النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ بيان حكم غسل الجمعة وهل هو لليوم أو للصلاة ألزموه على كل محتلم بالغ ذكر أو أنثى حتى الحائض والنفساء ، وهذا شذوذ للظاهرية وخرق للإجماع ، كما يقوله العراقى ، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على من اغتسل بعد الصلاة ، فا .. ، بغسل للسنة ولا الجمعة ولا فاعل ما أمر به ، حكاه العراقى ، وليراجع لمزيد البيان " شرح التقريب" و" الفتح" و"العمدة". قال الشيخ: ونسب إلى مالك وجوبه ، وإنما قلت : نسب، لأن المالكية ربما يطلقون لفظ الواجب على السنة المؤكدة أيضاً . وقال الشيخ فى "تعليقاته" المخطوطة على "الآثار": كثر فى كلام المالكية إطلاق لفظ الواجب على السنة ، كما فى "العمدة" فى الإستماع للخطبة من كلامهم (٣ - ٣١٠) و "الفتح" (١ - ٣٣٦). وهو عند "الباجى" (١ -٢٢٦) اهـ . قال الراقم : يريد بما فى "العمدة" ما قال ابن بطال: استماع الخطبة واجب وجوب سنة عند أكثر العلماء اهـ. وبما فى " الفتح" قوله: أو أراد بأنه واجب وجوب سنة أى متأكد الاستحباب ، ويدل عليه أنه قابله بقول ابن حبيب : هو واجب وجوب الفرائض، وهذا موجود فى عبارة المالكية كثيراً اهـ. ثم اختلفوا فى أن الغسل لليوم أو للصلاة، والمختار الثانى . وربما يدور بالبال أن ههنا مسألتين ، الأولى : مسألة الغسل ليوم الجمعة أو للصلاة ؟ والثانية : مسألة اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة ، فالأولى أن ظاهر الرواية فى مذهب إمامنا أبى حنيفة أنه للصلاة ، وهو قول أبى يوسف، وقال محمد لليوم، وإليه ذهب الحسن بن زياد . وثمرة الخلاف فيمن لا جمعة عليه وفيمن أحدث بعد الغسل مع اتفاق بينهم بعدم اعتباره بعد صلاة الجمعة ، كما قاله قاضيخان ، وهو الذى قدمناه عن ابن عبد البر ، وانتصر عبد الغنى النابلسى للقول الثانى وأيده أيضاً بما فى" المعراج": لواغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة ( ٢ - ٤١ ) ٣٢٢ معارف السنن ج - ٤ سمع النبى وَُّلّ يقول: ((من أتى الجمعة فليغتسل)). وفى الباب عن أبى سعيد وعمر وجابر والبراء وعائشة وأبى الدرداء. قال لحصول المقصود ، وهو قطع الرائحة ، وتفصيله فى "رد المحتار" من الغسل وما فى "المعراج" حكاه فى "العمدة" (٣ - ٢٣٩) عن صلاة الجلانى وأما الثانية فذهب مالك إلى أن المعتبر أن يكون الغسل متصلاً بالذهاب إلى الجمعة ووافقه الليث والأوزاعى فى رواية والجمهور ، قالوا : يجزئ من بعد الفجر، وحكاه ابن المنذر عن الثورى والشافعى وأحمد واسحاق وأبى ثور ، وبه قال ابن وهب من المالكية والأوزاعى فى رواية أخرى ، وهو مذهب كثير من التابعين روى عنهم ابن أبى شيبة فى "مصنفه" كما فى " شرح التقريب" (٣ - ١٦٧ ) وربما يدور بالبال أن المسألتين واحدة ، ويمكن إرجاع الثانية إلى الأولى ؛ ويكون الذهاب بعد الغسل متصلاً بالجمعة عبارة عن عدم تخلل الحدث بين الاغتسال والصلاة ، فإذن مذهب أبى حنيفة فيه مثل مذهب مالك والليث والأوزاعى، وذكر فى "كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " من مذهب مالك: أنه يضح بطلوع الفجر أيضاً ، ولعله مشروط بعدم تخلل الحدث بينه وبين الصلاة والله أعلم. وبالجملة لم أقف على تفصيل فيه ولا على من توجه إلى جمع وفرق بين المسألتين والله سبحانه أعلم . قوله: فليغتسل . بحمله من نسب إلى وجوب الغسل على أن الأمر فيه للوجوب ، والجمهور حملوه على السنية لما سيأتى من قصة عثمان فى الباب ، وللفريقين أدلة وأبحاث ذكرها العراقى فى "شرح التقريب" والحافظ فى " الفتح". والقائلين بالوجوب أيضاً حديث: ((الغسل يوم جمعة واجب على كل محتلم)). رواه الشيخان من حديث أبى سعيد الخدرى، وحمله الشافعى فى أحد الاحتمالين على أنه واجب فى الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، واستدل ٣٢٣ بيان تأكد غسل الجمعة فى الأحاديث أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن صحيح . وروى عن الزهرى عن عبد الله بن عبد اللّه بن عمر عن أبيه عن النبى معَكلّ هذا الحديث أيضاً. له بقصة عثمان مع عمر، وعلى هذا الجواب عول أكثر المصنفين ، كابن خزيمة والطبرى والطحاوى وابن حبان وابن عبد البر وهلم جراً ، قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٠٠): وقد عورض هذا الحديث بأحاديث كثيرة ذكرها الحافظ ، غير أنه ذكر أنها لا تقاومه صحة وقوة . واختلفوا فى بعض كلمات هذا الحديث بعد هذا ، هل هى مرفوعة أو موقوفة؟ أى قوله : " وأن يستن وأن يمس طيباً إن وجد" ، وسئل ابن عباس من غسل يوم الجمعة: (( أواجب هو؟ فقال: لا، ثم أخبر عن بدأ الغسل، فقال: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون وكان مسجدهم ضيقاً، فلما آذى بعضهم بعضاً قال النبي ◌ِّ: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا الخ )) رواه أبو داؤد فى "سننه"، ورواه الطحاوى أيضاً، وفى "الفتح" (٢ _ ٣٠١) وإسناده حسن. وقد أجيب عنه بوجوه ذكرها الحافظ . قلت : ورواه أحمد فى مسنده" ورجاله رجال "الصحيح" كما فى "زوائد الهيثمى" (٢ - ١٧٢ )، وأقوى منه ما عن عائشة مثله عند الشيخين: قالت: ((كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالى فيأتون فى الغبار فيصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم العرق فأتى رسول اللّه عَ لَ﴾ إنسان منهم وهو عندى، فقال النبى عَ الجُّ: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا)). وعن عبد الله بن مسعود قال: ((من السنة الغسل يوم الجمعة)) رواه البزار ورجاله ثقات كما فى " زوائد الهيشمى" (٢ - ١٧٣ ) ومثله عن ابن عمر عنده بإسناد فيه أبو بحر البكراوى وهو متكلم فيه ووثقه العجلى ، وقال البخارى : لم يبين لى طرحه ، وكان يحيى بن سعيد حسن الرأى فيه. وقال أبو حاتم : ليس بقوی یکتب حديثه ولا يحتج به ، وقال ابن عدى ٣٢٤ معارف السنن ج - ٤ حدثنا: بذلك قتيبة نا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عبدالله بن عبدالله ابن عمر عن عبد الله بن عمر عن النبي ◌َّ ◌ُله مثله. وقال محمد: وحديث الزهرى عن سالم عن أبيه ، وحديث عبد الله بن عبد الله عن أبيه كلا الحديثين صحيح . وقال بعض أصحاب الزهرى عن الزهرى قال حدثنى آل عبد الله بن عمر عن ابن عمر: ((بينما عمر بن الخطاب بخطب يوم الجمعة إذ دخل عليه رجل من صَلىالله أصحاب النبي وهو ممن يكتب حديثه . وبالجملة فمثله يصلح شاهداً والله أعلم . ثم إنه إذا ثبت فى بعض الأحاديث السالفة أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة فأصبح حكم الغسل معلوم المعنى ، فالقول مطلقاً بوجوب الغسل اتباع لمجرد ظاهر اللفظ وإلغاء لحكم معلوم المعنى الذى أصبح كالنص قطعياً ، وضعفه لا يخفى على أحد . وبالجملة هذه الروايات كلها صريحة فى عدم الوجوب . قوله : إذ دخل عليه رجل . الرجل المبهم هو عثمان رضى الله عنه . كما قد سماه ابن وهب وابن القاسم فى روايتيهما عن مالك فى " المؤطأ" كذلك، وكذا سماه معمر فى روايته عن الزهرى ، وسماه كذلك أبو هريرة فى روايته لهذه القصة عند مسلم . قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً فى ذلك اهـ من "العمدة" (٣ - ٢٤٠) و"الفتح" (٢ - ٢٩٨). واحتج به الجمهور على عدم وجوب غسل الجمعة حيث أو كان واجباً لما تركه عثمان ، ولأمره عمر بالخروج للغسل كما فى "العمدة" و"الفتح". وقال فى " الفتح": وزاد بعضهم فيه : إن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك ، فكان إجماعاً منهم على أن الغسل ليس شرطاً لصحة الصلاة . قال : وهو استدلال قوى ، وقد نقل الخطابى وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة آهـ. قال فى " شرح التقريب": وقد استدل به على ذلك - أى استحباب الغسل - ٣٢٥ بحث وجوب غسل الجمعة وعدم وجوبه فقال : آية ساعة هذه ؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت النداء وما زدت الشافعى فقال فى رواية أبى عبد الله: فلما علمنا أن عمر وعثمان قد علما أمر رسول الله عَ لّ بغسل يوم الجمعة .... ولم يغتسل عثمان ولم يخرج فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك ولا أحد ممن حضرهما من أصحاب رسول اللّه حَ خلٍّ دل هذا على أن عمر وعثمان قد علما أمر رسول اللّه فَّ بالغسل على الأحب لا على الإيجاب. نقله البيهقى فى "المعرفة"، وذكر الطحاوى مثل ذلك، وقال : ففى هذا إجماع منهم على نفى وجوب الغسل اهـ. قال فى "العمدة" (٣ - ٢٤١ ): وهذه قرينة على أن المراد من قوله فَ التٍّ فى الحديث الذى فيه: "فليغتسل" ليس أمر الإيجاب بل هو للندب، وكذا المراد من قوله (عَ لَّ): واجب أنه كالواجب جمعاً بين الأدلة اهـ. وأجاب الموجبون عنه بأنه يحتمل أن يكون قد اغتسل فى أول النهار، لما ثبت فى "صحيح مسلم" عن حمران: أن عثمان لم يكن يمضى عليه يوم حتى يفيض عليه الماء )). فلعله اقتصر على ذلك الغسل ولم يجدده عند الذهاب. ذكره فى "الفتح" (٢ - ٣٠٠) وذكره العراقى عن ابن حزم ثم رده وقال : فهو مردود حيث دل