النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
أداءه صَالتي نافلة المغرب فى المسجد
وسيلة
(باب ما ذكر فى الصلاة بعد المغرب أنه فى البيت أفضل)
حدثنا محمد بن بشارنا إبراهيم بن أبى الوزيرنا محمد بن موسى عن سعد بن اسحاق
بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: ((صلى النبي صَ لّ فى مسجد بن عبدالأشهل
المغرب، فقام ناس يتنفلون، فقال النبى معََّّ: عليكمـذه الصلاة فى البيوت)).
قال أبوعيسى : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
والصحيح ما روى عن ابن عمر قال: ((كان النبى معَّ ◌َّ يصلى الركعتين بعد
صلى المغرب فما زال
المغرب فى بيته))، وقد روى عن حذيفة: أن النبى وجَّه
يصلى فى المسجد حتى صلى العشاء الآخرة)). ففى هذا الحديث دلالة: أن النبى
حمد الله صلى الركعتين بعد العرب فى المسجد.
فى كثرة الخطا ، وقوله : أو قال : "لا ينهزه"، شك من الراوى، وهو
فى رواية مسلم بالجزم: ((لا يقهزه))، وهو بفتح أوله وفتح الهاء وبالزاء
المعجمة أى: لا تنهضه ولا تقيمه ، قاله النووى . وقوله : لم يخط - بفتح الياء
وضم الطاء - والخطوة - بالضم - : ما بين القدمين، وبالفتح : المرة الواحدة ،
قاله الجوهرى ، حكاه العينى . وقيل : الضم والفتح سواء ، وبه جزم اليعمرى
بأنها ههنا بالفتح . وقال القرطبى : إنها فى روايات مسلم بالضم ، كذا فى
"العمدة" و "الفتح". والأحاديث فى فضل المشى إلى المساجد كثيرة ، وقد
أشرت إلى جملتها فى تخريج ما فى الباب .
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى "العرف الشذى".
-: باب ما ذكر فى الصلاة بعد المغرب فى البيت أفضل :-
حديث الباب غريب عند الترمذى ولم يحسنه ، وذلك لأجل تفرد اسحاق

١٤٢
معارف السنن
ج - ٥
( باب فى الاغتسال عند ما بسلم الرجل )
حدثنا بندار نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان عن الأغر الصباح عن خليفة
ابن كعب بن عجرة ، وهو مستور ، كما فى "الميزان"، مجهول الحال: كما فى
"التقريب". وذكر الذهبى فى " ميزانه": أنه تفرد بحديث سنة المغرب :
((عليكم بها فى البيوت)) وهو غريب جداً اهـ. وقد أخرجه النسائى فى "الصغرى"
فهو صحيح على شرطه ، وكذلك أخرجه أبو داؤد والطحاوى كما تقدم ، والأولى
أداء السفن فى البيت، كما فى "الهداية" من كتبنا. والنبى عَّ ◌ُلّ لم يصلها إلا
فى البيت ما عدا سنة المغرب مرة أو مرتين فى غير المسجد النبوى ، تقدم
تحقيقه وتفصيله فى (باب ما جاء أنه يصليها فى البيت) من أبواب التطوع .
و قوله: (( فما زال يصلى فى المسجد » فى حديث حذيفة، ظاهره بدل على
أنه لم يخرج من المسجد حتى صلى العشاء الآخرة ، وأنه تطوع فى المسجد ،
ويدل عليه أيضاً ما عند " الترمذى" (٢ - ٢١٩) - فى المناقب - عن حذيفة
رضى الله عنه، ومشى الترمذى على ظاهره . قال الشيخ : وعندى رواية تدل
على خروجه عَُّّ من المسجد قبل صلاة العشاء والله أعلم. قال الراقم: قد
بلغت جهدى فى البحث عنها فلم أجدها، وراجع روايات صلاته فَ لَةٍ فى مسجد
بنى عبد الأشهل ، ويسمى : " مسجد واقم" فى " وفاء الوفا" (٢ - ٦٣)
فقد استوعب ما وقف عليها من الروايات والله الموفق .
-: باب فى الاغتسال عند ما يسلم الرجل :-
الإغتسال بعد الإسلام مستحب إن لم يكن جنباً ، وإلا فهو واجب .
والحديث وكتب الفقه كل مصرح بالإغتسال بعد الإسلام . ثم استحباب الغسل

