النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
بيان معانى الصلاة
قال أبو عيسى : والعلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب هو مولى الحرقة،
والعلاء هو من التابعين ، سمع من أنس بن مالك وغيره ، وعبد الرحمن بن
يعقوب والد العلاء هو من التابعين سمع من أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى .
ويعقوب هو من كبار التابعين قد أدرك عمر بن الخطاب وروى عنه .
وأضيفت الصلاة إليه سبحانه وتعالى، فكيف يستقيم إذن التفصيل المعروف بين
الناس! ؟ وإن لم يكن فى كلمة "صلى" قصر بالمعنى المذكور (ويكون معنى:
"صلى زيد عليه" أنه يدعو له) فينظر هل يراد ذلك المعنى فى الاستعمال؟ وهل
يضاف إلى العباد والملائكة بهذا المعنى أم لا؟ وبالجملة فيشكل، وعلى كل حال
لا أنكر ثبوت ما اشتهر بين الناس عن السلف والله أعلم .
قال الراقم : ويدور بالبال أن المعنى على التقدير الأول يؤول إلى الدعاء
أيضاً ، فإن العبد ليس فى وسعه وطوعه غير أن يدعو الله عزوجل أن يصلى على
نبيه ورسوله وحبيبه، فالعبد كأنه يعترف بالعجز والتقصير فى أداء حقه عَل:
فيتضرع إلى الله تعالى بأن يكافئه عنه، فكان امتثال الأمر باعتراف العجز ودعائه
من الله جل ذكره أن ينوب عنه فى الصلاة عليه كما سبق الإيماء إليه فى كلام
بعض أهل العلم .
وبالجملة على هذا التقدير وبهذا القدر لا يخرج صلاة العبد عليه حَ الج عن
كونها دعاء له من العبد، فصلاة كل ما يليق بشأنه كما أن الصلاة على كل بحسب
ما يليق بمكانه والله سبحانه أعلم .
فائدة تتعلق بمسألة القصر فى الكلام : جرت عادتهم فى اشتقاق مفرد
من مركب تخفيفاً واختصاراً ، فيقولون : "بسمل" ويريدون أنه كتب :
"بسم الله"، أو قال: بسم الله. واستشهد فى "اللسان" بقول الشاعر:

٣٠٢
معارف السنن الي
ج - ٤
حدثنا: عباس بن عبد العظيم العنبرى نا عبد الرحمن بن مهدى عن مالك بن
أنس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده قال : قال عمر بن
الخطاب: (( لا بيع فى سوقنا إلا من تفقه فى الدين)).
هذا حديث حسن غريب .
لقد بسلمت ليلى غداة لقيتها
فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
وهى لغة قديمة ، ثم عمموا هذا الصنيع فى عدة كلمات ، وهى الحوقلة ،
والهيللة ، والحيعلة ، والحمدلة، والسبحلة، والحسبلة ، والمشكنة وغيرها .
وشيخنا رحمه الله تعالى يسميه: قصر نحت أو نحتاً، وأما نحو: سمى، وسبح؛
وكبر وغيرها فليس عنده من هذا القبيل ، وإنما هى اختصار من جزء من
أجزاء المركب لغة مستقلة ، ومن أجل ذلك وهن استدلال المحدثين والشافعية
بقوله : " فكبر" لجملة " الله أكبر"، وذلك لطيف فليحفظ
ثم رأيت "النحت" فى "فقه اللغة" لا بن فارس (ص - ٢٢٧) وعقد
له باباً وقال : والعرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة ، وهو جنس من
الإختصار . ثم أنشد الخليل :
ألم تحزنك "حيلة" المنادى
أقول لها و دمع العين جار
من قوله: "حى على" آهـ. وكذلك وجدته فى "قسم الرياض" (٣ -
٤٦٦) فذكر معنى "البسملة" كتابة" "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال: وهو من
باب النحت كالجوقلة والسبحلة ، وليس بمولد كما قيل لسماعه من العرب، كما
رواه الثقة آهـ. هذا وصلى الله تعالى على صفوة بريه سد المرسلس وخاتم النبيين
محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وحملة دينه وعلماء أمته أجمعين آمين يا رب بعالمين.

