النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
بيان أن دليل الحنفية يكاد يفوق دليل الشافعية
و قال فى(٦ - ١٥٠): فيها بيان المصارف، فليس مما ينبغى أن یکتنى به، بل كان ينبغى
أن يفصح بأن فيها فرائض الصدقات ، كما صرح به فى مواضع: بأن فيها فرائض
الصدقة، وعزاه إلى طريق ابن شهاب عند أحمد، منها ما فى "الفتح" (١ - ١٨٣)
و(١٢-٣٦). وقد ذكر فى كتاب العلم وكتاب الفرائض سبب اختلاف الرواة،
بأنه من قبيل حفظ كل ما لم يحفظه الآخر ، وقد صرح له البخارى فى روايته
(١ - ٤٣٨) بذلك، فقال فى روايته: ((فأخبره أنها صدقة رسول اللّه صَلَّه ،
فر سعاتك يعلموا بها، فأتيته بها فقال: أغنها عنا الخ)). واختلف الشارحون فى
عدم عنايته بها. راجع له "الفتح" (٦ - ١٥٠). قال الشيخ: وعلى ذلك
يمكن لأحد أن يدعى أن مما يستدل به الحنفية قد أخرجه البخارى فى "صحيحه"،
فساوى دليل الحنفية والشافعية من جهة إخراج البخارى إياها ، بل يكاد
يفوق دليل الشافعية ، فإن البخارى قد أخرج مستدل الشافعية فى " صحيحه "
فى مواضع بسند واحد من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى ، أى فى الزكاة ،
وقد كرره بهذا السند أيضاً فى الشركة ، وفى الخمس ، وفى اللباس مرتين ،
وفى الجيل ، فالكل أحد عشر موضعاً ، وليس بهذا التكرار عنده فى الصحيح
غيره ، واضطر إليه حيث لم يجد أجود منه إسناداً فى الباب ، ومع أن هذا
السند الأعلى فى الباب اعترضه الدار قطنى فى كتاب " التقيع على الصحيحين "
كما فى "العمدة": بأن ثمامة لم يسمعه من أنس، ولا سمعه عبد الله بن المثنى
من ثمامة . وفى "أطراف المقدسى" عنى ابن معين: حديث ثمامة عن أنس لا يصح
وليس بشئ الخ . ومثله فى "الجوهر النفى" و "التلخيص الحبير" و "الهدى"
مقدمة " الفتح"، وعبد الله بن المثنى اختلف فيه ، وضعفه بعضهم . قال فى
"الفتح" (٩ - ٥١٤): قد قال ابن معين: ليس بشئ، وقال النسائى: ليس
بقوى، وقال أبو دائد : لا أخرج حديثه ، وقال الساجی : فيه ضعف، لم يكن
من أهل الحديث ، روى مناكير . وقال العقيلى : لا يتابع على أكثر حديثه ،

١٨٢
معارف السنن
ج - ٥
وقال ابن حبان فى "الثقات": ربما أخطأ، ووثقه العجلى والترمذى وغيرهما
اهـ. وفى "العمدة" (٤ - ٣٦٦): وذكره ابن الجوزى فى الضعفاء ،
وقال : قال أبو سلمة : كان ضعيفاً فى الحديث الخ . فكان دليل الحنفية فوق
دليل الشافعية سنداً ، وقد قال ابن معين: إن كتاب على بن أبى طالب هذا أثبت
من كتاب عمرو بن حزم، كما ذكره فى "كنز العمال" (٣ - ١٨٧ ).
غير أنه لم يذكر أىّ كتاب بربده. والظاهر أنه يريد كتابه فى الصدقات .
قال الراقم : وهو المتعين بدليل قوله : "من كتاب عمرو بن حزم"، وكتاب
عمرو بن حزم إنما هو فى الصدقات ، وفيه عدة أحكام من الصدقة وغيرها .
ولم يخرج مسلم فى "صحيحه" فى نصب الصدقات وفرائض الزكاة ، ووجه ذلك
عدم وجود إسناد له على شرط يرتضيه ، فلذا لم يخرج حديث عبد الله بن المثنى
ولا كتاب عمرو بن حزم ولا كتاب أبى بكر ، فكان شرط مسلم أشد ههنا من
شرط البخارى .
ثم إن حديث الباب هو من طريق سفيان بن حسين عن الزهرى وهو ضعيف
فى الزهرى ، يكادون يتفقون على تضعيفه فى الزهرى ، كما اتفقوا على توثيقه
فى غير الزهرى . أنظر "التقريب" و"التهذيب"، ولكن تابعه سلمان بن كثير
أخو محمد بن كثير ، كما فى "نصب الرأية"، فرفعاه، ورواه جماعة عن
الزهرى فوقفوه ، وعلى كل حال حديث الباب أقرب إلى الحجازيين منه إلى
العراقيين ، حيث يستقيم على مذهب الحجازيين فى الكل ، ويستقيم على مذهب
العراقيين بعد خمسين ومائة. علا أن رواية " سنن أبي داود" (١ - ٢٢٠ )
نص فى مذهب الحجازيين ، حيث يذكر الراوى تفصيلاً ما أجمل ههنا ،
فيقول : فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ
تسعاً وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة الخ .