١٤٣
حديث الأمر بالغسل إذا أسلم
ابن حصين عن قيس بن عاصم: ((أنه أسلم فأمره النبى 3 39 أن يغتسل ويغتسل
بماء سدر)).
وفى الباب عن أبى هريرة . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، لا نعرفه
إلا من هذا الوجه . والعمل عليه عند أهل العلم: يستحبون للرجل إذا أسلم أن
يغتسل ويغتسل ثيابه .
التسمية فى دخول الخلاء )
( باب ما ذكر من
حدثنا محمد بن حميد الرازى نا الحكم بن بشير بن سليمان نا خلاد الصفار
عن الحكم بن عبد الله النصرى عن أبى اسحاق عن أبى جحيفة عن على بن أبى طالب:
لمن أسلم إذا لم يكن جنباً مذهب أبى حنيفة والشافعى . قال الخطابى وغيره :
وبهذا قال أكثر العلماء ، وقال مالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر بالوجوب ،
كما فى "شرح المهذب" (٢ - ١٥٣) و "المغنى" (١ - ٢١٠)، والأمر
فى حديث قيس للندب عند أبى حنيفة والشافعى ، وللوجوب عند البقية .
والقائلون بالندب يقولون : أن العدد الكبير والجم الغفير أسلموا ، فلو أمر كل
من أسلم بالغسل لنقل نقلا مستفيضاً متواتراً. وكذا يستحب حلق شعره وغسل
ثيابه واختنانه إن كان يقدر عليه بنفسه ويطيقه ، ولا يجوز كشف عورته لغيره
إلا أن يختين ، وجاز ذلك عند من قال بوجوبه والله أعلم .
-: باب ما ذكر من التسمية فى دخول الخلاء :-
حديث على هذا أخرجه ابن ماجه أيضاً من طريق محمد بن حميد الرازى،
وعزاه بعضهم إلى أحمد ولم أجده فيه ، وهو ضعيف من جهة محمد بن حميد بن
حيان الرازى شيخ الترمذى ، ولكنه وثقه ابن معين ، كما فى " الخلاصة ".

١٤٤
معارف السنن
ج - ٥
((إِن رسول اللّه ◌َل﴾ قال: ستر ما بين أعين الجن وعورات بنى آدم إذا دخل
أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله)).
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ،
وإسناده ليس بذاك. وقد روى عن أنس عن النبى ◌َّ الج شيئاً فى هذا.
ثم إن له شاهداً صحيحاً ، قال العينى فى "العمدة" (١ - ٦٦٨): وقد روى
المعمرى من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب: ((إذا دخلتم
الخلاء فقولوا: " بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث"))، وإسناده على
شرط مسلم، ومثله قاله الحافظ فى "الفتح" (١ - ٢١٤)، قال الحافظ: وفيه
زيادة التسمية، ولم أرها فى غير هذه الرواية اهـ. وأخرجه العينى أيضاً من
"كتاب ابن عدى" و"أفراد الدار قطنى" و" أوسط الطبرانى"، كلهم من
حديث أنس بأسانيد فيها مقال ، وعزاه صاحب "المنتقى" لـ "ستن سعيد بن
منصور". وفى "زوائد الهيثمى" (١ - ٢٠٥) من حديث أنس مرفوعاً :
(( ستر ما بين أعين الجن وعورات بنى آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا: "بسم
الله")) رواه الطبرانى بإسنادين: أحدهما: فيه سعيد بن مسلمة الأموى ، ضعفه
البخارى وغيره ، ووثقه ابن حبان وابن عدى، وبقية رجاله موثقون اهـ .
ووقع فى " ابن ماجه" لفظ: " الكنيف" بدل " الخلاء".
وبالجملة التسمية أيضاً من جملة آداب دخول الخلاء كالتعوذ ، واستفاد من
هذه الروايات أن الجمع بين التسمية والتعوذ أو أحدهما كل يكفى اتباعاً للسنة ،
وإن الجمع كمال السنة والله أعلم . وقد سبقت بقية المباحث فى الطهارة .
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى".

١٤٥
بيان أن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة
( باب ما ذكر من سيماء هذه الامة من آثار السجود )
و الطهور يوم القيامة
حدثنا أبو الوليد الدمشقى نا الوليد بن مسلم قال : قال صفوان بن عمرو:
أخبرنى يزيد بن خمير عن عبد الله بن بسر عن النبى فجّ له قال: ((أمتى يومٍ
القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء)) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ، من
حديث عبد الله بن بُسر .
-: باب ما ذكر من سماء هذه الأمة من آثار السجود
والطهور يوم القيامة :-
قيل : إن الوضوء لم يكن فى الأمم السابقة ، وقيل : كان الوضوء، غير أن
الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة المحمدية ، وهو المختار ، والقولان
ذكرهما البدر العينى وابن حجر ، وبالأول جزم الحليمى فى "المنهاج" وجماعة،
والثانى: قال العينى: هو المشهور، وقال ابن حجر: هو الظاهر، فإن الوضوء فى
الأمم السابقة ثابت بلاريب بالروايات المستقيمة. أنظر "العمدة" (١ - ٦٧٢)
و "الفتح" (١ - ٢٠٨). ثم لا يخفى أن الغرة والتحجيل من آثار الوضوء ،
لأنه حلية ظاهرة ، فلا يعرفون إلا بما هو الظاهر ، فانحصر المعرفة فيه ولا
اختصاص ، بل الغرض انحصار المعرفة فيه . والمحجل من : الحجال ، وهو فى
الأصل : شد الفرس من الرجل واليد من خلاف . كذا فى " العرف الشذى".
وفى "اللسان" عن " تهذيب الأزهرى": وأخذ تحجيل الخيل من الحجل ،
( م - ١٩ )

