسن ، ولكونه تفرد به صار غريباً
والله أعلم .

٢٥٧
بيان الأقسام الثلاثة للغنى
( باب من تحل له الزكاة )
حدثنا قتيبة وعلى بن حجر - قال قتيبة : حدثنا شريك ، وقال على : أنا
تنبيه : هذه الأبواب الثلاثة لم يتعرض لها فى " العرف الشذى
-: باب من تحل له الزكاة :-
الغنى على ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يملك نصاباً نامیاً من جنس واحد .
والثانى : أن يملك قدر نصاب غير نام زائد على قدر حاجته .
والثالث : من لا يملك نصاباً .
فالأول : تجب عليه الزكاة ويحرم عليه أخذها .
والثانى : لا تجب عليه الزكاة ، غير أنه يحرم عليه أخذها ، وتجب عليه
الفطرة والأضحية .
والثالث: لا يجب عليه شىء، وجاز له أخذ الزكاة ، ويحرم عليه السؤال
ما دام يملك قوت يوم وليلة. هذا ملخص ما فى " البحر الرائق " بإيضاح
(٢ - ٢٤٠ و ٢٥٠) (باب المصرف من كتاب الزكاة ). وقد اضطربت
الروايات فى ضبط القسم الثالث ، وكذلك اضطربت فيه أقوال فقهاء الحنفية ،
فذكر فى "كنز الدقائق" فى آخر ( باب المصرف ) : ولا يسأل من له قوت
يومه . وقال ابن قدامة فى " المغني" (٢ - ٥٢٣): واختلف العلماء فى الغنى
المانع من أخذها أى الزكاة، ونقل عن أحمد فيه روايتان أظهرهما: أنه ملك خمسين
( ٢ - ٢٣ )

٢٥٨
معارف السنن
ج - ٥
شريك ، المعنى واحد - عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن
أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول اللّه عَ لّ: (( من سأل الناس وله ما
درهماً أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام ، وهو قول الثورى والنخعى
وابن المبارك وإسحاق . والثانية : ما تحصل به الكفاية ، فإذا لم يكن محتاجاً
حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئاً ، وإن كان محتاجاً حلت له الصدقة وإن
ملك نصاباً ، وهو قول مالك والشافعى اهـ ملخصاً . وفى كتب الشافعية :
ولا يسأل من يملك خمسين درهماً، والغزالى فى " الإحياء " يجعل ملك قوت يوم
وليلة فى حق من ليس له أهل وعيال ، وخمسين درهماً فى حق صاحب العيال ،
وتعرض إليه صاحب "الإحياء" فى الجزء الأول من بيان دقائق الآداب الباطنة
فى الزكاة (١ - ١٦١). وفى "مجمع البحار" عن الطيبي: خمسون درهماً ليس
بعام بل فى حق من يكفيه دون من له عيال كثير ولا يقدر على الكسب ،
وبظاهره أخذ أحمد وغيره ، وحد به الغنى اهـ .
وكذلك الأحاديث اختلفت فى حد الغنى ، ففى بعضها : من له قوت يوم
وليلة ، وفى بعضها : من كان ذا مرة سوى ، أى يقدر على الكسب . وفى
بعضها : من يملك خمسين درهماً. فالأول : فى حديث سهل بن الحنظلية عند
أبى داؤد وابن حبان و"صحه". والثانى: يأتى فى الباب الثانى فى حديث عبدالله
ابن عمرو . والثالث : فى حديث الباب ، وقد أخرجه النسائى وأبوداؤد وابن
ماجه والدارمى وغيرهم، وفى حديث عبد الله بن عمرو: ((أربعون درهماً))
( ن )، وفى آخر: ((أوقية أو عدلها)) وهى أربعون درهماً، وفى آخر :
((مائتا درهم)). وأطنب فيه الإمام أبو جعفر الطحاوى فى " شرح معانى
الآثار" فى ( باب ذى المرة السوى الخ ) من الجزء الأول و ( باب المقدار الذى
بحرم المسألة ) من كتاب الزيادات من الجزء الثانى ، وراجعه فقد أجاد البحث