الحديث على خلافه ، لأن عمر أنكر على عثمان الاقتصار على الوضوء ولم يتعذر عثمان عن ذلك ؛ فلو كان اغتسل لا عتذر بذلك وذكره ولم يكن يتوجه عليه إنكار اهـ. وقد استوفى الرد العراقى على كل ما قاله ابن حزم . وقال الحافظ : وإنما لم يتعذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخر، لأنه لم يتصل غضله بذهابه إلى الجمعة كما هو الأفضل اهـ . قوله : أية ساعة هذه . يستوى فى كلمة " أى" عند تأنيث المضاف إليه تأنيثها وتذكيرها ، والأمران جائزان ، وفى التنزيل : ( بأى أرض تموت ) وقرئ: (بأية أرض ) كما قاله الزمخشرى ، والاستفهام فيه للتوبيخ والإنكار. كأنه يقول : لما تأخرت إلى هذه الساعة وقد انقضت ساعات التبكير التى حض ٣٢٦ معارف السنن ج - ، على أن توضأتَ ، قال: والوضوء أيضاً وقد علمت أن رسول الله صَلَانِ وسيم أمر بالغسل ؟ )). حدثنا بذلك محمد بن أبان نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ح وثنا عبد الله بن عبد الرحمن نا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس عن الزهرى بهذا الحديث. وروى مالك هذا الحديث عن الزهرى عن سالم قال : بينما عمر التى تنتج عليها ، وقد ورد التصريح بإنكار فى رواية أبى هريرة ، فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة، وفى رواية "مسلم": ((فعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء)، ولعله قاله عمر كلمه فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر، هذا ملخص ما فى " شرح التقريب" و"العمدة" و"الفتح" .. قوله : والوضوء أيضاً. الوضوء منصوب أو مرفوع ، والنصب على مهر فعل التقدير أى اقتصرت على الوضوء فقط، والمعنى ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل واقتصرت على الوضوء ، وعلى رواية النصب اقتصر النووى فى " شرح مسلم" وهو المشهور. وأما الرفع فقد جوزه القرطبى على أنه مبتدأ حذف خبره ، والوضوء أيضاً يقتصر عليه ، ورجحه السهيلى . ثم إنه جاءت الرواية بالواو ، وهو إما للعطف على الإنكار السابق أو بدل عن همزة الإستفهام ، كقوله تعالى : قال فرعون: وآمنتم به على قراءة ابن كثير ، واختاره القرطبى ، وثبت الرواية بدونها ، وهو ظاهر ، هذا ملخص " العمدة " و"الفتح" . قوله : روى مالك الخ . بريد أنه اختلف عل الزهرى فى هذا الحديث من جهة الوصل والانقطاع، فالذى يرويه مالك عنه منقطع ليس فيه ذكر ابن معمر، وهو كذلك عند رواة " الموطأ" جميعاً، وقد رواه معمر ويونس عنه. ٣٢٧ بيان أن حديث غسل الجمعة متواتر وعدد من رواه يخطب يوم الجمعة ، فذكر الحديث . قال أبوعيسى: سألت محمداً عن هذا فقال : الصحیح حديث الزهرى عن سالم عن أبيه . قال محمد: وقد روى عن مالك أيضاً عن الزهرى عن سالم عن أبيه نحو هذا الحديث . فروياه موصولاً بذكر ابن عمر فيه ، ورجحه البخارى وأخرجه موصولاً فى "صحيحه"، وقد رواه أصحاب مالك الثقات عن مالك عن الزهرى خارج "الموطأ" موصولاً، منهم: روح بن عبادة وجويرية عند الإسماعيلى، وعبدالرحمن ابن مهدى عند أحمد بن حنبل ، وأبو عاصم النبيل وإبراهيم بن طهمان والوليد ابن مسلم وعبد الوهاب بن عطاء فيما ذكره الدارقطنى فى " غرائب الموطأ "، وكذا وصله القعنبى عن مالك فى رواية اسماعيل القاضى أيضاً . وبالجملة فكذلك اختلف فيه على مالك أيضاً . والواصلون ثقات أثبات ، وقد وصله عن الزهرى من غير طريق مالك كيونس عند "مسلم" و"الترمذى" و "الطحاوى"، ومعمر عند "أحمد" و "الترمذى" و" الطحاوى"، وأبو أويس عند قاسم بن أصبغ، وكذا رواه موصولاً من غير طريق الزهرى جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر عند "الطحاوى" (١ - ٧٠). فثبت أن الوصل صحيح من غير ما شك ، ولذا صححه "البخارى"، ورواه كذلك فى "صحيحه"، هذا كله مأخوذ منقح من "الفتح" و"العمدة" . فائدة : حديث ابن عمر: ((من أتى الجمعة فليغتسل)) حديث متفق عليه. قال الحافظ فى " التلخيص" ( ص - ١٣٧): وعد أبوالقاسم بن منده من رواه عن نافع عن ابن عمر فبلغوا ثلاث مائة ، وعدد من رواه غير ابن عمر فبلغوا أربعة وعشرين صحابياً ، وقد جمعت طرقه فبلغوا مائة وعشرين نفساً اهـ . وذكر فى "الفتح" (٢ - ٢٩٦): أنه اعتنى بتخريج طرقه أبوعوانه فى "صحيحه" فساقه من طريق سبعين نفساً رووه عن نافع قال : وقد تتبعت ما فائه وجمعت ٣٢٨ معارف السنن ج - ٤ (باب ما جاء فى فضل النسل يوم الجمعة) حدثنا : محمود بن غيلان ناوكيع عن سفيان وأبو جناب يحيى بن أبى حية عن عبد الله بن عيسى عن يحيى