١٨٣
تحقیق حديث الباب
قال الشيخ : ولكنى أقول : إن الزيادة مدرجة من الراوى ، فإنه لو كان
هذا متن كتاب رسول اللّه حَلّ فكيف لم يعتن به البخارى والترمذى ولم يروياه
تماماً ؟! ويؤيد ذلك أن لما رواه الدارقطنى فى " سننه" بهذا التفصيل فقال
فى أوله : وهذا كتاب تفسيرها لا يؤخذ فى شئ من الإبل الصدقة حتى يبلغ
خمس ذود ، إلا أن ذكر فيه مثل ما فى حديث أبى داؤد من الزيادة ، فلا بد
أن يقال : أنه من إدراج الراوى ولا حجة فى مثله ، أخرجه ( ص ٢٠٩ ).
وأخرجه أبو عبيد فى "الأموال" ( ص ٣٦٠) ، كل من طريق ابن شهاب .
ويقول الراقم: وإن مما يؤيد أن هذا التفسير من زيادة الراوى أن أبا عبيد
أخر جه فى " الأموال". منی طریق یزید بن هارون عن حبيب بن أبى حبيب
عن عمرو بن حزم عن محمد بن عبد الرحمن الأنصارى، وفيه: ((فإذا بلغت الإبل
عشرين ومائة فليس فيما دون العشر شئ ، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها ابنتا
لبون وحقة الخ))، وأوصل الحساب فيه إلى ثلاثمائة، فقال : فإذا بلغت تسعين
ومائتين ففيها ست بنات ليون وحقة ، أو خمس حقاق وبنت لبون إلى أن تبلغ
ثلاثمائة ، فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها ست حقاق ، أو خمس بنات لبون وحقتان ،
ومن أى هاتين السنين شاء أن يأخذ المصدق أخذ، فإذا زادت الإبل على ثلاثمائة
ففى كل خمسين حقة ، وفى كل أربعين بنت لبون اهـ .
ونبه أبو عبيد على اختلاف روايتى حبيب بن أبى حبيب وابن شهاب ،
وفى هذا السياق فوائد لا تخفى على المتأمل . علا أنه نص فى خلاف مذهب
الشافعى بعد العشرين والمائة فى الوقص ، ولا شك أن القول الوسط أن كلاً
منهما من الراوى فلا حجة لأحد فيه . ثم إن رواية حبيب أيضاً عند الدار قطنى
مع المخالفة لرواية حبيب عند أبى عبيد والله أعلم .

١٨٤
معارف السنن
ج - ٥
ولا يجمع بين متفرق ،
ثم بعد هذا البحث والفحص: الحق - كما قال شيخنا - أن كلا من الصورتين
تتأدى بها الفريضة وكل ترتيب سائغ، والمرأ مخير بينهما كما اختاره الحافظ ابن
جرير الطبرى حيث قال: ويتخير بين الاستيناف وعدمه لورود الأخبار بها اهـ .
ذكره الخطابى فى "المعالم" والنووى فى "شرح المهذب" والبدر العينى فى "العمدة"،
ولأبى بكر الرازى فى " أحكام القرآن" وللفخر الزيلعى فى "التبيين" كلام متين
فى ترجيح ما اختاره أبو حنيفة رحمه الله تعالى فراجعها. فمن شاء أخذ بما قاله
العراقيون ومن شاء أخذ بما اختاره الحجازيون ، فنقطع القول بأن كلّ من
الترتيبين ثابت من عهد النبوة ، وجرى بكل التعامل فى عهد الخلفاء الأربعة ،
وتعامل به السلف فيما بعد ، فلا مساغ لإنكار أحد من القولين . فمن العجيب
قول بحر العلوم فى "رسائل الأركان" ( ص ١١٧): أن الأشبه هو قول
الشافعى وأحمد ، وأن حجتهم أقوى من حجة الحنفية الخ ! . قال الشيخ : إن
ما ذهب إليه أبو حنيفة لا شك أنه متوارث من عهد الخلفاء أيضاً ، وأى توارث
یکون أقوى من شئ جرى به تعامل على رضى الله عنه فى عهد خلافته، وتعامل
عبد الله بن مسعود به فى عهده ، ثم أهل العراق قاطبة إلى سفيان الثورى وأنى
حنيفة رحمهما اللّه؟! فكيف يقال : أن حجتهم ليست بقوية ؟
قوله : ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع الخ .
هذا النهى قيل: للمصدق ، وهو الساعى ، ونسب إلى الشافعى . وقيل:
المالك ، ونصب إلى مالك . وقيل : نهى لهما جميعاً ، وروى عن الشافعى . وهذا
الثالث حكاه أبو عبيد وغيره ، ثم الحافظ فى " الفتح"، كلهم عن الشافعى .
ويظهر من "المؤطأ" وغيره: أن الثانى مذهب مالك. وقال فى " الفتح":

١٨٥
شرح قوله: مخافة الصدقة وتحقيق خلطة الجوار والشيوع
ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة .
لكن الذى يظهر أن حمله على المالك أظهر والله أعلم. اهـ. ويظهر من كتب
الحنفية أن النهى لها جميعاً. أنظر "العمدة" (٤ - ٣٥٤) من عبارة "المحيط".
وقوله : مخافة الصدقة . متعلق بالنفى ، وقيل بالمنفى ، ولكن تعلقه بالنفى
أظهر على قواعد البلاغة ، كما تقدم بيانه فى ضمن بحث " الفاتحة خلف
الإمام " . وههنا مسألة خلافية مشهورة، وبها يتوقف إيضاح هذا المقام، فقال
مالك والشافعى وأحمد : إن جمع المتفرق وتفريق المجتمع أعم من أن يكون فى
خلطة الجوار أو فى خلطة الشيوع ، وكل منها عندهم مؤثر فى وجوب الزكاة
وتقديرها . واعلم أن الخلطة - بالضم - : الشركة ، وبالكسر : العشرة ، کما فى
" لسان العرب " ، فالصحيح ههنا بالضم دون الکسر ، کما اشتهر بين أرباب
التدريس العامة اليوم . ثم الخلطة بالضم ضربان ، أحدهما : أن يكون المال مشتركاً
مشاعاً بين المالكين بالإرث أو الهبة أو الشراء، وتسمى: خلطة شيوع، وخلطة اشتراك ،
وخلطة أعيان . والثانى : أن يكون لكل واحد منهم ماشية متميزة ولا اشتراك
بينهما ملكاً ولكنها متجاورة مختلطة فى المراح والمسرح والمرعى وغيرها ، وتسمى:
خلطة أوصاف وخلطة جوار ، ولا يشترط فيها التساوى فى الملك . فهذه
الخلطة مؤثرة عند الشافعى وأحمد ومالك فى الزكاة، وبها يصير مال الشخصين أو
الأشخاص كمال شخص واحد فى وجوب أصل الزكاة وتقديرها من تقليلها
وتكثيرها ، غير أن مالكاً يشترط لتأثيرها بلوغ مال كل من الخلطاء إلى نصاب
الصدقة ، وبهذا قال الثورى وأبو ثور وابن المنذر . هذا ملخص ما فى " شرح
المهذب " و"المغنى" وغيرهما.
( ٢ - ٢٤ )

