النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
حديث جابر فى قصة سليك الغطفانى والجواب عنه
( باب ما جاء فى كراهية الكلام والامام يخطب)
حدثنا : قتيبة نا الليث بن سعد عن عقيل عن الزهرى عن سعيد بن المسيب
مرغب فيه عند الكل ترغيباً بليغاً فوق التحية بأحاديث قولية كثيرة ، وقد بسط
البدر العينى فى "العمدة" فليراجع . ولشيخنا العثمانى فى "فتح الملهم" بسط شاف"
فى هذه المسألة، وجنح البدر العينى تبعاً للطحاوى إلى القول بالنسخ بأن الصلاة
والكلام كان عند إباحة الأفعال فى الخطبة . وزاد شيخنا العثمانى القول بتعارض
أدلة الحظر والإباحة وترجيح أدلة الحظر، ومع هذا صرح بعدم انشراح صدره
إلى ترجيح جانب لتكافئ أدلة الفريقين والله أعلم .
وأجيب من جانب الشافعية أنا نقول بإستحباب الركعتين دون وجوبها .
قلنا : لا بد أن يقال أنه كان فى قصة سليك سبب خاص، ومن أجل ذلك أمره
بالركعتين ( وإلا لاستوى الكل ) فيكون ذلك إذن من خصوصية سليك . ثم
إن النسائى بوب فى " سننه " على قصة سليك وقدومه فى هيئة بذة : باب حث
الإمام على الصدقة يوم الجمعة فى خطبته ، فكأنه يشير إلى أن الحث على الصدقة
كان مما يعتنى ويهتم به ، وقد أخرج فى ( باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء )
وقد خرج الإمام حديث جابر القولى بلفظ: ((إذا جاء أحدكم وقد خرج الإمام.
فليصل ركعتين، فدل على مقاربة الخطبة دون الشروع فيها، ورواية: ((والإمام
يخطب أو قد خرج)) كلمة " أو" فيها عند شيخنا للشك ، والشافعية يحملونها
على التنويع والله أعلم . وقد فرغنا فيما تقدم من تخريج الحديثين و كيفية الإستدلال
بهما فلا نعيده .
-: باب ما جاء فى كراهية الكلام والإمام يخطب :-
لا يجوز الكلام إذا كان الإمام يخطب عند أبى حنيفة ومالك ، وقريب
منه مذهب أحمد ، وهو القول القديم للشافعى ، حكاه فى " شرح المهذب" ( ٤

ج - ٤
معارف السنن
٣٨٢
عن أبى هريرة أن رسول الله مَ لم قال:((من قال يوم الجمعة - والإمام
- ٥٢٥) عن أبى حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعى، وكذا فى "مغنى ابن قدامة"
(٢٠ - ١٦٩). واستدل له فى "شرح المهذب" بقوله تعالى: (وإذا قرى
القرآن ) وبأحاديث الإنصات من حديث أبى هريرة فى الباب وغيره. ويجوز
عنده فى الجديدة. ناية لا ريج تسعة أب وجعاليمنية
والخطبة عندنا كالصلاة، وتمسك الشافعى لجواز فى "كتاب الأم" (١٤
١٨٠) وكذا فى " مختصر المزنى" على هامش "الأم)" (١ - ١٣٨) بأن النبى
وَلَّ كلم قتلة ابن أبى الحقيق فى الخطبة، وكلم سليك الغطفانى حين لم يركع.
واستدل الشافعى فى "شرح المهذب" بحديث أنس فى السائل عن الساعة وبحديثه
فى الاستسقاء ، ثم إن لفظ الشافعى فى "الأم". وإن تكلم رجل والإمام يخطب
لم أحب له ذلك ولم يكن عليه الإعادة الخ". وهذا يدل على كراهة الكلام ،
والرخصة عند الضرورة والله أعلم. ونقول: إن فى" فتح القدير": أن الإمام
له أن يتكلم فى مهمات الدين وما يقتضيه الضرورة من بعث السرية وغيرها .
كذا أفاده الشيخ . ولم أجده من لفظه ، نعم فى " البحر" عن " البدائع" جواز
كلام الخطیب بالأمر بالمعروف .
ثم من شأن الخطبة الإستماع. والكلام على أنواع: فمنه القراءة، والدعاء،
والتبليغ ، والدراسة . ولكل واحد منه شأن على حدة ، أى لا بد أن يختلف
فى التحريم والكراهة قوةً وضعفاً، ولا ينسحب على الكل حكم واحد ألبتة والله
أعلم . قال الشيخ : وأظن أن مناط قول الإمام الشافعى فى الكلام عند الخطبة
والقراءة خلف الإمام واحد والله أعلم. قال الراقم: لعله يريد رحمه الله كما أن
قراءة الفاتحة خلف الإمام لابد منه مع أمر الإنصات والاستماع فكذلك رد
السلام وتشميت العاطس وما أشبه ذلك ربما تحتاج إليه عند سماع الخطبة مع
:٠