١٤٦
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما يستحب من التيمن فى الطهور)
حدثنا هنادنا أبو الأحوص عن أشعث بن أبى الشعثاء عن أبيه عن مسروق
وهو حلقة القيد، جعل ذلك لبياض فى قوائمها بمنزلة القيود اهـ . ثم المحجل من
الخيل: ما يكون البياض فى ثلاث قوائم ، وقيل: كلها . والمشكول ما يكون من
خلاف . وراجع للتفصيل " اللسان " من مادة "حجل"، ومن مادة "شكل"،
و "العمدة" (١ - ٦٦٨).
والمقصود ههنا من "المحجلين": بيض الأرجل والأيدى. وقال أبو الطيب
السندى : وكان نور وجوههم أقوى وأكثر، فنسب إلى السجود بخلاف نور
الأطراف ، وإلا فالوضوء يشمل الوجه أيضاً .
وحديث الباب دل على أن الغرّة من أثر السجود، وفى بعض الروايات:
أن الغرّة والتحجيل كلاهما من آثار الوضوء . وذلك فى رواية أبى هريرة عند
الشيخين فى الطهارة . "والغرّ" جمع، أغرّ، وهو ذو غرَّة، وهى لغة: بياض فى
جبهة الفرس ، ثم استعمل الأغر لكل جميل، أو مشهور ، أو وجيه ، أو شريف.
وراجع " كفاية ابن الأجدابى" لتقسيم البياض فى جبهة الفرس إلى أقسام ،
وتسمية كل بإسم على حدة . وفى حديث أبى الدرداء عند "أحمد " كما فى
"الزوائد": ((كيف تعرف أمتك يا رسول اللّه من بين الأمم فيما بين نوح إلى
أمتك؟ قال: هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس لأحد ذلك غيرهم، وأعرفهم
أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم ، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم » ، وفيه
ابن لهيعة .
-: باب ما يستحب من التيمن فى الطهور :-
الحديث أخرجه الشيخان وبقية السنن ، ولفظ البخارى فى الطهارة :

١٤٧
شرح ألفاظ الحديث
عن عائشة قالت: ((إن رسول اللّه حَلّ كان يحب التيمن فى طهوره إذا تطهر،
وفى ترجله إذا ترجل، وفى انتعاله إذا انتعل)) . وأبو الشعثاء إسمه : سليم بن
أسود المحاربى . قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح .
(باب ذكر قدر ما يجزئ من الماء فى الوضوء)
حدثنا هناد نا وكيع عن شريك عن عبد الله بن عيسى عن ابن جبر عن
((كان النبي ◌َّ الهل يعجبه التيمن فى تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله)). وزاد
أبو داؤد فيه: ((وسواكه)).
والتيمن : الإبتداء باليمين ، والتعاطى باليمين ، والتبرك وقصد اليمن .
وأريد الأول بقرينة المقام .
والطهور: بالضم ، وهو الأشهر فى الفعل الذى هو المصدر ، وبالفتح أيضاً
فى هذا المعنى عند الخليل والأصمعى وأبى حاتم والأزهرى وغيرهم .
والترجل : تمشيط الشعر وتسريحه فى الرأس أو الحية .
والتنعل : ليس النعل ، وهو التاسومة أو المداس. ولفظ البخارى :
(((وشأنه كله)) عام مخصوص البعض، لندب البداءة باليسار عند دخول الخلاء
والخروج من المسجد ، قاله ابن دقيق العيد . هذا ملخص ما فى " الفتح "
و" العمدة"، وقد سبق بعض البيان فيه فى الطهارة فلا نعيده
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى".
-: باب ذكر قدر ما يجزئ من الماء فى الوضوء :-
قد تقدم فى أبواب الطهارة (باب الوضوء بالمد) فلم يكن داعية ههنا لتكير بير

١٤٨
معارف السنن
ج - ٥
أنس بن مالك: ((إن رسول اللّهِ بَ ال﴾ قال: يجزئ فى الوضوء رطلان من ماء)).
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث شريك
على هذا اللفظ . وروى شعبة عن عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أنس بن مالك:
((أن النبى عَ لّ كان يتوضأ بالمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكى)).
( باب ما ذكر فى نضح بول الغلام الرضيع )
حدثنا بندار نا معاذ بن هشام قال حدثنى أبی عن قتادة عن أبىحرب بن
الباب والله أعلم. ثم إنه ثبت فى عدة روايات الوضوء بالمد ، وفى هذا الحديث
بالرطلين ، فاستفيد منه أن المد رطلان ، وهو مذهب أبى حنيفة ومحمد رحمه الله ،
كما تقدم تفصيله وتحقيقه . وتقدم بقية البحث أيضاً فيما يتعلق بهذا الباب بقدر
الضرورة .
والمكوك: قال فى "النهاية": اسم للمكيال، ويختلف مقداره بإختلاف اصطلاح
الناس عليه فى البلاد . وذكر أنه أراد فى الحديث المد . قال الشيخ: والمكوك فى
اللغة لا يساوى المدّ ، غير أن المحدثين قاطبة أرادوا به ههنا المدّ، لوروده فى
الروايات الأخرى . والحديث غرّبه الترمذى لأجل شريك بن عبد اللّه، وكان
قد ساء حفظه ، وأخرج له مسلم فى "صحيحه" فى المتابعة، كما فى " الميزان"
و "التهذيب". قال الشيخ: وصحمح له البخارى حديث إبراد الظهر فى غير
" صحيحه " ، ولم أقف عليه .
-: باب ما ذكر فى نضح بول الغلام الرضيع :-
تقدم أيضاً فى الطهارة ( باب ما جاء فى نضح بول الغلام قبل أن يطعم) .
وكذلك سبق شرحه وما يتعلق به ، ولذا لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى "،