٣٠٣
تحقيق لفظ الجمعة وبيان أيام الأسبوع فى الجاهلية
أبواب الجمعة
( باب فضل يوم الجمعة )
حدثنا : قتيبة نا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة
-: باب فضل يوم الجمعة :-
الجمعة بضم الميم على المشهور ، وحكى الواحدى إسكان الميم وفتحها ،
وقرئ بها فى الشواذ . وقال الزجاج: قرئ بكسرها أيضاً ، وفى "الموعب":
من قال بالتسكين قال فى جمعه : جمع ، ومن قال بالتثقيل - أى الضم وغيرها -
قال فى جمعه: جمعات اهـ. ملخصاً من "العمدة" (٣ - ٢٣٢). وذكر
ابن القيم ليوم الجمعة اثنتين وثلاثين خصوصية فى "الهدى"، ولخصها الحافظ فى
" الفتح" (٢ - ٢٩٢) قال: وذكر أشياء أخر فيها نظر ، وترك أشياء
بطول تتبعها اهـ. وقع الخلاف فى تفاضل يوم الجمعة ويوم عرفة ، فقيل :
عرفة أفضل وهو أصح الوجهين عند الشافعية ، وإليه ذهبت الجنفية. كما يستفاد
من "العمدة" وغيرها . وقيل : الجمعة أفضل ، وبه قال أحمد وابن العربى
من المالكية ، وثمرة الخلاف تظهر فى النذر فى أفضل يوم من السنة أو الطلاق
والعتاق وما أشبهها .
قالوا : إن الجمعة إسم اسلامى وكانوا فى الجاهلية يسمونها : "العروبة"
وهذا أحد الأقوال فيها ، قاله ابن حزم ، واكتفى به النووى فى "شرح مسلم"،
وأسماء الأيام السبعة عند العرب فى الجاهلية : أول ، أهون ، جبار ، دار ،
مؤنس ، عروبة، شبار . وتعقب الحافظ فى "الفتح" كلام ابن حزم بما ملخصه :
بأن العرب أحدثوا لها الأسماء المتعارفة اليوم من: السبت والأحد الخ ، بعد ما
كانوا سموها بالأسماء المذكورة القديمة فى الجاهلية ، فقيل : كعب بن لؤى كان
٢٠

٣٠٤
معارف السنن
ج - ٤
حاله قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة
عن النبى
بجمع قومه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبى ،
وبه جزم الفراء وغيره . وقيل : إن قصى هو الذى كان يجمعهم ، ذكره
ثعلب فى " أماليه"، ومن أراد التفصيل فليراجع إلى " العمدة " و" الفتح" ،.
وفى "شرح التقريب" ذكر من أسماء الجمعة: الحربة، ويوم المزيد، وحج
المساكين ، وذكر مآخذها ، فليراجع من (٣ - ١٥٩).
والجمعة عند الحنفية فرضت بمكة ، ولم يتمكنوا من أدائها هناك لعدم
القدرة والسلطة، ثم هاجر ◌َّ ◌ِّ إلى المدينة فوصل إلى قباء وأقام فى بنى عمرو
ابن عوف أربعة عشر يوماً ولم يجمع فيها، وذلك لفقد شرط من شرائط وجوب
الجمعة وهو المصر ، ثم لما وصل المدينة جمع هناك ، وقد فصله مولانا الشيخ
الفقيه المحدث رشيد أحمد الكنكوهى فى رسالته سماها : "أوثق العرى فى تحقيق
الجمعة فى القرى " . وكذا بسطه صاحبه الشيخ المحقق محمود حسن الديوبندى
فى كتابه: "أحسن القرى فى بيان الجمعة فى القرى"، وكذا الشيخ ظهير أحسن
النيموى فى رسالته: "جامع الآثار"، وكذا فى "آثار السنن" و" تعليقاته"،
وسيأنى بعض بيانه إن شاء الله تعالى فى (باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجمعة ).
