النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
بحث وقت صلاة الجمعة والمذاهب فيه
(باب فى من ينعس يوم الجمعة أنه بتحول من مجلسه)
حدثنا : أبو سعيد الأشج نا عبدة بن سليمان وأبو خالد الأحمر عن محمد
ابن اسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبى وَّ لّ قال: ((إذا نعس أحدكم يوم
الجمعة فليتحول عن مجلسه ذلك )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
نصف النهار، وربما يطلق على الإستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، كما
فى "العمدة" (٣ - ٣٣٨)، وبابه أجوف يأتى من. ضرب.
وحديث الياب أخرجه الجماعة فى كتبهم ، وكذا حديث أنس أُخرجه
البخارى ، واستدل بهما أحمد على جواز الجمعة قبل الزوال خلافاً لجمهور ،
حيث لا تصح عندهم قبل الزوال ، وقد تبين فيما سلف ضعف التمسك بها كما
تبين قوة متمسكات الجمهور، ومعنى الحديث على مسلك الجمهور : كنا نؤخر
الغداء والقيلولة إلى ما بعد صلاة الجمعة اشتغالاً بما يلزم يوم الجمعة، فهما كنايتان
عن التبكير إلى صلاة الجمعة، فكانوا إذا أصبحوا يوم الجمعة لا يتغدون ولا يستريحون
ولا یشتغلون بمهم ولا يهتمون بأمر سوى الجمعة کما تقدم بيانه فی ( باب وقت
الجمعة) مختصراً على ما ذكره النووى والطيبى والعينى وابن حجر وغيرهم، لا أن
ما يؤكل بعد الزوال يسمى غداء أيضاً أو أن النوم بعد الزوال يسمى قائلة أيضاً،
والغرض تأخر محلها المتعارف لا غير . وادعى زين الدين ابن المنير : أنه يؤخذ
من حديث الباب أن الجمعة تكون بعد الزوال ، لأن العادة فى القائلة أن تكون
قبل الزوال ، فأخبر الصحابى أنهم كانوا يشتغلون بالتهيئى الجمعة عن القائلة
ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة ، حكاه فى " الفتح" (٢-٣٥٧).
-: باب فيمن ينعس يوم الجمعة الخ :-
الحديث صححه الترمذى مع أن فيه محمد بن اسحاق والحكمة فى التحول

٤٢٢
معارف السنن
١
ج - ٤
( باب ما جاء فى السفر يوم الجمعة )
حدثنا: أحمد بن منيع نا أبو معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن
ابن عباس قال: ((بعث النبي ◌َّهج عبد الله بن رواحة فى سرية فوافق ذلك
يوم الجمعة فغدا أصحابه، فقال: أتخلف فأصلى مع رسول اللّه عَلّ ثم ألحقهم،
فلما صلى مع النبي ◌َّ رآه، فقال له: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال:
أردت أن أصلى معك ثم ألحقهم . فقال : لو أنفقت ما فى الأرض ما أدركت
فضل غدوتهم)) .
إزالة الوسن والكسل وإعادة النشاط لكى يستعد لاستماع الخطبة ولا يحرم الخير
الكثير ، ولذلك وقع النهى عن الحبوة ، لأن الجلسة مثلها ربما يجلب النوم
ويتعرض لنقض الطهارة ، ووقع عند أبى داؤد زيادة : " وهو فى المسجد "
ونقص : "يوم الجمعة" وكلاهما مراد، غير أن قيد المسجد على الغالب ،
وترجم عليه أبو داؤد ( باب الرجل ينعس والإمام يخطب ) إشارة إلى أن هذه
الحالة إذا اعترت فى الخطبة فليتحول من مجلسه كيلا يفوته سماع الخطبة وحظ
العبادة . والنعاس أول النوم ، وهى ريح لطيفة تأتى من قبل الدماغ تغطى على
العين ولا تصل إلى القلب ، فإذا وصله كان نوماً ، كذا فى " مجمع البحار".
وذكر فى " المغني" (٢ - ٢٠٧): ويستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول
عن موضعه ، وذكر حديث ابن عمر ثم قال : ولأن تحوله عن مجلسه يصرف
عنه النوم اهـ .
قلبيه : هذان البابان ليسا بمذكورين فى "العرف الشذى".
-: باب ما جاء فى السفر يوم الجمعة :-
إن أراد أحد أن يسافر قبل الزوال يوم الجمعة جاز بلاكراهة وبعده لا .

٤٢٣
بحث السفر قبل صلاة الجمعة
قال أبو عيسى : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال على بن
المدينى : قال يحيى بن سعيد قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة
أحاديث ، وعدها شعبة ، وليس هذا الحديث فيما عدها شعبة ، وكأن هذا
الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم . وقد اختلف أهل العلم فى السفر يوم الجمعة
فلم ير بعضهم بأساً بأن يخرج يوم الجمعة فى السفر ما لم تحضر الصلاة . وقال
بعضهم : إذا أصبح فلا يخرج حتى يصلى الجمعة .
( باب فى السواك والطيب يوم الجمعة )
حدثنا: على بن الحسن الكوفى نا أبو يحيى اسماعيل بن ابراهيم التيمى عن
قال فى "الدر المختار" عن "شرح المنية": والصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال
قبل أن يصليها ولا يكره قبل الزوال اهـ. وفى "رد المحتار": وينبغى أن
يستثنى ما إذا كانت تفوته رفقته لو صلاها ولا يمكنه الذهاب تأمل اهـ. وفى
"المغني" (٢ - ٢١٧): ومن تجب عليه الجمعة لا يجوز له السفر بعد دخول
وقتها ، وبه قال الشافعى واسحاق وابن المنذر . وقال أبو حنيفة: يجوز الخ .
قلت : أى مع الكراهة التحريمية كما علمت آنفاً ، وحكى عن الأوزاعى
ومالك الجواز بعد دخول الوقت .
وبالجملة جواز السفر قبل دخول الوقت مذهب أكثر أهل العلم ، منهم:
الأئمة الأربعة ، وبعده مختلف فيه بين الأربعة أيضاً ، والحديث أعله الترمذى
بالإنقطاع. وقال البيهقى : انفرد به الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ، حكاه فى
" التلخيص" ( ص - ١٣٧)، وفيه أثر عمر فى جواز السفر يوم الجمعة ،
وكذا عمل أبى عبيدة بن الجراح ، والروايات المتعارضة فى الباب يوفق بينها بأن
النهى بعد الوقت والإذن قبله والله أعلم .
-: باب فى السواك والطيب يوم الجمعة :-