٣٨٣
بحث الكلام وغيره عند خطبة الإمام
وجود حكم الإنصات والاستماع ، فكأن الأحاديث الخاصة هى مخصصة عنده
لذلك الحكم العام فى وجوب الاستماع والإنصات والله أعلم.
ولا يرد السلام عند الخطبة ولا يشمت العاطس ، وعدم الرد وعدم
التشميت هو قول أبى حنيفة ومالك والأوزاعى وأحمد فى رواية . والرد والتشميت
هو قول أبى يوسف والشافعى وأحمد فى رواية الأثرم ، وممن رخص فيه الحسن
والشعبى والنخعى وقتادة والثورى واسحاق، وعن أحمد : إذا كان يسمع الخطبة
لا وإلانعم. هذا ملخص ما فى "المغنى" و"شرح المهذب" و" فتح القدير" وغيره .
وإذا قرأ الخطيب قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه الآية )
يصلى فى نفسه عند أبى يوسف ، وروى عن أبى يوسف النظر فى كتابه وإصلاحه
بالقلم إذا كان بعيداً لا يسمع. ذكره فى " فتح القدير" فى ضمن الفروع فى
آخر الباب .
وأما الكلام إذا قعد على المنبر ولم يشرع فى الخطبة فلا يجوز على رأى
شارح "الكنز" - أى الفخر الزيلعى - مطلقاً، ويجوز إذا لم يكن من كلام
الدنيا عند صاحب "النهاية" ، وقيل الخلاف فى إجابة المؤذن فلا يجوز غيرها.
أنظر تفصيله فيما تقدم فى (باب التبكير إلى الجمعة). وراجع "الدر المختار" من
( باب الأذان ). وفى "النهر": أقول: ينبغى أن لا يجيب باللسان اتفاقاً على
قول الإمام فى الأذان بين يدى الخطيب آهـ. حكاه فى "منحة الخالق".
قال الشيخ : والأولى هو جواز الإجابة، فإنه قد صح فى حديث البخارى
(١ - ١٢٤) (باب يجيب الإمام على المنبر الخ ) من حديث سهل بن حنيف
قال : سمعت معاوية بن أبى سفيان وهو جالس على المنبر الخ ، من إجابة
أمير المؤمنين معاوية أذان المنبر وقال: إنى سمعت رسول اللّه فَ الج على هذا
المجلس حين أذن المؤذن يقول: ما سمعتم منى من مقالتى، والتأويل فى مثله بعيد.
وكذلك احتج به الشيخ عبد الحى لجواز الإجابة عند تأذين المنبر فى شرحه على
٢۵

٣٨٤
معارف السنن
ج - ٤
يخطب -: "أنصت" فقد لغا)).
"المؤطأ". ويمكن أن يجاب عنه بأن المنصوص فيه هو إجابة الخطيب دون
السامعين ، فيكون حكم السامعين هو السكوت دون الإجابة ، ولا يقاس السامع
على الخطيب، فحديث ((إذا خرج الإمام الخ )) فيه حكم السامع فقط. كذا
أفاده الشيخ مولانا المفتى مهدى حسن مفتى دار العلوم الديوبندية فى بعض مجالسه.
قوله : فقد لغا . اللغو سقط الكلام، أو ١٠ لا أصل له ، أو الميل عن
الصواب ، أو الإثم كما فصله فى "العمدة" و"الفتح" من أقوال أئمة اللغة،
والكل متقارب . ووجه كونه لغواً أنه كان يكفيه تعليمه بالإشارة، وتمسك بعض
الحنفية بمثل هذا العموم على عدم تحية المسجد عند الخطبة .
قال الشيخ رحمه الله: الأولى أن لا يحتج بالعام فى مقابلة الخاص ، فيمكن
لأحد أن يفرق بين تحية المسجد وبين تعليم أمر. ولفظ "الصحيح": ((إذا
. قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت )) وعند أحمد من
رواية الأعرج عن أبى هريرة زيادة فى آخره : "عليك بنفسك". قال الكرمانى:
وفى بعض الروايات: ((لغيت)) وظاهر القرآن يقتضى صحة هذه اللغة ، حكاه
فى " العمدة"، وفى الباب غير ما أشار إليه الترمذى عن ابن عباس وأبي ذر
وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهم . وقد أخرجها
العينى فى "العمدة"، واستدل بها على منع الكلام عند الخطبة ، وهو مذهب
الجمهور كما سلف قريباً ، وزاد أبو حنيفة : أنه يجب الإنصات بخروج الإمام
قبل الخطبة أيضاً ، والأولى عند الكل أن ينصت كما فى " الفتح" وله فى ذلك
سلف من الصحابة والتابعين، وقد أخرج ابن أبى شيبة عن على وابن عباس وابن
عمر أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام ، كما فى "العمدة"
و"نصب الرأية".

٣٨٥
بحث الصلاة والكلام عند خطبة الإمام
وفى الباب عن ابن أبى أوفى وجابر بن عبد الله. قال أبو عيسى : حديث
أبى هريرة حديث حسن صحيح . والعمل عليه عند أهل العلم: كرهوا للرجل
وأخرج عن عروة أنه قال : إذا قعد الإمام على المنبر فلاصلاة، وأخرج
مالك فى " الموطأ" عن الزهرى والبيهقى فى " الكبرى" عن سعيد بن المسيب
وعن ثعلبة بن أبى مالك الصحابى: «إن خروج الإمام يقطع الصلاة ، وكلامه
يقطع الكلام)) . وقال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر فى قول الزهرى :
وهذا يدل على أن الأمر بالإنصات وقطع الصلاة ليس برأى وإنه سنة احتج
بها ابن شهاب، لأنه أخبر عن علم علمه لا عن رأى اجتهد ، وإنه عمل مستفيض
فى زمن عمر وغيره ، حكاه الشيخ اللكنوى فى "شرح الموطأ".
قال الراقم : ومن هذا الوادى قول ثعلبة وسعيد بن المسيب المتقدم ، وهذا
مذهب صاحبى الإمام أبى حنيفة أبى يوسف ومحمد ، وفى "المغني" (٢ -
١٦٩): قال ابن عبد البر : إن عمر وكذا ابن عباس كانا يكرهان الكلام
والصلاة بعد خروج الإمام ، ولامخالف لهما فى الصحابة اهـ . وفى "العمدة":
عن عقبة بن عامر أنه قال : الصلاة والإمام على المنبر معصية . هذا وما إلى
ذلك من آثار الصحابة والتابعين كله دليل لما اختاره الإمام أبو حنيفة .
أما حديث: ((إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام )» المذكور فى كتب
فقهائنا الكرام وإن كان غربه الزيلعى فى "نصب الرأية" وتساهل فيه . وقال الحافظ
ابن حجر فى "الدراية": لم أجده ، وكذا تساهل فيه ابن حجر فى "التلخيص"
فاقتصر على دعوى البيهقى فى كون رفعه خطأ فاحشاً تبعاً للزيلعى ، فكل ذلك
بمعزل عن التحقيق ، وكان قدرهما أجل من مثل هذا الاسترواح ، والحافظ
البدر العينى يخرجه فى "البناية" عن "مبسوط خواهر زاده" بواسطة الأزارى .
( م - ٤٩ )