١٤٩
باب ما ذكر فى الرخصة للجنب فى الأكل والنوم إذا توضأ
أبى الأسود عن أبيه عن على بن أبى طالب عن النبى ◌َّ ◌ُلّ قال فى بول الغلام
الرضيع: ((ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية)). قال قتادة : وهذا ما
لم يطعما ، فإذا طعما غسلا جميعاً .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن ، رفع هشام الدستوائى هذا الحديث
عن قتادة ، ووقفه سعيد بن أبى عروبة عن قتادة ولم يرفعه .
( باب ما ذكر فى الرخصة للجنب فى الاكل
والنوم اذا توضأ )
حدثنا هناد نا قبيصة عن حماد بن سلمة عن عطاء الخراسانى عن يحى بن
يعمر عن عمار: ((إن النبى معَ ◌ّ رخص الحنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو
ينام : أن يتوضأ وضوءه للصلاة)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
ولا حاجة إلى إعادة الشرح والبيان ، ولم يظهر وجه لإعادة الباب، والله أعلم
بالصواب .
-: باب ما ذكر فى الرخصة للجنب فى الأكل والنوم إذا توضأ :-
نقدم شرحه وتحقيقه فقهاً وحديثاً فى الطهارة فى ( باب الجنب ينام قبل أن
يغتسل ) ولا وجه لإعادة الباب .

١٥٠
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما ذكر فى فضل الصلاة )
حدثنا عبد الله بن أبى زباد نا عبيد الله بن موسى نا غالب أبو بشر عن
أيوب بن عائذ الطائى عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن كعب بن عجرة
قال: قال لى رسول اللّه مَ لل: ((أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء
يكونون من بعدى ، فمن غشى أبوابهم فصدقهم فى كذبهم وأعانهم على
ظلمهم فليس منى ولست منه ، ولا يرد على الحوض ، ومن غشى أبوابهم
-: باب ما ذكر فى فضل الصلاة :-
قوله : فليس منى ولست منه الخ .
هو على ظاهره ولا يتأول فيه ، واختاره سفيان الثورى ، كما فى "المرقاة"،
ولكنه علل بكونه أبلغ فى الزجر. وكلمة: "من" فيه ابتدائية اتصالية، كما فى قوله:
((أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى)). قال الشيخ: ولعل
حوض الكوثر تمثال السنة النبوية فى المحشر ، وحديث: (( وهل تدري ما أحدثوا
بعدك؟)) يؤيد ذلك، رواه الشيخان من حديث أبى هريرة، البخارى فى الرقاق،
ومسلم فى الطهارة فى استحباب إطالة الغرة. ولفظ البخارى: ((لا علم لك بما
أحدثوا بعدك الخ))، ورواه البخارى من حديث أنس فى الرقاق . ووجه التأييد
أن الإحداث كان سبب الحرمان عن الحوض ، والإحداث ضد السنة ، فكان
السنة تتمثل فى حقه كوثراً والله أعلم .
ومحمل هذا الحديث قيل: هم الذين ارتدوا بعد النبىٍ عَ لٍ فى عهد أبى بكر
الصديق ، وهذا أحد الأقوال الأربعة التى ذكرها النووى فى " شرح مسلم"،
وحكاه البخارى عن قبيصة ، ورجحه القاضى عياض والقاضى أبو الوليد الباجى
وغيرهما . ويؤيده قوله فى رواية أنس فى كتاب الرقاق: " أصيحابى" . قال