٤٢٤
معارف السنن
ج - ٤
يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء بن عازب قال : قال
قال رسول اللّه عَلّ: (( حقاً على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس
أحدهم من طيب أهله ، فإن لم يجد فالماء له طيب)).
وفى الباب عن أبى سعيد وشيخ من الأنصار قال حدثنا أحمد بن منيع نا
هشيم عن يزيد بن أبى زياد نحوه بمعناه . قال أبو عيسى: حديث البراء حديث
حسن، ورواية هشيم أحسن من رواية اسماعيل بن ابراهيم التيمى، واسماعيل بن
ابراهيم التيمى يضعف فى الحديث .
قوله : حقاً . نصب حقاً مصدراً بفعل محذوف أى حق حقاً ، وقدم
المصدر اهتماماً بالتأكيد كما فى قوله بحّظله: ((عمداً فعلته يا عمر))، قاله العراقى
والطيبى .
قوله : أن يغتسلوا . حكى عن مالك وجوب الإغتسال كما تقدم بيانه .
قوله : فالماء له طيب . أى يكفيه الغسل ، سماه طيباً على سبيل التسلية
وتطييب الخاطر . قال الطيبى فى "شرح المشكاة" كما حكاه فى "التعليق الصبيح":
فالماء له طيب أى عليه ، أى أن يجمع بين الماء والطيب فإن تعذر الطيب فالماء
كاف، لأن المقصود التنظيف ودفع الرائحة الكريهة اهـ. أى بالجملة يحصل
المقصود به أيضاً. قال العراقى . المشهور روايته ، كقيل أى أنه يقوم
مقام الطيب .
قوله : حسن . حسنه الترمذى مع أن فيه يزيد بن أبى زباد وهو الهاشمى
الكوفى . قال فى "التقريب": ضعيف كبر فتغير صار يتلقن وكان شيعياً اهـ.
وقد صدق من قال : إن لحذاق المحدثين نظراً آخر ، وهو الرجوع فى ذلك
إلى القرائن دون الحكم بحكم مطرد، كما فى "التدريب" (ص - ٧٧ ). وقد

٤٢٥
بحث معنى العيد - وأن الخروج إلى العيد ماشياً مندوب
(أبواب الميدين)
( باب فى المشى يوم العيدين )
حدثنا : اسماعيل بن موسى نا شريك عن أبى اسحاق عن الحارث عن .
على قال: ((من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج)).
روى له مسلم مقروناً، ووثقه بعض ، راجع "التهذيب" و "الميزان".
تنبيه : وقع فى الإسناد شيخ الترمذى على بن الحسن الكوفى ، واشتبه
على العراقى بأن فى هذه الطبقة ثلاثة يتفق أسماؤهم ونسبتهم ، كما فى "القوت" ..
قلت : الظاهر أن المراد هو على بن الحسن الكوفى اللافى ، كما ظنه الحافظ
فى "التهذيب" (٨ - ٣٠١)، فتخصيص صاحب " الكمال" إياه برواة
"النسائى" ليس بذاك والله أعلم .
-: أبواب العيدين :-
أصل العيد مَن العود لإشتقاقه من : عاد يعود ، وهو الرجوع ، قلبت
" الواو ياءً لسكونها وإنكسار ما قبلها، كالميزان والميقات . وجمع على: أعياد،
لا أعواد ، فرقاً بينه وبين أعواد الخشبة ، وسمى : عيداً لكثرة عوائد الله
فيه ، وقيل : لأنهم يعودون إليه مرة بعد أخرى ، وقيل : تفاؤلاً . انتهى
من " العمدة " بحذف وزيادة .
-: باب فى المشى يوم العيدين :-
الخروج إلى صلاة العيد ماشياً غير راكب مندوب عند الكل ، وممن
استحب المشى: عمر بن عبد العزيز، والنخعى ، والثورى ، والشافعى
( م - ٥٤ )

٤٢٦
معارف السنن
ج - ٤
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن . والعمل على هذا الحديث عند
أكثر أهل العلم : يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً ، وأن لا يركب
إلا من عذر .
(باب فى صلاة العيد قبل الخطبة )
حدثنا: محمد بن المثنى نا أبو أسامة عن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر
03 وأبو بكر وعمر يصلون فى العيدين قبل الخطبة
قال: ((كان رسول الله
ثم يخطبون)) .
وغيرهم. كما فى " المغنى" (٢ - ٢٣١). والأحاديث الواردة فيه وإن .
كانت ضعيفة غير أنه اتفق أهل العلم على استحبابه ، وتحسین الترمذى حديث
الحارث عن على أيضاً مشكل ، فإن الجمهور من أهل الجرح على تضعيف
الحارث الأعور . نعم والأحاديث فى الذهاب إلى الجمعة ماشياً صحيحة وحسنة.
واتفقوا كذلك فى الجمعة على استحباب المشى بسكينة ووقار ، وبه قال جمهور
الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وحكاه ابن المنذر فى مطلق الصلوات عن
زيد بن ثابت ، وأنس بن مالك ، وأبى ثور ، وأحمد . واختاره ابن المنذر
كما فى "شرح المهذب" (٤ - ٥٤٢ )، واستثنوا منه صاحب العذر
والبعيد وأهل القرى ومن يشكل عليه المشى لضعف أو مرض أو بعد .
-: باب فى صلاة العيد قبل الخطبة :-
الأصل فى صلاة العيد الكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب فقوله تعالى :
( فصل لربك وانحر ) على التفسير المشهور .
وأما السنة فثبت بالتواتر: ((أنه حَ لّمٍ كَان يصلى صلاة العيدين)). وأجمع
عليها المسلمون من عهد الصحابة إلى اليوم .