بن الحارث عن أبى الأشعث الصنعانى عن أوس ابن أوس قال: قال رسول اللّه عَّوجلّ: (( من اغتسل يوم الجمعة وغسل ما وقع لى من طرقه فى جزء مفرد لغرض اقتضى ذلك فبلغت أسماء من روه عن نافع مائة وعشرين نفساً ، فما يستفاد منه هنا ذكر سبب الحديث ففى رواية اسماعيل بن أمية عن نافع عند أبى عوانة وقاسم بن أصبغ: ((كان الناس يغدون فى أعمالهم فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب متغيرة فشكوا ذلك إلى رسول اللّه مَ لج، فقال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل آهـ)). قال الراقم. فإذن استفاد من نفس حديث ابنعمر ما استفاد من حديث ابنعباس عند أبىداؤد، وحديث عائشة عند الشيخين، فلم يبق أقوى حجة للموجبين حجة لهم ، وأصبح حجة للنافين للوجوب ، وكذا لم يبق حاجة للتأول فيه بحديثى عائشة وابن عباس فكان حديث ابن عمر حجة للجمهور بضد أن يكون حجة عليهم ، وزيادة الثقة معتبرة ، فلله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة . -: باب ما جاء فى فضل الغسل يوم الجمعة :- قوله : وغسل . معناه كما قال ابن المبارك : غسل رأسه ، لا كما قال و کيع : غسل امرأته ، أى جامع ، فإنه ورد فى " سنن أبى دائد " من کتاب الطهارة ( باب غسل يوم الجمعة ) من طريق سعيد بن أبى هلال عن عبادة بن نسى عن أوس نفسه: ((من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل )) فتعين ما قاله ابن المبارك رحمه الله تعالى قاله الشيخ . واعلم أن ((غسل)) فى هذا الحديث روى بالتشديد وروى بالتخفيف، ٣٢٩ شرح كلمات حديث: (( من اغتسل يوم الجمعة وغسل وبكر وابتكر ودنا واستمع وعلى الأول الجمهور . وعلى الثانى جماعة من أعلام الحديث ، وهو الأرجح عند المحققين . ثم اختلفوا فى معناه، فقيل للتأكيد ، وقيل للتأسيس ، وعلى الثانى فاختلفوا ، فقيل: غسل الرأس كما قال ابن المبارك ، وإليه ذهب مكحول وسعيد بن عبد العزيز ، وبه قال أبو عبيد الهروى، ويؤيده رواية أبى داؤد كما قال الشيخ ، وسبقه إليه البيهقى ثم النووى ، وقال البيهقى : وهو بين فى رواية أبى هريرة وابن عباس رضى الله عنهم عن النبى حَ الج، ثم وجه افراد الرأس الذكر أنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخطمى ونحوهما، وكانوا يغسلونه أولاً ثم يغتسلون . وقيل : يطأصاحبته، وإليه ذهب عبد الرحمن بن الأسود وهلال ابن يساف من التابعين ، وحكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد ، وقال القرطبى : أنه أنسب الأقوال ، ويؤيده بعض التأييد حديث أبى هريرة فى " الصحيح": ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة الخ)) ووجهه سكون النفس فى الصلاة وغض الطرف فى الطريق ، وقيل : غسل أعضائه ثلاثاً فى الوضوء ، وهذه المعانى الثلاثة فى التشديد والتخفيف مشتركة ، وقيل فى معنى التشديد: غسل غيره ، فيكون كناية عن جماع حليلته ، لأن الزوج أحوجها إلى الغسل ، هذا ملخص ما فى " شرح المهذب" و " نهاية ابن الأثير" و" فتح الحافظ" وغيرها. فیکون فى غسل خمسة وجوه . قوله: بكر وابتكر . قيل: إيرادهما معاً للتأكيد ، وقيل: معنى "بكر" أتى فى أول الوقت وأسرع إليه، وابتكر أى أدرك أول الخطبة . قال الأزهرى . يجوز فيه بكر بالتخفيف والتشديد ، فمن خفف فمعناه : خرج من بيته باكراً ، ومن شدد معناه : أتى الصلاة لأول وقتها ، وكل من أسرع إلى شئ فقد بكر ( ٢ - ٤٢ ) ٣٣٠ معارف السنن ج - ٤ .... إليه ..... ومعنى ابتكر: أدرك أول الخطبة انتهى. ومثله فى " كتاب أبى عبيد الهروى" لكن بكر عنده بالتشديد فقط ، وعلى هذا الفرق عامة المحدثين، ورجحه الحافظ التوربشى، وقال ابن الأنبارى: بكر : تصدق قبل خروجه ، وقيل : بكر راح فى الساعة الأولى ، وابتكر : فعل فعل المبتكرين من الصلاة والقراءة وسائر وجوه الطاعة ، وقيل : ابتكر فعل فعل المبتكرين ، وهو الاشتغال بالصلاة والذكر ، وقيل : تأكيد ومبالغة كما فى "جاد مجد"، وحكاه الخطابى عن الأثرم . هذا ملخص " شرح المهذب" و" النهاية " و"شرح مصابيح السنة " التوربشتى بواسطة " التعليق الصبيح" . قال الشيخ : والمجرد ربما يكون للغير كما يكون المزيد من الافتعال للنفس مثل باع وابتاع وكسب واكتسب . أقول : لعل الشيخ رحمه الله يريد بأن المجرد ربما يكون فيه تحصيل الأمر للغير على حد ما قال ابن فارس فى " فقه اللغة": تقول: " كسب زيد المال وكسبه غيره "، ولعله أراد بخاصة الإفتعال ما ذكره ابن فارس أيضاً : ويكون أى الافتعال بمعنى حدوث صفة فيه نحو اختصر اهـ. ويقول