١٨٦
معارف السنن
ج - ٥
ثم القائلون بتأثير خلطة الجوار اشترطوا لها تسعة شروط ، وهى : الإتحاد
فى المرعى، والمسرح، والمراح، والفحل، والراعى، والمشرب، والمحلب - بالكسر:
الإناء الذى فيه يحلب ـ ، والحالب ، والكلب ، فهى تسعة . وزاد النووى فى
" شرح المهذب»: نية الخلطة، فمجموعها عشرة . وذكر فى بعضها خلافاً عن
بعضهم ، وهذه عند الشافعى . وقد نظمتها فقلت :
وكلب ونل ثم حوض وحالب
مراح ومرعى ثم راع ومحلب
وقصد لخلط زيد فيها فيحسب
فهذى ثمان قبل تسع بمسرح
وعند أحمد ستة أوصاف: المسرح ، والمراح ، والمحلب ، والمشرب،
والفحل ، والراعى . ومثله مذهب مالك مع اختلاف بعض أصحابه فى مراعاة
بعضها أو جميعها ، حتى قال بعض أصحابه باشتراط الراعى والمرعى فقط ، كما
فى " مغنى ابن قدامة" (٢ - ٤٨٢). ثم هذه شروط مختصة بخلطة الجوار .
ولتأثير نفس الشركة فى إيجاب الزكاة ثلاثة شروط أخرى : كون الشريكين من
أهل الزكاة ، وكون المال المشترك نصاباً ، ومضى حول كامل عليها . وبعضهم
يضمون هذه الثلاثة مع ستة من تسعة مذكورة ، فيجعلونها تسعة فاعلمه . أنظر
للتفصيل " شرح المهذب" (٥ - ٤٣٢ وما بعدها) و"المغنى" و"قواعد ابن
رشد" . وحجتهم فى ذلك ما فى حديث سعد بن أبى وقاص عند الدار قطنى
والبيهقى: ((والخليطان ما اجتمعا فى الحوض، والفحل، والراعى)). وفيه ابن
لهيعة ، وقد ضعفوه ، وأنكر ابن حزم خلطة الجوار كأبى حنيفة ، وأطال فى
رده . ومما قال: فهذه زكاة ما أوجبها اللّه تعالى قط، وحكم بخلاف ما حكم الله
تعالى وحكم رسول اللّه فَ له، وجعلوا لمال أحدهما حكماً فى مال الآخر، وهذا باطل،
وخلاف القرآن والسنن ، واشتراط الشروط التسعة المذكورة وغيرها تحكم بلا
دليل أصلاً ، لا من قرآن ، ولا من سنة ، ولا من قول صاحب، ولا من قول

١٨٧
بقية بحث بحث خلطة الجوار والشيوع
قباس ، ولا من وجه معقول ، وليت شعرى من جعل الخلطة مقصورة على
الوجوه المذكورة التى دكروها دون أن يزيد به الخلطة فى المنزل أو فى الصناعة
أو فى الشركة أو فى المغنم .... ولو وجبت بالاختلاط فى المرعى لوجبت فى
كل ماشية فى الأرض ؟ لأن المراعى متصلة فى أكثر الدنيا ، إلا أن يقطع بينها
بحر أو نهر أو عمارة اهـ.
وبالجملة فإذا كانت السائمة بين ملاك وثبتت الخلطة بينهم بالإتحاد فى تلك
الأمور فهى مثل الشركة باعتبار الملك فى وجوب الزكاة وتقديرها . مثاله :
رجلان لكل واحد عشرون شاة يجب بالخلطة شاة ، ولو انفردا لم يجب شئ ،
فعلى كل نصف شاة بحصته ، وكذا لو كانت أربعون شاة لأربعين رجلاً ،
فتجب بالخلطة شاة ، وهذا عند الشافعى وأحمد ، حيث لا يشترطان بلوغ مال
كل أحد إلى النصاب ، وهذا مثال لنفس إيجاب الزكاة . وأما مثال التكثير فهو
أن يخلط مائة شاة وشاة بمثلها ، يجب على كل واحد شاة ونصف ، ولو انفردا
وجبت على كل شاة فقط. ومثال التقليل : أن يكون ثلاثة رجال لكل أربعون
شاة فخلطوها يجب على كل ثلث شاة ، ولو انفرد كل لزمه شاة كاملة . كذا
فى " شرح المهذب". وقال مالك: لا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون
لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة ، ذكره فى "الموطأ". مثاله: ثلاثة نفر
لكل أربعون شاة كما ذكر آنفاً . وراجعه من ( - ١١٣ ).
وبالجملة هم يقولون : إذا كانت الماشية متفرقة غير مختلطة فى هذه الأمور
المذكورة لا تجمع خشية الصدقة ، نعم إذا كانت مختلطة بتلك الخلطة فحكمها
حكم مال رجل واحد لا يفرق بينها مخافة الصدقة . وعند أبى حنيفة لا عبرة
بهذه الخلطة أصلاً، فكل من كان خليطاً بهذه الخلطة لا أثر لها فى الزكاة وجوباً
أو تقليلاً أو تكثيراً، وإنما المؤثر هو الملك دون الخلطة ، كرجلين ملكا ثمانين