٣٨٦
معارف السنن
ج - ٤
أن يتكلم والإمام يخطب ، فقالوا : إن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة .
واختلفوا فى رد السلام وتشميت العاطس ؟ فرخص بعض أهل العلم فى رد السلام
وفى "العمدة" عن "كتاب الأسرار" - أى للدبوسى- من حديث الشعبى عن
"ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ((إذا صعد الإمام المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ))
ثم يقول العينى فى "العمدة": والصحيح من الرواية: ((إذا جاء أحدكم والإمام
على المنبر فلاصلاة ولا كلام )) ومع هذا لم يعزه إلى مخرجه من كتب الحديث،
فأقول وبالله التوفيق: عزاه الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٢ - ٣٣٩) إلى
الطبرانى من حديث ابن عمر باللفظ المعروف: ((إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا
كلام)). وفى "الفتح" (٢ - ٣٣٨) بلفظ: ((إذا دخل أحدكم والإمام على
المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام )). وأخرجه الهيثمى فى "زوائده"
(٢ - ١٨٤) من حديث ابن عمر قال: سمعت النبي ◌ََّلّ يقول: ((إذا
دخل أحدكم المسجد والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام )»
قال : رواه الطبرانى فى " الكبير". ثم ضعفه الهيثمى وابن حجر كلاهما
بأيوب بن نهيك .
قال الراقم: وأیوب ین نهیك ذ کره ابنحبان فى« کتابالثقات" وقال يخطئ
كما فى " الزوائد"، وهو من رجال " الميزان" و"لسان الميزان". وقال فى
"اللسان": قال ابن حبان: يروى عن عطاء والشعبى ، وروى عنه مبشر بن
اسماعيل ، وكان مولى سعد بن أبى وقاص من أهل حلب ، يعتبر حديثه من غير
رواية أبى قتادة الحرانى اهـ. فمثل هذا يحتمل حديثه، وبالأخص إذا كان له
شاهد ، وههنا له شواهد قوية :
الأول : أن ابن عمر راوى الحديث مذهبه كذلك كما أخرجه ابن أبى شيبة.
والطحاوى ، فبنى هو مذهبه على روايته .

٣٨٧
بحث الصلاة وغيرها عند خطبة الإمام
وتشميت العاطس والإمام يخطب . وهو قول أحمد واسحاق . وكره بعض أهل
والثانى : هو مذهب كثير من الصحابة والتابعين ، وفى ذلك دليل على
صحة المرفوع .
والثالث : أنه يقرب منه قول ثعلبة بن أبى مالك وسعيد بن المسيب وابن
شهاب، وقول ابن شهاب: إنما هو حكاية سنة ماضية على رأى أبى عمر الحافظ وهو
فوق خبر مرفوع ، وأقله أن يكون حديثاً مرسلاً من رواية الزهرى ومن رواية
ابن المسيب ، وحديثاً موقوفاً من قول ثعلبة بن أبى مالك ، والمرسل حجة عند
الجمهور ، والموقوف فى مثله لا يقال بالرأى .
والرابع : أنه له شاهداً من حديث السائب بـ ـ يد عند مالك فى
" الموطأ" وعند الطحاوى وعند ابن راهويه والبيهقى كما فى "الكنز" (٤ -
٢٧٤) وفيه: ((فإذا خرج عمر وجلس على المنبر قطعنا الصلاة الخ)). وكذا له
شاهد عند البيهقى مر طريق محمد بن اسحاق عن محمد بن ابراهيم عن أبى سلمة
عن أبى هريرة وأبى سعيد , فوعاً وفيه: ( فصلى ما شاء الله أن يصلى فإذا
خرج الإمام سكت فذلك كفارة إلى الجمعة الأخرى )) . كما فى " السنن الكبرى"
(٣ - ١٩٢ ).
وبالجملة فهذه أمور بمجموعه لحة للإستشهاد ، وربما تكون أدلة
لصحته ، ثم إن ما ادعاه البيهقى من الوهم فى رفع الحديث وسايره الزيلعى
وسالمه بعده فعجیب، فإن دعوى البيهقى إنما هى بعد تسليم صحتها فیحدیث یروبه
البيهقى فى "كبراه" (٣ - ١٩٣) عن أبى هريرة بطريق معمر عن يحيى بن
أبى كثير عن ضمضم بن جوس عن أبى هريرة مرفوعاً: ((خروج الإمام
يوم الجمعة للصلاة يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام )) قال : وهذا خطأ فاحش
فإنما هو رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب الزهرى عن سعيد بن المسيب