١٥١
بيان أن الأعمال كلها تتمثل وتتجسد يوم القيامة
أو لم يغش ولم يصدقهم فى كذبهم ولم يمنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه ،
الشيخ: واختار مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوى أنه أريد بهم الخوارج. أقول:
وذكر ابن عبد البر : أنه يدخل فيه الخوارج والروافض وأصحاب الأهواء وكل
من أحدث فى الدين ، حكاه النووى . قال الشيخ: وذكر الغزالى : أن الصراط
يوم القيامة فى المحشر هو الصراط المستقيم تمثل صراطاً . أقول : لم أقف عليه
صريحاً ولكنه قال فى أواخر " إحيائه" فى صفة الصراط : فمن استقام فى هذا
العالم على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا الخ . وليس فيه ما أشار
إليه الشيخ . وربما يكون ذلك فى غير " الإحياء "، أو فى " الإحياء" فى غير
هذا الموضع والله أعلم . والذى تحقق عند الشيخ : أن هذه الأعمال كلها تتمثل
وتتجسد يوم القيامة وفى المحشر وفى البرزخ على هيئاتها الملائمة التى أشار إليها
الشارع عليه السلام ، فالصوم تتمثل جنة كما فى حديث الباب: ((والصوم
جنة)) ، ويدل حديث مرفوع عند ابن حبان فى " صحيحه"، كما فى جنائز
".فتح البارى" (٣ - ١٨٨) من حديث أبى هريرة: ((فإذا كان مومناً كانت
الصلاة عند رأسه ، والزكاة عن يمينه ، والصوم عن شماله ، وفعل المعروف من
قبل رجليه اهـ)). وفى "زوائد الهيثمى" (٣ - ٥١): مثله من حديث
أبى هريرة فى حديث طويل عند الطبرانى فى "الأوسط" قال: وإسناده حسن.
وأيضاً فى " الزوائد": ولأبى هريرة فى " الأوسط" أيضاً رفعه: ((قال:
يؤتى الرجل فى قبره فإذا أتى من قبل رأسه دفعته تلاوة القرآن ، وإذا أتى من
قبل يديه دفعته الصدقة، وإذا أتى من قبل رجليه دفعه مشيه إلى المساجد، والصبر
حجره ألخ)) . وفى "المسند" من حديث أسماء: ((فإن كان مؤمناً أخف به
عمله ، الصلاة والصيام ، قال : فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده، ومن الصيام
غيرده)) وليس فيه ذلك التفصيل المذكور عند ابن حبان والطبرانى ، والاختلاف

١٥٢
معارف السنن
ج - ٥
بين الروايتين إما أن يجمع بينهما ، أو يحمل باختلاف أحوال الرجال ، أو يرجح
ما فى "صحيح ابن حبان" و"الطبرانى" جميعاً؟ والله أعلم.
فالصوم جنة، والجنة تكون باليسار، ولذا يدفع عذاب القبر عنه بالشمال،
وإن "سورة البقرة" كالظلة فوق الرأس فى المحشر ، كما ورد فى حديث نواس بن
سمعان عند مسلم والترمذى وأحمد وغيرهم ، وفيه أحاديث أخر ذكرها السيوطى
فى "الدر المنثور"
ويستفاد من الأحاديث: أن الحوض الكوثر يمتد من منبر النبى حَلَّ إلى
الشام. أنظر لذلك " فتح البارى" من الرقاق ( ١١ - ٤٠٩ إلى ٤١١).
وكذلك إن حوض النبي حَ لٍّّ والكوثر واحد أو اثنان؟ وأين محلهما؟ وما إلى
ذلك من أبحاث وتفاصيل .
وثبت فى حديث: ((ومنبرى على حوضى)) من حديث أبى هريرة فى
"صحيح البخارى" قبيل كتاب الصوم مرفوعاً، قال: ((ما بين بيتى ومنبرى
روضة من رياض الجنة ، ومنبرى على حوضى)) ورواه مسلم فى أواخر أبواب
الحج. وفى آخر: ((إن قوائم منبرى رواتب فى الجنة)) رواه الطبرانى فى
"الكبير" من حديث أبي واقد الليثى، كما فى "الفتح" (٤ - ٨٥). وفى
حديث صحيح: (( بين منبرى وقبرى روضة من رياض الجنة)) متفق عليه من
حديث أبى هريرة بلفظ: (( بين منبرى وبيتى الخ)) ووقع فى نسخة ابن عساكر
وحده " قبرى" بدل " بيتى". قال الحافظ: وهو خطأ .... نعم وقع فى
حديث سعيد بن أبى وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات ، وعند الطبرانى من
، والمراد بالبيت فيه "بيت عائشة"
حديث ابن عمر بلفظ : " القبر"
الذى صار فيه قبزه آهـ . وفى شرحه أقوال كثيرة من : أنه تشبيه ، أو مجاز ،
أو حقيقة ، بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه فى الآخرة إلى الجنة. أنظر " الفتح"