٤٢٧
بيان حكم صلاة العيد والمذاهب فيها وأن الخطبة بعد الصلاة
وفى الباب عن جابر وابن عباس . قال أبو عيسى : حديث ابن عمر
صَلافـ
حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي
ثم اختلفوا فى حكمها ، فقال أبو حنيفة وأصحابه : واجبة بالوجوب
المصطلح عنده وليست فرضاً. وقال مالك : سنة مؤكدة ، وإليه ذهب
الشافعى وأكثر أصحابه . وقال أحمد : فرض على الكفاية ، وهى رواية عن
مالك أيضاً ، وإليه ذهب الأصطخرى من أصحاب الشافعى . هذا ملخص ما فى
" العمدة" و"المغنى". قال فى "العمدة": وحجة أصحابنا فى الوجوب
مواظبته بَّج من غير ترك. واستدل شيخ الإسلام على وجوبها بقوله تعالى:
( ولتكبروا الله على ما هداكم). قيل: المراد صلاة العيد والأمر للوجوب ،
وقيل فى قوله تعالى : ( فصل لربك وانحر ) : أن المراد به صلاة عيد النحر
فتجب بالأمر اهـ .
ثم السنة فى خطبة العيدين أن تكون بعد الصلاة ، وتلقاه الأمة بالقبول .
قال فى "العمدة" (٣ - ٣٦٩): وممن قال بتقديم الصلاة على الخطبة:
أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والمغيرة وأبو مسعود وابن عباس ، وهو قول الثورى
والأوزاعى والأئمة الأربعة وأبى ثور واسماق وجمهور العلماء . قال ابن قدامة فى
"المغنى" (٢ - ٢٤٣): لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين إلا عن بنى أمية
، ولا يعتد بخلاف بنى أمية ، لأنه مسبوق بالإجماع الذى كان قبلهم
ومخالف لسنة رسول اللّه بحب الّ الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعله وعد بدعة
ومخالفة للسنة آهـ . ثم إن عند الحنفية والمالكية : لو خطب قبلها جاز وخالف
السنة ويكره اهـ .
و أما عند الشافعية فالصلاة صحيحة . والخطبة غير محسوبة ،
والرجل مسيئى، كما فى " شرح المهذب" (٥ - ٢٥). وكذا عند أحمد

٤٢٨
معارف السنن
ج - ٤
وغيرهم : أن صلاة العيدين قبل الخطبة ، ويقال : إن أول من خطب قبل
الصلاة مروان بن الحكم
كما فى "المغني" (٢ - ٢٤٤). وخالف مروان كما فى "المغنى "
و "العمدة" و"الفتح". ورواية طارق بن شهاب عن أبى سعيد عند مسلم
صريحة فى ذلك ، وقيل : أول من قدم الخطبة عمر ، رواه ابن أبى شيبة ،
وهو شاذ مخالف لرواية الصحيحين ، وهو حديث الباب ، وقيل : معاوية ،
وقيل : زياد بالبصرة ، فجعلها قبل الصلاة . لأن الناس كانوا يتعمدون ترك
سماع خطبته لما فيها من سب من لا يستحق السب والإفراط فى مدح بعض
الناس ، فلرعاية مصلحته قدم الخطبة كما قاله الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٧٦).
أنظر للتفصيل " العمدة" (٣ - ٣٦٩) و " الفتح" (٢ - ٣٧٦). ونسب
إلى عثمان رضى الله عنه أيضاً تقديم خطبة العيد على الصلاة ، لكى يدرك الناس
الصلاة. رواه ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصرى، كما فى "الفتح".
وقال ابن قدامة : وروى عن عثمان وابن الزبير : أنها فعلاه ولم يصح ذلك
عنها اهـ .
وفى رواية فى مراسيل أنى داؤد: ((كان رسول اللّه عَ لالهل يصلى الجمعة
قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبى عَ لّ يخطب وقد صلى الجمعة
فدخل رجل فقال: إن دحية قدم بتجارته .... فخرج لم يظنوا إلا أنه ليس
فى ترك الخطبة شى، فأنزل الله عز وجل: (وإذا رأوا تجارة الآية ) فقدم
النبى حَلّ الخطبة الخ)). ذكره فى "العمدة" (٣ - ٣٣١) من رواية مقاتل
ابن حيان. وفى " الفتح" (٢ - ٣٥٤) أنه مع شذوذه معضل. وفى
. "العمدة" ( ٣ - ٣٣١): قال السهيلى: هذا وإن لم ينقل من وجه ثابت
فالظن الجميل بالصحابة يوجب أن يكون صحيحاً آه ثم إنه كم بقى من الرجال؟