١٨٨
معارف السنن
ج - ٥
شاة بالوصية أو الإرث أو الشراء فتجب فيها شاتان ، فلا تجمع حتى تكون فيها
شاة واحدة. قال فى "المبسوط" (٢ - ١٥٤): والمراد من الجمع والتفريق
فى الملك لا فى المكان ، لإجماعنا على أن النصاب إذا كان فى ملك واحد يجمع
وإن كان فى أمكنة متفرقة ، فدل على أن المتفرق فى الملك لا يجمع فى حق الصدقة
اهـ . حكاه فى "العمدة"، ومثله فى "البدائع" (٢ - ٢٩).
وبالجملة العبرة عندنا للشركة باعتبار العين والملك أو العقد مفاوضةً وعناناً،
ويعتبر فى حال الشركة ما يعتبر فى حال الإنفراد ، وهو كمال النصاب فى حق
كل ، فخالفنا الشافعى وأحمد فى الأمرين جميعاً ، ومالك فى الأول فقط ، ومثله
الأوزاعى ، ووافقنا سفيان الثورى فى الأمرين جميعاً، كما ذكره أبوعبيد فى
* الأموال"، وهو مذهب أهل العراق كافة فافهمه . وبقية تفصيل الفروع
والجزئيات يطلب من المبسوطات . وراجع "مبسوط السرخسى" و" بدائع
الكاسانى" و "الخانية"، وفيما ذكرته كفاية ومقنع. وراجع لفروع الشافعية
" شرح المهذب" للنووى، ويكفى ما ذكره صاحب " اللسان" فى مادة ( خ -
ل ـ ط). وأراد الشيخ ابن الهام فى " الفتح" (١ - ٤٩٦) تبعاً لـ "المبسوط"
و "المحيط" و"البدائع"، كما تقدمت عباراتهم آنفاً بهذا الجمع والتفريق،
الجمع والتفريق فى الأملاك . قال الشيخ: فحمله على خلطة الشيوع، فلو خلطوا
عند ذلك خلطة شيوع لأثرت . قال: وعندى الأولى : أن يراد من هذا الجمع
والتفريق فيما كان باعتبار المجاورة وخلطة الجوار ، والمعنى فى منشأ النهى :
أنه لا ینبغی ذلك، فإنه أمر لغو لا یجدی نفعاً ولا يؤثر فى تقليل الزكاة وتکثیرها،
ومثله يقول صاحب " النهاية" وصاحب " اللسان"، فقالا: فأبو حنيفة فلا أثر
لها عنده ، ويكون معنى الحديث نفى الخلاط لنفى الأثر ، فإنه يقول : لا أثر
الخلطة فى تقليل الزكاة وتكثيرها ، وفى حديث الزكاة أيضاً: ((وما كانا من

١٨٩
شرح قوله: "وما كان من خليطين الخ"
وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية . ولا يؤخذ فى الصدقة
خليطين الخ)) الخليط: المخالط، ويريد به الشريك الذى يخلط ماله بمال شريكه،
ثم فسرا التراجع فراجعهما .
قال الشيخ: وأما وجه اختيارى هذا الشرح فهو لأجل فرق الشارع فى
تعبيره ههنا، وفى تعبيره فى قوله: ((وما كانا من خليطين الخ)) فإختلاف
التعبيرين يشير إلى اختلاف نوعى الإختلاط ، فيراد فى القطعة الأولى بالجمع
والتفريق ما كان باعتبار تلك الأمور التى ذكرها الحجازبون ، فأوافقهم فى
هذا القدر وأخالفهم فى الحكم ، ويراد فى القطعة الثانية ما كان باعتبار الخلطة
فى الشيوع دون الأمكنة فقط. ثم فى الجمع والتفريق تارةً يكون نفع المصدق
أى المالك ونقصان الساعى، كثمانين شاة بين رجلين لكل أربعين فى مكان عليحدة،
فجمعها المالكلن بالخلطة فى الأمور المذكورة لكى تجب فيها شاة ، ففى هذه
الصورة نفع المالكين ونقصان الساعى، وتارةً يكون عكس ذلك ، فأثر النفع
والبقصان بضد ذلك .
وقوله : مخافة الصدقة . نصب على أنه مفعول له ، وتنازع فيه الفعلان
"يجمع ويفرق"، ومخافة المالك كثرة الصدقة ، ومخافة المصدق قلتها ، فأمر كل
واحد منهما أن لا يحدث فى المال شيئاً من الجمع والتفريق، قاله العينى والقسطلانى
وغيرهما ، فيكون النهى لهما جميعاً كما تقدم .
قوله : وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية . أراد الحجازيون
ههنا أيضاً ما كان أعم من الخلطة ، فيشمل عندهم خلطة الجوار بالشروط التى
سبقت ، فإذا كانت ثمانون شاة بين رجلين متمايزة فأخذ الساعى منها شاة
فإن كانت الشاة المأخوذة لأبها رجع على خليطه للآخر بالنصف من قيمة الشاة

١٩٠
معارف السنن
ج - ٥
المأخوذة . وعندنا الخلطة ههنا خلطة الشيوع، فإذا كانت ثمانون شاة بين اثنين
غير متميزة فى الملك فأخذ الساعى منها شاتين، والشاتان كان ثمنهما متساوياً، فلا تراجع
بينهما أصلاً، لأن ذلك القدر كان واجباً على كل واحد منهما ، وإن كان ثمنهما
متفاوتاً أو حصتها غير متساوية ، فإنه يرجع على صاحبه بذلك القدر . ومثله
فى " البدائع" (٢ - ٣٠). وكذلك إذا كان بين رجلين إحدى وستون مثلاً
من الإبل ، لأحدهما ست وثلاثون وللآخر خمس وعشرون ، فأخذ المصدق
منها بنت لبون وبنت مخاض ، فإن كل واحد يرجع على شريكه بحصة ما أخذه
الساعى من ملكه زكاة شريكه . ومثله فى " فتح القدير" (١ - ٤٩٦).
وذلك لأن الملك كان متمايزاً، وملك كل نصاب مستقل، فكانت بنت لبون وبنت
مخاض المأخوذتان فى الصدقة مدة كتان بينها .
وعند القائلين بحيطة الجوار تجب فى الكل جذعة فى هذه الصورة، فيأخذها
المصدق ثم يرجع صاحب الخمس والعشرين على خليطه بحصته . ووقع فى
الحديث لفظ " التراجع"، وهو من باب التفاعل، يستدعى الرجوع من
الطرفين ، ويصدق ذلك على التفصيل الذى فى مذهبنا ، فإن كل واحد يرجع
على الآخر ، فلطف تعبير هذه القطعة على مذهبنا لصدق تراجع الطرفين فى
وقت واحد . وأما على مذهب الحجازيين فالتعبير غير لطيف وموقعه غير
ملائم ، حيث لا يصدق التراجع من الجانبين فى وقت واحد ، بل صاحب
الجذعة يرجع فى عام على خليطه ، ثم إذا أخذ المصدق الجذعة مثلاً فى العام
الثانى من سائمة الآخر رجع هو على صاحبه. فليفهم هذا المقام هكذا فإنه دقيق .
وفى حاشية " صحيح البخارى" للشيخ أحمد على السهار نفورى ذكر مثال من
"شرح القسطلانى" لا ينطبق على مذهب أبى حنيفة. وأما ما ذكره من "فتح ابن
الهام " و"عمدة العينى" فكل منهما منطبق على مذهب أبى حنيفة .

