النص المفهرس
صفحات 461-480
بحث قصر صلاة المسافر وأن القصر قسمان قصر فى الكمية وقصر فى الكيفية ٤٦١ ( ولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة الآية ) " نساء": بأن كلمة "لاجناح" يدل على أن القصر ليس بواجب، وأن الإتمام جائز . وأجيب عنه بأنه ربما يزعم بأن فى القصر نقصاناً، أو يتوهم كونه إساءة، فوقع دفعاً لذلك الوهم نفى الجناح والإثم ، ونظيره آية الطواف بالصفا والمروة . وهذا الجواب هو المشهور ، والصحيح أن يجاب : بأنا لا نسلم أن فى الآية قصر الكمية ، وأنها نزلت لقصر صلاة المسافر استدلالاً لقوله: ( إذا ضربتم فى الأرض ) كما اختاره طائفة ، بل الآية نزلت فى صلاة الخوف ، وأريد بالقصر فيها القصر فى الكيفية أى الصفة والهيأة ، كما اختاره ابن جرير وابن كثير ، ومن الحنفية صاحب "البدائع" وغيرهم، وهو المنقول عن جماعة من الصحابة . .. ولهذا قال من قال من العلماء أن قال ابن کثیر فی " تفسیرہ" : . . المراد من القصر ههنا إنما قصر الكيفية لا الكمية ، وهو قول مجاهد والضحاك والسندى . ثم ذكر ابن كثير روايات فى تأييد هذا القول ، ثم قال : ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدى وعن جابر وابن عمر ، واختار ذلك فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال فى ذلك: وهو الصواب اهـ. ثم ساق روايات لتأييده أيضاً ، واختاره من الحنفية أيضاً أبوبكر الرازى فى "أحكام القرآن" ، ورجحه الشاه ولى الله فى "المصفى" (١ - ١٥٠). و"التقييد" بقوله: "إذا ضربتم" خرج مخرج الغالب ، فإن أكثر وقائع صلاة الخوف كانت فى السفر ما عدا وقعة الخندق ، حيث كانت هذه بالمدينة ، فكان السفر اجتمع مع صلاة الخوف ، فلذا وقع التقييد به ، فإذن لا يتم استدلال الشافعية بالآية . ثم إن نزول آية صلاة الخوف هل هو قبل غزوة الخندق أو بعدها ؟ فاختلفوا فيه ، والجمهور على أن أول ما صليت فى غزوة الرقاع ، وأنها كانت قبل الأحزاب عند الجمهور. أنظر "العمدة" (٣ - ٣٤٠ و٣٤١) و(٢ - ٦٠٥)، و "فتح القدير" قبل الجنائز. وتقدم بعض البيان فيه فى ٤٦٢ معارف السنن ج - ٤ ء المواقيت فى الصلوات الفائتة فليراجع . قال الشافعية : نزلت بعدها، ومن أجل هذا لم يصل رسول اللّه ◌َّ الصلوات فيها حيث لم يمكنه أن يصلى، وهم يجوزون الصلاة حال المسابقة ، ونقول: إنها نزلت قبلها وإنما لم يصل هو وَال لأن الصلاة حال المسايفة لا تصح فلذا أخر الصلوات . وقال المالكية فى وجه التأخير : سبب التأخير أن الصحابة كانوا نحو ألف وأربعمائة فلم يفرغوا إلا والشمس قد غربت . وبالجملة ههنا أربع صور : ١ -: الخوف والسفر معاً ، ففيها قصر الكمية والكيفية جميعاً. ٢ -: الخوف فقط ، وفيها قصر الكيفية والصفة . ٣ -: السفر فقط ، وفيها قصر الكمية . ٤ -: عدم الخوف وعدم السفر ، وفيها عدم القصر بالمعنيين جميعاً. فإن قيل: القول بقصر الكيفية فى تفسير الآية يرده حديث مسلم ( ١ - ٢٤١) من كتاب صلاة المسافر من حديث يعلى بن أمية قال: ((قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما معجبت منه فسألت رسول اللّه عَلٍ عن ذلك فقال: ((صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته)). وقصر الكيفية فى صلاة الخوف مشروط بالخوف . وأما مطلق السفر فليس فيه قصر الكيفية ، فكيف يتحقق فيها قبول الصدقة ، فدل ذلك على أن المراد فى الآية قصر الكمية حتى يتحقق قبول الصدقة فى السفر من غير خوف . قلنا: وجوابه كما أفاده الشاه ولى اللّه الدهلوى فى ترجمة " المؤطأ" الفارسية أن القصر للمسافر فى الكمية إنما هو تشريع جديد مستأنف من الله سبحانه ابتداء". ولفظه : ٤٦٣ تحقيق أن القصر فى السفر تشريع مستقل " واستدلال كرده اند بر اتفاقى بودند قيد خوف بحديث مسلم و فقير كه يعلى بن أمية سوال كرد از حضرت عمر .. میکوید: این استدلال مدخول است، زیرا که ما می کوثیم. كه قصر مسافر شرع جديد است وتخفيف است ابتداءً از خداى تعالى ام مختصراً". يريد أن القصر للمسافر إنما شرع قبل نزول صلاة الخوف ، فلا علاقة لقصر المسافر بآية الخوف حتى يتقيد بالأمن وعدم الخوف ، والشاه ولى اللّه ممن يرى أن نزول آية صلاة الخوف بعد غزوة الخندق، كما فى "المصفى" (١ - ١٥٢)، فلا جرم قد تقدمت قبلها غزوات وأسفار ، وقصر فيها رسول اللّه ◌َ الج الصلوات الرباعية، وهذا ناظر إلى أن تشريع القصر للمسافر إنما هو بالسنة ، ويؤيد ما عند ابن جرير بإسناده عن ابن شهاب عن أمية بن عبد اللّه أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد فى كتاب اللّه قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا فَ لَّ بعمل عملاً عملنا به. قال ابن كثير : فقد سمى صلاة الخوف مقصورة ، وحمل الآية عليها لا على قصر صلاة المسافر ... واحتج على قصر الصلاة فى السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن آهـ . فإذن لا تصح أن تكون الآية دليلا الشافعية . وقد انتهى ما أردنا ذكره جواباً لأدلة الشافعية . وأما دلائلنا ودلائل من وافقنا فكثيرة ذكرها الطحاوى وغيره ، وأطال فيها ابن تيمية أيضاً . قال الشيخ : ولم أرد استيفائها هنا فإن من دأبى استيفاء الأنجوبة دون الأدلة ( فإن أجوبة أدلة الخصم أهم وأعنى بالذكر ، وأما الأدلة فهى بمتناول أهل العلم فى مواضعها ) فمن دلائلنا فى عدم جواز الإتمام ووجوب تخفيف الرباعية إلى الثنائية حديث الشيخين عن عائشة زوج النبى وَالّ أنها ٣٠ ٤٦٤ معارف السنن ج - ٤ قالت: (( فرضت الصلاة ركعتين فى الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد فى صلاة الحضر)). البخارى فى أول كتاب الصلاة ، وفى التقصير فى ( باب القصر إذا خرج من موضعه ) ( ص - ١٤٨ ) وفى كتاب الهجرة ( ص - ٥٦٠) ولفظه: ((فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبى معَّ لج ففرضت أربعاً وتركت صلاة السفر على الأولى)). ورواه مسلم (١ - ٢٤١) فى صلاة المسافرين واللفظ له . وعنها عند أحمد بإسناد صحيح بإستثناء صلاة المغرب والصبح ، ومثل حديث عائشة هذا ثبت من حديث أبى هريرة عند أحمد ، وحديث ابن عباس عند مسلم ، وحديث ابن عمر عند الطبرانى فى " الصغير"، وحديث السائب بن يزيد عند الطبرانى فى " الكبير". أنظر "الزوائد" ( ٢ - ١٥٤ و١٥٥). وعن عائشة أنها قالت: ((كان رسول اللّه عَلّ يصلى بمكة ركعتين يعنى الفرائض ، فلما قدم المدينة وفرضت عليه الصلاة أربعاً وثلاثاً صلى وترك الركعتين كان يصليهما بمكة تماماً للمسافر)) . رواه الطيالسى فى "مسنده" ( ص - ٢١٥ ). فدلت هذه الروايات على أن صلاة المسافر على أصلها ليس فيها قصر ، فكيف يستقيم قول الشافعية : "إن فى الآية قصر العدد والكمية"، فإن الآية تدل إذن على أنها مقصورة، وأما قبلها فهى غير مقصورة ، وحديث عائشة بخلافها، فلا بد أن يقال بقصر الكيفية حتى يتوافق الحديث والآية. فإن قيل: نص القرآن يدل على القصر ؟ قلنا : أما أولاً : فنعم دل على القصر ولكنه قصر الكيفية، وليس بنص فى قصر العدد والكمية . وأما ثانياً : فنقول: أول الآية أى قوله : ( إذا ضربتم فى الأرض ) فى قصر الكمية ، والبقية منها فى قصر الكيفية ، ولو أصر الشافعية بكون المراد فى الآية قصر العدد فيلزمهم أن يثبتوا أن المسافر والمقيم كانا يتان فى المدينة بعد الهجرة قبل نزول الآية فى السنة الرابعة . ونحن سلمنا أن المراد فى الآية قصر ٤٦٥ تحقيق أن قصر المسافر كان بتشريع الرسول مح لهم ونزلت الآية تأييداً العدد ، فمع هذا یمکن لنا أن نقول: إن المسافر کان یصلى قبل نزول الآية ركعتين ركعتين ، فكان الحكم مشروعاً من قبل ، ونزلت الآية تأييداً له ، ونظير هذا نزول آية الوضوء، فقد جرى التشريع بالطهارة قبل نزولها بثمانية وعشرين عاماً. ويمكن أن نقول : إن إرادة قصر العدد فى أول الآبة توطئة وتمهيد لصلاة الخوف ، ومن الضرورى أن يكون التمهيد مما أن يكون معلوماً من قبل، فإذن إطلاق القصر على صلاة المسافر فيه توسع وتجوز وليس حقيقة ، وعلى كل حال حديث عائشة برد دعوى إتمام الصلاة قبل نزول القرآن . قال الشيخ فى " تعليقاته" المخطوطة على الآثار: وعلى هذا تكون آية الخوف نزلت تقريراً كآبة الوضوء، وسوال عمر وجوابه حلّ: ((صدقة تصدق الله بها عليكم)) بالنظر إلى نفس نظم الآية، وراجع "الفتح" (١ - ٣٩٣) و "العمدة" (٢ - ٢١٣)، ولولا رواية على عند ابن جرير فى الفصل بحول لكان الأحرى أن يقال: نزلت آية القصر تمهيداً لآية الخوف ، أى وإذا كنت الخ ، حتى يرتبط الكلام ، وعلى تلك الرواية فنطيره حديث البراء بن عازب فى " الفتح" (٨ - ١٩٦) آهـ. أراد بحديث على عند ابن جرير ( ٥ - ١٥٥ ) قال : سأل قوم من التجار رسول اللّه ◌َ هل فقالوا: يا رسول اللّه إنا نضرب فى الأرض فكيف نصلى؟ فأنزل الله: (وإذا ضربتم -إلى- من الصلاة) ثم انقطع الوحى، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبى ◌َّ ◌َّ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم ، هلا شددتم عليه ! فقال قائل : إن لهم أخرى مثلها فى أثرها، فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين: ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً، وإذا كنت فيهم الخ ) ولا بن ( م - ٥٩) ٤٦٦ معارف السنن ج - ٤ جرير أيضاً فيه نظر حيث قال ما ملخصه : لا يوافق الرواية كلمة "إذا" فى القرآن ، فإنه للإنقطاع والرواية تقتضى الإتصال . وأراد بحديث البراء قوله : فأنزلت هذه الآية: ( حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقر أناها ما شاء اللّه، ثم نزلت: (حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى ) اهـ . ولعل الشيخ يريد أن نزول الآية وجزء منها وإن كان نزل بفصل غير أن الحكم لم يختلف ، أو بعد النزول أصبح حكماً واحداً متسقاً مرتبطاً بما قبله والله أعلم . وأجاب الحافظ فى " الفتح" (١ - ٣٩٢) فى (باب کیف فرضت الصلاة فى الإسراء) عن حديث عائشة: ((فأقرت صلاة السفر)» بأن الصلوات ما عدا المغرب فرضت ركعتين ركعتين فى الإسراء ثم زيدت بعد الهجرة إلا الصبح ، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها فى السفر عند نزول الآية، فالمراد بقول عائشة: فأقرت صلاة السفر أى بإعتبار ما آل الأمر إليه من التخفيف ، لا أنها استمرت منذ فرضت ، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة ، وذكر أن نزول الآية فى السنة الرابعة من الهجرة ، واحتج الحافظ فى تأييد دعواه بحديث عند ابن خزيمة وابن حبان والبيهفى عن عائشة قالت : فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول اللّه عَّجَالِ المدينة واطمأن زيد فى صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار اهـ. فكأن الحافظ اطمأن واستراح بهذا الحديث بأن الزيادة وقعت فى الكل غير الصبح ، وكأنه تغاضى عن لفظ : " زيد فى صلاة الحضر " مع أنه صريح فى عدم الزيادة فى السفر ألبتة . علا أنه وقع فيما قدمناه من حديث عائشة عند الطبالسى : وترك الركعتين كان يصليها بمكة تماماً للمسافر . فقارن بين فرضية الأربع فى المدينة وفرضية الركعتين على ٤٦٧ بحث القصر للمسافر وما يدور حوله حالهما للمسافر ، فكيف يصح احتجاجه وتغاضيه : ومثل هذا كان مستبعداً عن جلالة قدره ، وتأول النووى فقال : يعنى فرضت الصلاة ركعتين لمن أراد الإقتصار عليهما ، فزيد فى صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم ، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار اهـ. ومثل هذا التكلف البارد يغنى ذكره عن الجواب ، فمن العجيب أنه جعل الصلاة أربعاً للمقيم والمسافر حين جعلها اللّه ركعتين لهما لكى يستقيم له أن يصلى المسافر أربعاً، فرحم الله من أنصف. قال الراقم : وجلالة قدرهما يثيطنى عن الاسترسال فى الرد، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . قال شيخنا : ويلزم على ما ذكر الحافظ النسخ مرتين فى صلاة المسافر ، والعلماء يقللون النسخ ويجتهدون فى المخلص عن لزوم النسخ مرتين فى حكم واحد مهما أمكن ، علا أن قوله لو سلمنا نفاذه فى الحديث ، لكنه ينبغى أن يأتى بدليل صريح على أن فرض المسافر كان أربعاً فى وقت ما فى المدينة ، ولا أصل لدعواه فى خبر مرفوع ولا أثر موقوف ، ولا يصح الاستدلال بلفظ : " أن تقصروا" فى التنزيل، لما بين أن القصر قصر الصفة أو هو تمهيد لصلاة الخوف وتقرير لتشريع سابق ، وتطابق عدة روايات على أن تأويل الحافظ غير سائغ وأنه مستبعد، فمنها ما فى "شرح الآثار" للطحاوى ( ١ - ٢٤٥) وصلاة السفر ركعتان ليس بقصر على عن عمر رضى الله عنه : لسان نبيكم محّ له، ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد (١ - ٣٧) وابن حبان كما فى "التخريج" والطبالسى (ص - ٢٠)، واعترض بعدم سماع ابن أبى ليلى عن عمر، وأبطل بثبوت ذلك عند مسلم فى مقدمة " صحيحه" كما حققه الماردينى فى "الجوهر" والزيلعى فى "التخريج» والبدر العينى فى " العمدة" وابن كثير فى « التفسير» وابن حجر فى " التلخيص" ، وأثبت العينى فى " العمدة" (٢ - ٢١٢) تصريح السماع فى بعض طرقه فقال : سمعت عمر بن ٤٦٨ معارف السنن ج - ٤ وقال عبد الله: لو كنت مصلياً قبلها أو بعدها لأتممتها)). وفى الباب عن عمر وعلى وابن عباس وأنس وعمران بن حصين وعائشة . قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحي بن سليم مثل هذا . وقال محمد بن اسماعيل : وقد روى هذا الحديث عن عبيد الله بن عمرو عن رجل من آل سراقة عن ابن عمر. قال أبوعيسى : الخطاب الخ . وهذا صريح فى نفى الأربع للمسافر ، وعند الطحاوى عن ابن عمر وابن عباس مرفوعاً: ((صلاة السفر ركعتين، وهى تمام)) ولكن فى سنده جابر الجعفى ، ولاضير فإن له شواهد ، علا أنه روى عن ابن عباس ذلك عند الطحاوى نفسه بأسانيد ثابتة ليس فيها الجعفى، مع أن الجعفى وثقه شعبة والثورى كما فى "الزوائد" (٢ - ١٥٢) و(٢ - ١٥٥ ). وعند