وأنكر الخصم فرضيتها بمكة ، قال : وإنما فرضت بالمدينة . والسيوطى يقول
فى "الإتقان" من الجزء الأول فى النوع الثانى عشر : إن آية الجمعة مدنية ،
والجمعة فرضت بمكة ، وذكر عدة أمثلة مما تأخر حكمه عن نزوله وما تأخر
نزوله عن حكمه. وذكر من أمثلة الثانى آية الوضوء فإنها مدنية ، وفرض
الوضوء بمكة ، وهذا الأصل ذكره عن الزركشى وابن الحصار . وأمثال
الثانى : ذكر عن ابن عبد البر ، وأيد السيوطى تشريع الجمعة بمكة بقصة إقامة
أسعد بن زرارة الجمعة بالمدينة قبل مقدم رسول اللّه فَّ الج من مكة، كما رواه

٣٠٥
بحث إقامة الجمعة فى القرى وبيان فضل الجمعة
فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ،
ابن ماجه ، وعزاه فى "العمدة" و" الفتح" إلى تفسير عبد بن حميد عن ابن
سيرين. وذكر الحافظ أن سنده صحيح. أنظر "الفتح" (٢ - ٢٩٢). قال
الراقم : وقصة إقامة أسعد بن زرارة أخرجها أبو داؤد فى " سننه " فى ( باب
الجمعة فى القرى) مفصلة من رواية عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه فى
حرة بنى بياضة بنقيع الخضمات بإسناد فيه محمد بن اسحاق بالعنعنة ، ورواه
الحاكم فى " المستدرك" (١ - ٢٨١ ) وابن اسحاق صرح فيها بالتحديث ،
وصححه الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي ، ورواه ابن حبان والبيهقى كما فى
"الدر المنثور"، وتجدها فى كتب الصحابة: "أسد الغابة" و"الإصابة" من
أسعد بن زرارة، ونقيع الخضمات من توابع المدينة فلا يستقيم به الحجة فى الجمعة
فى القرى ، علا أنه كان هذه الإقامة برأيه من غير أن يكون أمر من الشارع
والله أعلم . ثم لا يقال : إن وجه عدم أداء الجمعة فى بنى عمرو بن عوف قلة
الناس لأنهم كانوا هناك أكثر من أربعين نفساً .
قوله : فيه خلق آدم الخ . ذكر فيه إخراج آدم من الجنة ، وهو لا يليق
بفضل يوم الجمعة على ظاهره ، فقيل : الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست
لذكر فضيلته ، لأن إخراج آدم وقيام الساعة لا يعد فضيلة، وإنما هو بيان لما
وقع فيه من الأمور العظام ، وقيل : خروج آدم من الجنة وجود الذرية وهذا
النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء، ولم يخرج منها طرداً
كما كان خروج إبليس ، وإنما كان خروجه مسافراً لقضاء أوطار ثم يعود إليها،
فكان الخروج لجعله خليفة فى الأرض ، فهو إذن فضل ومزية . والقول الأول
قاله الحافظ القاضى عياض فى "شرح مسلم"، والقول الثانى للقاضى ابن العربى
( ٢ - ٣٩ )

٣٠٦
معارف السنن
ج - ٤
ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة)) .
وفى الباب عن أبىلبابة وسلمان وأبىذر وسعد بن عبادة وأوس بن أوس .
قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح. (وتعليقه فى آخر هذاالجزاء)
( باب فى الساعة التى ترجى فى يوم الجمعة )
حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمى البصرى نا عبد الله بن عبد المجيد الحنفى
فى "شرح الترمذى"، وذكرهما النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٢٨٢) فى
كتاب الجمعة .
قال الشيخ : وربما يجرى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمر ظاهره
لا يليق بحالهم غير أنه يكون فى الحقيقة أصلح لشأنهم ويكون فيه لله حكمة
وسر ؛ والصوفية يسمونه فى إصطلاحهم بالتدبير ، ومن ذلك القبيل تربية موسى
عليه السلام فى بيت فرعون ، وكان ظاهره غير لائق به ، ولكن الغرض كان
هو إظهار قدرة الله الحكيمة فى بديع تدبيره من تربيته بيد عدو، وقيام عدوه
بتربية من يكون سبباً لزوال ملكه وسلطانه مع شدة حرص فرعون على دوام
مملكته . فهذا من عجيب صنع الله فى خلقه ليشاهدوا أن التقدير يسبق التدبير ،
وإن التقدير لا يزاحمه التدبير . وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء الأنبياء
والصديقين وغيرهم ، وفيه إظهار كرامتهم وشرفهم .