٤٢٩
بيان الإجماع على أن صلاة العيد من غير أذان وإقامة
( باب أن صلاة العيدين بغير أذان ولا اقامة )
حدثنا قتيبة نا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال :
((صَليت مع النبى ◌َّ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة)).
ومن هم ؟ اختلفت الروايات فيه ، وليراجع " العمدة" و" الفتح " من
الجمعة ومن "سورة الجمعة".
-: باب أن صلاة العيدين بغير أذان ولا إقامة :-
صلاة العيدين لا أذان لها ولا إقامة ، وبذلك جرى تعامل الأمة المحمدية
من عهد النبوة إلى اليوم . قال ابن قدامة فى "المغني" (٢ - ٢٣٥): ولا نعلم
فى هذا خلافاً ممن يعتد بخلافه ، إلا أنه روى عن ابن الزبير أنه أذن وأقام .
وقيل : أول من أذن زياد ، وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله ، على أنه
لا يسن لهما أذان ولا إقامة ، وبه يقول مالك والأوزاعى والشافعى وأصحاب
الرأى آه . وفى " العمدة" (٣ - ٣٧٢) و "الفتح" أقوال فى أول من أحدث
الأذان ، فقيل : معاوية ، وقيل : زياد ، وقيل : هشام ، وقيل : مروان،
وقيل : ابن الزبير ، والله أعلم. وقال مالك فى " المؤطأ": سمعت غير واحد
من علمائنا يقول : لم يكن فى الفطر ولا فى الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن
رسول اللّه عٍَّ إلى اليوم اهـ. وفى " شرح المهذب": وبهذا قال جمهور العلماء
من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وعليه عمل الناس فى الأمصار للأحاديث
الصحيحة التى ذكرناها آه. قال الشيخ: ولا يقال أن الأذان والإقامة أمران
حسنان ، فأى حرج فيها ! لأن هما فى صلاة العيدين خلاف السنة ولا حسن
فى مخالفة السنة، وقد صلى النبى حمّ له صلاة العيدين تسع سنين، ولم يثبت عنه
مناّ لها أذان ولا إقامة . ویشبه ما روی أن علياً رضى الله عنه رآى رجلاً

٤٣٠
معارف السنن
ج - ٤
وفى الباب عن جابر بن عبد اللّه وابن عباس . قال أبو عيسى : وحديث
جاء بن سمرة حديث حسن صحيح . والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب
النبى ◌َ الج وغيرهم: أن لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشئ من النوافل.
يصلى فى المصلى ويتطوع فنهاه . فقال أيعذبنى اللّه عليها ؟ قال : بعذبك على
مخالفة السنة .
.
أقول : لم أقف على هذا النقل عن على ، وإنما وقفت على ما ذكره
العينى فى "العمدة" (٢ - ٥٩٠) فى المواقيت عن فوائد أبى الشيخ أنه رآى
حذيفة رجلاً يصلى بعد العصر فنهاه ، فقال: أو يعذبنى اللّه عليها ؟ قال :
يعذبك على مخالفة السنة اهـ. وفى كتب الشافعية : يجوز أن ينادى فى صلاة
العيدين: "الصلاة جامعة"، كما ذكره العراقى فى " شرح الترمذى" عن
الشافعى كما فى "العمدة"، وكذا فى " شرح المهذب" (٥ - ١٤). وكذا
فى "المغنى"، وإليه ذهب بعض الحنابلة، كما يظهر من كلام الموفق. وفى
"الفتح": روى الشافعى عن الثقة عن الزهرى قال: ((كان رسول اللّه ◌َا}
يأمر المؤذن فى العيدين أن يقول: " الصلاة جامعة")) وهذا مرسل بعضده
القياس على صلاة الكسوف آهـ. وقاسوا ذلك على ثبوته فى صلاة الكسوف ،
كما أخرجه مسلم فى "صحيحه" من كتاب الكسوف ( ١ - ٢٩٦ ) من حديث
عائشة: ((أن الشمس خسفت على عهد رسول اللّه عَ لّ فبعث منادياً بـ "الصلاة
جامعة " فاجتمعوا الخ )) وليس فى كتبنا ذلك ، وروى عن ابن الزبير أنه أذن
لها ولم يوافقه الأئمة .
فائدة : أنكر المحققون من كون البدعة حسنة ، وهى لا تكون عندهم
إلا سيئة. وممن حققه الشيخ الحافظ أبو اسحاق الشاطبى فى "كتاب الاعتصام" ،
وعلى ذلك مشائخنا علماء ديوبند ومشائخ دهلى من الشاه ولى الله وأتباعه .

بحث القراءة فى العيد - وبحث عدم سقوط الجمعة عند اجتماع العيد والجمعة ٤٣١
(باب القراءة فى العيدين)
حدثنا: قتيبةً نا أبو عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن
حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: ((كان النبي صَ لّ يقرأ فى العيدين وفى
الجمعة بـ "سبح اسم زبك الأعلى" و"هل أتاك حديث الغاشية"، وربما
اجتمعا فى يوم واحد فيقرأ بها))".
-: باب القراءة فى العيدين :-
حديث الباب يفيد فى عدم سقوط الجمعة إذا اجتمعت مع العيد ، وهو
مرفوع يحتج به فى مقابلة من قال بسقوط الجمعة إذا اجتمعا . قال فى "المغنى"
(٢ - ٢١٢): وإن اتفق عيد فى يوم جمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى
العيد إلا الإمام ...... وممن قال بسقوطه الشعبى والنخعى والأوزاعى.
وقيل : هذا مذهب عمر وعثمان وعلى رسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير.
وقال أكثر الفقهاء : تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على وجوبها ،
ولأنهما صلاتان واجبتان فلم يسقط أحدهما بالأخرى آهـ. ومذهب الشافعى:
السقوط من أهل البوادى دون البلد ، كما فى " شرح المهذب". وذهب
أبو حنيفة ومالك إلى أن المكلف مخاطب بهما معاً ، ولا ينوب أحدهما عن الآخر.
قال الراقم : وهذا هو الأصل الذى يقتضيه قواعد الشرع الأساسية ، إلا أن
يثبت فى ذلك شرع ظاهر يجب المصير إليه ، وهل آثار الصحابة فى مثل ذلك
مما يمكن أن يقوم هذا المقام مع احتمالها محملا آخر؟ فالنظر دائر، وهذا هو وجه
الاختلاف بين الأئمة، وفى "الهداية" ناقلاً عن " الجامع الصغير": عيدان
اجتمعا فى يوم واحد فالأول سنة والثانى فريضة ولا يترك واحد منها اهـ .
وصرح فى "الهداية" أن المراد بالسنة ثبوتها بالسنة ، فلا ينافى أنه واجب.
٢٨