مسلم فى "صحيحه": ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم: صَلى الله على أربعاً، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة)). وفى " العمدة" (٣ - ٥٤٨ ) عن ابن عباس: ((من صلى فى السفر أربعاً كمن صلى فى الحضر ركعتين اهـ)). قلت : رواه أحمد ، وفيه حميد بن على العقيلى ، ذكره ابن حبان فى الثقات كما فى "الزوائد" (٢ - ١٥٥). وقال أبو زرعة : كوفى لا بأس به ، ولم يذكر البخارى فيه جرحاً ، كما فى "التعجيل". وروى عن ابن عمر عند الشيخين: ((صحبت رسول اللّه حَخالٍ فى السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله)). ثم ذكر أبا بكر وعمر وعثمان كذلك ، ثم قال: وقد قال الله تعالى: (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة )، واللفظ لمسلم. وكذا عند الطحاوى عن عمر ما لفظه عن صفوان ابن محرز أنه سأل عمر عن الصلاة فى السفر فقال: ((أخشى أن تكذب على ، ٤٦٩ تحقيق أن القصر للمسافر حتم واجب وقد روى عن عطية العوفى عن ابن عمر: ((أن النبي ◌َّلّ كان يتطوع فى السفر قبل الصلاة وبعدها، وقد صح عن النبي عّ لّ أنه كان يقصر فى السفر، وأبو بكر وعمر وعثمان صدراً من خلافته . والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ وغيرهم، وقد روى عن عائشة أنها كانت تتم الصلاة فى السفر . ركعتان، من خالف السنة كفر)). وهذا لفظ شديد. وعند ابن حزم صحيحاً مرفوعاً عن ابن عمر قال قال رسول اللّه عَ ل: ((صلاة السفر ركعتان من ترك السنة كفر)، حكاه فى " العمدة"، وفى " المغنى" لابن قدامة: عن ابن عمر موقوفاً، وفى " الزوائد" (٢ - ١٥٤) مرفوعاً عنه عند الطبرانى فى " الكبير". قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح. وبالجملة فروى عن عمر موقوفاً وعن ابنه مرفوعاً بإسناد صحيح . وإن شئت الإستيفاء للأدلة فراجع " نصب الرأية" و"العمدة" و" آثار السنن" و" إعلاء السفن"، وفيما ذكرنا وسردنا من الأدلة مقنع وكفاية . وبالله التوفيق . قوله : لأتممتها ، يريد أنه لو شرعت الصلاة قبلها أو بعدها لكان إتمام الفريضة أولى . قال النووى : معناه : لو اخترت التنفل لكان إتمام فريضتى أربعاً أحب على ، ولكنى لا أرى واحداً منها بل السنة القصر وترك التنفل ، ومراده النافلة الراتبة .... وأما النوافل المطلقة فقد كان ابن عمر يفعلها الخ. وقال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٧٦): يعنى أنه لو كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه ، ولكنه فهم من القصر التخفيف ، فلذلك كان لا يصلى الراتبة ولا يتم اهـ. والأظهر الأول . وقوله هذا يدل على أن القصر ينافى أداء السنن . وأجاب عنه النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٢٤٢) بأن الفريضة محتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها ، ٤٧٠ معارف السنن ج - ؛ والعمل على ما روى عن النبى معٍَّ وأصحابه، وهو قول الشافعى وأحمد واسحاق إلا أن الشافعى يقول: التقصير رخصة له فى السفر، فإن أتم الصلاة أجزأ عنه . حدثنا: أحمد بن منيع نا هشيم ناعلى بن زيد بن جدعان عن أبى نضرة قال : سئل عمران بن حصين عن صلاة المسافر فقال: ((حججت مع رسول اللّه عَلَّ فصلى ركعتين، وحججت مع أبى بكر فصلى ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين ، ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثمان سنين فصلى ركعتين )). وأما النافلة فهى إلى خيرة المكلف ، فالرفق به أن تكون مشروعة ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها وإن شاء تركها ولا شتی علیه ا هـ ، قوله: صدراً من خلافته. متعلق بعثمان، وأما الشيخان والنبى ◌َّّ فلم يثبت عنهم إلا القصر ، وعمل عثمان وعائشة تقدم الجواب عنه مفصلاً. قوله : فإن أتم الصلاة أجزأ عنه . أى يقع فرضاً، وأما عند أبى حنيقة فالركعتان الزائدتان نافلة، والمصلى ارتكب الكراهة تحريماً . قال فى "الهداية": ويصير مسيئاً لتأخير السلام اهـ. وهذا إذا قعد فى الثانية وإلا بطل فرضه . وكل ذلك أن القصر كان عزيمة ، وتسمية بعض المشائخ إياه رخصة فعنى به رخصة الإسقاط وهو العزيمة ، وتسميتها رخصة مجاز ، قاله ابن الحمام ، ولذا عبر شيخنا فى مبدأ البحث بأن القصر للإسقاط عندنا وللترفيه عند الشافعى . قوله . وأحمد وإسحاق الخ. قد صح عن أحمد ما قدمناه أنه قال : أحب العافية عن هذه المسألة أى الإتمام ، وانتصر ابن تيمية لعدم جواز الإتمام . قوله : حدثنا أحمد بن منيع الخ . وقع فى هذا الإسناد على بن زيد بن جدعان وهو سيئى الحفظ. قال الشيخ: ولم