قوله : ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة . وفى "العرف الشذى": وورد فى
حديث قوى أن قيام الساعة يكون يوم عاشوراء عاشر المحرم فيكون العاشوراء
يوم الجمعة . أقول : لم أقف عليه فلينظر .
-: باب فى الساعة التى ترجى فى يوم الجمعة :-
فى هذه الساعة المرجوة المحمودة خمسة وأربعون قولاً ، ذكرها كلها

٣٠٧
بيان الأقوال الخمسة والأربعين فى ساعة الجمعة
نا محمد بن أبى حميد نا موسى بن وردان عن أنس بن مالك عن النبى عَ ل قال:
السيوطى فى "تنوير الحوالك"، وذكر فى " التوشيح" منها اثنين وعشرين
قولاً بعد التصريح بأن الأقوال كلها خمسة وأربعون ، وقد اختلف الصحابة
والتابعون ومن بعدهم: هل هذه الساعة باقية أو رفعت؟ وعلى الأول: هل هى
فى كل جمعة أو واحدة من كل سنة ؟ وعلى الأول : هل هى وقت معين
أو مبهم؟ وعلى التعيين: هل يستوعب الوقت أو مبهم؟ وعلى الإبهام: ما ابتداؤه
وما انتهاؤه ؟ وعلى كل ذلك هل يستغرق الوقت أو بعضه ؟ وهذه هى أصول
الأقوال. وذكر الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٣٤٥ وما بعدها ) منها اثنين
وأربعين قولاً ، ثم ذكر قولاً آخر لشيخه الجزرى فى " الحصن الحصين"،
وذكر قولاً لابن القيم ، فإذن كل ما ذكره أربعة وأربعون قولاً ، وكذا ذكر
البدر العينى أربعين قولاً فى "العمدة" (٣ - من ٣٢٥ إلى ٣٢٨). وكل
ذكر أدلتها وبيان حالها فى الصحة والضعف والرفع والوقف والإشارة إلى مآخذ
أكثرها ، وقالا: ليست كلها متغايرة من كل جهة بل كثير منها يمكن إتحاده مع
غيره اهـ. قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٥١): قال ابن المنير: إذا علم
أن فائدة الإبهام لهذه الساعة ولليلة القدر بعث الداعى على الإكثار من الصلاة
والدعاء ، ولو بين لاتكل الناس على ذلك وتركوا ماعداها . فالعجب بعد ذلك
ممن يجتهد فى طلب تحديدها اهـ . قال الراقم: الإبهام كان أصلح للسلف الصالحين
من الصحابة والتابعين ، والتعيين أرفق للناس كافة بعدهم أجمعين ، فرحم الله
الأسلاف حيث بذلوا مجهودهم فى التعيين والترجيح لما تفرسوا من جهود
الأخلاف ، ولولا ذلك لربما أعرض عنها كثير من الناس للمشقة عليهم فى
التفرغ لها يوماً كاملاً فحرموا من بركتها بالكلية ، فلاريب أن التعيين أرفق
بالناس وأصلح القرون المتأخرة .

٣٠٨
معارف السنن
ج - ٤
(التمسوا الساعة التى ترجى فى يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس)).
ثم الظاهر أنها ساعة لطيفة ، ففى حديث أبى هريرة فى "صحيح البخارى":
((وأشار بيده يقللها))، وفى رواية: ((يزهدها)» فى " صحيح مسلم " عن
أبى هريرة، وهى ساعة خفيفة، وفى حديث أنس عند الطبرانى فى "الأوسط»:
((وهى قدر هذا يعنى قبضة))، ذكره البدر والشهاب. وفى "الفتح" (٢ -
٣٤٥) : قال الزين بن المنير : الإشارة لتقليلها هو للترغيب فيها ، والحض
عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها اهـ . قال ابن عابدين فى "شرح الدر المختار":
يختلف وقتها بالنسبة إلى كل بلدة وكل خطيب ، لأن النهار فى بلدة يكون ليلاً
فى غيرها ، وكذلك وقت الظهر فى بلدة يكون وقت عصر فى غيرها ، لما قالوا
من أن الشمس لا تتحرك درجة إلا وهى تطلع عند قوم وتغيب عند آخرين والله
أعلم . قال الراقم : وهذا أمر مقطوع به ، وصرحوا به فى ساعة ثلث الليل
وأوقات الكراهة ، فكذلك الحكم فى كل ما يختلف فيه المطالع .
