النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ بحث جواب الأذان بين يدى الخطيب ( باب ما جاء فى ترك الجمعة من غير عذر) حدثنا : على بن خشرم نا عيسى بن يونس عن محمد بن عمرو عن عبيدة ابن سفيان عن أبى الجعد - يعنى الضمرى - وكانت له صحبة فيما زعم محمد ابن عمرو قال: قال رسول اللّه عَلّ: ((من ترك الجمعة ثلاث مرات من كلام الناس . أما التسبيح ونحوه من إجابة المؤذن فلايكره، وقال بعضهم: يكره كل ذلك . حكاهما صاحب " النهاية"، وأشار إليها الشيخ اللکنوی فى حاشيته على "الهداية" أبضاً. وفى حاشية " البحر" لابن عابدين: فى "البدائع": يكره الكلام حال الخطبة ، وكذا قراءة القرآن ، وكذا الصلاة ، وكذا كل ما يشغل باله عن سماع الخطبة من التسبيح والتهليل والكتابة ، بل يجب عليه أن يسمع ويسكت ، وهذا قول الإمام ، وقالا : لا بأس به إذا خرج قبل أن يخطب ، وإذا نزل قبل أن يكبر ، وإذا جلس عند الثانى . قيل الخلاف فى إجابة المؤذن ، أما غيره فيكره إجماعاً ، وقيل : فى كلام يتعلق بالآخرة ، أما المتعلقة بالدنيا فيكره إجماعاً اهـ. -: باب ما جاء فى ترك الجمعة من غير عذر :- قوله : عن أبى الجعد . صحابى ذكره الحافظ فى "الإصابة" مشهور بالكنية ذكر الترمذى عن البخارى أنه لم يعرف اسمه ، وكذا قال أبو حاتم ، وكذلك ذكر الطبرانى فى الكنى فى "معجمه" وسماه غيرهم ، فقال ابن حبان : أدرع ، وقيل : جنادة ، وقيل: عمرو بن بكر، وبه جزم أبو أحمد الحاكم ، ونقله عن خليفة وغيره . قتل مع عائشة فى وقعة الجمل، وكان على قومه فى غزوة الفتح ، وسكن المدينة فى بنى ضمرة ، هذا ملخص ما فى " الإصابة" و "التلخيص" وغيرهما . ٣٤٢ معارف السنن ج - ٤ تهاوناً بها طبع الله على قلبه)). وفى الباب عن ابن عمر وابن عباس وسمرة . قال أبو عيسى : حديث أبى الجعد حديث حسن . قال: وسألت محمداً قوله : تهاوناً. قال العراقى: أى لأجل تهاون بلا عذر ، وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى كما فى الهامش : المراد بالتهاون التكاسل وعدم الجد فى أدائه لا الإهانة والاستخفاف فإنه كفر. والمراد بيان كونه معصية اهـ. قال الراقم .. وفى حديث جابر عند النسائى وغيره: ((من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)) وإسناده أصح من حديث أبى الجعد كما فى "التلخيص" عن " الدار قطنى " . قوله: طبع اللّه على قلبه. قال العراقى: صير اللّه قلبه قلب منافق. وقال القارى: ختم على قلبه بمنع إيصال الخير إليه ، وقيل : كتبه منافقاً اهـ . وبالجملة فهو وعيد شديد أعاذنا الله منه .. ووقع فى حديث محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن عمه عن أبى بكر المروزى زيادة قوله : ((وجعل قلبه قلب منافق))، فكأنه شرح وتفسير لما قبله . وأبلغ منه فى الوعيد رواية ابن عباس المشار إليه عند الترمذى أخرجه أبو يعلى: (( من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراءه ظهرياً)). قال فى " التلخيص " (ص - ١٣٢): ورجاله ثقات اهـ. وسر ذلك أن ترك الجمعة والجماعة شق العصا ، وهو خصلة النفاق فى العمل ، فإنما يأكل الذئب القاصية . فكان هو الغرض فى التشبيه بالمنافق . أشار إليه شيخنا فى بعض كتاباته . قوله : حديث حسن . حسنه الترمذى وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما فى " الإصابة"، وصححه ابن السكن من هذا الوجه كما فى " التلخيص"، بيان أن أبى الجعد له عدة أحاديث، وبيان من كم بعد يشهد الجمعة ٣٤٣ عن اسم أبى الجعد الضمرى فلم يعرف اسمه، وقال: لا أعرف له عن النبى ◌َِّ﴾ إلا هذا الحديث. قال أبوعيسى : ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو. ( باب ما جاء من كم بوقى الى الجمعة ) حدثنا : عبد بن حميد ومحمد بن مدوية قالا نا الفضل بن دكين نا اسرائيل والحديث أخرجه أحمد وبقية أصحاب السنن والحاكم والبزار أيضاً . قوله : إلا هذا الحديث . قال الحافظ فى "التلخيص" (ص - ١٣٢ ) بعد نقله : وذكر له البزار حديثاً آخر وقال : لا نعلم له إلا هذين الحديثين . وأورده بقى بن مخلد أيضاً اهـ. قال الراقم: والحديث الثانى هو ما ذكره السيوطى فى "القوت" معزواً إلى الطبرانى: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى)) . وأخرجه الهيثمى فى " زوائده" (٤ - ٤) فقال : رواه الطبرانى فى " الكبير ". و "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار أيضاً. وبالجملة فالحديث الآخر أخرجه بقى بن مخلد والطبرانى فى " الكبير " و" الأوسط " والبزار ، وإسناده صحيح . -: باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجمعة :- . ههنا مسألتان ينبغى أن لا يخلط بينهما ويعلم كل واحدة على حيالها ، الأولى : بيان موضع صحة صلاة الجمعة وتعيينه ، هل هو المصر أو القرية الكبيرة ؟ كما هو عندنا ، أو لا يختص بها ، كما ذهب إليه غيرنا من الأئمة . والثانية : بيان من يجب عليه شهود صلاة الجمعة ممن يسكن فى غير المصر ، أى فى أى مقدار من المسافة يجب عليه الحضور لصلاة الجمعة فى المصر . وموضوع حديث الباب هى المسألة الثانية ، والترمذى لم يتعرض إلى ٣٤٤ معارف السين ج - ٤ ١٠ الأولى . والبخارى فى "صحيحه" قد أفرد كل واحدة منها بباب ، وسأذكر نبذة من الكلام فى المسألة الأولى أيضاً إن شاء اللّه تعالى فاعلم أن فى الثانية أقوال ثمانية لمشائخنا ، ذكرها الشرنبلالى فى رسالته المختصه بها وهى : " تحفة أعيان الغنا بصحة الجمعة والعيدين فى الفنا " وهذه الأقوال الثمانية بل التسعة نقل عنها ابن عابدين فى " منحة الخالق " و"رد المحتار" وهى: غلوة، ميل، ميلان، ثلاثة أميال، فرسخ، فرسمان، ثلاثة ، سماع الصوت ، سماع الأذان . وذكر ابن عابدين ما ملخصه : أن هذه أقوال فى تقدير فناء المصر ، والأولى تعريفه لا تحديده وتقديره ، لأن فناء كل مصر يختلف بحاله ، ولذا أطلق الفنا من غير تحديد الإمام محمد وبعض المحققين من أهل الترجيح من مذهبه. قال الشيخ : منها ما نسبه إلى أبى يوسف بصيغة التمريض : أنه يجب شهود الجمعة على من كان على مسافة غدوية من موضع إقامة صلاة الجمعة ، وتقديرها بأن يعود الرجل إلى أهله قبل الغروب . ومنها : أنه لا تجب إلا على سكان موضع إقامة الجمعة - أى فى موضع تقام فيه الجمعة -. ومنها : أنه تجب الجمعة على من يسمع النداء من خارج موضع الإقامة . وهذه الأقوال الثلاثة منها كذلك ذكرت فى " العرف الشذى" وليست عندى الرسالة، ولا النقل عنها فى الكتب التى عندى، فلم أقدر على نقل لفظها ، فاقتنعت بلفظ " العرف" بتغيير يسير. والقول الأول منها هو الذى عبر عنه فى الحديث المتكلم فيه: ((الجمعة على من آواه الليل))، ولعله يندرج فى قول الفرسمين مما ذكره ابن عابدين من الأقوال . وذكر فى "العمدة" ( ٣ - ٢٧٦) عن أبى يوسف ثلاثة أقوال : الأول : ما لو كان منزله خارج المصر لا تجب عليه . والثانى : إذا كان على ثلاثة فراسخ . والثالث : إذا شهد الجمعة فإن أمكنه المبيت بأهله لزمه الجمعة . قال العينى : واختاره كثير من مشائخنا آهـ. وهذا هو المذكور فى " العرف الشذى". ٣٤٥ بحث وجوب الجمعة على من سمع النداء ، وتحقيق قباء ٠- ٠ عن ثوير عن رجل من أهل قباء عن أبيه، وكان من أصحاب النبي ◌َ الّ قال: ونيخ ((أمرنا النبي ◌ُّالمُ أن نشهد الجمعة من قباء)). وراجع "العمدة" فقد استوفى ما يزيد على عشرة أقوال من الأئمة والتابعين والصحابة . والثانى والثالث ظاهر لا يحتاج إلى بيان . قال الشيخ : وهذا الثالث هو الراجح فإنه مؤيد بفتاوى الصحابة . قال الراقم : لعله أراد به بعض الصحابة ، وهو عبد اللّه بن عمر كما فى "العمدة" (٣ - ٢٧٥)، وثبت: ((إنما الجمعة على من سمع النداء)) مرفوعاً فى " سنن أبى داؤد"، وأخرجه الدارقطنى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وهو مذهب الجمهور كما يقوله الحافظ فى " الفتح"، وحكاه الترمذى عن الشافعى وأحمد وابن العربى عن مالك أيضاً ، كما فى " العمدة "، قال الحافظ: ومحله كما صرح به الشافعى: ما إذا كان المنادى صيتاً ، والأصوات هادئة ، والرجل سميعاً اهـ . فائدة : قال الشيخ جلال الدين الدوانى الشافعى فى " شرح العضدية": فرض على الناس وجود عالم فيهم على مسافة غدوية لكى يرجع إليه القوم فى مسائل الدين وإلا فهم آثمون . قوله : نوير ، وهو ابن أبى فاختة متكلم فيه . وهو ابن أبى فاختة سعيد ابن علاقة الهاشمى الكوفى ، لم يخرج عنه فى الست إلا عند الترمذى ، فى "التقريب": ضعيف رمى بالرفض اهـ. وحسن له الترمذى فى موضع، أفاده الشيخ ولم أقف عليه فلينظر . قوله : من قباء ، قبا موضع على ثلاثة أميال من المدينة فى عوالى المدينة من بنى عمرو بن عوف. وفى قباست لغات: المد، والقصر، والتذكير، والتأنيث، ( م - ٤٤ ) ٣٤٦٠ معارف السنن ج - ٤ قال أبو عيسى : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ولا يصح فى هذا الباب عن النبى حَ لّ شئ، والصرف ، والمنع، وأفصحها المد. قاله العينى فى "العمدة" (٢ - ٣٢٣). قال الراقم : وهو نظير " حراء" فى الوجوه الستة. ودل الحديث على عدم اقامة الجمعة فى القرى . وأصرح منه ما فى الحديث من رواية