٢٥٩
هل يجرم العطاء إذا علم أن الرجل ملك قوت يومه ؟
يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته فى وجهه خوش أو خدوش أو كدوح ، قيل :
يا رسول الله! وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً، أو قيمتها من الذهب».
على دأبه روايةً ودرايةً بما لا تجد فى غيره . وحاصل ما ذكره فى البابين:
حمل الروايات المختلفة على اختلاف الأحوال .
مسألة : وإذا حرم السؤال عليه إذا ملك قوت يومه فهل يحرم العطاء له
إذا علم حاله؟ فذكر فى " الأشباه والنظائر" و"البحر الرائق": أن المعطى
يأثم بالإعطاء لمثله ، لأنه إعانة على الحرام . وفى شرح " المشارق" للشيخ
أكمل الدين: أنه لا يأثم إذا جعله هبةً، وبالهبة للغنى أو لمن لا يكون محتاجاً إليه
لا يكون آئماً، كما حكاه صاحب "البحر". قال الشيخ: وكان مولانا الشيخ
رشيد أحمد الكنكوهى يفتى بالأول . وينبغى أن يفصل فى المسألة بأنه لو علم
المعطى أن السائل يتخذه عادةً يأثم وإلا فلا إثم عليه ، وتدل عليه فروع فى
"الهداية" من كتاب الكراهية . ولا يجوز لرجل أن يطعم كلبه لحم الميتة باختياره ،
كما ذكره ابن وهبان فى " منظومته" :
خبيث حرام نفعه متعذر
وما مات لم تطعمه كلباً فإنه
هذا البيت فى الذبائح والصيود من "منظومته الجليلة"، وذكره صاحب
"الدر المختار" أيضاً. وقال ابن عابدين: الإطعام: حمله إليه، وأما حمل الكلب
إليه فكحمل المهرة لميتة جائز ، "شرنبلالى" اهـ. وذكر ابن الشحنة فى شرحها:
أن لو قطع الميتة وأطعمها كلبه يأثم بذلك ، وإن لم يقطعها ولم يطعمه فلا يأثم
به . وبالجملة ربما يختلف الحكم بإختلاف الأحوال .
قوله : خوش أو خدوش الخ .
كلمة " أو" قيل: الشك من الراوى، وقيل: هى فى الرواية نفسها

٢٦٠
معارف السنن
ج - ٥
وفى الباب عن عبد الله بن عمرو . قال أبوعيسى : حديث ابن مسعود
حديث حسن ، وقد تكلم شعبة فى حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث .
حدثنا محمود بن غيلان نا يحيى بن آدم نا سفيان عن حكيم بن جبير بهذا
الحديث ، فقال له عبد الله بن عثمان صاحب شعبة: لو غير حكيم حدث بهذا!
فقال له سفيان : وما لحكم لا يحدث عنه شعبة؟ قال: نعم . قال سفيان :
سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، والعمل على هذا عند
بعض أصحابنا ، وبه يقول الثورى وعبد الله بن المبارك وأحمد واسماق ، قالوا :
إذا كان عند الرجل خمسون درهماً لم تحل له الصدقة ، ولم يذهب بعض أهل
العلم إلى حديث حكيم بن جبير ، ووسعوا فى هذا ، وقالوا : إذا كان عنده
التنويع ، وفى البعض زيادة وشدة ليست فى الآخر ، ولعل ذلك الإختلاف
باختلاف الأحوال فى ذلك ، وكلا التوجيهين ذكره القارى فى " المرقاة".
ويستفاد من " النهاية" و"اللسان" وغيرهما من معاجم اللغة: أن الخمش
فوق الخدش ، فالخدش : قشر الجلد بالعود ونحوه ، والخمش يرادفه ، ويطلق
على خدش الوجه خاصة ، وعلى الجرح أيضاً . والكدح: العض، وجمعت هذه
المصادر حيث أريد بها آثارها ، كما فى " مجمع البحار" وغيره .
قوله : حكيم بن جبير . من رواة الأربعة كوفى . قال فى " التقريب":
ضعيف رمى بالتشيع. وقوله: ((مالحكيم)) يريد به الإنكار على شعبة فى ترك
الرواية عنه ، يعنى : ما ذا حدث لحكم حتى لا يروى عنه شعبة ؟ ثم ذكر
سفيان متابعاً له زبيداً ، وهو ابن الحارث بن عبد الله أبو عبد الرحمن الكوفى ،
ثقة من رجال الجماعة .