١٩١
البخارى يوافق أبا حنيفة فى عدم اعتبار خلطة الجوار
هرمة ولا ذات غيب)) .
وقال الزهرى: إذا جاء المصدق قسم الشاء أثلاثاً: ثلث خيار، ثلث أوساط،
وثلث شرار، وأخذ المصدق من الوسط. ولم يذكر الزهرى البقر .
ثم البخارى يوافق أبا حنيفة فى عدم اعتبار خلطة الجوار والقول بتأثير
خلطة الشيوع فقط ، والشارحان الحافظان البدر العينى وابن حجر لم ينبها على
ذلك ، وكذلك ابن حزم يوافقنا ، وذكر العينى فى "العمدة" كلامه ، وكذلك
صرح ابن رشد فى " قواعده" بمذهب ابن حزم موافقاً لأبى حنيفة ، والبحث
طويل . وبهذا القدر أكتفى الآن ، قاله الشيخ .
قوله : هرمة ، بفتح الهاء وكسر الراء : كبيرة السنن ، وقيل : كبيرة
سقطت سنها ، وقيل : أضربها كبر السنن .
قوله : إذا جاء المصدق الخ . هذا قول الزهرى نفسه فى شرح الحديث ،
وليس هو مرفوعاً من روايته فى متن الحديث . و " المصدق " اسم فاعل من
التفعيل، معناه: الآخذ ، وهو العامل ، والساعى . وإذا كان اسم فاعل من
التفعل فمعناه: المعطى، صاحب المال، كما هو المذكور فى "النهاية" و "اللسان"
و "مجمع البحار" و"العمدة" و " الفتح" وغيرها .
قوله : ولم يذكر الزهرى البقر. أى لم يذكره فى حديث ابن عمر هذا،
وما ذكره أبوداؤد فى "مراسيله" فإنما رواه الزهرى فى حديث أبىبكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وأخرجه النسائى فى "الديات" (٢ - ٢٥١)،
وكذلك لم يقع ذكر البقر فى شئ من طرق حديث أبى بكر . نعم هو فى
كتاب عمر، قاله الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٢٥٦). واتفقوا على جواز الذكر
والأنثى فى صدقة البقر والغنم دون الإبل .
١٣

١٩٢
معارف السنن
ج - ٥
وفى الباب عن أبى بكر الصديق وبهز بن حکم عن أبيه عن جده وأبىذر
وأنس . قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن. والعمل على هذا الحديث
عند عامة الفقهاء . وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهرى عن
سالم هذا الحديث ولم يرفعوه ، وإنما رفعه سفيان بن حسين .
قوله : حديث حسن . وفی حدیث الباب أنه من رواية سفيان بن حسین،
وهو ضعيف فى الزهرى وتقدم بعض بيانه ، وتابعه سليمان بن كثير ، وهو
أيضاً ضعيف فى الزهرى ، ولعل التحسين جاء من قبل شاهد صحيح . أنظر
"نصب الرأية" ( ٢ - ٣٣٨ ).
بحث وتنبيه : الخلطة بنوعيها مؤثرة فى الصدقة من وجوبها وكميتها عند
الجمهور بالشروط التى سبقت ، يقال : إن عند أبى حنيفة وأصحابه وغيرهم
من أهل العراق : أن خلطة الشيوع مؤثرة دون خلطة الجوار ، وقد أطلت فيه
تفكيرى وأوغلت فى البحث فلم أقف على تأثير خلطة الشيوع عندهم فى الوجوب
ولا فى الكمية ، ولو كان القول بالتأثير صواباً لكان أثر خلطة الشيوع عند
العراقيين ، مثل أثر خلطة الجوار عند الحجازيين ، مثلاً: رجلان ملكا ثمانين
شاة بالشراء أو الوصية أو الهبة ولم يفرز ملكها بل ملك كل مخلوط بملك الآخر
غير متمايز فلو كان القول بتأثير خلطة الشيوع صحيحاً لكان الواجب فى مثلها
عندهم شاة ، مع أنهم صرّحوا بالشاتين . وعند الحجازيين لو كانت الثمانين
مخلوطة بالجوار أيضاً فالواجب شاة فضلا عن خلطة الشيوع . فعلم أنه لا عبرة
عند العراقيين الخلطة أصلاً، لا الشيوع ولا الجوار ، وإنما العبرة والتأثير فى
حكم الصدقة للملك فقط، سواء كان فى مكان واحد أو أمكنة متعددة ، ولم يظهر
الخلطة تأثير إلا فى التراجع على صاحبه إذا أخذ المصدق من الماشية المخلوطة ،
وكان ملكهما متفاوتاً ، فالتراجع أيضاً يتحقق عند تفاوت الملك وعند عدم التمايز.