٤٣٢
معارف السين
ج - ٤
وفى الباب عن أبى واقد وسمرة بن جندب وابن عباس . قال أبو عيسى :
حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح . وهكذا روی سفيان الثوری ومعمر
عنا براهيم بن محمد بن المنتشر مثل حديث أبى عوانة . وأما ابن عيينة فيختلف
عليه فى الرواية ، فيروى عنه عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن
حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير ، ولا يعرف لحبيب بن سالم
رواية عن أبيه ، وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير . وروى عن النعمان
ابن بشير أحاديث . وقد روى عن ابن عيينة عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر
نحو رواية هؤلاء، وروى عن النبى معَّ ل: ((أنه كان يقرأ فى صلاة العيدين
بـ "قاف" و"اقتربت الساعة")). وبه بقول الشافعى.
وفى "المعراج": قال ابن عبد البر: سقوط الجمعة بالعيد مهجور ، وعن
على : إن ذلك فى أهل البادية ومن لا تجب عليه الجمعة اهـ . حكاه ابن عابدين
فى "الرد". وليس عندهم حديث مرفوع صحيح، وما رواه أبو داؤد
والنسائى وابن ماجه والحاكم من حديث زيد بن أرقم: ((أنه فَ الجُّ صلى العيد
ثم رخص فى الجمعة فقال: من شاء أن يصلى فليصل)) فهو وإن صححه ابن المدینی
وابن خزيمة والحاكم فقال ابن المنذر: هذا الحديث لا يثبت ، وإياس بن أبى رملة
راويه عن زيد مجهول ، وحديث أبى هريرة عند أبى داؤد وغيره فى إسناده
بقية المتهم بتدليس التسوية ، علا أنه مضطرب رفعاً وإرسالاً ، وصحح أحمد
ابن حنبل والدار قطنى إرساله ، والمرسل ليس بحجة عندهم . وأيضاً رواه
البيهقى مقيداً بأهل العوالى ، فلم يبق لهم فيه حجة . أنظر " التلخيص الحبير "
(ص - ١٤٦)، وقوله بحِّّ فى حديث أبى هريرة: و" إنا مجمعون" دليل
اف لأهل العوالى الذين يحضرون فى مثل هذه الأمور،
على أن الرخصة .
وعمل ابن الزبير المروى فى "سنن أبى داؤد" وتصديق ابن عباس إياه يحتمل

بقية بحث عدم جواز ترك صلاة الجمعة يوم العيد وما كان يقرأ فى العيدين ٤٣٣
حدثنا : اسماق بن موسى الأنصارى نا معن بن عيسى نا مالك عن ضمرة
ابن سعيد المازنى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : أن عمر بن الخطاب سأل
أبا واقد الليثى: ما كان رسول اللّه عَلّ يقرأ به فى الفطر والأضحى؟ قال :
كان يقرأ بـ "قاف والقرآن المجيد" و"اقتربت الساعة وانشق القمر".
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا: هنادنا ابن عيينة عن ضمرة بن سعيد بهذا الإسناد نحوه . قال
أبو عيسى : وأبو واقد الليثى اسمه: الحارث بن عوف .
أن يكون رأياً منها ، وكذلك إطلاق ابن عباس عليه السنة يحتمل أن يكون من
هذا القبيل والله أعلم .
وبالجملة ثبوت الجمعة بأدلة قاطعة وسقوطها لا بد أن تكون بمثلها ،
وليس فى الباب خبر مرفوع صحيح صريح واحد فضلاً عن كون المسقط قطعياً ،
فكيف يترك كتاب الله، والأخبار المتواترة، والإجماع، بمثل تلك الروايات التى
للكلام فيها مجال واسع سنداً ومتناً منطوقاً ومفهوماً؟. ثم رأيت فى "إعلاء السنن"
تفصيلاً حسناً متيناً فى المسألة فليراجعه من شاء من الجزء الثامن . نعم ثبت عن
ابن الزبير وبعض التابعين ، وما روى عن عثمان رضى الله عنه أنه قال فى
خطبته : ((يا أيها الناس إن هذا اليوم قد اجتمع لكم فيه عيدان ، فمن أحب
أن ينتظر الجمعة من أهل العوالى فلينتظر ، ومن أحب أن يرجع فقد آذنت له
( هـ)). رواه البخارى فى "صحيحه» (ص - ٨٣٥) فى ( باب ما يؤكل من
لحوم الأضاحى وما يتزود منها ) . ووقفت عليه بعد مكابدة وعناء فى البحث
حيث وقع فى غير مظانه . ورواه مالك ومحمد فى "مؤطئيهما". فلا حجة لهم
( م - ٥٥ )