احتج بحديثه فى باب الوضوء تصحيح الترمذى حديث الباب مع أن فيه على بن زيد بن جدعان ٤٧١ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . حدثنا : قتيبة ناسفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر وابراهيم بن ميسرة أنها سمعا أنس بن مالك قال: ((صلينا مع النبى عَُّالمِ الظهر بالمدينة أر٠ماً، وبذى الحليفة العصر ركعتين)) . هذا حديث صحيح . بالنبيذ ، مع أنه أخرجه أحمد فى " مسنده" من طريقه ، فإن من دأبى النقد الشديد فى الأسانيد المفيدة لنا وفى أدلتنا ، والتساهل مع روايات الخصوم وبعكس هذا خصومنا ينقدونا نقداً شديداً فيما ينفعنا ويتساهلون فيما ينفعهم ، وقد سلمت لهم التعديل فى رواية كثير بن عبد الله فى تكبيرات العيدين ، مع أنه يضرنا فيها ، وكذا فى مواضع غيرها ، وراجع لرواية كثير ما سلف فى تكبيرات العيدين، ولا بن جدعان باب الوضوء بالنبيذ من الجزء الأول، والترمذى صحح حديثه هذا، ويقوا الحافظ فى " التلخيص" (ص - ١٢٩ ): حسنه الترمذى ، وعلى ضعيف ، وإنما حسن الترمذى حديثه لشواهده ، ولم يعتبر الاختلاف فى المدة ، كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق اهـ. والظاهر أن الترمذى صح حديثه أو حسنه لأنه صدوق عنده ، وفى "التهذيب": قال الترمذى : صدوق إلا أنه ربما رفع الشئ الذى يوقفه غيره اهـ. ولعل فى نسخة الحافظ التحسين فقط. وقد سبقت وجوه إتمام عثمان فى آخر عهده بالخلافة فلا نعيد البيان فيها . قوله : وبذى الحليفة ركعتين . المسافر إذا فارق بيوت بلده قصر فى الطريق عندنا كما فى عامة متون الحنفية ، وفيه خلاف يسير فى عبارات المشائخ ، راجع له " العمدة" (٣ - ٥٤٥)، وفى " المغنى" لابن قدامة: ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت مصره أو قريته ويخلفها وراء ظهره، قال : وبه قال مالك والأوزاعى وأحمد والشافعى واسماق وأبو ثور ، ٤٧٢ معارف السنن ج - ٤ حدثنا : قتيبة نا هشم عن منصور بن زاذان عن ابن سيرين عن ابن عباس: ((أن النبى ) خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين فصلى ركعتين ) . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ( باب ما جاء فى كم تقصر الصلاة ) حدثنا : أحمد بن منيع نا هشيم نا يحيى بن أبى اسحاق الحضرمى فا أنس بن وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على هذا، حكاه فى "العمدة" واستدل له فى "فتح القدير" بحديث أنس هذا، وهو حديث الصحيحين ، وأورده البخارى دليلاً لهذه المسألة كما هو مذهب الجمهور . فهذا الحديث ربما يؤيد مذهبنا ، ولا يصح به استدلال أهل الظاهر لجواز القصر بمطلق السفر ولو على ثلاثة أميال ، فإن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر بل هو مكة . قوله : لا يخاف إلا رب العالمين . يريد أن التقييد بقوله: " إن خفتم " اتفاق - خرج مخرج الغالب - فى حق المسافر . -: باب ما جاء فى كم تقصر الصلاة :- لفظ ترجمة الباب يحتمل أن يراد به بيان " مدة الإقامة"، وأن يراد به بيان "مقدار مسافة القصر"، نظراً إلى المميز المحذوف، والترمذى أراد فى "جامعه" الأول، كما أن البخارى أراد بنفس اللفظ فى "صحيحه" الثانى، بدليل ما أخرج كل فى هذا الباب بهذا اللفظ فى كتابه ، وشيخنا رحمه اللّه فى "إملائه على جامع الترمذى" نظراً إلى اللفظ وإلى مناسبة المقام تعرض المسألة الثانية أيضاً استيفاء للبحث ، فاقتضى أثره فى التعرض والإستيفاء تكملة للموضوع. ٤٧٣ تحقيق مسافة القصر والمذاهب فيها مالك قال: ((خرجنا مع النبى حَ لٍّ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين. قال: فاعلم أن مسافة القصر عندنا مسيرة ثلاثة أيام بسبر وسط، وعن أبى حنيفة فى "الهداية" قدر ثلاثة مراحل. وأما أقوال المشائخ الحنفية فكثيرة ، ذكرها صاحب " البحر"، منها: خمسة عشر فرسماً، ومنها ثمانية عشر فرسناً، وقول آخر فى "العمدة" و"فتح القدير" و"العناية": أحد وعشرون فرسماً . وعلى كل أفتى ، ففى "النهاية" على ثمانية عشر، وفى " المجتبى" من فتوى أكثر أئمة خوارزم على : خمسة عشر فرسماً ، والتقدير بالمراحل الثلاثة والسير ثلاثة أيام كلاهما متقارب ، وقال أبو يوسف : يومان وأكثر ، وهى رواية الحسن عن أبى حنيفة وابن سماعة عن محمد، كما فى 'العمدة" (٣ - ٥٣١). وبالجملة ظاهر الرواية عند الحنفية هو التقدير بمسيرة الأيام الثلاثة ، ويقرب منه قول أبى بعت، وكذا قول ثمانية عشر فرسخاً فى المعنى ، وإلى ثلاثة أيام ذهب عثمان بن عفان وابن مسعود وسويد بن غفلة وحذيفة بن اليمان والشعبى والنخعى وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وأبوقلابة والثورى وابن حبى ،شريك بن عبد الله، وهو رواية عن عبد الله بن عمر كما فى "العمدة". وعند الشافعى وأحمد: ثمانية وأربعون ميلاً . قال فى "المجموع" (٤ - ٣٢٥): وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن البصرى والزهرى ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبوثور اهـ . هذا هو مذهب الشافعى المشهور، وله ستة نصوص أخرى، ذكرها البدر العينى فى "العمدة" والنووى فى " شرح المهذب". ثم ذلك ستة عشر فرسماً، والفرسخ ثلاثة أميال بالميل الهاشمى، فهذا يقرب من خمسة عشر فرسفاً فى قول عندنا، ولعله أراد الشيخ ، وعند الأوزاعى يوم وليلة ، وعن داؤد مطلق السفر، وقدر بالميل . ( م - ٦٠) ٤٧٤ معارف السنن ج - ٤ وراجع للتفصيل " العمدة" (٣ - ٥٣١ ٥٣٩) و"المغني" (٢ - ٩١) و"شرح المهذب" (٤ - ٣٢٥). وما ذهب إليه الشافعى هو قول لمشائخنا ، وهو المختار لموافقته الشافعى وأحمد . وأما الميل ففى " شرح مسلم " للنووى ( ١ - ٢٤١ ): الميل ستة آلاف فراع ، والذراع أربع وعشرون أصبعاً معترضة معتدلة ، والإصبع ست شعيرات معترضات معتدلة ، ومثله فى " شرح المهذب" له، وهذا هو المشهور ، وفيه أقوال كثيرة ، ذكرها البدر العينى والحافظ ابن حجر وغيرهما . وأما مدة الإقامة : فعندنا خمسة عشر يوماً ، وعند الشافعى أربعة أيام ، ومذاهب أخر . قال فى "الفتح" (٢ - ٤٦٦): وهى من المواضيع التى انتشر فيها الخلاف جداً، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحواً من عشرين قولاً، فأقل ما قيل فى ذلك: يوم وليلة، وأكثره مادام غائباً آهـ . قال الراقم: والأول قول ربيعة الرأى، والأخير قول الحسن البصرى ، كما فى "قواعد ابن رشد " وغيره ، وذكر العينى فى " العمدة" (٣ - ٥٢٧ ٥٢٨ ) اثنتين وعشرين قولاً، وأقله ما عن سعيد بن جبير: ((إذا وضعت رجلك بأرض قوم فأتم )). وما ذهب إليه أبو حنيفة ، وهو قول أصحابه ، والثورى ، والليث بن سعد، ويروى عن ابن عمر وسعيد بن المسيب عند ابن أبى شيبة كما فى "العمدة"، وعن ابن عمر وابن عباس كلاهما عند الطحاوى ، حكاه الزيلعى وغيره ، وذكره ابن قدامة فى " المغني" (٢ - ١٣٢)، وإليه ذهب المزنى كما فى " شرح المهذب" (٤ - ٣٦٤). والأربعة الأيام مذهب الشافعى المشهور غير يومى الدخول والخروج، وعنه أقوال كثيرة غيره، ومذهب مالك كالشافعى تقريباً ، وفى یومی الدخول والخروج بعض تفصيل عنده ، ومذهب أحمد أن ينوى أكثر من إحدى وعشرين صلاة ، كما فى " المغنى" وغيره. قال ابن رشد: وسبب الخلاف أنه أمر مسكوت عنه فى الشرع ، والقياس على التحديد ضعيف عند ٤٧٥ بحث مدة الإقامة لإتمام الصلاة قلت لأنس: كم أقام رسول اللّه ◌َّ لهي بمكة؟ قال: عشراً)). وفى الباب عن ابن عباس وجابر . قال أبو عيسى : حديث أنس حديث حسن صحيح . وقد روى عن ابن عباس عن النبى ◌َّ الج: ((أنه أقام فى بعض أسفاره تسع عشرة ، يصلى ركعتين )). الجميع ، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الأحوال التى نقلت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها مقصراً ، أو أنه جعل لها حكم المسافر الخ. وليس فيه لأحد خبر مرفوع عنه ، وإنما الدلائل آثار فى الباب ، ودليلنا أثر ابن عمر أخرجه محمد بن الحسن فى "كتاب الآثار" فى (باب الصلاة فى السفر) عن أبى حنيفة ثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال: ((إذا كنت مسافراً فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتمم الصلاة ، وإن كنت لا تدرى فأقصر الصلاة ١ هـ)). ورواه الطحاوى وابن أبى شيبة كما فى " نصب الرأية " . قوله : "قال: عشراً". أى فى حجة الوداع، وقد صرح به فى رواية شعبة عن يحيى بن أبى اسماق عند مسلم فزاد فيه: "إلى الحج"، ولذلك قال البدر العينى وابن حجر : لا يعارض حديث ابن عباس - وفيه: " تسعة عشر" - لأنه فى فتح مكة وحديث أنس فى حجة الوداع ، وأريد بالقيام عشراً بمكة وضواحيها ، ومدة الإقامة بمكة كانت أربعة أيام سواء ، كما حققه شارحا " الصحيح". والحديث أخرجه الشيخان وبقية أصحاب السنن أيضاً . ثم إن بكل ما ورد من مدة القيام فى الحجة أو الفتح قال فريق . قوله : وقد روى عن ابن عباس الخ . حديث ابن عباس أخرجه الترمذى فيما بعد موصولاً ، وهو حديث الصحيح ، ورواية ابن عمر أخرجها محمد بن ٤٧٦ معارف السنن ج - ٤ قال ابن عباس: ((فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة)). وروى عن على أنه قال: ((من أقام عشرة أيام أتم الصلاة)). وروى عن ابن عمر أنه قال: ((من أقام خمسة عشر يوماً أتم الصلاة))، وروى