٣٨٨
معارف السنن
ج - ٤
العلم من التابعين وغيرهم ذلك ، وهو قول الشافعى .
من قوله غير مرفوع ، ورواه ابن أبي ذئب ويونس عن الزهرى عن ثعلبة بن
أبى مالك ، ورواه مالك عن الزهرى قال : وهو المحفوظ عند محمد بن يحيى
الذهلی اهـ .
فهذا کما تری إن ثبت وصح کان فى هذا الحدیث لا فی حدیث ابن عمر
المتقدم ، وهو حديث مستقل غيرِه سنداً ومتناً ومعنىً، والظاهر أنه ليس عنده
حديث ابن عمر ، فإجراء كلامه ودعواه فى حديث ابن عمر باللفظ المتقدم فى
غير محله، وإذا أضيف إلى ذلك أحاديث الإنصات المخرجة فى الصحاح ثم تعامل
عهد الخلفاء الراشدين وجمهرة الصحابة والتابعين وفقهاء المدينة والكوفة ويمعن
النظر فى الموضوع اتضح أن أى المذاهب أقوى أثراً وأدق نظراً؟ . وإذن ما ذا
يكون وزن قصة سليك الجزئية التى احتملت محامل قوية بجنب هذه المادة
الزاخرة ؟ وما ذا يكون وزن حديث قولى واحد عند مسلم مع الكلام فيه بجنب
عمل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى؟! فهل يخفى مثل ذلك التشريع العام عليهم كافة؟!
علا أن هذه الأدلة كلها للحظر عن الصلاة وأدلتهم للإباحة، وغايته الندب عندهم
هناك لا فوق ذلك . فما الذى يكون أحوط فى مثل هذا المعترك الصعب؟! وقد
أسلفنا مراراً أن انفصام الخصام فى مثل هذا الإحتدام إنما يتأتى بتعامل السلف
الكرام ، فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ قد كفوا ، فلا ريب أن الحق الذى
يطمئن إليه القلب ما ذهب إليه فقيه الأمة أبو حنيفة وعالم المدينة مالك ، والله
يقول الحق وهو يهدى السبيل .
ثم رأيت أن مولانا الشيخ مهدى حسن الشامجهانفورى قد أفرد حديث
ابن عمر هذا برسالة سماها: " التحقيق التام فى حديث إذا خرج الإمام فلاصلاة
ولا كلام"، وهى مطبوعة فليراجعها من شاء .

٣٨٩
بحث النهى عن التخطى يوم الجمعة ومحل جوازه
( باب ما جاء فى كراهية التخطى يوم الجمعة )
حدثنا أبو كريب نا رشدين بن سعد عن زبان بن فائد عن سهل بن معاذ
ابن أنس الجهنى عن أبيه قال: قال رسول اللّه عَ لّ: ((من تخطى رقاب
الناس يوم الجمعة
-: باب ما جاء فى كراهية التخطى يوم الجمعة :-
التخطى : أن يخطو خطوة خطوة كما فى "النهاية". وقال الفتى فى
"مجمع البحار": فتخطى - بغير همز-أى تجاوز، ويجوز التخطى للإمام ولمن
لم يجد فرجة إلا بتخطى صف أو صفين لتقصير القوم بإخلاء الفرجة، وكراهته
كراهة تحريم ، وقيل: تنزيه انتهى . ثم الظاهر عندنا تحريم التخطى بغير الإمام
ولمن لم يجد فرجة كما يستفاد من "رد المحتار". وفى " الدر المختار": لا بأس
بالتخطى ما لم يأخذ الإمام فى الخطبة ولم يؤذ أحداً إلا أن لا يجد إلا فرجة
أمامه فيتخطى إليها للضرورة ، ويكره التخطى للسؤال بكل حال اهـ. وفى
"الرد" نقلاً عن "النهر": والمختار أن السائل إن كان لا يمر بين يدى المصلى
ولا يتخطى رقاب الناس ولا يسأل الحافاً بل لأمر لابد منه ، فلا بأس بالسؤال
والإعطاء . ومثله فى "البزازية" وفى "رد المحتار": لا يحل أن يسأل
شيئاً من له قوت يوم بالفعل أو بالقوة كالصحيح المكتسب ، ويأثم معطيه إن
علم بحاله لإعانته على المحرم اهـ. ثم إن مذهب بقية الأئمة والأوزاعى وغيرهم
متقارب فى مسألة التخطى ، كما يظهر من " مغنى ابن قدامة" (٢ - ٢٠٤)،
وراجع للبسط فيه " العمدة" (٣ - ٢٨٧ ).
قوله : يوم الجمعة . التخصيص بيوم الجمعة قيل : خرج مخرج الغالب
لاختصاص الجمعة بكثرة الناس ، وقيل : التخصيص للتعظيم ، وقيل : للتقييد،
١

٣٩٠
معارف السنن
ج - ٤
اتخذ جسراً إلى جهنم)».
وفى الباب عن جابر . قال أبوعيسى : حديث سهل بن معاذ بن أنس
الجهنى حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. والعمل
عليه عند أهل العلم : كرهوا أن يتخطى الرجل يوم الجمعة رقاب الناس ،
وشددوا فى ذلك . وقد تكلم بعض أهل العلم فى رشدين بن سعد ، وضعفه من
قبل حفظه .
فلا يكره فيما عداه ، والثانى الأظهر ، وبه اكتفى بعضهم .
قوله : اتخذ ، بنا المجهول . قال العراقى: وهو المشهور فى الرواية ، أى
جهنم كما تخطى رقابهم ، فجزاءه من جنس عمله .
جعل جسراً يوطأ فى
وبيناء المعلوم أى اتخذ لنفسه جسراً يمشى به إلى جهنم ، أى صنعه ، هذا يؤديه
إلى جهنم لما فيه من إيذاء الناس واحتقارهم ، فكأنه جسر اتخذه إلى جهنم .
قال الطيبى شارح "المشكاة" والتوربشتى شارح " المصابيح": ضعف المبنى
للمفعول رواية ودراية . وقال العراقى. إن المحص ، أظهر واوفق برواية عند
الديلمى فى "مسند الفردوس": ((من تخطى رفبه أخيه المسلم جعله الله يوم
القيامة جسراً على باب جهنم الناس )) هذا ملخص ما فى " العمدة" و" قوت
المغتذى" وغيرهما .
وحديث الباب ضعيف من جهة رشدين بن سعد . قال فى " التقريب" :.
ضعيف رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة ، وقال ابن يونس : كان صالحاً فى دينه
فأدركته غفلة الصالحين فخلط فى الحديث آهـ . وكذا من جهة زبان بن فائد
وهو أبوجوين المصري ، قال فى " التقريب": ضعيف الحديث مع صلاحه
و عبادته آه
وبالجملة كراهة التخطى موضع اتفاق بين جمهرة الأمة مع ضعف حديث