١٩٣
مسألة زکاة البقر واختلاف الجمهور فى الأوقاص
( باب ما جاء فى زكاة البقر )
حدثنا : محمد بن عبيد المحاربى وأبوسعيد الأشج قالا نا عبدالسلام بن حرب
عز خصيف عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبى حَ الج قال: ((فى
ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة ، وفى كل أربعين مسنة )) .
فالتعبير بتأثير خلطة الشيوع عندنا فيه تسامح وتساهل. هذا ما تبين عندى واللّه
ولى الصواب ، ورحم الله من هدانى إلى الحق .
.-: باب ما جاء فى زكاة البقر :-
الأئمة الأربعة وجمهور العلماء على أنه : لا زكاة فيما دون ثلاثين من البقر،
وفى ثلاثين تبيعة ، وفى الأربعين مسنة ، وهكذا فى كل ثلاثين وأربعين . وقال
الظاهرية : لا زكاة فى أقل من خمسين ، ثم فى كل خمسين بقرة . وروى عن
سعيد بن المسيب والزهرى : فى كل خمس شاة مثل صدقة الإبل . واختلف
الجمهور فى الأوقاص بعد الأربعين ، فالثلاثة وصاحبا أبى حنيفة على عدم صدقتها،
خلافاً لأبى حنيفة كما يأتى. ووقع فى رواية عند أبى داؤود فى "مراسيله": صدقة
البقر على خلاف ما فى حديث الباب، أخرجه الزبلعى (٢ - ٣٤٨) من
طريق معمر عن الزهرى وفيه: (( فى خمس من البقر شاة ، وفى عشر شاتان ،
وفى خمس عشرة ثلاث شياه ، وفى عشرين أربع شياه ، وفى خمس وعشرين
بقرة الخ )). قال البيهقى: هذا حديث موقوف ومنقطع، كما فى "شرح المهذب"،
وراجع " الزيلعى" وتعليقاته . والمشهور هو ما فى حديث الباب ، وعليه
الفقهاء . قال الشيخ: ولعل ما فى "المراسيل" كان به العمل فى زمان، وليس
( ٢ - ٢٥ )

١٩٤
معارف السنن
ج - ٥
وفى الباب عن معاذ بن جبل . قال أبو عيسى : هكذا روى عبد السلام
ابن حرب عن خصيف وعبد السلام ثقة حافظ . وروى شريك هذا الحديث عن
خصيف عن أبى عبيدة عن أبيه عن عبد اللّه، وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع
من أبيه .
حدثنا: محمود بن غيلان نا عبد الرزاق نا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل
عن مسروق عن معاذ بن جبل قال: ((بعثنى الذى حَر ◌َّ إلى اليمن، فأمرنى أن
آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعةً، ومن كل أربعين مسنةً، ومن كل حالم
عندى له تأويل سائغ يوافق المشهور ، ولا خلاف إلى الأربعين ، وإذا زادت
على الأربعين أو على الخمسين فى الكسور بحسابها عند أبى حنيفة لا عند
صاحبيه ، عن أبى حنيفة فيما زاد على الأربعين ثلاث روايات، وما ذكرته رواية
الأصل ، وفى رواية الحسن : لا يجب فى الزيادة حتى تبلغ خمسين ، وفى
رواية : حتى تبلغ إلى ستين ، وإليه أبو يوسف ومحمد كما فى "الهداية"
وشرحها لابن الهمام .
قوله: ومن كل حالم ديناراً . هذا حكم الجزية على الكافر ، والجزية عندنا
قسمان : أحدهما ما يوضع على الكفار بالتراضى ولا تقدير فيها ، وإنما هى إلى
رأى الإمام ، ولعل المذكور ههنا من هذا القسم . والثانى : ما يوضع قهراً
وغلبةً إذا غلب على الكفار جيوش الإسلام فأقرهم الإمام ، وهى على ما وضعها
عمر الفاروق : على الفقير المعتمل فى كل سنة اثنا عشر درهماً فى كل شهر
درهم ، وعلى وسط الحال ضعفه أربعة وعشرون درهماً ، وعلى المكثر ضعفه
ثمانية وأربعون درهماً. هذا ما فى " كنز الدقائق" وشروحه من كتب
الحنفية . ورواية عمر فى الجزية أخرجه ابن أبى شيبة كما فى " نصب الرأية"

١٩٥
دليل الحنفية على جواز دفع القيمة فى الصدقة
ديناراً أو عدله معافر )) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن . وروى بعضهم هذا الحديث عن
سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق: ((أن النبي ◌َّ لُ بعث معاذاً إلى
اليمن فأمره أن يأخذ)). وهذا أصح.
فما فى الباب هو جزية صلح وتراض ، لأن أهل نجران جاءوا للمباهلة
ثم كفوا عنها وقبلوا الجزية، فصالح رسول اللّه عَ ل أهل نجران على ألى حلة،
النصف فى صفر والنصف فى رجب ودراهم ، وفى رواية غير ذلك . أنظر
"نصب الرأية" (٣ - ٤٤٥) و "الدر المنثور" (٢ - ٣٨ و ٣٩).
قوله : ديناراً. قال الشيخ: وفى رواية: (( إثنا عشر درهماً)) ولا تعارض
فیهما ، فإن الدرهم نوعان : نوع یکون عشرة منه دینار ، ونوع یکون اثنا
عشر منه دينار . وبدل عليه أيضاً مناظرة الشافعى مع شيخه محمد بن الحسن
الشيبانى . أقول: لم أقف عليها مع المراجعة إلى مظانها من كتاب "الأم"، وذكر
فى "الأم" (٤ - ١٠٢) بعد أثر عمر فى الجزية: وهذا أشبه بمذهب عمر
بأنه عدل الدرهم فى الدية اثنى عشر درهماً بدينار اهـ .
قوله : أو عدله معافر . هذا يدل على جواز دفع القيمة فى الصدقة ،
وواقفنا البخارى فى هذه المسألة ، وأشار إلى أدلته، فانظر باب العرض فى الزكاة
من "صحيح البخارى" وشرحيه " العمدة" و"الفتح". قال ابن رشيد: وافق
البخارى فى هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم ، لكن قاده إلى ذلك الدليل
١ هـ، حكاه فى "العمدة" و "الفتح". قال أبو عبيد فى "كتاب الأموال"
( ص - ٤٥ ): ألا تراه قد أخذ منه الثياب - وهى المعافر- مكان الدنادنير،
وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل الذمة ، وأن لا يباع عليهم من متاعهم.