عنه ((ثنى عشرة)). وروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: ((إذا أقام أربعاً صلى أربعاً))، وروى ذلك عنه قتادة وعطاء الخراسانى، وروى عنه داؤد بن أبى هند خلاف هذا . واختلف أهل العلم فى ذلك ، فأما سفيان الثورى وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة ، وقالوا : إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة . وقال الأوزاعى : إذا أجمع على إقامة ثنى عشرة أتم الصلاة . وقال مالك والشافعى وأحمد : إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة. وأما اسماق فرأی أقوی المذاهب فیه حديث ابن عباس. قال : لأنه روی عن النبىِ ◌َُّ ثم تأوله بعد النبى ◌َّةٍ: إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة. ثم أجمع أهل العلم على أن المسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون . الحسن فى. "الآثار"، وكذا ابن أبى شيبة والطحاوى وغيرهم، ورواية "ثنّى عشرة ليلة" أخرجها مالك فى " مؤطئه" ( ص - ٥٢ ) عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: ((أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلى صلاة المسافر ما لم أجمع مكثاً وإن حبسنى ذلك اثنتا عشرة ليلة)). وبهذا اللفظ لا منافاة بين روايتيه، وعنه روايات أخرى كثيرة . ورواية أربعة عن ابن المسيب رواه مالك فى "مؤطئه"، وخلافها خمسة عشر، رواه محمد بن الحسن فى "كتاب الحجة" وابن أبى شيبة فى " المصنف". قوله : لأنه روى عن التي ټ﴾ ثم تأرله الخ. هذا اجتهاد ابن عباس ولا حجة فيه حيث يحتمل أن يقيم بعد هذه الأيام ويقصر ولا يتم ، وأى مانع منه؟ فليس ذلك نهاية فى التقصير ، وإنما فيه حجة على القصر فى هذه الأيام وما دونها ٤٧٧ على مكة بيان اختلاف الروايات فى مدة إقامته حدثنا : هناد نا أبو معاوية عن عاضم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((سافر رسول اللّه فَّله سفراً فصلى تسعة عشر يوماً ركعتين ركعتين)). قال ابن عباس: ((فنحن نصلى فيما بيننا وبين تسع عشرة ركعتين ركعتين ، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعاً)). قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح . . غير أنه يتأيد ذلك بكلام ذكره ابن رشد فى كتابه " بداية المجتهد " فى صلاة المسافر من الفصل الأول (١ - ١٣٣) طبع الآستانة سنة ١٣٣٣-٨ ما ملخصه: بأن الأصل هو الإتمام ، وإنما القصر جاء بعارض السفر، فالأشبه أن يجعل الحكم لأكثر ما ورد ويجعل ذلك حداً، فلا يثبت فيما بعده إلا بدليل، لأنه خلاف الأصل . ونظراً إلى كلام ابن رشد يمكن أن يقال : أن ابن عمر زعم أن النبى وَجَاء أقام بمكة خمسة عشر يوماً بعد تمام الفتح فلم يعتبر ثلاث أيام قبل الفتح لإشتغاله عَ لٍ بأمور ووقائع قبل استقرار الفتح، وهذا يتم لو قلنا أن بناء قوله الموقوف فى مدة الإقامة على فعله عَلٍ والله أعلم. قال الشيخ فى "تعليقاته المخطوطة على الآثار": وراجع ملحظ الإجتهاد فيه مما ذكره فى "البداية"، ولعل ابن عمر أخذه على هذا من إقامة الفتح ، فقد ذكروا دخول مكة فيه بسبع عشرة خلت من رمضان وفتحها لعشر ليال بقين مته، والخروج إلى حنين لسادس الشوال فكأنه اعتبر الخمس عشرة بعد تمام الفتح، فراجع "المواهب" وشرحه، ونحوه فى إقامة تبوك فإنها أيضاً لتسع عشرة ليلة، وراجع ما نقله فى "العمدة" (٣ - ٥٣٠) عن ابن عباس فإن صح فهو على هذا الملحظ، وراجع ما فى " المصنف" و"مسلم" (١ - ٤٥١) اهـ. أراد بما فى "العمدة" ما قدمناه عن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفى نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً فأكمل الصلاة بها ، ٤٧٨ معارف السفن ج - ٤ ( باب ما جاء فى التطوع فى السفر) حدثنا قتيبة نا الليث بن سعد عن صفوان بن سليم عن أبى بسرة الغفارى عن البراء بن عازب قال: «صحبت رسول اللّه حَ لّ ثمانية عشر سفراً فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر » . وفى الباب عن ابن عمر . قال أبو عيسى : حديث البراء حديث غريب، قال: وسألت محمداً عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أنى بسرة الغفارى، ورآه حسناً. وروى عن ابن عمر: ((أن النبى ◌َلّ كان لا يتطوع فى السفر قبل الصلاة ولا بعدها )). وإن كنت لا تدرى متى نظعن فأقصرها ، وعزاه فى "العمدة" إلى الطحاوى، ومثله فى "نصب الرأية" وغيره . -: باب ما جاء فى التطوع فى السفر :- اختلف العلماء فى التنفل فى السفر ، كما يقوله النووى تبعاً لغيره على ثلاثة أقوال : المنع مطلقاً. والجواز مطلقاً. والفرق بين الرواتب