واكتفى منها بقولين اتباعاً للشيخ رحمه الله، أحدهما: أنها بعد صلاة العصر
إلى غروب الشمس ، وهذا القول اختاره أبو حنيفة وأحمد بن حنبل ، وهذا هو
القول الخامس والثلاثون مما ذكره الحافظان فى شرحى الصحيح "العمدة" (٣
- ٣٢٧) و "الفتح" (٢ - ٣٤٨).
والثانى : بعد أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ، واختاره الشافعية،
وهو القول الخامس والعشرون فى ترتيب الحافظين فى الشرحين . وابن الزملكافى
الشافعى اختار الأول، كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٥١) قال :
ويحكيه عن نص الشافعى ، وأيضاً قال الحافظ : ولا شك أن أرجح الأقوال
المذكورة حديث أبى موسى وحديث عبد الله بن سلام اهـ .
وقيل: يرد على الثانى أنه ليس ذلك وقتاً للدعاء، وأجيب بأن الدعاء عندهم

٣٠٩
بيان أن أكبر مظنة ساعة الجمعة وقتان
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب من هذا الوجه . وقد روى هذا
يجوز فى سكتات الخطبة ، وكذا يجوز عندهم الدعاء أثناء الصلاة وإن لم يكن
من المأثور ، وعندهم فى الدعاء بكلام الناس سعة ضدما عندنا من الضيق ،
فتفسد الصلاة عندنا بدعاء یشبه کلام الناس . و دلیل القول الثانى رواية أبى موسى
الأشعرى فى "صحيح مسلم"، وحجة القول الأول رواية السنن من " سنن النسائي"
و "جامع الترمذى". قال الشيخ: وكذا ثبت عن ابن مسعود عند أحمد فى
"مسنده". ولم أجده فى "ترتيب المسند"، نعم وقع فى ضمن حديث أبى هريرة:
" قال عبد الله: هى آخر ساعة من يوم الجمعة" غير أنه أريد هناك عبد الله بن
سلام ألبتة. أنظر "ترتيب المسند" (٦ - ١٧). وقال أحمد: أكثر الأحاديث
على ذلك ، كما حكى الترمذى .
ثم اختلفوا فى الحدیثین فقيل بالتوفيق بینھا، و قیل بالترجيح، وعليه الأكثرون
ثم اختلفوا بالترجيح، فرجحت الشافعية حديث مسلم على حديث السنن، ورجح
الحنفية والحنابلة حديث السنن . قال الحب الطبرى : أصحالأحاديث فيها حديث
أبى موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام آهـ. وقال البيهقى بإسناده
إلى مسلم : أنه قال: حديث أبىموسى أجود شئى فى هذا الباب وأصحه ، وبذلك
قال البيهقى وابن العربى وجماعة آخرون . وقال القرطبى: هو نص فى موضع
"الخلاف فلا يلتفت إلى غيره. وقال النووى: هو الصحيح بل الصواب، وجزم
فى "الروضة": أنه هو الصواب ، ورجح أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً فى أحد
الصحيحين ، وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذى
عن أحمد أنه قال : أكثر الأحاديث على ذلك ، وقال ابن عبد البر : إنه أثبت
شئى فى هذا الباب، ورجحه كثير من الأئمة كأحمد واسماق، ومن المالكية الطرطوشى
هذا كله مأخوذ من "العمدة" و"الفتح"، وفى " الدر المختار" من كتب أصحابنا

٣١٠
معارف السنن
ج - ٤
الحديث عن أنس عن النبى عَ لَّ من غير. هذا الوجه ، ومحمد بن أبى حميد
عن "التاتار خانية": أنه إليه ذهب مشائخ الحنفية .