٤٣٤
معارف السنن
ج - ٤
باب فى التكبير فى العيدين
حدثنا : مسلم بن عمرو وأبو عمرو الحذاء المدينى نا عبد الله بن نافع عن
فيه ، فإنه أراد الأذان بالإنصراف لأهل القرى والعوالى الذين اجتمعوا لصلاة
العيد ولم تكن عليهم صلاة الجمعة واجبة، وبمثله أوله الإمام محمد فى "مؤطئه".
. . وأيضاً فظاهر الحديث فى
قال الحافظ فى "الفتح" ( ١٠ - ٢٢ ):
كونهم من العوالى أنهم لم يكونوا ممن تجب عليهم الجمعة لبعد منازلهم عن
مساجدهم آهـ. ومثله فى "العمدة" (١٠ - ٧٧ ). ثم إن ما رواه البخارى
عن عثمان رواه الحاكم عن عمر كما فى " التلخيص" (ص - ١٤٦). ثم إن
صلاة العيد واجبة عند أبى حنيفة ، وسنة مؤكدة عند مالك والشافعى ، وفرض
كفاية عند أحمد ، والتفصيل فى " المغنى" و" شرح المهذب" و"العمدة".
-: باب فى التكبير فى العيدين :-
ههنا خلافيتان مشهورتان، الأولى : عدد التكبيرات الزائدة ، والثانية :
محلها فى القيام . فالخلافية الأولى : قال أبو حنيفة وسفيان الثورى وأبو يوسف
ومحمد : إن التكبيرات الزائدة ست ، ثلاث فى الأولى قبل القراءة ، وثلاث
فى الثانية بعدها . وقال مالك : إنها سبع فى الأول مع تكبيرة الإحرام ، كما
فى "بداية ابن رشد" و"إرشاد السالك"، وخمس فى الثانية، وإليه ذهب أحمد،
كما فى " المغنى". وقال الشافعى: هى سبع فى الأولى من غير تكبيرة الإحرام،
وخمس فى الثانية ، كما فى "شرح المهذب". فالأقوال ثلاثة فى الأربعة. وقد
حكى ابن المنذر نحواً من اثنى عشر قولاً ، وسبب اختلافهم اختلاف الآثار
المروية عن الصحابة . قال ابن رشد: وإنما صار الجميع إلى الأخذ بأقاويل
الصحابه فى هذه المسألة، لأنه لم يثبت فيها عن النبى ◌ٍَّ شتى، ومعلوم أن

٤٣٥
بيان المذاهب فى تكبيرات العيدين
كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: ((إن النبى عَ لَّ كبر فى العيدين فى الأولى
سبعاً قبل القراءة وفى الآخرة خمساً قبل القراءة )) .
فعل الصحابة فى ذلك توقيف ، إذ لا مدخل فى ذلك للقياس اهـ . ومذهب
أبى حنيفة حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وحذيفة وأبى موسى وعقبة بن عامر،
كما فى " شرح المهذب"، وحكاه فى "العناية على الهداية" عن عمر وأبى هريرة
وابن الزبير أيضاً ، فلعل عنهم روايتين ، وقد أخرج الطحاوى عن عمر
أيضاً. ومذهب مالك وأحمد مروى عن الفقهاء السبعة وابن عبدالعزيز والزهرى،
وبه قال المزنى ، ومذهب الشافعى يروى عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى
وابن عباس وابن عمر ويحيى الأنصارى ، كما فى "المغنى"، وهم يتسامحون فى
جمع مذاهب الأئمة الثلاثة ، والتنقيح ما ذكرنا . وأما مذهب أبى حنيفة فى المسألة
الثانية فروى ذلك عن ابن مسعود وحذيفة وأبى موسى وأبى مسعود البدرى
والحسن وابن سيرين والثورى ، وهى رواية عن أحمد ، وما يروى عن ابن
مسعود من الخمس فى الأولى فهى مع تكبيرة الإفتتاح وتكبيرة الركوع، والأربع
فى الثانية مع تكبيرة الركوع ، وروى عن ابن عباس عند ابن أبى شيبة مثل ما
روى عن ابن مسعود، كما أخرجه الزيلعى ، وبذلك رجح ابن الهام المروى
عن ابن مسعود بحيث سلم من المعارضة ، ورواية ابن عباس لم يسلم من المعارض،
علا أن عبد الله هو عبد الله . وههنا خلافية أخرى مشهورة من رفع اليدين ،
فقال بالرفع: أبو حنيفة والشافعى وأحمد وعطاء والأوزاعى ومحمد بن الحسن،
وابن المنذر ودائد ، وقال بعدم الرفع: مالك والثوری وابن أبىليلى ، ویروی
عن أبى يوسف أيضاً . ثم إنه ليس بين التكبيرات ذكر مسنون عندنا بل يسكت
قدر ثلاث تسبيحات، وكذا عند مالك لا يقرأ شيئاً ، وعند الشافعى وأحمد يقرأ
التسبيح والتهليل أو نحو ذلك، ولم أر لهم على ذلك دليلا من السنة. والله أعلم.