سيبويه فى " الكتاب" (٢ - ٢٤١ ): وقد يبنى على افتعل ما لا يراد به شئ من ذلك كما بنوا على أفعلت وغيره من الأبنية ، وذلك افتقر واشتد ..... وأما كسب فإنه يقول أصاب، وأما اكتسب فهو التصرف والطلب والاجتهاد اهـ. والله أعلم . قال الشيخ: وهذه الضابطة لم يذكرها أحد من علماء التصريف ، وذكر جماعة ، منهم المجد صاحب " القاموس" أن الافتعال لازم، واعترضه صاحب " الجاسوس على القاموس" أنه ربما يكون متعدياً. أقول : ولعل صاحب "القاموس" وغيره أرادوا من ذلك أن الفعل فى المجرد إذا كان متعدياً إلى مفعولين، ففى الافتعال يحتاج إلى مفعول واحد، وإذا كان متعدياً إلى ثلاثة يقتصر فى الافتعال على مفعولين ، فاللزوم إضافى بالنسبة إلى مجرده لا مطلقاً . ٣٣١ حديث وضوء يوم الجمعة وأنصت كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها)). قال محمود فى هذا الحديث : قال وكيع : اغتسل هو وغسل امرأته . ويروى عن ابن المبارك أنه قال فى هذا الحديث: من غسل واغتسل يعنى غسل رأسه واغتسل . وفى الباب عن أبى بكر وعمران بن حصین وسلمان وأبى ذر وأبى سعيد وابن عمر وأبى أيوب . قال أبو عيسى : حدیث أوس بن أوس حديث حسن، وأبو الأشعث الصنعانى اسمه : شرحبيل بن آده . (باب ما جاء فى الوضوء يوم الجمعة ) حدثنا : أبو موسى محمد بن المثنى نا سعيد بن سفيان الجحدرى نا شعبة عن قوله : وأنصت ، فى " مؤطأ مالك" ما يدل على الإنصات للبعيد أيضاً، فأخرج أثز عثمان بن عفان وفيه: ((فاستمعوا وأنصتوا فإن للمنصت الذى لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع ا (هـ)) . قوله : خطوة ، الخطوة : بعد ما بين القدمين ، أى من اليمنى إلى اليسرى ، وهذا التفسير هو المذكور فى " النهاية" و"اللسان" و"الصحاح " و "القاموس" وغيرها. وقيل: من قدم إلى تلك القدم بعينها ، أى من اليمنى إلى اليسرى ثم إلى اليمنى مثلاً، فالبعد على الثانى ضعف الأول . ولم أقف على هذا التفسير والله أعلم . -: باب ما جاء فى الوضوء يوم الجمعة :- حديث الباب حجة الجمهور فى الاقتصار على الوضوء يوم الجمعة ، وحسنه الترمذى، وهو من رواية الحسن عن سمرة، وفى سماع الحسن عنه أقوال ٣٣٢ معارف السنن ج - ٤ قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللّه بحالجيم: ((من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل)). وفى الباب عن أبى هريرة وأنس وعائشة . قال أبو عيسى : حديث سمرة حديث حسن ، وقد روى بعض أصحاب قتادة هذا الحديث عن قتادة عن ثلاثة ، فقيل : لم يسمع منه شيئاً ، وقيل : سمع منه كثيراً ، وقيل: سمع منه حديث العقيقة فقط . الأول : قول يحيى بن سعيد القطان وغيره ، والثانى : قول على بن المدينى بل قال كله سماع ، وكذا حكى الترمذى عن البخارى ، والثالث : قول البزار وغيره ، كما فى " التلخيص" و" التهذيب"، وذكر تقى الدين فى "الإمام": من يحمل رواية الحسن عن سمرة على الاتصال يصحح هذا الحديث، حكاه الحافظ فى "التلخيص". والحديث أخرجه أبو داؤد والنسائى وابن خزيمة وابن حبان أيضاً. قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٠٠): وله علتان ، أحدهما : أنه من عنعنة الحسن ، والأخرى : أنه اختلف عليه فيه اهـ. قال الراقم. له شواهد صحيحة تؤيده فلا تضر العنعنة، وأما قصة الاختلاف فقال الحافظ نفسه فى " التلخيص" ( ص - ١٣٨): وهذا الاختلاف فيه على الحسن وعلى قتادة لا يضر لضعف من وهم فيه ، والصواب كما قال الدارقطنى عن قتادة عن الحسن عن سمرة وكذلك قال العقيلى آهـ . والحديث طرق كثيرة أخرى ضعيفة ، ذكرها الحافظ فى " التلخيص". قوله: فيها، قال فى "التلخيص الحبير" (ص - ١٣٨): حكى الأزهرى أن قوله: (( فبها ونعمت)) معناه: فبالسنة أخذ ونعمت السنة ، قاله الأصمعى ، وحكاه الخطابى أيضاً ، وظهرت تاء التأنيث لإضار السنة ، وقال غيره : ونعمت الخصدة ، وقال أبو حامد الشاركى : ونعمت الرخصة ، قال : لأن السنة الغسل انتهى مختصراً . بيان سماع الحسن عن سمرة وحديث الوضوء وتكفير الجمعة المعاصى ٣٣٣ الحسن عن سمرة. ورواه بعضهم عن قتادة عن الحسن عن النبى عَلَّ مرسل. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌َُّلّ ومن بعدهم: اختاروا الغسل يوم الجمعة ، ورأوا أن يجزئ الوضوء من الغسل يوم الجمعة . قال الشافعى: ومما يدل على أن أمر النبي ◌ٍَّ بالغسل يوم الجمعة أنه على الإختيار لا على الوجوب حديث عمر ، حيث قال لعثمان : والوضوء أيضاً وقد علمت أن رسول اللّه حَلٍّ أمر بالغسل يوم الجمعة ؟ فلو علم أن أمره على الوجوب لا على الاختيار لم يترك عمر عثمان حتى برده ويقول له : ارجع فاغتسل . ولما خفى على عثمان ذلك مع علمه ولكن دل فى هذا الحديث أن الغسل يوم الجمعة. فيه فضل من غير وجوب يجب على المرأ كذلك . حدثنا : هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال : قال رسول اللّه عَلٍّ: (( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ، قوله : غفرله ما بينه وما بين الجمعة الخ . أى من صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة لتصير الأيام بضم الثلاثة الزائدة عشرة . كما قاله النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٢٨٣)، وزاد ابن ماجه فى رواية أخرى عن أبى هريرة ((ما لم تغش الكبائر)) ونحوه لمسلم، قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٢١٠) ودل التقييد بعدم غشيان الكبائر على أن الذى يغفر من الذنوب هو الصغائر فتحمل المطلقات كلها على هذه المقيد ، وذلك أن معنى قوله : ما لم تغش الكبائر، أى فإنها إذا غشيت لا تكفر ، وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر ، إذ اجتناب الكبائر بمجردها يكفرها كما نطق به القرآن ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكفرها إلا اجتناب الكبائر . وإذا لم يكن للمرأ صغائر تكفر رجى له أن يكفر عنه بمقدار ذلك من الكبائر وإلا أعطى من الثواب ٢٢٤ معارف السنن ج - ٤ ومن مس الحصى فقد لغا )) .. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . بمقدار ذلك، وهو جار فى جميع ما ورد فى نظائر ذلك والله أعلم اهـ. ثم إنه ورد فى حديث سلمان عند البخارى لإدراك هذا الفضل من الاغتسال والتنظف والتطيب والإدهان وعدم التفرقة بين الإثنين أيضاً ، وفى أحاديث أخر ما عدا ذلك من أمور كثيرة تبلغ خمسة عشر أمراً ، وقد بينها البدر العينى فى "العمدة" مع تخريج رواياتها كلها ، وذكر هو وكذا الحافظ فى " الفتح " أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما ثبت فى الروايات، فإذن يكون ما ورد فى كل حديث من قبيل حفظ كل ما لم يحفظه الآخر ، فراجع "العمدة" (٣ - ٢٤٩) وما بعدها و "الفتح" (٢ - ٢١٠) والله أعلم. وبالجملة ليس المراد ظاهره من يوم جمعة إلى جمعة وإلا لكان بضم الزائد أحد عشر يوماً . قوله : ومن مس الحصى فقد لغا. كل ما ينهى عنه فى الصلاة منهى عنه فى الخطبة عندنا ، وكذا عند الشافعى فى القديم ، وفى الجديد وسع الأمر وجوز الكلام أيضاً. قال فى "العمدة" (٣ - ٢٥١): إن الكلام مكروه كراهة تنزيه فى الجديد ، وكراهة تحريم فى القديم عند الشافعى . وقال أبو حنيفة ومالك والشافعى فى القديم وعامة الفقهاء : أنه يجب الإنصات للخطبة، واختلفوا إذا لم يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه ؟ فقال الجمهور: يلزمه ، وقال النخعى وأحمد والشافعى فى أحد قوليه : لا يلزمه ، ولو لغا الإمام هل يلزمه الإنصات أم لا ؟ فيه قولان كما فى " العمدة " بيان المذاهب فى أن فضيلة الرواح إلى الجمعة هل هو قبل الزوال أو بعد الزوال؟ ٣٣٥ (باب ما جاء فى التبكير الى الجمعة) حدثنا: اسحاق بن موسى الأنصارى نا معن نا مالك عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول اللّه ◌َّالٍّ قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح -: باب ما جاء فى التبكير إلى الجمعة :- قوله : غسل الجنابة . بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف ، أى غسلاً كغسل الجنابة ، وهو كقوله تعالى: ( وهى تمر مر السحاب ) وفى رواية ابن جريج عن سمى عند عبد الرزاق: ((فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة)) وظاهره أن التشبيه للكيفية لا الحكم، وهو قول الأكثر ، وقيل : فيه إشارة إلى الجماع ، فيستحب أن يواقع زوجته ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه ، ويشهد لذلك حديث أوس الثقفى المخرج فى السنن ، وتقدم عند الترمذى على رواية "من غسل" بالتشديد أو التخفيف إذا جامعها كما تقدم تحقيقه ، هذا ملخص ما فى "العمدة " و" الفتح " قوله : ثم راح ، قال مالك : المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال، واستدل بلفظ "الرواح" فى الحديث ، لأن الرواح: الذهاب بالعشى. كما فى قول الشاعر : أ زواخ مودع أم بكور أنت فانظر لأى ذاك تصير وقال الجمهور : أريد بها الساعات من أول النهار . مذهب مالك حكاه النووى فى "شرح مسلم"، والعينى فى " العمدة" (٣ - ٢٤٥) قال: وبه