وبالجملة لا شك أن القولين أصح الأقوال، وما عداهما إما موافق لهما
أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف
كما يقول الحافظ ابن حجر
ثم اختلفوا فى أيهما أرجح؟ كما تقدم تفصيله. قال الشيخ : ودرجة أحمد
فى الحديث فوق درجة مسلم ، وكذا أعل أحمد رواية مسلم بالانقطاع فالمنقطع
دون المسند المتصل ، وكذا أعل بكونه من قول أبى بردة وإنه لم يرفعه غير مخرمة
عن أبيه . أقول : أما علة الانقطاع فإن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه ، قاله
أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبى مريم عن موسى
ابن سلمة عن مخرمة ، فوجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف فى
دعوى الانقطاع .
وأما العلة الثانية من الاضطراب فقد رواه أبو اسحاق والأحدب وصوية
ابن قرة وغيرهم ضى أبى بردة من قوله: وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفى،
فهم أعلم بحديثه من بكير المدنى، وهم عدد وهو واحد ، ولهذا جزم الدار قطنى
بأن الموقوف هو الصواب، وهذا الحديث مما استدركه الدار قطنى على مسلم . قال
العراقى: فلا شك أن الأحاديث الواردة فى كونها بعد العصر أرجح لكثرتها واتصالها
بالسماع ، ولهذا لم يختلف فى رفعها والاعتضاد بكونه قول أكثر الصحابة ، ففيها
أوجه من وجوه الترجيح . وفى حديث أبى موسى وجه واحد من وجوه
الترجيح ، وهو کونه فى أحد " الصحیحین" ، ولکن عارض کونه فى أحدهما
أمران، ثم ذكر العلتين المذكورتين، هذا ملتقط من "العمدة" و"الفتح" جميعاً.
وبعض المحدثين يوفقون بين الروايتين بأن ساعة الإجابة منحصرة فى كلا

٣١١
تحقيق أن ساعة الجمعة بعد العصر
يضعف ، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه . ويقال له : حماد بن أبى حميد ،
الوقتين ، منهم ابن القيم كما قاله فى "الهدى"، وحكاه الحافظ فى " الفتح" عنه
(٢ - ٢٥١) قال: وهذا كقول ابن عبد البر الذى ينبغى الاجتهاد فى
الدعاء فى الوقتين المذكورين قال: وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد وهو أولى فى
طريق الجمع اهـ. ومنهم الشاه ولى الله فى " حجة الله البالغة" فى بيان الجمعة
غير أنه قال بعد ذكر الوقتين : وعندى أن الكل بيان أقرب مظنة وليس بتعيين
اهـ. وابن القيم ممن يجزم بها والله أعلم. قال الشيخ: وهو المختار. وأما وجه
ترجيح الحنفية أن الساعة بعد العصر فهو ما صح فى بعض الروايات من أن خلق
آدم فى آخر ساعة من يوم الجمعة ، عزاه ابن كثير فى "تفسيره" وفى "تاريخه"
(١ - ٩١) إلى مسلم فى حديث أبى هريرة، ولم أقف عليه فى " صحيحه "
والله أعلم. قال الشيخ: وكذلك وقع التصريح به فى " التوراة" .. أقول:
ولعله فى سفر التكوين ولم أقف عليه فيما عندى من نسخة " التوراة" المترجمة
باللغة الأردوبة . قال الشيخ : وإن قيل أن التوراة الموجودة اليوم بأيدى الناس
محرفة فكيف يصح به الاحتجاج؟ قلت : فى وجه التحريف أقوال ثلاثة ،
فذهب جماعة إلى أن التحريف فيها معنوى ، وقال طائفة : فيها تحريف لفظى
ولكنه قليل ، وقالت طائفة: لفظى ومع ذلك كثير . أقول : والأقوال الثلاثة
ذكرها فى " الفتح" (١٣ - ٤٣٦)، وذكر قولاً رابعاً أنه بدلت كلها ،
وتعقبه الحافظ وأرجعه إلى الثالث ، والقول الأول قول ابن عباس ، واختاره
البخارى والشاه ولى الله الدهلوى، ورواية ابن عباس أخرجها البخارى فى
."صحيحه" (٢ - ١٢٧) (باب قول الله بل هو قرآن مجيد الخ ) من كتاب
الرد على الجهمية معلقاً من قوله مع احتمال أنه من كلام البخارى نفسه لا من
كلام ابن عباس، ويعارضه ما فى " صحيح البخارى" نفسه عن ابن عباس قال.