١٥٣
تحقيق لطيف فى خواص الأعمال وآثارها فى الدنيا والآخرة
و "العمدة" من آخر الحج. قال الشيخ: والمختار عندى أن يقال: أن تلك البقعة
من الجنة نفسها لا أنها ترفع إلى الجنة كما قيل .
قال : ثم إن فى الأحاديث يكون الوعيد بالنار على أمور ، كما أنه يكون
الوعد بالجنة على أمور ، كما فى حديث الباب ، ولا يكون فيه شرط ولا قيد ،
فيضطرون إلى التأويل بأن المراد بالوعيد عند استمرار ذلك الفعل أو الإصرار
والمداومة عليه ، ويقولون : إن تقييدها بتلك الشروط ملحوظ، وإنها على
ظواهرها غير مستقيمة المراد، فهكذا يتأولون فيها . والذى أقول: أنها لا حاجة
هناك إلى تاويل خاص وصرفها عن ظاهرها ، وإنما هذه الأعمال فى الدنيا لها
خواصها وأحكامها ، وفى الآخرة لها آثارها وخواصها ، فالشريعة بينت فى
نظامها التشريعى أثر كل عمل بطبيعته مفرداً. وأما فى الآخرة فتركب تلك
الأعمال المخلوطة سيئات وحسنات، ويحدث لها مزاج خاص من تركيبها واجتماعها ،
ثم على ذلك يترتب حكمها . ومثال ذلك أن علماء الطب يذكرون فى تآليفهم
" التذكرة"، يذكرون فيها المفردات وطبائعها وخواصها وماهياتها ، ويذكرون
فى "القراباذينات" خواص المركبات وآثارها وأمزجتها . أقول: " التذكرة":
لبيان طبائع المفردات ، عرف طبى . و "القراباذين": لفظ يونانى للأدوية
المركبة من المعاجين وغيرها ، وصاحب "مخزن الأدوية" بين هذا الإصطلاح
فى أول كتابه، وقد ذكرنا بعض تفصيل فيه فى أوائل الطهارة . فنظام التشريع
الدنيوى " كالتذكرة" يبين المفردات، ونظام الآخرة كـ "القراباذين" بذكر
المركبات ، فكما أن الأطباء يذكرون لشئ مفرد خاصته ثم يتخلف أثره فى
موضع لمانع من تركيبه مع شئ آخر ، فلا يمكن أن يقال : أن بيان خاصته كان
غير صحيح ؛ فإن تخلف أثره كان لمانع ، وذكر الموانع لم يكن من موضوع
( ٢ - ٢٠)

١٥٤
معارف السنن
ج - ٥
وسيرد على الخوض، يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان، والصوم جنة حصينة،
والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، يا كعب بن عجرة : إنه لا يربو لحم
نبت من سحت إلا كانت النار أولى به )) .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وسألت محمداً عن هذا الحديث ؟ فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى،
واستغربه جداً. وقال محمد ثنا ابن نمير عن عبيد الله بن موسى عن غالب بهذا .
التذكرة ، فكذلك الشريعة بينت حكم المفردات من غير تعرض إلى الموانع ،
والقراباذينات تكون فى الآخرة ، فإذن لا حاجة إلى ما تأول المتأولون ، وإنما
تحمل على ظواهرها .
قوله : الصلاة برهان . ورد فى حديث أبى مالك الأشعرى عند مسلم :
((الصلاة نور والصدقة برهان الخ))، ولا اختلاف فيه، فكل برهان ونور
يوم القيامة للمؤمن ، ومعناه: أنه حجة على الإيمان فإن الإيمان أمر قلبى باطنى
لا وسيلة إلى الوقوف عليه إلا بالأمارات الظاهرة من الإنقياد والتسليم
قوله: والصدقة تطفئ الخطيئة . وفى " مستدرك الحاكم" (١ - ٤١٦ )
من حديث عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول اللّه عَّالج يقول: ((كل امرئ
فى ظل صدقته حتى يفصل بين الناس - أو قال - : حتى يحكم بين الناس)).
وفى "الزوائد" و"المقاصد" من حديث أبى أمامة عند الطبرانى فى " الكبير"
مرفوعاً: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء الخ)). وذكرا أن سنده حسن اهـ .
قوله: من سحت. السحت فى الأصل: الحلق . فى " اللسان" قال اللحيانى:
سحت رأسه سحتاً ، وأسحته: استأصله حلقاً، وفيه أن السحت : الحرام الذى

١٥٥
شرح قوله تعالى : (وأولى الأمر منكم)
( باب منه)
حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكوفى ذا زيد بن الحباب نا معاوية بن صالح
قال حدثنى سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول اللّه عَ لجه
يخطب فى حجة الوداع فقال: (( اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم ، وصوموا
شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا إذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم )). قال:
لا يحل كسبه ، لأنه يسحت البركة ، أى يذهبها الخ . وأطلق فى الشرع على
الحرام لأنه يحلق الدين .
- : باب منه :-
قوله: وأطيعوا إذا أمركم . اختلفوا فى المراد بـ "أولى الأمر" فى قوله تعالى:
( وأولى الأمر منكم ) فقيل: هم العلماء من المسلمين، والبيضاوى يرده بأنه ليس
لهم حكم مستقل ، وإنما هم ينقلون حكم الله وحكم رسوله ، وقيل: هم أمراء
المسلمين، واختاره البيضاوى. قال الشيخ: وروى الأول عن ابن مسعود رضى اللّه،
كما فى "التلخيص الحبير"، لم أقف على محله فيه، ويمكن أن يراد به أن يكون
الأمراء علماء فيتوافق القولان . أقول : اختلفوا فيه على أحد عشر قولاً ذكرها
البدر العينى فى "العمدة" (٨ - ٥٥٤) فى (باب أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولى الأمر منكم)، والقولان منها ما ذكرهما الشيخ ، وهما الأشهر ، وعليهما
اعتمد جمهور المفسرين ، كالحافظ الإمام أبى بكر الرازى والزمخشرى والقرطبى
وابن كثير وغيرهم، فتفسيره بـ "أمراء المسلمين" مروى عن ابن عباس وأبي هريرة
وابن زيد والسدى ، كما فى "العمدة"، وهو قول الجمهور، كما فى "تفسير
القرطبى". وتفسيره بـ "علماء الإسلام" و"فقهاء المسلمين" منقول عن ابن عباس
أيضاً ، وعن جابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة ، كما فى " روح