١٩٦
معارف السنن
ج - ٥
حدثنا: محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن عمرو بن مرة قال :
(«سألت أبو عبيدة: هل تذكر من عبد اللّه شيئاً؟ قال: لا)).
شئ، ولكن يؤخذ مما سهل عليهم بالقيمة، ألا تسمع إلى قول رسول اللّه وَ ل﴾
((أو عدله من المعافر)) فقد بين لك ذكر العدل أنه القيمة اهـ.
والمعافر : ثوب يمنى ، وقيل: المعافر : اسم قبيلة فى اليمن تنسب إليها
الثياب ، وبالأول وقع تفسيره فى رواية أبى داؤد: (( ثياب تكون باليمن))،
وربما يكون هذه التسمية مجازاً . والثانى ذكره فى "النهاية" واكتفى به، وقال:
المم زائدة اهـ. والعدل بالكسر والفتح: المثل، والأول أشهر.
التبيع : ماله سنة وطعن فى الثانية ، سمى بذلك لأنه يتبع أمه ،
والأنثى : تبيعة . والمسنة : ما دخل فى الثالثة .
وقوله : "عن أبيه عن عبد الله"،؟ لعل هذا التركيب من إعادة الجار
مع البدل المجرور ، والفرق بين الروايتين ليس إلا زيادة عن "أبيه" فى اللفظ
فى الثانية، وإن كان فى الأول مراداً أيضاً ، وسماع أبى عبيدة عن أبيه
عهد الله مختلف فيه كما تقدم غير مرة . ورواية معاذ حسنه الترمذى لشواهده
فى "مؤطأ مالك" و " سنن أبى داؤد"، وإلا ففيه انقطاع عند بعضهم:
بأن مسروقاً لم يسمع من معاذ ، ولكن الحديث رواه ابن حبان والحاكم
وصححه، وأعله عبد الحق بالإنقطاع ، وصصحه ابن عبد البر ، وكذلك
ابن حزم أخيراً بعدما أعله أولاً ، ومال ابن القطان إلى تقويته، أنظر " نصب
الرأية" (٢ - ٣٤٦ و ٣٤٧) و "التلخيص". والترمدى رجح المرسل، وكذا
الدار قطنى. وفى الباب عن الشعبى والحسن وعروة مراسيل فى "كتاب الأموال"
لأبى عبيد. وما أشار إليه الترمذى من رواية سفيان فقد أخرجه أحمد فى "مسنده"

بيان أن النبى جَ لالٍ أمر كلاً من السعاة وأرباب الأموال بما يصلح لهم ١٩٧
(باب ما جاء فى كراهية أخذ خيار المال فى الصدقة)
حدثنا : أبو كريب نا وكيع نا زكريا بن اسحاق المكى نا يحى بن عبد الله
ابن صيفى عن أبى معبد عن ابن عباس: ((إن رسول اللّه عَ ل بعث معاذاً إلى
اليمن فقال : إنك تأتى قوماً أهل كتاب ، فادعهم إلى شهادة أن: لا إله إلا الله
(٥ - ٢٣٠) وابن أبى شيبة وغيره كما فى " نصب الرأية ".
-: باب ما جاء فى كرهية أخذ خيار المال فى الصدقة :-
قال الشيخ: أمر رسول اللّه حَّاه السعاة، أن لا يتعدوا على أرباب الأموال
ومن جهة أخرى أمر أرباب الأموال: أن لا يمنعوهم أموالهم ، فأمر كلّ منهم
بما يصلح لهم . أنظر (باب رضا المتصدق) من " سنن أبى داؤد"، خصوصاً
حديث جابر بن عتيك عنده . فالأمر دائر بين الطرفين ، وهذا نظير ما قلت
فيما سبق فى حديث الإمامة: ((من زار قوماً الخ)). وبعث النبي عَلٍ معاذاً
إلى اليمن فى السنة التاسعة ، وحديث بعث معاذ وأبى موسى أخرجه البخارى فى
"صحيحه" فى المغازى، وبوب عليه، وذكر الحافظ أنه فى ربيع الآخر
سنة ٩ - مجرية .
ثم اختلفوا فى رجوعه إلى المدينة فى حياته عَّ الج ، لكن الصحيح أنه قدم
فى خلافة أبى بكر ، وهو المذكور فى "الإصابة". وانظر "البداية والنهاية"
لابن كثير (٥ - ١٠٢) ، وكذلك أبو موسى الأشعرى قدم بعد وفاته ، وراجع
"العمدة" (٤ - ٢٦٠) و"الفتح" (٣ - ٢٨٣). وكان باليمن مخلافان،
بعث على أحدهما معاذ بن جبل رضى الله عنه وعلى الآخر أبا موسى الأشعرى
رضى الله عنه .