عائشة فى الصحيح من ( باب من أين تؤتى الجمعة وعلى من تجب ): ((كان الناس يتناوبون الجمعة من منازلهم والعوالى)) أى يأتون نوبة فنوبة ، تحضر. طائفة فى جمعة وطائفة أخرى فى جمعة أخرى . فهذا يفيدنا فى عدم إقامة الجمعة . فى القرى ، وقد أوضحه مولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى فى رسالته - أى " أوثق العربى فى تحقيق الجمعة فى القرى" - وأبسط منه فى : " أحسن القرى " للشيخ محمود حسن الديوبندى ، وأصله من البدر العينى فى " العمدة " (٣ - ٢٧٦) و "الفتح" (٢ - ٣٢١) فقالا رداً على كلام القرطبى: لأنه لو كان واجباً على أهل العوالى ما تناوبوا ولكانوا يحضرون جميعاً اهـ. وزاد الشيخ المحدث الكنكوهى بأن الحافظ ابن حجر لو أنصف مزيداً وأمعن نظره لقال: إن الجمعة ما تصح إقامتها فى القرى ، وإلا فكيف يستقيم أن يرضى البقية من الصحابة الذين لم يحضروا مسجد رسول اللّه عَ لٍ أن يتخلفوا عن إقامة الجمعة التى قد حث الشارع على فضائلها ورغب إليها الناس ، وفيها من أنواع البركات والأجور، وإنه مَ التٍّ قد أوعد تارك الجمعة وعيداً شديداً فى أحاديث ، وهم كانوا أحرص الناس على الخيرات ، وأرغبهم فى الحسنات ، وألزم الناس للطاعات وأمور البر، وأترك الناس للمنكرات والمعاصى . ثم هو صلىالله كان أرحم الناس فى إرشاد الصحابة إلى أمثال هذه الفضائل والتنبيه على ونية تقصير صدر عنهم فى مثل هذه المهمات . والعوالى أقرب موضع المدينة، فتحضر ٣٤٧ بحث إقامة الجمعة فى القرى وعدم إقامتها طائفة إلى مسجد رسول اللّه عَ ل ، وتتخلف آخرون ثم لا يقيمون الجمعة فى مسجدهم بقباء وهو حقّ ◌ُلي يعلم كل ذلك ثم لا يأمرهم بمعروف ولا ينهاهم عن منكر. فهذا أوضح دليل وأقوى حجة على أن الجمعة ما كانت تلزمهم فى مثل تلك القرى الصغيرة ، وإلا ما كانت تفوت بقيتهم فى العوالى ، وإنما كانوا يحضرون الجمعة مناوبة لكى يتفقهوا فى الدين ويتعلموا مسائل الشرع المبين ، ولينذروا قومهم ويعلموهم دينهم إذا رجعوا إليهم. ولكى يتشرفوا بزيارته حَ ﴾، فكانوا يتناوبون من أجل تلك المصالح الشرعية ، لا أنها كانت واجبة عليهم، انتهى كلامه ملخصاً مترجماً إلى العربية ببعض زيادة . ولما تفاوضنا فى هذا البحث رغبت أن آتی بکلات من كلام إمام العصر شيخنا رحمه الله، تصدع بمنشأ ما وقع فى الأمة والأئمة من الخلاف فى كثير من شرائط أداء الجمعة، ولم نقصد استيفاء البحث من الجهات كلها، فإنه قد أفرم بالتأليف قديماً وحديثاً ، والشيخ رحمه الله كان يريد أيضاً إفراده بتأليف، بيد أن المنية قد أعجلته قبل إنجاز المنية، فلم يقم بتأليف فيه مع شدة عنايته بفصل هذه العقدة التى طالما اعتاص حلها، فأذكر مقتبسات من تعليقاته على " آثار السنن" من مواضع شى بترتيب وتخريج من الراقم وبالله التوفيق . قال رحمه اللّه تعالى: فاعلم أن الجمعة لم تقم فى عهد النبوة إلا فى ثلاثة مواضع. ثم اتسع شيئاً فى عهد الخلافة فى الأمصار أو فى منازل تتمصر، وهو محمل ما كان ابن عمر بين مكة والمدينة من تجميع أهل المياه أو ما حكاه الليث ابن سعد ، وفى "البحر" عن "التجنيس": ولو نزل الخليفة أو والى العراق فى المنازل التى فى طريق مكة كالتغليبية وتحوها جمع ، لأنها قرى تتمصر بمكان الجج فصار كـ "منى" آهـ. وكانت الجمعة إلى الإمام فلم تقم إلا حيث أقامها وهى الأمصار أو قرى تتمصر لا فى عموم القرى ومن لم يأتها كان يصلى الظهر . هذا الذى يظهر من تاريخ الإسلام . ٣٤٨ معارف السنن ج - ٤ ولم يبحث فى ذلك الزمان عن المناط ، ودرجوا على ذلك من التفويض والتسليم ، ثم إذا دخل زمان الإجتهاد ذهب بعض إلى فرق المصر وما فى حكمه مع ما ليس فى حكمه ، وآخرون إلى أنها إلى الإمام، وبعد اضمحلال الإمامة إلى أنها إلى القوم تجب فى الأمصار، ولا بد وتصح فى قرى تتمصر إذا اجتمعوا عليها فيها ولا تجب . وهو الذى يلزم مما فى "البحر" عن "المضمرات" عن "الحجة" و "التاتار خانية" كما فى حاشيته ، وفى "الخيرية" من الصلاة وغيرها. ويتبادر أن قولهم : " ما لا يسع أكبر مساجده أهله" كان الضمير فيه بحسب البحث إلى المصر أو قرية كبيرة ، لأنهم يذكرونه تحت تعريفه ، لا أنه تمام التعريف ، فهو بعد كون الموضع كذلك . ويتبادر من "الهداية" و"البناية": أنه فى تعريف المصر الجامع بعد كونه مصراً ، وهو فى " البناية" (وكذا فى " البدائع") عن أبى عبد الله البلخى محمد بن سلمة. وفى "الهداية" (وكذا فى "المبسوط " ) عن أبى عبد الله الثلجى محمد بن شجاع. والله أعلم . وما عن محمد فى "شرح السير" (٣ - ٢٥٢) يدل