٣٩١
النهى عن الاحتباء حين يخطب الإمام ووجه ذلك
( باب ما جاء فى كراهية الاحتباء والامام يخطب )
حدثنا: محمد بن حميد الرازى والعباس بن محمد الدورى قالانا أبو
عبد الرحمن المقرئ عن سعيد بن أبى أيوب قال : حدثنى أبو مرحوم عن سهل
الباب فى الترهيب ، فإن هناك أحاديث صحيحة فى الترغيب إلى عدم التخطى ،
وقد تقدم فيه حديث جابر عند ابن ماجه ، وحديث عبد الله بن بسر عند أحمد
وأبى داؤد والنسائى، وقد استوفى البدر العينى فى " العمدة" (٣ - ٢٨٦ )
أحاديث التخطى مع بيان حلها كما استوفى بيان حكمه الفقهى وتفصيل المذاهب
فجزاه الله خيراً .
-: باب ما جاء فى كراهية الإحتباء والإمام يخطب :-
مناط الكراهة هو مخافة النوم . قال الخطابي : وإنما نهى عن الإحتباء فى
ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرض طهارته للإنتقاض كما فى "شرح المهذب"
وحكاه شارح «المنتقى"، ومثله قال الطيبى فى "شرح المشكاة". وقال التوربشتى:
ووجه النهى - والله أعلم - أنها مجلبة للنوم، ثم إنها هيئة لا يكون معها تمكن ،
فربما يفضى إلى انتقاض الطهارة فيمنعه الإشتغال بالطهارة عن استماع الخطبة
وحضور الذكر إن لم تفته الصلاة مع ما يتوقع منه من الإفتتان فى الصلاة لغلبة
الحياء ممن يخلو عن علم يسوسه وورع بحجزه اهـ. نقله الشيخ الکاندلوی فی
"التعليق الصبيح" .
و ثبت الإحتباء عن کثیر من الصحابة کما فى ''ُسین أبی دائرد" من ( باب
الإحتباء والإمام يخطب ) فقال بعد رواية حديث معاذ بن أنس فى النهى وبعد
حديث يعلى بن راشد فى الجواز: قال أبو داؤد : وكان ابن عمر يحتبى والإمام
يخطب ، وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان وسعيد بن المسيب
*.

٣٩٢
معارف السنن
ج - ٤
ابن معاذ عن أبيه: ((أن النبى ◌َّ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب)).
قال أبو عيسى : وهذا حديث حسن ، وأبو مرحوم اسمه عبد الرحيم بن
وابراهيم النخعى ومكحول واسمعيل بن محمد بن سعد ونعيم بن سلامة قال : لا
بأس بها . قال أبوداؤد : ولم يبلغنى أن أحداً كرهها إلا عبادة بن نسى اهـ .
وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم ، ورواه ابن أبى شيبة عن سالم بن عبد الله
والقاسم بن محمد وعطاء وابن سيرين والحسن وعمرو بن دينار وأبى الزبير وعكرمة
ابن خالد المخزومى. وورد عن مكحول وعطاء والحسن کلهم: «أنهم کانوا یکرهون
أن يحتبوا والإمام يخطب )) رواه ابن أبى شيبة عنهم أيضاً. قاله العراقى ، كما
حكاه شارح المنتقى. وحكى ابن المنذر كما فى "شرح المهذب" (٤ - ٥٩٢)
عن مالك والثوری والأوزاعی وأصحاب الرأى والشافعى وأحمد واسماق وأبى ثور
أيضاً عدم الكراهة . واختار الطحاوى فى "مشكله" منزعاً آخر، ففى "المعتصر"
( ص - ٥٥ ) بعد رواية حديث الباب : وروى عن جماعة أنهم كانوا
يحتبون والإمام يخطب، منهم عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ، ومثل هذا
النهى يبعد أن يخفى على الجماعة، فالتوفيق والله أعلم أن النهى محمول على استيناف
الحبوة فى حال الخطبة، لأن فى ذلك اشتغالاً عن الخطبة بغيرها ، والصحابة
كانوا يحتبون قبلها فيخطب الإمام وهم على ما كانوا عليه من الإحتباء، ففعلهم
غير الذى نهى عنه اهـ. وقد ذكر فى "النهاية" وجه النهى أنه إذا لم يكن عليه
إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال الثوب فتبدو عورته اهـ .
قال الراقم : وهذا الوجه لا يتقيد بحال الخطبة ، وقد ورد النهى عنه
مطلقاً فى الحديث لأجل هذا الوجه ، فينبغى أن يكون الوجه غير هذا ، وهو
كما تقدم ، وعلل النهى بعضهم بأنه جلسة المتكبر ، وأنه ينافى هيئاة المتعبد ،
، هذا الوجه يجمع مع الأول ، فيكون للكل دخل فى النهى والله أعلم .

٣٩٣
بحث الاحتباء عند الخطبة ومنشأ النهى عنه
ميمون . وقد كره قوم من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب .
ورخص فى ذلك بعضهم ، منهم : عبد الله بن عمر وغيره . وبه يقول أحمد
وإسحاق : لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأساً .
بقى ههنا أن الحديث حسنه الترمذى ، قال فى " شرح المهذب ": لكن
فى إسناده ضعيفان فلا نسلم حسنه اهـ. قلت: هما سهل بن معاذ وأبو مرحوم،
ضعفهما ابن معين وغيره .
وتفسير الإحتباء : أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها مع
ظهره ويشده عليها وتكون إليتاه على الأرض ، وقد يكون الاحتباء باليدين
بدل الثوب . كذا فى "النهاية " و"المجمع". ولو وضع اليدين فى تلك
الهيئة على الأرض صار إقعاء كما تقدم تفسير ذلك وحكم ذلك فى الصلاة
مفصلاً. والإسم. "الحبوة" بالضم والكسر معاً ، والجمع: حبى بالضم
والكسر . واعلم أن المجتهد قد يعتبر علة الحكم فى جنس الحكم كقصر الصلاة فى
السفر لأجل المشقة ، ويسمى الحكم لمظنة العلة ، وقد يعتبرها فى الجزئيات
كالنهى عن النوم واضعاً إحدى رجليه على الآخر لأجل توهم كشف العورة ،
ويسمى الحكم لمئنة العلة ، وربما يرتفع حكم النهى فى هذا القسم لارتفاع مناط
النهى، فقد ثبت عنه عَُّّ النوم على تلك الهيئة لكونه مأموناً عن كشف العورة
أفاده الشيخ. يريد رحمه الله : أن النهى عن الإحتباء لكونه مجلبة للنوم ، ومن
انتفى فى حقه ذلك انتفى حكم النهى فى حقه ، فكان الحكم هنا لمئنة العلة ، وهو
يرتفع بارتفاع المناط . ثم إن تفصيل الحكم للمظنة أو المئنة فى محله من كتب
أصول الفقه من بحث القياس ، ومن أراد استيفاء البحث فليرجع إلى " فصل
العلة " من "تحرير الأصول" وشرحه لابن أمير الحاج من الجزء الثالث.
( م - ٥٠)