والمطلقة. وهو مذهب ابن عمر ، كما أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن مجاهد قال : صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة وكان يصلى تطوعاً على دابته حيث ما توجهت به ، فإذا كانت الفريضة نزل فصلى. قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٧٦) بعد نقله: وأغفلوا قولاً رابعاً وهو الفرق بين الليل والنهار فى المطلقة . وخامساً وهو ما فرغنا من تقريره . أراد به الفرق بين القبلية والبعدية ، والمنع عن البعدية . وبالجملة فالأقوال خمسة ، فمذهب مالك والشافعى وأحمد واسحاق وأبى ثور وابن المنذر على ما ذكره ابن قدامة فى "المغني" (٢ - ١٤١ ): أن يأتى بالسنن قبل الفرائض وبعدها . قال: وروی عن الحسن قال: کان أصحاب رسول اللّه عَّ له يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وروى ذلك عن عمر وعلى ٤٧٩ بحث أداء الرواتب فى السفر وروى عنه عن التى حَلّ: ((أنه كان يتطوع فى السفر)»، ثم اختلف أهل العلم بعد النبي ◌َّه، فرأى بعض أصحاب النبي ◌َّلهم أن يتطوع الرجل فى السفر. وبه يقول أحمد واسماق، ولم ير طائفة من أهل العلم أن يصلى قبلها ولا بعدها ، ومعنى من لم يتطوع فى السفر قبول الرخصة ، ومن تطوع فله فى ذلك فضل كثير ، وهو قول أكثر أهل العلم : يختارون التطوع فى السفر . وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر وجماعة من التابعين، واحتج بحديث ابن عباس عند ابن ماجه ، وحديث البراء عند الترمذى وأبى دائد ثم ذكر ابن قدامة مذهب ابن عمر وحديثه المروى عند الشيخين فقال : وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها فيجمع بين الأحاديث والله أعلم. ونقل العينى فى "العمدة" ( ٣ - ٥٦٠) فى التوفيق بينها على شيخه العراقى: أن النفل المطلق وصلاة الليل لم يمنعهما ابن عمر ولا غيره ، فأما السنن الروائب فيحمل حديثه المقدم - يعنى فى الصحيح فى المنع - على الغالب من أجواله فى أنه لا يصلى الرواتب ، وحديثه فى الترمذى على أنه فعله فى بعض الأوقات لبيان استحبابها فى السفر وإن لم يتأكد فعلها كتأكده فى الحضر ، أو أنه كان نازلاً فى وقت الصلاة ولا شغل له يشتغل به عن ذلك ، أو سائراً وهو على راحلته ، ولفظة " كان" فى حديثه لا يقتضى الدوام بل ولا التكرار على الصحيح ، فلا تعارض بين حديثيه . وكذا أجاب عن حديث البراء بمحمل الركعتين على سنة الزوال انتهى ملخصاً . ولم أقف فيه على قول أبى حنيفة خاصة ، ولعله لم ينقل عنه شئى ، ولذا اختلفت أقوال المشائخ الحنفية فوصلت إلى ستة، ففى "البحر": فقيل الأفضل الترك ترخيصاً، وقيل: الفعل تقرباً، وقال الهندوانى: الفعل حال النزول والترك حال السير ، وقيل : بصلى سنة الفجر خاصة ، وقيل : سنة المغرب أيضاً، وفى "التجنيس": والمختار أنه إن ٣١ ٤٨٠ معارف السنن ج - ٤ حدثنا على بن حجر نا حفص بن غياث عن حجاج عن عطية عن ابن عمر قال: ((صليت مع النبى حَ لّ الظهر فى السفر ركعتين وبعدها ركعتين)). قال أبوعيسى : هذا حديث حسن . وقد رواه ابن أبى ليلى عن عطية كان حال أمن وقرار يأتى بها .. وإن كان حال خوف لا يتأتى بها .. اهـ . فالأقوال سنة، وجعل ابن عابدين قول الهندوانى وقول "التجنيس" واحداً، فإذن هى خمسة ، وجعل فى " شرح المنية" قول الهندوانى أعدل ، وما فى "العرف الشذى" من عمل محمد عن "البحر" فلم أجده، وفى " العمدة" ( ٣ - "٥٦): قال هشام: رأيت محمداً كثيراً لا يتطوع فى السفر قبل الظهر ولا بعدها ، ولا يدع ركعتى الفجر والمغرب ، وما رأيته يتطوع قبل العصر ولا قبل العشاء ، ويصلى العشاء ثم أوتر . وبالجملة أستفيد من هذه الأقوال : أنه لا قصر فى السنن ، فإما أن يصليها أو يتركها، وقد صرح به فى "المبسوط" أيضاً كما فى "العمدة"، ويمنع ابن تيمية أداؤها فى السفر مطلقاً، ويدعى كذلك صاحب ابن القيم فى " الهدى" ولكنه يستثنى سنة الفجر والوتر . والمستفاد من نقل هشام عن محمد بن الحسن كما سبق نقله من " العمدة" عدم ترك ركعتى الفجر القبلية وركعتى المغرب البعدية ، وعدم أداء البقية فى غالب الأحوال . وما قاله صاحب "الهدى"؛ لم يحفظ عن النبى معَّالج أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها فى السفر إلا ما كان من سنة الفجر ، فقال الحافظ فى "الفتح" قلت : ويرده على إطلاقه ما رواه أبو داؤد والترمذى من حديث البراء. ثم ذكره وقال : وكأنه لم يثبت عنده، لكن الترمدى استغربه ونقل عن البخارى أنه رآه حسناً آهـ. هذا ما تيسر والله أعلم بالصواب . قوله : عن ابن أبی لیلی . وهو محمد بن أبی لیلی أی محمد بن عبد الرحمن