أيضاً على أن المصر ما تقام فيه معالم الدين من الجمع والأعياد والحدود . وما فى "التلخيص" عن الأوزاعى من النكاح : وإن قيل أن فى العراق كانت الحضارة عظيمة فخصوا المدن بخلاف البوادى عاد هذا أيضاً إلى الإمام . ثم إن لفظ محمد على ما نقلوه: "أى موضع مصره الإمام فهو مصر" وإن المتقدمين من أئمتنا فسروا المصر الجامع لكونه وارداً فى أثر على وعطاء وغيرهما، ولكونه محتاجاً إلى البيان، بخلاف المصر فقط ، ثم جاء المتأخرون فقصروا فيه ووضعوه فى المصر فقط. راجع "المبسوط" أيضاً و"البدائع" و"سنن البيهفى" (٣ -١٧٩). قال الراقم: أراد بما فى "المبسوط" قوله (٢ - ٢٣): وظاهر المذهب بيان حد فى المصر الجامع: أن يكون فيه سلطان أو قاض لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام آهـ. وبما فى " البدائع" قوله (١ - ٢٥٩): أما المصر الجامع ٣٤٩ بحث إقامة الجمعة فى الأمصار فقد اختلفت الأقاويل فى تحديده ، ذكر الكرخى أن المصر الجامع ما أقيم فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام اهـ . وبما فى " سنن لسهفى" حديث أم عبد الله الدوسية مرفوعاً: ((الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام الخ )) ولكن الحديث ضعيف بالحكم بن عبد الله ، غير أن الشيخ يستأنس به بعض استيناس لما نقل عن أئمتنا من اشتراط المصر الجامع وتحديد ما فيه أمير أوقاض الخ . وقال رحمه الله: وكما لم يستطع النبى . ◌َجزء من إقامتها مكة كما فى "التلخيص" من رواية "الدارقطنى عن ابن عباس وكذا فى "الفتح" عنه، ويظهر أنه فى " غرائب . الك" له لا فى " سننه". فكذا لم يأمر من حوله بإقامتها إلى أن وقع الفتح وجاء نصر الله، وإذا صار الأمر إلى الإمام لم يتباين فيه وقت أول الإمكان كأمر التبليغ فى تحويل القبلة أو مطلقه اهـ . وقال: وينبغى أن ينعم النظر فيما جاء فى الجماعة فقال: ما من ثلاثة فى قرية ولابد ولاتقام فيهم الجماعة الخ، وقال فى الجمعة : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ونحو ذلك من الترك وغيره . فلم يجعل إقامتها فيهم بل شهودها اهـ . وقال رحمه الله: ويمكن أن يقال للجماعة مواضع مخصوصة، فإذا كانت الحضارة كبيرة كما كان فى العراق فمصر جامع . وإن كانت البداوة غالبة كما كان فى بادية العرب فقرية فيها سكك وأسواق كما ذكره فى "المدونة". ويلزم من "كتاب الأم" أيضاً فى كلامه على من يجب الحضور، فأثر على على الأول وأثر عمر على الثانى ، فهذا له وجه . قال الراقم : أراد بأنز عمر ما رواه ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقى عن أبى هريرة أنهم كتبوا إلى عمر رضى الله عنه يسألونه عن الجمعة ، فكتب: جمعوا حيث ما كنتم اهـ. وسوق الكلام فيه للإستيذن عن الإمام ، ومثلة استفتاء رزيق بن حكيم، ورزيق يومئذ على أيلة من ابن شهاب ٣٥٠ معارف السنن ج - ٤ فى انسحاب الاذن على أرض هناك ، وروى عن الحسن وعمر بن عبد العزيز وعبد الله بن محيريز أنهم قالوا : الجمعة والحدود والزكاة والفنى إلى السلطان خاصة كما فى "تخريج الهداية" من كتاب الحدود، وعند "ابن أبى شيبة" ( ص - ٣٥٢) عن على قال: ((لا جماعة يوم الجمعة إلا مع الإمام)) ونحوه عن ابن عمر فى "التلخيص"، وراجع "العمدة" (٢ - ٧٦٥ و٢٦٨) و "الإتحاف" (٣ - ١٧٩) واشتراط الاذن رواية عن أحمد ، ذكرها ابن هبيرة وشرح "الموطأ" (٤ - ٢٢٩) - يريد به الزرقانى - وما عن عطاء فى تفسير القرية الجامعة فى الصحيح من ( باب أين تؤتى الجمعة ) قال : ذات الجماعة والأمير والقاضى والدور المجمعة الآخذ بعضها ببعض مثل جدة اهـ. أستفيد منه تفسير الجامع أيضاً وهو على عرف اللغة كما فى حديث فى اللقطة عند أبى داؤد. ثم فى بعض العبارات: إن الجمعة فى القرية ولو صغيرة مجتهد فيها عند الحنفية فراجع . وقال رحمه الله : واعلم أن العمران كثر فى زماننا فى القرى أيضاً . فهل الحكم على مبلغها أو على اسم القرية والبلدة ، كالحال فى المد والصاع والمراحل فى مسافة القصر ونصاب السرقة، وكاندراج الصلاة خير من النوم فى مثل ما يقول المؤذن وإن شرع بعد، ( والمد لعله كان يستعمل فى تغيير ما يطبخ ، والصاع فيما يشترى ، فكان المد أعظم الأمداد والصاع أصغر الصيعان ) . قال رحمه الله: ووجه بقاء الاختلاف فى هذا الموضع مع كونه موضع التواتر : أنها كانت إلى السلطان ، وأقيمت فى مواضع ، لا فى كل موضع ، وكانوا يجيئون رغبة منهم كما فى هذا العصر أيضاً ، ومضى على ذلك برهة من الزمان ، ثم وقع الإختلاف : هل ذلك لأنه لا يجوز لأهل القرى ، أو لأن الأفضل لهم الإتيان ، أو رغبوا بأنفسهم فيه؟ ولكن كان تناوباً لا مواظبة ، فبقيت المسألة فى زاوية السكوت والخمول برهة من الزمان اهـ . ومما يستفاد من كلامه رحمه الله: أنه رب أمر يتبادر مراده بالنسبة إلى الحال فى عهده بعَل﴾ ٣٥١ متعلقات إقامة الجمعة فى الأمصار ثم إذا انقضى الحال وتنوسى الأمر بشكل المراد ، وهكذا يقع الأمر فى الشاهد والغائب فى معرفة الغرض ، ووضع الشئى فى مجمله ، وحمل الكلام على محمله ، وهناك من هو قريب العهد فيشاهد العمل وينزل القول عليه كما كثر عن أبى حنيفة ومالك فى عمل بلدتيهما ومن هو بعيد يطلب الإسناد فى كل شى وينصب منه شكل العمل وصفته اهـ . وقال رحمه اللّه أيضاً : وما عن ابن عمر كان يرى: " أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون" فبناء على أن العرب تسمى الأمصار البحر كما فى "الكنى" (٢ - ٥٨ )، وعليه يكونون يسمون القرى الكبيرة مياهاً، ذكره فى "النهاية" من البحر والماء ، وفى "القاموس" قال: والمياه قصبة البلد، وقال من القصبة المدينة أو معظم المدن والقرية ، ويراجع " الكفور" و" الحاضر" و "المناهل" و"الفسطاط" و"اليد" من "النهاية" لابن الأثير، ولعل منه: "فاعمل من وراء البحار" و"كتب لهم ببحرهم" . قال الراقم : انتهى ما قصدت ذكره ههنا، وهذه كلمات وجمل وأطراف وذيول من كلامه فى مواضع يجرى أكثرها مجرى القواعد الكلية فى حل مشكلات المسائل ، وتعطيك علماً بأطراف المسألة من اشتراط السلطان وإذنه ، والمصر الجامع، وحده ، ومنشأ الخلاف فيه بين الفقهاء بل الصحابة والتابعين، وكل ما يتعلق بصلاة الجمعة ، ومحل إقامتها ، وإذن تقدر أن تحل بضوئها عقداً حالت فى الموضوع ، وظاهر أن إقامة الجمعة من شعائر الإسلام ليس شأنها شأن سائر الصلوات ، فكل إمام اشترط لها شرائط يستنبطها مما وقع حول المسألة ، واشتبك أمور يدخل بعضها فى مناط الأمر ولا صلة لبعضها ، فلا بد أن تتجاذب الأنظار وتختلف المنازع والأفكار فيتمسك إمام بشنى ويتأول فى آخر، وأسعدهم فی مثل ذلك أعمقهم بحثاً وأقواهم منزعاً وأغوصهم رأیاً وأعرفهم بالأغراض دون المدلولات اللغوية فقط ، وظاهر بديهى أن الإسلام قد عم جزيرة العرب مدنها ٣ ٢ ٣٥٢ معارف السنن ج - ٤ وقد روى عن أبى هريرة عن النبى حَ لّ قال: ((الجمعة على من آواه الليل إلى أهله)) . وهذا حديث إسناده ضعيف ، إنما يروى من حديث معارك وقراها ، ودخل فى كنفه آلاف ألوف من النفوس البشرية . ثم إقامة الجمعة لا تتجاوز ثلاثة مواضع، وهذه وجهة للنظر، ثم نجد آثاراً مروية عن الصحابة والتابعين ربما توسع دائر الأمر فى الظاهر ، فهذه وجهة أخرى للبحث، أفهلا يكون مثل هذه المعضلات محكاً لأنظار جهابذة الأمة ومحطاً للأفكار . تم هناك وجهة أخرى : أن فرض الوقت هل هوصلاة الظهر أو صلاة الجمعة ؟ وأيهما أصل ؟ وأيهما بدل ؟ أو كل منهما فرض غير عين؟ والنصوص فى كليهما . فهل ذلك من باب النسخ أو التوفيق ؟ والخلاف فيه مشهور ، وقد أوضحه صاحب "البدائع"، وأبدع فيه مع بيان ثمرة الخلاف والتخريجات عليه. فهذا أمر آخر باعث على البحث والتنقيب، وفى هذه الإشارات ههنا مقنع وكفاية. وإن وفقنى الله سبحانه التأليف فيه لبذلت المجهود فى إيضاح أطراف البحث واستيفاء المقاصد إن شاء الله تعالى ، كما كان شيخنا رحمه الله أراد التأليف فيه باسم "اللمعة فى بيان الجمعة "، وقد أسرع الأجل قبل إنجاز الأمل والله ولى كل توفيق ونعمة . بقى أثر على: (( لا تشريق ولا جمعة إلا فى مصر جامع)) له أسانيد رواه عبد الرزاق وابن أبى شيبة وأبو عبيد والطحاوى والبيهقى ، والإسناد الصحيح ما هو عند عبد الرزاق والبيهقى والطحاوى فى "المشكل" من طريق سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على ، صححه الحافظ فى "الدراية" وفى " الفتح" فى ( باب فضل العمل فى أيام التشريق ) . قوله : الجمعة على من آواه الليل. معناه : أنها تجب على من إذا جمع مع الإمام يمكنه الرجوع إلى أهله قبل دخول الليل ، كما فى " العمدة" (٣ - ٢٧٥) و"الفتح" (٢ - ٣٢٠) وغيرهما. قالى فى " العمدة": ٣٥٣ بیان أن الجمعة على من عجب ابن عباد عن عبد الله بن سعيد المقبرى، وضعف يحيى بن سعيد القطان عبد الله ابن سعيد المقبرى فى الحديث ، واختلف أهل العلم على من تجب عليه الجمعة ، فقال بعضهم : تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله ، وقال بعضهم : لا تجب الجمعة إلا على من سمع النداء، وهو قول الشافعى وأحمد واسحاق، سمعت أحمد بن الحسن يقول : كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا على من تجب الجمعة فلم يذكر أحمد فيه عن النبى ◌َّ شيئاً. قال أحمد بن الحسن: فقلت لأحمد بن حنبل: فيه عن أبى هريرة عن النبي ◌َُّله. قال أحمد بن حنبل: عن النبى فِّ ؟ قلت : نعم . حدثنا: الحجاج بن نصير نا معارك بن عباد عن عبد الله بن سعيد المقبر عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى ◌ٍَّ قال: (( الجمعة على من آواه الليل إلى أهله » فغضب على أحمد وقال : استغفر ربك استغفر ربك . وإنما فعل به أحمد بن حنبل هذا لأنه لم يعد هذا الحديث شيئاً ، وضعفه لحال إسناده . وروى ذلك عن أبى هريرة وأنس وابن عمر ومعاوية ، وهو قول نافع والحسن وعكرمة والحكم والنخعی و أبى عبد الرحمن السلمی وعطاء والأوزاعی رأبى ثور، حكاه ابن المنذر آهـ . وقيل : معناه أنها واجبة على المقيم دون المسافر ، والحكم كذلك عندنا وعند مالك والشافعى : أنها لا تجب على المسافر قاله الشيخ ، ولم أقف على مأخذه ، وأما مسألة عدم الوجوب على المسافر فمتفق عليه بين الأئمة الأربعة . قوله : حجاج بن نصير . ضعفه بعضهم ووثقه بعض ، وممن وثقه ابن معين . وهو حجاج بن نصير - بضم النون - الفساطيطى . قال فى " التقريب": ( ٢ - ٤٥ ) ٣٥٤ معارف السنن ج - ٤ ( باب ما جاء فى وقت الجمعة ) حدثنا : أحمد بن منيع نا سريج بن النعمان نا فليح بن سليمان عن عثمان بن عبد الرحمن التيمى عن أنس بن مالك: «أن النبى معَّلَّ كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس)). ضعيف كان يقبل التلقين اهـ . وفى " التهذيب" عن ابن معين: كان شيخاً صدوقاً ولكنهم أخذوا عليه أشياء فى حديث شعبة اهـ. وكذلك معارك بن عباد ضعيف فى السند . وكذلك فيه عبد الله بن سعيد المقبرى وهو أيضاً ضعيف ، فحجاج ومعارك والمقبرى ثلاثتهم ضعفاء ، ولذا لم يره أحمد شيئاً ، غير أن مذاهب طائفة من الصحابة والتابعين بمعناه يدل على أن له أصلاً عندهم ، وإن أعوز الإسناد الصحيح فى الطبقات المتأخرة . -: باب ما جاء فى وقت الجمعة :- قال أبو حنيفة ومالك والشافعى . إن الجمعة لا تصح قبل الزوال ، وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، كما فى " شرح المهذب" ( ٤ - ٥١١ ) وقال العبدرى : قال العلماء كافة: لا تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال إلا عند أحمد، حكاه النووى، وكذا نقل الاجماع عليه ابن العربى وغيره، واستدل الجمهور بحديث الباب ، وهو مخرج فى " الصحيحين " وبأحاديث غيره فى الصحاح . قال فى " شرح المهذب": وهذا هو المعروف من فعل السلف والخلف. قال الشافعى: صلى النبى ◌َ الجَ وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال اهـ . وتفرد من بين الأئمة أحمد ، وقال : تصح ، وأنها مثل العيد عنده تصح عند الضحى . وظاهر كلام الخرقى أنها لا تجوز قبل الساعة السادسة كما فى ٣٥٥ بحث وقت جواز صلاة الجمعة والمذاهب فيه حدثنا : يحيى بن موسى نا أبو داؤد الطيالسى نا فليح بن سلمان عن عثمان ابن عبد الرحمن التيمى عن أنس نحوه . "المغنى" لابن قدامة (٢ - ٢١٠) وقال القاضى وأصحابه: تجوز فى وقت صلاة العيد . ورواه ابن قدامة عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية ثم عن مجاهد وعطاء، وفى "شرح المهذب": ونقله ابن المنذر عن عطاء واسماق قال : وروى ذلك بإسناد لا يثبت عن أبى بكر وعمر وابن مسعود ومعاوية اهـ. ونقله الماوردى عن ابن عباس كما فى " العمدة"، وقد استوفى النووى فى " شرح المهذب" والعينى فى " العمدة" الجواب عن أدلتهم، وكذا الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٢١ و٣٢٢). وأطال فيه ابن تيمية ناصراً لمذهبه، وممن استدل بحديث: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة الخ)) كما أخرجه الجماعة من رواية سهل بن سعد، وزاد أحمد ومسلم فى رواية: ((فى عهد رسول الله حَاجٍ )). والغداء يكون قبل الزوال . والجواب عنه : أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء فى هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة ، كما أجاب عنه النووى، وبمثله أجاب البدر والشهاب عن حديث أنس بن مالك فى "الصحيح": ((كذ بكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة)). وليس هذا مجازاً ، ألا ترى أنه ورد فى حديث زربن حبيش عند " النسائى " (١ - ٣٠٣) قال: ((قلنا لحذيفة: أى ساعة تسحرت مع رسول اللّه فَ﴾ ؟ قال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع)). وورد عن العرباض بن سارية قال سمعت رسول اللّه فَخيمٍ وهو يدعو إلى السحور فى شهر رمضان قال: ((هلموا إلى الغداء المبارك)). رواه النسائى فى فضل السحور وأبو داؤد فى ( باب من سمى السحور غداء ) بلفظ "هلم"، ومثله عند النسائى عن خالد بن معدان مرفوعاً. فالغرض الأول تأخير السحور جداً ، والغداء يطلق على طعام بعد ٣٥٦ معارف السنن ج - ٤ وفى الباب عن سلمة بن الأكوع وجابر والزبير بن العوام . قال أبو عيسى : حديث أنس حديث حسن صحيح . وهو الذى أجمع عليه أكثر طلوع الشمس ، فمن ذا الذى يبيح أكل الغداء بعد طلوع الشمس للصائم ؟ وإنما غرضه أنه بدل الغداء وأنه سمى السحور غداء . ثم إن البدر العينى ذكر فى "العمدة" (٣ - ٢٨٠): أنه لا إيراد فى الجمعة ، وإنما يستحب هو فى الظهر . فقال : الأصل فى الظهر التبكير عند اشتداد البرد والإبراد عند اشتداد الحر ، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والأصل فى الجمعة التبكير ، لأن يوم الجمعة يوم اجتماع الناس وازدحامهم ، فإذا أخرت يشق عليهم . قال ابن قدامة : ولذلك كان النبي ◌َُّّ يصليها إذا زالت الشمس صيفاً وشتاءً على ميقات واحد اهـ. قلت: قاله فى "المغنى" (٢ - ١٤٤ و٢ - ٢١٢). وذكر صاحب "البحر" أن فيها إبراداً. فقال فى المواقيت من " البحر": والجمعة كالظهر أصلاً واستحباباً فى الزمانين ، كذا ذكره الأسبیجانى اهـ . تنبيه وأضادة: قد أشكل فى الباب أثر عبد الله بن سيدان السلمى قال: ة شهدت يوم الجمعة مع أبى بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار ، ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول : انتصف النهار ، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول : زال النهار ، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره)، رواه أحمد فى "مسنده" وابن أبى شيبة فى" مصنفه" وأبو نعيم شيخ البخارى فى "كتاب الصلاة" والدارقطنى فى "سنته"، فأجاب عنه الحافظ فى "الفتح" بأن ابن سيدان غير معروف العدالة، وقال ابن عدى: شبه المجهول، وأنت تعلم أن مثل هذا الجرح المبهم فى من هو من كبار التابعين غير مقبول على أصولهم ، علا أنه ذكره ابن حبان فى الثقات فى طبقة الصحابة كما ٣٥٧ بيان وقت صلاة الجمعة ودليل ذلك أهل العلم : أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر ، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق. ورأى بعضهم: أن صلاة الجمعة إذا صليت قبل فى "اللسان" ( ٣ - ٢٩٩)، وذكره فى "الإصابة" فى الصحابة، وحكى عن ابن حبان يقال له صحبة آهـ. وأجاب البخارى كما نقله الحافظ : بأنه لا يتابع على حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه ، فروى ابن أبى شيبة من طريق سويد ابن غفلة أنه صلى مع أبى بكر وعمر حين زالت الشمس . وأنت تعلم أن الجواب غير نافذ والمعارضة غير مستقيمة ، فإنه لا منافاة بين الواقعتين ، وقد تصدى إليه شيخنا رحمه الله فى تعليقاته على " الآثار"، وربما يشفى ويكفى إذا أنصف . فيقول رحمه الله: يريد بقوله : "قبل نصف النهار" ما قبل تبيين الزوال وظهوره وقيام قائم الظهيرة فى العرف أمر فيه شئ من الإمتداد لا يضعونه على الدقائق والموازين . ويريد بقوله : "فكانت صلاته وخطبته": خروجه لها ، ثم أخر عمر شيئاً وعثمان شيئاً فما عاب أحد هذا التبكير ولا التأخير، وكانوا يعرفون الزوال بهبوب الرياح ، كما عند الترمذى من ( باب الساعة التى يستحب فيها القتال ) وذلك إنما يكون بعيد الزوال بشئ ، ونصف النهار فى العرف حصة متسعة ، فما قبل نصف النهار هو عدم ظهور الزوال ، ونصف نهاره ظهور الزوال بيناً ، وزواله زوال النهار بيناً , فلذا عبر بقوله : زال النهار ، وهذا هو المراد بإباحة التطوع فى نصف نهار يوم الجمعة ، وعلى هذا التوسع جاء حديث الهجرة، وحديث عقبة فى ثلاث ساعات وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل . ومنه حديث أنس بن مالك فى " سنن النسائي" فى تعجيل الظهر فى السفر: ( كان النبي ◌َّ إذا نزل منزلاً لم يرتحل حتى يصلى الظهر»، فقال رجل: وإن كانتْ بنصف النهار؟ قال: وإن كانت بنصف النهار)» وبهذا اللفظ أخرجه أحمد فى "مسنده" (٣ - ١٢٠). قال الراقم : مع أنه ورد مصرحاً فى رواية ٣٥٨ معارف السنن ج - ٤ الزوال أنها تجوز أيضاً . وقال أحمد : ومن صلاها قبل الزوال فإنه لم ير عليه إعادة . الشيخين فى هذا الحديث نفسه بلفظ: ((كان النبى وحُّّ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما ، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب )) ومن هذا القبيل ما فى حديث أبى موسى فى ( باب المواقيت ) عند مسلم وغيره: ((فأقام بالظهر حين زالت الشمس )) والقائل يقول : قد انتصف النهار ، وفيه فى الفجر : والقائل يقول : قد طلعت الشمس. انتهى كلام الراقم. وكذا أثر ابن مسعود فيه مبالغة ، وهو ما رواه ابن أبى شيبة عن عن عبد اللّه بن سلمة قال: صلى بنا عبد الله - يعنى ابن مسعود - الجمعة ضحى وقال : خشيت عليكم الحر ، ولعله الضحاء ، وهو انتصاف النهار، وقد وقع بالمد كذلك فى " الموطأ" فى وقت الجمعة . وقد شرحه الباجى حسناً . وقوله: (( خشيت عليكم الحر)» أى حتى ترجعوا من المسجد إلى بيوتكم، وهناك لكم راحة ، وفى المسجد انتظار يشف فى الحر ، كما فسر به التروح فى "النهاية"، وإصابة الحر كما يكون باعتبار الزمان يكون باعتبار المكان وغيره من العوارض أيضاً ، ولا تنضبط، وهو الذى حكاه الترمذى عن الشافعى فى الظهر فى السفر. وراجع "المغنى" (٢° - ١٤٤). قلت : وفيه ولا فرق فى استحباب إقامتها عقيب الزوال بين شدة الحر وبين غيره ، فإن الجمعة يجتمع لها الناس ، فلو انتظروا الابراد شق عليهم الخ . وكيف يستتب الإجتماع قبل الزوال ، أبا لأذان على خلاف العادة ؟ ! ومن قال: أنها عيد ، أراد التهيأ لها، انتهى كلام الشيخ بتغيير فى الترتيب وبعض زيادة من الراقم فاقدره وكن من الشاكرين . ٣٥٩ بيان الخطبة على المنبر - وحتين الجذع (باب ما جاء فى الخطبة على المنبر ) حدثنا : أبو حفص عمرو بن على الفلاس نا عثمان بن عمر ويحيى بن كثير أبو غسان العنبرى قالا ثنا معاذ بن العلاء عن نافع عن ابن عمر. ((إن النبى عَ ظلي كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر حن الجذع حتى أتاه فالتزمه فسكن)). -: باب ما جاء فى الخطبة على المنبر :- الخطبة على المنبر مسنونة ، ففى "رد المحتار" عن " البحر": ومن السنة أن يخطب عليه ـ أى على المنبر - اقتداء به جَّ اهـ. وفى "مغنى ابن قدامة" (٢ - ١٤٤): فلو خطب على الأرض أو ربوة أو وسادة أو على راحلته أو غير ذلك جاز؛ فإن النبي صَلّ كان قبل أن يصنع المنبر يقوم على الأرض اهـ. وذكر ابن نجيم وابن قدامة كلاهما : ويستحب أن يكون المنبر على يمين القبلة - أى على يسار المحراب - لأن النبى حَّ هكذا صنع اهـ . قوله: حن الجذع. ووقع فى رواية قوية: ((حتى تصدع وانشق))، وهى رواية أبي بن كعب عند أحمد والدارمى وابن ماجه كما فى "الوفا" (١ - ٢٧٥ ) وكذا فى رواية المطلب بن أبى وداعة كما فى "الشفا" للقاضى عياض. قلت : وهى عند أحمد والزبير بن بكار . قال شيخنا : وثبت عندى فى ثلاث روايات قوية أن الجذع دفن عند وضع المنبر ، وثبت عندى بنحو عشرين رواية أن المنبر كان فى السنة الثانية من الهجرة فما بعدها. أقول ويأتى مثله فى الاستسقاء، وتقدم فى حديث ذى تيدين خمس عشرة رواية، وقد فصلنا القول فيه فلا نعيده، وروايات دفن الجذع عند وضع المنبر كلها مذكورة فى "الوفاء" وفى " الشفا". ثم ٣٦٠ معازف السنن ج - ٤ : وفى الباب عن أنس وجابر وسهل بن سعد وأبى بن كعب وابن عباس أم سلمة . قال أبوعيسى : حديث ابن عمر حديث حسن غريب صحيح . ومعاذ بن العلاء هو يصرى أخو أبى عمرو بن العلاء . ن المستفاد من كلام الحافظ ابن حجر فى "الفتح" أن النخْل قلعت عند بناء المسجد النبوى فجعلت فى جدار القبلة، والمستفاد من كلام السيد السمهودى أنها جعلت أعمدة تحت السقف، والعبرة فى مثله على كلام السمهودى مما يتعلق بأحوال المدينة قاله الشيخ. ثم إنه يدل بعض الروايات على أن الجذع كان من جملة سوارى المسجد ، وبعضها على أنه كان غيرها ، والكلام فى ذلك يطول جداً ، وليس البسط فى مثل هذا من موضوع شرحنا ، ومن أراد الخبرة باستيفاء البحث فليرجع إلى "الوفا" من الفصل الرابع من الباب الرابع فى خبر الجذع من الجزء الأول ، وما ذكره فى بناء المسجد، وليراجع "السيرة الحلبية" من الجزء الثانى (ص - ١٣٧ وما بعدها) . وكان الجذع إلى يسار المحراب أى المصلى ، حيث حقق المقريزى فى "الخطط" والسمهودى فى "الوفا": أن المسجد الشريف لم یکن له محراب فى عهده ◌َّ ◌َّ ولا فى عهد الخلفاء بعده، وإن أول من أحدثه عمر بن عبد العزيز فى أمارة الوليد . ثم إن السمهودى ذكر اختلافاً فى محل الجذع الذى كان يخطب إليه ، هل هو عن يمين المصلى الشريف أو يساره؟ فليراجع . وثبت فى رواية ((أنه مَلٍ سأل الجذع فاختار الآخرة على الدنيا)). من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمى تجد تفصيله فى " الشفا" فى فصل حنين الجذع من المعجزات ، وكذا فى "الوفا". ثم اختلف فى موضع دفنه كما ذكره السمهودي، فقيل : دفن تحت المنبر.