٤٣٦
معارف السنن
ج - ٤
ثم لهم فى عدم الرفع حديث الباب، وفى سنده كثير بن عبد اللّه وهو ضعيف.
قال ابن معين : ليس بشئى ، وقال الشافعى وأبو داؤد : ركن من أركان
الكذب ، وضرب أحمد على حديثه . وقال الدار قطنى وغيره : متروك ، كذا
فى "الميزان". وحسنه الترمذى والبخارى وابن خزيمة، وضعفه أحمد بن حنبل
أفاده الشيخ .
ثم إنه حسنه الترمذى كما ههنا وقال فى "علله الكبرى": سألت محمداً
عن هذا الحديث فقال : ليس شئ فى هذا الباب أصح منه ، وبه أقول اهـ .
حكاه الزيلعى فى "نصب الرأية" والبيهقى فى "الكبرى" (٣ - ٢٨٦). وفى
"التلخيص": أنكر جماعة تحسينه على الترمذى، وفى "الميزان": وأما التر مذى
فروى من حديثه: ((الصلح جائز بين المسلمين)) وصححه ، فلهذا لا يعتمد
العلماء على تصحيح الترمذى اهـ . ولم أقف على تصحيح ابن خزيمة أو تحسينه.
وقال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية وكم حسن الترمذى فى كتابه من
أحاديث موضوعة وأسانيد واهية، منها هذا الحديث آهـ . قاله فى "كتاب
العلم" المشهور فى فضائل الأيام والشهور، وحكى عنه هذا الزيلعى فى " نصب
الرأية" (٣ - ٢١٧ و٢١٨). وأما ابن دحية نفسه فقد تكلموا فيه ، وهو
أبو الخطاب عمربن الحسن الأندلسى الدانى السبتى المحدث ، توفى سنة (٨٦٣٣)
ترجم له الذهبى فى "العبر" و "الميزان"، وابن حجر فى " اللسان"، وابن
خلكان فى " وفيات الأعيان"، وابن كثير فى " البداية والنهاية" من الجزء
الثالث عشر ، وابن العماد فى "الشذرات" وغير واحد . قال الذهبى فيه :
منهم فى نقله مع أنه كان من أوعية العلم دخل فيما يعيبه ، وقال : كان ...
مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له متهماً بالمجازفة فى النقل .
قال الشيخ : والقول فيه : إنه غير محتاط لا يبالى فى تأليفاته ، وأمره
مرة سلطان عصره بأن يعلق شيئاً على كتاب الشهاب القضاعى فألف كتاباً تكلم

ترجمة ابن دحية ، وكتابه التنوير وعدم احتياطه وورعه فى الروايات ٤٣٧
وفى الباب عن عائشة وابن عمر . عبد الله بن عمرو .
فيه على أحاديثه وأسانيده ، فلما وقف الملك على ذلك قال له بعد أيام : قد
ضاع منى ذلك الكتاب ، فألف كتاباً آخر مثله ففعل فجاء فى الكتاب مناقضة
للأول فعرف السلطان صحة ما قيل عنه ، وعزله من منصب الدرس . وذكر
الذهبى تلك الحكاية له مع الملك لكامل ما ذكره الشيخ ، وكان مقرباً لديه يسوى
له الملك مداسه ويعظمه ويحترمه جداً، وكان أدب الكامل فى شبيبة ، فلما تملك
الديار المصرية نال عنده رياسه وجعله شيخاً بدار الحديث الكاملية بالقاهرة ،
وفى عزله عنها ذكرت أمور مختلفة ، منها : ما ذكره الذهبى ، ومنها : أنه
حصل له تغير ومبادى اختلاط ، وقيل غير ذلك ، وكان ظاهرى المذهب كثير
الوقيعة فى الأئمة ، وله حكايات عجيبة فى التهاون بالدين والمجازفة فى الرواية ،
سامحه الله بفضله. أنظر "العمدة" (٣ - ٥٥٢).
قال الشيخ: وله كتاب " التنوير فى مولد البشير النذير" أثبت فيه
طريقة محفل الميلاد الرائج اليوم فى البلاد، ولم يكن يليق بالمحدث أن يؤلف فى مثل
هذه البدعة ، وإنما أحدثها صوفى فى عهد الملك "إربل" سنة ستمائة ولم يكن
له أصل فى الدين. قال ابن كثير فى " البداية والنهاية" ( ١٣ - ١٤٥ ):
اشتغل ببلاد المغرب ثم رحل الشام ثم إلى العراق واجتاز بإربل سنة أربع
وستمائة ، فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتنى بالمولد النبوى
فعمل له كتاب " التنوير فى مولد السراج المنير" وقرأ عليه بنفسه فأجازه بألف
دینار . قال ابن كثير : قد وقفت على هذا الكتاب وكتبت عنه أشياء حسنة
مفيدة آهـ . وذكره ابن خلكان أيضاً فى ترجمته وترجمة أسعد بن ممانى، وذكره
ابن كثير عند ذكر الملك صاحب اربل فسماه : "التنوير فى مولد البشير النذير"
ثم إنى لم أقف على اسم هذا الصوفى باليقين ، ولعله فخر الدين أبو عبد الله

٤٣٨
معارف السنن
ج - ٤
محمد بن إبراهيم الصوفى الإربلى ، وأما احتفال الملك مظفر الدين صاحب اربل
فمشهور، كان ينفق عليه كل عام ثلاث مائة ألف دينار، واقرأ تفصيله فى «تاريخ
ابن خلكان" و "شذرات ابن العماد" و"تاريخ ابن كثير". ومظفر الدين مع
صغير مملكته كان من أجود الملوك وأكثرهم براً ، وكان متديناً متورعاً، له عجائبه
فى فعل الخيرات ، توفى سنةً ثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى.
ولهم أيضاً حديث آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبى داؤد
فى " سننه» (باب التكبير فى العيدين ) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده ، ورواه أحمد وابن ماجه والدارقطنى والبيهقى والمنتقى ، وإسناده
صحيح ، صححه البخارى أيضاً، كما يقول الترمّذّى فى " العلل الكبرى"،
ولفظه : وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفى عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده فى هذا الباب هو صحيح أيضاً . قال فى " التلخيص": وصححه أحمد
وعلى والبخارى فيما حكاه الترمذى ، وطعن فيه بوجهين : الأول : إن الطائفى
ضعفه جماعة ، منهم ابن معين والنسائى وأبو حاتم ، والثانى : رواية عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده مما لا يحتج به عند كثير بأنه ليس بسماع إنما هى صحيفة .
ولجميع حديث آخر عن عروة عن عائشة عند أبى داؤد وابن ماجه وأحمد
والطحاوى والدارقطنى والحاكم والبيهقى ، وقد ضعفه البخارى والترمذى
والدار قطنى بابن لهيعة ، و بالاضطراب منه فيه. أنظر " نصب الرأية"
و "التلخيص" .
ولهم أحاديث أخرى أخرجها الزيلعى وأشار إليها الحافظ فى "التلخيص"
وهى ضعيفة أيضاً. قال فى " التلخيص": روى العقيلى عن أحمد أنه قال:
ليس يروى فى التكبير فى العيدين حديث صحيح مرفوع. وقال الحاكم : الطرق
إلى عائشة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبى هريرة فاسدة اهـ. قال الراقم:
ومن أنصف تيقن أن ما استدل به الحنفية فى المرفوع أحسن حالاً مما استدلوا