قال القاضى حسين وإمام الحرمين ، ومذهب الجمهور وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعى وابن حبيب المالكى وأحمد والأوزاعى وابن المنذر ، كما ذكره فى ٢٠٠ ٣٣٦ معارف السنن ج - ٤ فكأنما قرب بدنة ، ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما "المغنى" ( ٢ - ١٤٦ ). وبالجملة يستحب التبكير أول النهار عند جماهير الأمة . والرواح عند الأزهرى وكثير من أهل اللغة يعم الذهاب أول النهار وآخره والليل ، كما فى "العمدة" وغيرها. قال الراقم: إذا وقع الرواح مقابلاً للغدو أو البكور يراد به السير غشياً ، وإلا عم ، وشعر العرب بذلك طافح . واستدل الجمهور بحديث: ((فالمهجر إلى الصلاة كلهدى بدنة الخ )) رواه مسلم والنسائى وابن ماجه من حديث أبى هريرة كما فى "العمدة". وبحديث : ((( من بكر وابتكر الخ )) كما تقدم من حديث أوس بن أوس عند الترمذى ، ورواه أحمد والنسائى وأبو داؤد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه. فالتبكير : الذهاب أول النهار فى البكرة ، كما قال الشاعر : بكرا صاحبى قبل الهجبر واستدل كل بما يوافقه وتأول فى أدلة الخصم . ووقع فى لفظ النسائى فى الملائكة من حديث أبى هريرة نفسه ذكر الساعة السادسة . ففيه ذكر العصفور بين الدجاجة والبيضة فى رواية، وفى أخرى البطة قبل الدجاجة ، كما فى "العمدة" (٣ - ٢٤٤)، وإسنادهما صحيح كما فى "العمدة" (٣ - ٢٤٧). تنبيه : لم أعرف قائل الشعر الأول ، والثانى تمامه : إن ذاك النجاح فى التبكير والشعر هذا مذكور فى "دلائل الإعجاز" للجرحانى، وفى " الإيضاح " و "عروس الأفراح" من كتب البلاغة، وفيه قصة هناك. قوله : قرب بدنة . البدنة تطلق على الإبل والبقر، وخصصها مالك بالإبل شرح حديث الرائحين إلى الجمعة أولاً فأولاً، وبيان أن "التاء" فى مثل بقرة للوحدة ٣٣٧ قرب بقرة ، ومن راح فى الساعة الثالثة ولكن المراد ههن منها الإبل بالإتفاق لمقابلة البقرة ، وتقع على الذكر والأنثى، والتاء للوحدة ، وسميت بها لعظم بدنها . والمراد من الحديث: أى تصدق ببدنة متقرباً إلى اللّه تعالى ، وقيل : المراد بين تفاوت المبادرين إلى الجمعة ، وإن نسبة الثانى من الأول نسبة البقرة إلى البدنة فى القيمة مثلاً، ويدل عليه أن فى مرسل طاؤس عند عبد الرزاق كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة . ووقع فى رواية للزهرى فى " الصحيح" بلفظ: ((كمثل الذى يهدى بدنة)) فكأن المراد بالقربان فى رواية الباب الإهداء إلى الكعبة . قال الطبى: فى لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم المجمعة ، وإن المبادر إليها كمن ساق الهدى، هذا ملخص ما فى " الفتح" و "العمدة" من ( باب فضل الجمعة ). قوله : بقرة . التاء فيها للوحدة وليست للتأنيث ، فهى اسم جنس تقع على الذكر والأنثى ، وكذلك التاء فى اسم كل حيوان كالدجاجة وغيرها ، وعلى هذا أئمة اللغة ، أفاده الشيخ . أقول: كما حكاه فى "العمدة" عن الجوهرى، وفى " اللسان" عن ابن سيدة الأندلسى، وقالا: وإنما دخله الهاء على أنه واحد من جنس اهـ. قال الراقم : وكذلك يفرقون بين الواحد والجنس بالتاء فى تمرة ونمر ولوزة ولوز ، وجوزة وجوز ، وبيضة وبيض وغيرها فى غير حيوان أيضاً . قال الشيخ : غير أن صاحب "الكشاف" ثم صاحب "المدارك" ذكرا: أن قتادة دخل الكوفة فالتف إليه الناس فقال : سلوا عما شئم ؟ وكان أبو حنيفة رضى الله عنه حاضراً وهو غلام حدث ، فقال: سلوه عن ثملة سليمان: أكانت ( ٢ - ٤٣ ) ٣٣٨ معارف السنن ج - ٤ ذكراً أم أنثى؟ فسألوه ، فأفحم ، فقال أبو حنيفة : كانت أنثى، فقيل له : من أين عرفت؟ فقال: من كتاب اللّه، وهو قوله تعالى: (قالت نملة)، ولو كان ذكراً لقال سبحانه: ( قال نملة )، وذلك أن النملة كالحمامة والشاة ، تقع على الذكر وعلى الأنثى ، فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم : حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهى اهـ. أقول: ذكره صاحب "الكشاف" فى " سورة النمل "، وتبعه فى النقل كثير ممن بعده ، كصاحب "المدارك" وصاحب " روح المعانى" وغيرهما. ولم أعرف مأخذ النقل ، ومن العلماء من ينكر صحة هذه الحكاية ، وإليه مال الآلوسي ، ومنهم من يظن ثبوتها فيرد على أبى حنيفة ، كابن المنير وابن الحاجب المالكيين ، ومنهم من ينتصر للإمام أبى حنيفة كالطيبى فى " شرح الكشاف" على ما حكاه الآلوسي فقال بعد تحقيق طويل : فظهر أن القول ما قالت حذام ، والمذهب ما سلكه الإمام اهـ. قال الراقم : وقد