٣٩٤
معارف السنن
ج - ٤
( باب ما جاء فى كراهية رفع الابدى على المنبر)
حدثنا : أحمد بن منيع نا هشيم نا حصين قال :
-: باب ما جاء فى كراهية رفع الأيدى على المنبر :-
بكره رفع الأيدى على المنبر عند الخطبة . قال النووى فى "شرح مسلم"
فى حديث الباب : فيه أن السنة أن لا يرفع اليد فى الخطبة ، وهو قول مالك
وأصحابنا وغيرهم ، وحكى القاضى - عياض - عن بعض السلف وبعض
المالكية إباحته؛ لأن النبي ◌َّ لجّ رفع بديه فى خطبة الجمعة حين استسفى،
وأجاب الأولون أن هذا الرفع كان لعارض اهـ. وفى "العمدة" (٣ - ٣٢١):
قال ابن بطال : رفع اليدين فى الخطبة فى معنى الضراعة إلى الجليل والتذلل له .
وقال الأزهرى : رفع اليدين يوم الجمعة محدث . وقال ابن سيرين : أول
من رفع يديه فى الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر آهـ.
وثبت رفع السبابة والإشارة بها كما فى حديث الباب ، وهو حديث
مسلم ، وكذا فى حديث سهل بن سعد عند أحمد وأبى داؤد : (( ما رأيت
رسول اللّه ح ليل شاهراً يديه قط يدعو على منبر ولا غيره، ما كان يدعو إلا
يضع يده حذو منكبه ويشير بإصبعه إشارة)). وفى لفظ أبى داؤد: ((لكن
رأيته يقول هكذا وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام ا هـ)). وهل كان
رفعها للتفهيم كعادة الواعظ والخطيب أو للدعاء؟ وإليه ذهب البيهقى ، قال
فى "السنن الكبرى" (٣ - ٢١٠): ثم فيه: من السنة أن لا يرفع يديه
فى حال الدعاء فى الخطبة، ويقتصر على أن يشير بإصبعه آهـ. قال الشيخ:
وإنى غير جازم بأحدهما فإن رفع السبابة قد يكون للدعاء كما روى عن
أبى يوسف، وربما يكون للإنهام. أقول: قال فى "العمدة" (٣ - ٣٢١):

٣٩٥
حديث عدم رفع اليدين فى خطبة الجمعة
سمعت عمارة بن رويبة وبشر بن مروان يخطب فرفع يديه فى الدعاء ،
فقال عمارة: ((قبح اللّه هاتين اليديتين القصيرتين، لقد رأيت رسول الله
فَُّلّ وما يزيد على أن يقول هكذا، وأشار هشيم بالسبابة)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
( باب ما جاء فى اذان الجمعة )
حدیڤنا : أحمد بن منيع نا حماد بن خالد الخياط عن ابن أبى ذئب عن الزهرى.
وعن أبى يوسف : إن شاء رفع يديه فى الدعاء وإن شاء أشار بإصبعه . وفى
" المحيط": بإصبعه السبابة. وفى "التجريد": من يده اليمنى اهـ. وتقدم
بيان أقسام الدعاء الأربعة عن محمد بن الحنفية ، ومنها دعاء التوحيد بالسبابة .
قوله : سمعت عمارة ، وفى رواية " مسلم " عن حسين عن عمارة :
((رآى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: قبح اللّه هاتين اليدينين
الخ))، وقوله: "قبح اللّه الخ" دعاء عليه أو إخبار عن قبح صنعه، نحو قوله.
تعالى: ( تبت يدا أبى لهب ) كما فى " فتح الملهم" وغيره . واليديتين
والقصيرتين كلاهما بالتشديد ، وضم الأوليين للتصغير . وقوله : " أن يقول"
أى يشير ، واستعمال القول متسع فى كثير من المعانى بإختلاف المحال والصلات
والقرآن .
-: باب ما جاء فى أذان الجمعة :-
اعلم أن أذان الجمعة فى عهده بعَالّ كان واحداً خارج المسجد عند
. الشروع فى الخطبة ، وكذلك استمر العمل به فى عهد الشيخين أبى بكر وعمر
رضى الله عنها ، ثم زاد عثمان أذاناً خارج المسجد على الزوراء حين كثر
المسلمون ، وذلك قبل أوان الخطبة . ثم ظاهر الروايات أن عثمان أمر بذلك