٤٣٩
بيان أدلة الحنفية فى تكبيرات العيدين
به كما سيتضح قريباً إن شاء الله تعالى .
وأما أدلتنا فمنها حديث أبي عائشة: ((إن سعيد بن العاص سأل أبا موسى
الأشعرى وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول اللّه ◌َ له يكبر فى الأضحى
والفطر؟ فقال أبو موسى: ((كان يكبر أربعاً تكبيره على الجنائز، فقال
حذيفة : صدق أبو موسى ، كذلك كنت أكبر فى البصرة حيث كنت عليهم
الخ)) رواه أبو داؤد فى " سننه" فى ( باب التكبير فى العيدين ) وأخرجه أحمد
(٤ - ٤١٦) والطحاوى (٢ - ٤٠٠) والبيهقى (٣ - ٢٨٩) كلهم من
من طريق عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه ، وسكت عنه أبو داؤد ، ثم المنذرى
فى "مختصره" كما فى "نصب الرأية". فالحديث قوى، وضعفه ابن الجوزى
فى "التحقيق" بابن ثوبان، وذب عنه ابن عبد الهادى فى "التنقيح" بأنه وثقه
غير واحد . وقال ابن معين: ليس به بأس، كما فى "نصب الراية" (٢ -
٢١٥ ). قال الراقم : وفى " التهذيب" عن على ـ أى ابن المدينى -: ابن
لوبان رجل صدق لا بأس به ، وقد حمل عنه الناس ، وعن أبى حاتم : هو
مستقيم الحديث ، وعن دحيم: ثقة اهـ. وفى "الجوهر النّى": قال صاحب
"الكمال" قال عباس: ما ذكره ابن معين إلا بخير ، وفى رواية : لا بأس به،
وقال ابن المدينى وأبو زرعة وأحمد بن عبد اللّه: ليس به بأس، وقال أبو حاتم:
مستقيم الحديث ، وقال المزى : وثقه دحيم وغيره آهـ .
ولكنهم تكلموا فى أبى عائشة ، فقال ابن حزم ثم ابن القطان : إنه مجهول .
قال الشيخ : هو ثقة، وهو والد محمد بن أبى عائشة ، وكذا والد موسى
ابن أبى عائشة. أقول: وكذلك يظهر من "التهذيب" من ترجمة محمد بن
أبى عائشة، وسماه أبا عائشة عبد الرحمن. أنظر " التهذيب" (٩ - ٢٤٢) وقال
الحافظ دفى " التقريب" من الكنى: جليس أبى هريرة مقبول من الثانية. ويروى
عنه كما فى كنى "التهذيب" مكحول وخالد بن معدان فارتفع الجهالة برواية اثنين

٤٤٠
معارف السنن
ج - ٤
عنه على أصولهم .
ومنها: ما فى " شرح معاني الآثار" (١ - ٢٨٦) (باب التكبير على
الجنائز ) بسند قوى من مراسيل ابراهيم النخعى يروى من إجماعيات عمر رضى
اللّه عنه، وفيه : فتراجعوا الأمر بينهم فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على
الجنائز مثل التكبير فى الأضحى والفطر أربع تكبيرات ، فأجمع أمرهم على ذلك
اهـ. وكذلك هو دليل ينافى تكبيرات الجنائز أيضاً .
ومنها : ما فى " شرح معاني الآثار" - فى كتاب الزيادات - ( ٢ -
٤٠٠) من طريق الوضين بن عطاء: أن القاسم أبا عبد الرحمن حدثه قال حدثنى
بعض أصحاب رسول اللّه فَّ امٍ قال: ((صلى بنا النبى ◌َكلّ يوم عيد فكبر أربعاً
وأربعاً الخ )) وهو حديث فعلى مرفوع ، وسنده قوى ، ورجاله معروفون إلا
وضين بن عطاء، وقد وثقه الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٠١ )، وفى رواية
له عند الطحاوی فی التسليم علی رکعتی الوتر، کما تقدم بيانه فى الوتر فی ( باب
الوتر بخمس) وقد وثقه أحمد وابن معين ودحيم، وضعفه الجوزجانى وابن سعد
وابن قانع وغيره . ولم يستدل به أحد من علمائنا إلا ما رأيت فى " العناية على
الهداية" استدلال الإمام أبى بكر الرازى به من علمائنا، فقال : حديث الطحاوى
مسنداً إلى النبى ◌ّامٍ أنه صلى يوم العيد وكبر أربعاً ثم أقبل بوجهه حين انصرف
فقال: أربع لا تسهو كتكبير الجنائز وأشار بإصبعه وقبض إبهامه . قال : ففيه
قول وفعل وإشارة إلى أصل وتاكيد، فلا جرم كان الأخذ به أولى اهـ. وهو
يفيدنا فى تكبيرات صلاة الجنازة والعيدين جميعاً . ثم إن عندنا يجوز ثنتا عشرة
تكبيرة كما يدل عليه لفظ محمد فى " مؤطئه" صراحة فى ( باب التكبير فى
العيدين ) ( ص - ١٤١) حيث قال: قال محمد : اختلف الناس فى التكبير
فى العيدين ، فما أخذت به فهو حسن ، وأفضل ذلك عندنا ما روى عن ابن
مسعود الخ .