١٥٦
معارف السنن
ج - ٥
قلت لأبى أمامة: منذكم سمعت هذا الحديث ؟ قال : سمعت وأنا ابن ثلاثين سنة .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
( آخر أبواب الصلاة )
المعانى"، وهو اختيار مالك كما فى "تفسير القرطبى" (٥ - ٢٥٩).
وقيل : هم "أمرآء السرايا"، وروى عن أبى هريرة وميمون بن مهران
ومقاتل والكلبى، ويؤيده ما صح: أنه نزل فيهم . وقيل: عام فى كل من ولى
أمر شئ . قال العينى: وهو الصحيح، وإليه مال البخارى اهـ. قلت : وإليه
مال الإمام أبوبكر الرازى، واستظهره ابن كثير وأيده بالكتاب والسنة ، راجعه
(٣ - ١٣٠) طبع الميرية . ولا ريب أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص
المورد، علا أن آخر الآية يؤيد القول بتفسيره بـ "أهل العلم"، كما أن ما قبل الآية
يؤيد تفسيره بـ "الولاة" ، وليس هذا موضع إنهاء البيان فيه، وفيما ذكره أبو بكر
الرازى من القدماء والسيد الآلوسى من المتأخرين مقنع وكفاية ، وراجع "الدر
المنثور" (٢ - ١٧٦). وفى بعض كتب الحنفية والشافعية جميعاً: أن الحاكم
المسلم إذا أمر بأمر مباح صار واجباً ، وقيده بعضهم بما إذا كان فيه مصلحة .
وذكر الحموى فى " حاشية الأشباه والنظائر" بأنه إذا حدثت وباء من الهيضة
أو الطاعون وأمر الوالى رعيته بالضوم وجب الحكم عليهم بالصوم ، كما ذكره
فى "روح المعانى" (٦ - ٦٦)، وأتى بنصوص المذهبين. وحكى عن الحنفية
قول عدم الوجوب أيضاً . وقد بسط الإمام الرازى كلامه فى تفسير هذه الآية
فى "تفسيره الكبير" (٣ - ٣٥٧) ما ملخصه : إن هذه الآية آية شريفة
مشتملة على أكثر علم أصول الفقه ، لأن أصول الشريعة أربع : الكتاب ،
والسنة ، والإجماع ، والقياس ؛ وهذه الآية مشتملة على تقريرها ، ثم ذكرها

٠١٥٧
بقية بحث " أولى الأمر"
وقررها، وأراد بـ "أولى الأمر": أهل الحل والعقد من الأمة، قال: وذلك
يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة، واحتج بقوله: (فإن تنازعتم فى شئ فردوه
إلى الله ورسوله)، على أن القياس حجة بأن المراد إما أن يكون فإن اختلفتم فى شىء
حكمه منصوص عليه فى الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو المراد فإن اخلفتم فى شىء
حكمه غير منصوص عليه فى شىء من هذه الثلاثة؟ والأول باطل ، لأن على
. وإذا بطل هذا تعين الثانى ، وهو أن
ذلك التقدير وجب عليه طاعته .
المراد: فإن تنازعتم فى شىء حكمه غير مذكور فى الكتاب والسنة والإجماع .. ،
فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة فى الوقائع المشابهة له ،
وذلك هو القياس الخ . والآلوسى استنبط الإجماع من قوله : "فإن تنازعتم"،
قال: وقد علم منه : أنه عند عدم النزاع يعمل بما اتفق عليه وهو الإجماع اهـ.
والإمام أبو بكر الرازى أقدم من وقفنا على كلامه فى أحكامه لإثبات القياس
الشرعى بهذه الآية فأجاد وأفاد بما يكفى ويشفى . ع :
كفى وشفى ما فى الصدور ولم يدع « لذى إربة فى القول جداً ولا هزلا
بفى فى هذا الحديث أنه لم يذكر فيه الحج، وزاد السيوطى فى "القوت": نقلاً
عن "الخلعيات": ((وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم)).
قلت : ويشهد له ما رواه الطبرانى فى " الكبير" فى مسند الشاميين من حديث
أبى الدرداء رضى الله عنه: ((أن رجلا أتى النبي صَلّ فقال: يا رسول اللّه:
ما عصمة هذا الأمر وعراه ووثاقه؟ قال: أخلصوا عبادة الله ، وأقيموا خمسكم،
وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم ، وصوموا شهركم ، وحجوا بيت ربكم ،
تدخلوا جنة ربكم)) وأخرجه الهيتمى فى " الزوائد" (١ - ٤٥)، والزيلعى
فى "نصب الرأية" (٢ - ٣٢٧)، إلا أنه ليس عند الزيلعى القصة فى أوله ،
وليس عند الهيثمى: " وحجوا بيت ربكم"، وربما يكون فى " الخلعيات"،