٣٩٦
معارف السنن
ج - ٤
فى ابتداء خلافته ولكن فى رواية عند أبى نعيم فى "المستخرج" أن ذلك كان
بعد مضى مدة من خلافته ، كما فى "العمدة" و" الفتح ".
ثم "الزوراء"، قيل: حجر - على باب المسجد - وقيل: سوق - بالمدينة -
وقيل : دار . القول الأول: جزم به ابن بطال . والثانى : قاله البخارى
فى "صحيحه". قال الحافظ فى " الفتح": والثالث هو المعتمد، وقع فى
رواية عند ابن ماجه وابن خزيمة ، وفى رواية عند الطبرانى كما فى " العمدة"
و "الفتح"*، وفى " العمدة" (٣ - ٢٩١ ) ثلاثة أقوال أخر فى تفسيرها ،
فالكل ستة ، ورجح التوربشتى ما فى رواية ابن ماجه فقال : .
· هى
دار فى سوق المدينة ، يقف المؤذنون على سطحها ، ولعل تسميتها زوراء لميلها
عن عمارة البلد، يقال: قوس زوراء، أى مائلة والله أعلم اهـ. حكاه فى
"التعليق الصبيح" .
وبالجملة فهذا الأذان كان قبل التأذين بین یدی الخطيب ، وكان فى أول
وقت الظهر متصلاً بالزوال، ثم انتقل الأذان الذى كان فى عهده بَ اله إلى داخل
المسجد وهذا هو الصحيح، وذكر الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٣٢٧):
والذى يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان فى جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة
مطاع الأمر ، لكن ذكر الفاكهانى : أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة
الحجاج، وبالبصرة زياد اهـ. قال: بلغنى أن أهل المغرب الأدنى الآن لا
تأذين عندهم سوى مرة . وفى رواية ما يدل على أن هذا الأذان من زيادة
عمر رضى الله عنه. كما فى "الفتح" (٢ - ٣٢٧). ومثله فى "العمدة" (٣ -
٢٩٠ ) من تفسير جويبر عن الضحاك من زيادة الراوى عن برد بن سنان عن
مكحول عن معاذ: ((أن عمر أمر المؤذنين أن يؤذن للناس خارج المسجد حتى
يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان فى عهد النبي ◌ٍَّ وأبى بكر.
ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين ام)). قال الحافظ: وهذا منقطع

٣٩٧
إجراء عثمان الأذان الثالث وإن منصبه فوق الاجتهاد
بين مكحول ومعاذ ولا يثبت الخ . وذكر عن بعضهم أن الزيادة من ولاة بنى
أمية كما تقدم من قول الفا كهانى، وفى "التلخيص" عن رواية الشافعى عن عطاء
أنه كان ينكر أن يكون عثمان هو الذى أحدث الأذان ، والذى فعله عثمان إنما
هو تذكير ، والذى أمر به إنما هو معاوية اهـ ، والكل ضعيف . قال فى
"الفتح": وقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذى زاده فهو المعتمد آهـ.
ثم هذا الأذان الذى زاده عثمان رضى الله عنه وإن لم يكن فى عهد النبوة لكن لا يقال
أنه بدعة ، فإنه من مجتهدات الخليفة الراشد . قال فى " العمدة" : ..
.
باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار ، فصار
إجماعاً سكوتياً اهـ. ووجه الاجتهاد ظاهر على مذهب الشافعى، فإنه صرح
بتكرير الأذان لصلاة واحدة ولو أربع مرات عند الضرورة ، كما صرح به
فى "المهذب" و"شرحه" (٣ - ١٢٣). بل حقق النووى وقال:
والصواب أن الضبط بالحاجة والمصلحة وإن بلغوا ما بلغوا ، ثم حكاه عن نص
الشافعى فى القديم .
وأما على مذهب أبى حنيفة فيقال أولاً : إن تكرار التأذين مشروع
عندنا أيضاً فى الجملة عند الحاجة ، كما وقع فى الفجر من الأذانين ، وقد
صرح محمد فى " كتاب الحجج " بأن الأول للتسحير أفاده الشيخ ، ليس عندى
"كتاب الحجج"، ولكنه مذكور أيضاً فى "مبسوط السرخسى" و "البدائع"
وغيرهما، وقد تقدم بحثه فى الأذان، وذكروا تعدد الأذان بين يدى الخطيب مرة بعد
أخرى فى "الدر المختار" وغيره، وفى "تعليقات الشيخ على الآثار" (١ - ٥٦):
وتراجع " السعاية" (٢ - ٤٢) من تعدد المؤذنين اهـ. علا أنه ورد فى
الحديث: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين))، فهذا يؤيد القول
بأنه ليس ببدعة .
والحديث رواه أحمد وأبو داؤد والترمذى، وصححه الدارمى وابن ماجه

٣٩٨٠
معارف السنن
ج - ٤
والحاكم من حديث العرباض بن سارية ، وصححه الحاكم على شرطها ، وهو
حديث طويل، وفيه بعد اللفظ المذكور عند أحمد : "فتمسكوا بها وعضوا عليها
· بالنواجذ ، وإياكم محدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) .
وفيه إشارة إلى أن ما سنه الخلفاء سنة وليس ببدعة ، ويأتى فى كلام الشاطبى.
ثم فى شرح الحديث قولان : فقيل : إن سنة الخلفاء التى جرت فيهم
وإن لم تكن فى عهد النبوة فهى سنة ولا يقال لها بدعة . وقيل : المراد بسنتهم
ما كان فى الأصل من سنة النبي عَلٍ ولكنما ظهرت على أيديهم .
قال الراقم : ويؤيد الأول كلام الشاطبى فى "الإعتصام" (١ - ٦٢):
ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبى ◌َّ الّ فهو سنة لا بدعة فيه أصلاً، وإن
لم يعلم فى كتاب الله ولا سنة نبيه فعَّالة نص ـ أى ابن عبد العزيز - عليه على
الخصوص ، فقد جاء ما يدل عليه فى الجملة ، وذلك نص حديث العرباض بن
سارية رضى الله عنه .... فقرن عليه السلام كما ترى سنة الخلفاء الراشدين
بسنته وإن من اتباع سنة اتباع سنتهم ، وإن المحدثات خلاف ليست منها فى
شئى ؛ لأنهم رضى الله عنهم فيما سنوه إما متبعون بسنة نبيهم عليه السلام نفسها
وإما متعبون لما فهموا من سنته عَلّ فى الجملة. والتفصيل على وجه يخفى على
غيرهم مثله لا زائد على ذلك اهـ. ومن أراد استيفاء البحث من جميع الأطراف
فعليه بـ "كتاب الإعتصام" للشاطبي أو تلخيصه كتاب "الإبداع فى مضار الإبتداع"
وكلاهما مطبوع بالقاهرة، ولشيخنا العثمانى كلام ممتع متين فى تحقيق البدعة
وتمييزها من السنة مبسوط فى "فتح الملهم" من الجزء الثانى ( ص - ٤٠٦ وما
بعدها ) وما روى ابن أبى شيبة عن ابن عمر قال: ((الأذان الأول يوم الجمعة
بدعة)) كما فى "الفتح" فليس بنص فى الإنكار ، فيحتمل الإطلاق بالمعنى
اللغوى كما أطلق أبوه عمر رضى الله عنها على قيام رمضان بالجماعة فى المسجد ،