ذكر الخطيب فى "تاريخه" (١٣ - ٣٤٨ و٣٤٩) حكاية دخول قتادة الكوفة وسؤال أبى حنيفة إياه فى ثلاث مسائل مسألة بعد مسألة ، ولم يذكر هذه فيها، ولم يقدر قتادة أن يجيب عنها. وهذا مما يؤيد القول نحوتأييد بعدم صحة ما ذكره " الكشاف" وإن كان عدم ذكرها غير دليل فى الواقع على عدم وقوعها والله أعلم . قال الشيخ: وعند جمهور أهل اللغة أن النملة كالحمامة والشاة، اسم جنس يقع على الذكروالأنثى، ولفظها مؤنث ومعناها محتمل فيمكن أن تؤنث لأجل لفظها وإن كانت واقعة على ذكر، ويمكن أن يقال: أن هذا الإستعمال هو الفصيح، ألاترى قوله بجَ الَ: ((لا يضحى بعوراء ولاعمياء ولاجفاء)) كيف أخرج هذه الصفات على اللفظ مؤنثة ولم يرد الأناث منها خاصة. قال الراقم: وبمثل هذا البيان تعقب ابن المنير كلام الإمام واحتج بالحديث المذكور أيضاً . قال الشيخ : ولم أجد من أئمة اللغة من يوافق أبا حنيفة على حسب الحكاية إلا المبرد فى كتابه "الكامل" ون السكيت فى كتابه "إصلاح المنطق" والله أعلم. أقول: وذكر الآلوسى ٣٣٩ شرح كلمات الحديث فى بيان فضل الرواح إلى الجمعة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، فى " تفسيره" لفظ ابن السكيت فيحكى عنه قوله : هذا بطة ذكر ، وهذا حمامة ذكر ، وهذا شاة إذا عنيت كبشاً ، وهذا بقرة إذا عنيت ثوراً ، فإن عنيت به أنثى قلت : هذه بقرة اهـ. وارتضاه الطيبى وانتصر به لقول الإمام كما تقدم بيانه ، وراجع " تفسير الآلوسى" لمزيد البيان والتحقيق. قال الراقم: ونظير هذا ما فى "نصب الرأية" (١ - ٣٨٧). قال المنذرى فى "مختصره" : وفى قوله ◌َّ الراعى: ((ما ولدت؟ قال: بهمة)) ما يدل على أنها اسم للأنثى وإلا فقد علم أن ولدت أحدهما اهـ . قوله : كبشاً . الكبش الفجل من الشاة . قوله : أقرن . قال فى " مجمع البحار": وکبش أقرن أی ذوقرن حسن، وصفه به لأنه أكمل وأحسن صورة، وذكر أيضاً الأقرن عظيم القرن والأنثى قرناء اهـ. قال العينى فى "العمدة"" (٣ - ٢٤٦): وإنما وصف بالأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة، وإن القرن ينتفع به، وفيه فضيلة على الأجم إ هـ . قوله : قرب دجاجة . قال الشيخ: استدل به بعض الناس على جواز أضحية الدجاجة . قلت : لو كان يكفيه هذا القدر فى الحديث لكان له أن يستدل بجواز الأضحية بالبيضة أيضاً فإنه وقع فى حديث الباب القربان بالبيضة أيضاً . ووقع عند النسائى العصفور أيضاً فليقل بها . أقول : أراد به بعض غير مقلدة أهل الهند . قال البدر العينى فى "العمدة" فى صدد بيان فوائد الحديث : وفيه إطلاق القربان على الدجاجة والبيضة ، لأن المراد من التقرب التصدق ، ويجوز التصدق بالدجاجة ونحوهما آهـ . الدجاجة مثلثة الدال والفتح أفصح ، وكذلك جمعها الدجاج مثلثة الدال ، ٣٤٠ معارف السنن ج - ٤ ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر )) . وفى الباب عن عبد الله بن عمرو وسمرة. قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . وتجمع أيضاً بدجائج ، ودجاجات، والتاء فى مثل نظائرها للوحدة ، وسميت بذلك لإقبالها وإدبارها ، فإن الدجيج الدبيب فى السير من " العمدة " بزيادة . قوله : فإذا خرج الإمام إذا كان الإمام خارج المسجد فخروجه يتحقق بدخوله المسجد ، وإن كان فى المقصورة فكذلك بدخول المسجد، وإن کان داخل المسجد فبقيامه من بين الصفوف للخطبة أفاده الشيخ . ويستفاد هذا التفصيل من كتب الفقه، وبالأخص من "البحر الرائق" فى شرح قول صاحب "الكنز": " وإذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام". وقال بعد تفصيل : فالحاصل : أن الإمام إذا كان فى خلوة فالقاطع انفصاله عنها وظهوره للناس وإلا فقيامه للصعود أى على المنبر اهـ . قوله : حضرت الملائكة الخ . ذكر البدر العينى فى "البناية شرح الهداية" نقلاً عن " المبسوط ": استنبط منه الإمام أبو حنيفة عدم جواز الكلام عند الخطبة وإن لم يشرع فيها . والإستدلال بطى الملائكة الصحف عند خروج الإمام المروى فىبعض طرق الحديث عند النسائى فقال: وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام ، فإذا كانوا يتكلمون فهم يكتبون ، قال تعالى : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) اهـ. ومثله فى " البدائع" (١ - ٢٦٤ ). ثم فى الكلام عند الخطبة إذا لم يشرع فيها أو فى جلسة الخطبتين أقوال ثلاثة عند الحنفية. ذكرها صاحب " البحر" وغيره ، فقال فخر الدين الزيلعي شارح "الكنز»: الأحوط الإنصات مطلقاً. وقيل : إنما كان يكره ما كان