٣١٢
معارف السنن
ج - ٤
ويقال : هو أبو ابراهيم الأنصارى وهو منكر الحديث . ورأى بعض أهل
كيف تسألون عن أهل الكتاب عن شى وكتابكم الذى أنزل على رسوله أحدث
تقرؤنه مضاً لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه
وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، أخرجه
الآلوسي فى "تفسيره" فى قوله تعالى: ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) .
والثانى : اختاره ابن تيمية فى كتابه : " الرد الصحيح على من بدل دين
المسيح" كما حكاه الحافظ فى " الفتح"، غير أن كلامه مضطرب فى ذلك
فقد اختاره فى " فتاواه": أنه لم يقع تبديل إلا فى المعانى، وقد أبطله الحافظ
فى " الفتح"، وتجد فى كلام ابن حزم فى " الملل والنحل" ما يرد مثل هذا
الكلام رداً مشبعاً ، وهو مخالف للنصوص القرآنية ، ويكاد يكون هذا القول
مخالفاً لبداهة العقول بل هو مخالف ألبتة .
قال الشيخ : وكنت أظن أنه وإن سعى المحرفون فى تصحيف "التوراة"
جداً غير أنه يمكن أن توجد نسخة صحيحة تخلو عن التحريف ، فليس من
المحال وجود نسخة صحيحة غير محرفة على وجه البسيط ، قال : ثم رأيت ابن
تيمية سبقنى إلى مثل ذلك . أقول : ولعله فى كتابه : " الرد الصحيح "،
وذكر مثله صاحبه ابن القيم فى "هداية الحيارى" ولكنه تقرر عندهم أن
بخت نصر لما غزا بيت المقدس وأباد بنى اسرائيل بين قتلى وأسرى وأحرق كتبهم.
حتى جاء عزير عليه السلام بعد مدة طويلة فأملى "التوراة" عليهم من ظهر قلبه،
فهى التى ظهرت على وجه الأرض ، ثم لم تزل تعبث بها أيدى المحرفين لمقاصد
شتى فى بلاد شتى، فيشكل إذن وجود نسخة صحيحة فى الدنيا إلا أن يكون ذلك
احتمالاً بعيداً والله أعلم. واستدل ابن تيمية على قلة التحريف فيها بكثير من
الآيات والآحاديث

٣١٣
بيان أن ساعة الجمعة بعد العصر وكذلك فى التوراة
العلم من أصحاب النبي ◌ٍِّ وغيرهم: أن الساعة التى ترجى بعد العصر إلى أن
تغرب الشمس . وبه يقول أحمد واسحاق ، وقال أحمد : أكثر الحديث فى
فمن الآيات قوله: "فأتوا بالتوراة فاتلوها" (آل عمران آية ٩٣ ).
ومن الأحاديث قصة رجم اليهود ، وفيه وجود آية الرجم ، وصح ذلك
من حديث عبد الله بن عمر فى "الصحيحين"، وفيه: قال عبد الله بن
سلام: ((كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده
على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال عبد الله بن سلام : ارفع يدك ،
فإذا فيها آية الرجم الخ)). قال الشيخ: وكذلك عبد الله بن سلام ينقل من
"التوراة" كما نقلت: أن تلك الساعة بعد العصراهـ. أقول: ففى "ترتيب المسند"
(٦ -١٥) عن عبد الله بن سلام قال: قلت - ورسول اللّه مَيخيّ جالس -:
إذا نجد فى كتاب الله فى يوم الجمعة ساعة الخ)) وفيه: ((قال أبوسلمة": أية
ساعة هى ؟ قال: آخر ساعات النهار الخ)»، ورواه ابن ماجه مثله ، وبقية
أصحاب السنن من حديث أبى هريرة عن عبد الله بن سلام من قوله . واستدلال
عبد الله بن سلام من التوراة أيضاً يدل على أن التوراة إذ ذاك لم يقع فيها التحريف
إلا قليلاً. قال الشيخ: فإن قيل إذا كانت ساعة الجمعة فى آخر ساعة من النهار بعد
العصر وفضل اليوم الجمعة لأجل تلك الساعة فكان الملائم أن تكون صلاة الجمعة فى
تلك الساعة لا أن تتقدمها؟ قلت: إن التوطئة والتمهيد يتقدم المقصود، وربما يشغل التمهيد
وقتاً أكثر من وقت المقصود ، ألا ترى إلى فريضة الحج فإن الغرض الأصلى هو
وقوف عرفة ويتقدمه أفعال وأمور، كل ذلك تمهيد له ، فكذلك نقول : التمهيد
يبتدأ بعد الزوال، والمقصود بعد العصر ويؤيده ما عن كعب الأحبار أنه كان مائلاً
إلى أن الساعة رحمة من الله سبحانه للقائمين بحق هذا اليوم اهـ . حكاه الغزالى فى
( م - ٤٠ )

٣١٤
معارف السنن
ج - ٤
الساعة التى ترجى فيها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر ، وترجى بعد زوال
الشمس .