٣٩٩
بيان منصب الخلفاء الراشدين فى إجراء المصالح المرسلة
وجد المباركفورى فى " تحفته" على الإنكار ليس بجد وإنما هو هزل لا يليق
بالعالم المحقق فليتنبه .
وثانياً أن يقال : إن الخلفاء الراشدين مجازون فى إجراء المصالح المرسلة،
وهى مرتبة فوق مراتب الإجتهاد ودون مرتبة التشريع ، والمصالح المرسلة هى
الحكم على اعتبار وصف لم يعتبره الشارع عليه السلام ، أو لم يثبت اعتباره منه
صراحة، ولما كان منصب الخلفاء فوق المنصب المجتهدين جاز لهم اعتبار المصالح
المرسلة دون المجتهدين .
واعلم أن علة الحكم تنقسم بحسب المقاصد، وبحسب الإفضاء إلى المقاصد،
وبحسب اعتبار الشارع، فهى أقسام ثلاثة ، فالأول: خمسة أمور هى ضرورية لم
تهدر فى ملة وارتبط بها نظام العالم، وهى حفظ الدين بوجوب الجهاد، وحفظ
النفس بالقصاص ، وحفظ العقل بكل من حرمة المسكر ، وحفظ النسب بكل
من حرمة الزنا ، وحفظ المال بعقوبة السارق ، ويلحقها أمور . والثانى : خمسة
أقسام أيضاً ، وهى : أن حصول المقصود فيها إما أن يكون يقيناً أو ظناً أو
شكاً أو وهماً أو يقين العدم، وهى خمسة . والثالث: أربعة أقسام: مؤثر وملائم
وغريب ومرسل ، فالمرسل : ما جهل حاله من اعتبار الوصف أو إلغائه ، وفيه
ثلاثة مذاهب : عدم اعتباره مطلقاً ، واعتباره مطلقاً ، واعتباره إن كانت
لمصلحة ضرورية قطعية كلية . الأول : مذهب الجمهور ، والثانى : مذهب
مالك واختيار إمام الحرمين. والثالث: إختيار الغزالى وغيره . فخذ البحث منقحاً
ملخصاً . وتفصيله فى مبسوطات كتب أصول الفقه. قال الشاطبى فى "الإعتصام"
فى الجزء الثانى ما ملخصه : المعنى المناسب الذى يرتبط به الحكم إن اعتبره
الشرع فلا إشكال فى صحته ، وإن لم يعتبره بل رده فلا سبيل إلى قبوه ، وإن
سكت عنه فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه ، فإن كان ملائماً لتصرفات لشارع
ووجد لذلك المعنى جنس اعتبره فى الجملة بغير دليل معين فهو الاستدلال
٢٧

٤٠٠
معارف السنن
ج - ٤
المرسل المسمى بالمصالح المرسلة .
ومن هذا القبيل اتفاق الصحابة على جمع الصحف واتفاقهم على حد شارب
الخمر ثمانين ، وقضاء الخلفاء الراشدين بتضمين الصناع ، وقتل الجماعة بالواحد
وغير ذلك مما راعوا فيها المصالح المرسلة ، وحقق الشاطبى أن مثلها لا تسمى
بدعة ، فإنها أمور مستحسنة مضادة للبدع ، ومن شاء التفصيل فليراجع كتابه،
وبالله التوفيق.
وما دكره الشاه ولى الله وحققه فى كتابه " إزالة الخفاء" من بيان علوم
الخلفاء وبالأخص عمر الفاروق ، وإن نسبة علوم المجتهدين إلى علوم أمير المؤمنين
كنسبة المجتهد المنتسب إلى المجتهد المطلق ، وإن الفاروق أول واضع للقواعد
الشرعية الإجتهادية ، وما إلى ذلك مما حققه وبسطه ، كل ذلك يؤيد شيخنا
رحمه الله فى أن منصب الخلفاء فوق وظيفة المجتهدين ، ولا ريب أنهم أعلم الأمة
بأغراض الشارع ومواطن التشريع وقر أن الأحوال، وأفقه الناس فى علل الشرع
ومصالحه وحكمه العامة والخاصة، وإن الوحى كان ربما يوافق رأيهم، وبالأخص
الفاروق الأعظم ، وإن الحق يدور معه حيث ما دار ، وإن الشيطان بخاف
منه ويهرب ، وغير ذلك من مآثر الفاروق ، وكذلك من مآثر سائر الخلفاء ،
ومن فهم مغزى ذلك انشرح صدره ، لأن ما سنه الخلفاء وإن كان اجتهاداً فله
شأن ليس لإجتهاد الأئمة المجتهدين ، وإن تسمية ذلك بدعة محدثة بالمعنى المصطلح
فى غاية من سوء الأدب ، وحط لهم من منصبهم الجليل ، وتجاهل عن الوحى
المتلوفيهم ، بل هدم لأساس الدين وإيذاء لروح النبي الكريم سيد المرسلين رحمة
للعالمين عَ اجٍ. وهذه السنة العثمانية فى زيادة الأذان على الزوراء لو أخذت
أبسط ما فيها من مصالح ومعانى وبالأخص القرون المتأخرة لضاق بنا الخطب
وتجاوزنا موضوع كتابنا وبالجملة لوخفيت على أحد مصالحها وحكمها فأحرى
به أن يسكت ، ومن تبلد من أهل بعض البلاد ولم يتبع الخليفة فى عمله فكفى