١٥٨
معارف السنن
ج - ٥
أراد حديث أبى الدرداء هذا، لا حديث أبى أمامة فى الباب . قال الهيشمى فى
حديث أبى الدرداء : وفيه يزيد بن مرثد ، ولم يسمع من أبى الدرداء ا هـ .
قلت : ويكفى مثله شاهداً ، وحديث أبى أمامة فى الباب رواه ابن حبان فى
"صحيته" والحاكم فى " مستدركه"، وصححه على شرط مسلم ، كما فى
"نصب الرأية" .
وهذا ختام البحث فى خاتمة كتاب الصلاة ، ونسأل سبحانه
وتعالى إتمام بقية الشرح على هذا المنوال بحسن الختام ، وصلى الله
على صفوة الخلائق خاتم النبيين محمد وآله وصحبه وتبعه أجمعين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . يوم الخميس السادس
والعشرين من شهر صفر الخير سنة خمس وستين بعد الألف
وثلاثمائة - ١٣٦٥ - مجرية.

أُمِ اللهِ الرَّحْمِنِ الرَّحِيمِ
أبواب الزكاة
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبواب الزكاة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ذكر الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٢١١) الاختلاف فى أول فرض الزكاة ،
وإن الأكثر على أنه بعد الهجرة، وإن الأصوب أنه فى الثانية قبل فرض رمضان
وبعد صدقة الفطر ، راجعه للتفصيل . وكذلك اختار صاحب "السيرة الحلبية"،
غير أنه قال: ولم أقف على خصوص الشهر الذى وجبت فيه اهـ. وقال فى
"الدر المختار": الزكاة فرضت فى السنة الثانية قبل فرض رمضان اهـ . وذكر
فى الصوم : أن فرض صوم رمضان بعد صرف القبلة إلى الكعبة لعشر فى شعبان
بعد الهجرة بسنة ونصف اهـ . وذكر الشيخ سراج الدين البلقينى ما يدل على أنه
لم يتعين عنده وقت فرضيه الزكاة ، حكى كلامه فى " السيرة الحلبية" ( ٢ -
١٣٦ ) فى ضمن تحويل القبلة .
قال الشيخ: إن الزكاة والصوم والجمعة والعيدين كلها فرضت بمكة ، وإنما
كان بالمدينة تنفيذها وتشريعها عملاً. نعم نصب الزكاة شرعت بالمدينة ، ألا ترى
أن سورة "المزمل" نزلت بمكة كلها، كما فى حديث عائشة ، وقد تقدم، وفيها

١٦٠
معارف السنن
ج - ٥
قوله : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) . أقول : ويؤيد كلام الشيخ ما ادعى
ابن خزيمة فى "صحيحه": إن فرضها كان قبل الهجرة كما فى "فتح البارى"،
وحديث عائشة المشار إليه رواه مسلم وأبوداؤد ، وتقدم فى صلاة الليل .
واستدلال الشيخ هذا استدلال قوى ، ويندفع به كثير من الشبهات فى الباب
والله ولى الصواب. وأما فرضية الحج، فقيل: فى السادسة ، وقيل: فى التاسعة،
ويأتى بيانه إن شاء الله تعالى فى موضعه .
ثم إن الزكاة كانت تطلق فى عهد الجاهلية على الصدقة ، وأما الشريعة
النبوية فقد زادت عليها شرائط وقيوداً ، وكذلك المنقولات الشرعية كلها
مستعملة فى معانيها اللغوية ولا نقل فيها، غير أنها أضافت إليها قيوداً وشرائط،
فلم يكن فى تلك الأسماء الشرعية مجاز كما ذكره فخر الإسلام البزدوى ، أفاده
الشيخ . أقول: حيث ذكر فى "أصوله" من أوائل كتابه ما ملخصه : إن الصلاة
والزكاة والربا إنها من المجمل لا يدرك لغة لمعنى زائد ثبت شرعاً. ولعل هذا
يريده الشيخ والله أعلم .
ثم إن أصل الزكاة فى اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة ، والمدح . وكله
قد استعمل فى القرآن والحديث ، وهى من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل،
فيطلق على العين، وهى الطائفة من المال المزكى بها، وعلى المعنى، وهى: التزكية ؛
فالزكاة طهرة للأموال ، وزكاة الفطر طهرة للأبدان . كل هذا مأخوذ من
"لسان العرب" (١٩ - ٨٧). قال الراقم : وكل من تلك المعانى موجودة فى
الزكاة الشرعية على دلالة نصوص الكتاب والسنة . وهى شرعاً إيتاء جزء من
النصاب الحولى إلى فقير غير هاشمى، كما فى "العمدة" (٤ - ٢٥٨). قال
القاضى ابن العربى فى "المدارك»: تطلق الزكاة على الصدقة أيضاً، وعلى الحق
والنفقة والعفو عند اللغويين، حكاه فى "العمدة"، وقال فى "العارضة": واختلف