١٩٨
معارف السنن
ج - ٥
وأنى رسول اللّه ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم : أن اللّه افترض عليهم خمس
صلوات فى اليوم والليلة .
قوله : فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم الخ .
استدل به بعض الحنفية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع . وأجاب
الشافعية : بأن المذكور فى الحديث ترتيب الشرائع ، فيعلم الكافر أولاً التوحيد
والرسالة ثم الفروع والأحكام .
قال الشيخ : وفى المقام تفصيل وبحث ، وذكر شيئاً منه ابن الهام فى
"التحرير"، فاعلم: أن الحنفية والشافعية كلهم متفقون على أن الكفار مخاطبون
بالإيمان وبالعقوبات أى الحدود وبالمعاملات ، وكذلك متفقون على أنه إذا أسلم
الكافر لا يلزمه قضاء الصلوات وغيرها، وإنما الإختلاف فى العبادات من الصلاة
والصوم والزكاة والحج ، هل هم مكلفون بها فى الكفر أم لا ؟ فقالت المالكية
والشافعية : إنهم مخاطبون بها ، وإليه ذهب العراقيون من أصحابنا، ومعنى ذلك :
أنهم يعذبون فى جهنم على ترك هذه العبادات أيضاً زيادة على عقوبة الكفر .
وأما المرتد إذا أسلم ؟ فقيل : يجب عليه قضاء الصلوات الفائتة حالة الإرتداد ،
وقيل : لا . قال الشيخ : ثم الحنفية أقوال ثلاثة ، فقال العراقيون منهم : أنهم
مخاطبون بها اعتقاداً وأداءً ، فيعذبون بها يوم القيامة على تلك العبادات أيضاً
عقيدةً وأداءً . وقال جماعة من مشائخ ما وراء النهر: إنهم مخاطبون بها اعتقاداً
لا أداءَ ، فيعذبون بها من جهة عدم اعتقادهم دون الأداء . وقالت طائفة
منهم : إنهم غير مخاطبين بها مطلقاً ، لا عقيدة ولا عملاً ، فلا يعذبون إلا
على عدم الإيمان . والمختار قول العراقيين ، واختاره صاحب " البحر" أيضاً
فى " شرح المنار".

١٩٩
تحقيق مسألة خطاب الكفار بالفروع وتنقيح مذهب الحنفية
فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم : أن اللّ افترض عليهم صدقة أموالهم،
أقول: و"شرح المنار" له سماه: "كشف الأسرار" مطبوع بمصر، والذى
لخصه الشيخ قال مثله تقريباً شمس الأئمة السرخسى فى "أصوله" فى فصل موجب
الأمر، فقال: لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان، لأن النبي ◌َّ بعث إلى الناس
كافة ليدعوهم إلى الإيمان ، قال تعالى: ( قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم
جميعاً ) . ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات ، ولا خلاف أن
الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضاً . ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم
فى حكم المؤاخذة فى الآخرة . فأما فى وجوب الأداء فى أحكام الدنيا فذهب
العراقيين من أصحابنا أن الخطاب يتناولهم أيضاً، والأداء واجب عليهم .
ومشائخ ديارنا يقولون : أنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات
اهـ . حكاه فى " العمدة" (٤ - ٢٦٢). ومثل هذا التفصيل فى " المنار"
وشروحه . ومنها فى "رد المحتار" من كتاب الجهاد، وكذا فى " التوضيح"
وشرحه " التلويح" . والقول الثالث من الحنفية هو قول علماء سمرقند . والثانى:
قول مشائخ بخارى ، ومسألة قضاء المرتد فى الفقه من كتاب المرتدين ، وراجع
لها "رد المحتار".
وههنا بحث فى كونهم مخاطبين بالمعاملات : فهل هم مخاطبون بها حلاً
وحرمةً - أى باعتبار الأحكام الأخروية - أو صحةً وفساداً بإعتبار الأحكام
الدنيوية؟ ومر عليه الشيخ ابن الهمام فى " الفتح" فى (باب نكاح أهل الشرك )
مِنْ قوله : ثم ههنا نظران ، الأول : مقتضى توجيه أبى حنيفة أن الكفار
لا يخاطبون بالمعاملات ، وهو خلاف ما ذكره المشائخ فى الأصول الخ (٢ -
٥٠٢) و(٢ - ٤٨٤). غير أنه لم يذكر فيه قولاً فصلاً فى الباب. قال الشيخ:
فأقول : هم مخاطبون بها حلاً وحرمةً مطرداً فى جميع الأحكام ، وأما من جهة

٢٠٠
معارف السنن
ج - ٥
تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ،
واتق دعوة المظلوم ، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب)).
الصحة والفساد فمخاطبون بها فى بعض الأحكام دون بعض ، ويدل عليه بعض
عبارات فقهائنا . قال فى " الكنز" من كتب أصحابنا فى ( باب نكاح الكافر ):
تزوج کافر بلا شهود أو فى عدة كافر - وذا فى دينهم جائز - ثم أسلما أقرا عليه ،
ولو كانت محرمة فرق بينها اهـ. ومثله فى "الهداية" فى نكاح أهل الشرك
(١ - ٣٢٤)، وكذا بدل عليه ما فى "الهداية" (١ - ٣١٨). وأما النكاح
فهل هم مخاطبون بسه ؟ تردد فيه الشيخ ابن الهمام . قال الشيخ: والذى
عندى : أنهم مخاطبون به فى بعض أحكامه دون بعضها ، كما يدل عليه ما فى
"الهداية" و"الكنز".
قوله : وترد على فقراءهم .
استدل به الشيخ ابن الهمام على أنه لا يجب أداء الزكاة إلى جميع الأصناف
المذكورة فى الآية حكايةً عن كلام ابن الجوزى، واستدلاله بحديث معاذ فى كتاب
"التحقيق"، أنظر "فتح القدير" (٢ - ١٩) و "نصب الرأية" (٢ - ٣٩٧).
وقال أبو عبيد فى " كتاب الأموال" (ص ٥٨ ): ومما يدل على صحة ذلك :
أن النبى ◌َّ﴾ أتاه بعد ذلك مال فجعله فى صنف واحد سوى صنف الفقراء .
وهم المؤلفة قلوبهم -: الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة ،
وزيد الخيل ، قسم فيهم الذهيبة التى بعث بها إليه علىّ من اليمن الخ . وذكره
الزبلعى أيضاً، وراجع أدلة الحنفية فى هذا الصدد من "نصب الرأية". وكذلك
استدل به صاحب " المفهم" من المالكية لمالك رحمه الله، كما فى " العمدة"
( ٤ - ٢٦٤). ومذهب مالك كمذهب أبى حنيفة فى الإكتفاء بصرف الصدقة