"الإحياء" (١ - ١٦٢) طبعة القاهرة مع التخريج. ولم يتكلم الحافظ العراقى
عليه بشئ فى تخريجه. قال: ومن ههنا أقول أن معنى قوله بحَّ الٍّ: "لا يوافقها
عبد مسلم يصلى قائماً الخ " أى يأتى بصلاة الجمعة قائماً بحقوقها. وكذلك يشترط
فضل الساعة لمن يأتى بصلاة العصر بحقوقها. فمعنى قوله: ((وهو قائم بصلى))
أن يداوم على الصلوات لا أن يكون مصلياً فى تلك الحالة ويدعوفيها، فإذن لا
نحتاج إلى تأويل فيه بأن المراد بقوله : " يصلى" أى ينتظر الصلاة، بل يريد
أن فضل الوقت المحمود يستحقه من يصلى دائماً وعلى الأخص يصلى الصلاة التى
هى مقدمة لتلك الساعة المقصودة . وبالجملة فما وجدته عن كعب الأحبار يؤيد
هذا . ولفظ الشيخ فى " تعليقاته" على "الآثار": قوله: ((وهو قائم يصلى))
لعل المراد به أنه ممن يقيم الصلاة ، والانتظار بعدها زائد بالأحاديث الأخر لا
مدلول هذا الحديث ، وقوله : " قائم" كقولهم: " فلان قائم الليل وصائم
النهار"، وراجع حديث "مسلم": ((مررت بموسى ليلة أسرى بى عند
الكثيب الأحمر وهو قائم يصلى)). وحديثه الآخر فى موسى وعيسى وابراهيم
بهذا اللفظ . وحديث "البخارى" (ص - ٤٧٤): ((فأخدمها فأتيته وهو
قائم يصلى)) مع قوله تعالى: ( أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً ) ومع
ما فى "الفتح" من (باب المعراج) من رواية أبى عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن
أبيه: (( ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد ، ثم
أقيمت الصلاة فأمتهم)) - إلى أن قال : ثم رأيته فى " الإتحاف" (ص -
٢٨٢) و"الإحياء" اهـ.
قال الراقم : ويجاب من أصل الإيراد بأن الساعة من جملة تلك الفضائل،

٣١٥
بيان خلق الكائنات فى الأيام الستة وخلق آدم يوم الجمعة
حدثنا : زياد بن أيوب البغدادى نا أبو عامر العقدى نا كثير بن عبد الله
ابن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده عن النبي ◌َّ لّه قال: ((إن فى
ففيه خلق آدم وفيه أنزل وفيه تقوم الساعة إلى غيرها من الفضائل .
فائدة : قال الشيخ : دل حديث أبى هريرة فى " صحيح مسلم " على أن
الخلق ابتدأ يوم السبت ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة ، فيستفاد منه أن
الخلق استمر إلى سبعة أيام ، ويخالفه ظاهر القرآن حيث نص على أن خلق
الأرض والسماوات وما بينهما فى ستة أيام ، وإذا كان إنتهاء الخلق بآدم وخلق
هو يوم الجمعة يلزم أن يكون بدأ الخلق من يوم الأحد دون السبت ، وإن
السبت لم يكن فيه خلق شى ، ولذا أعله جماعة ، منهم البخارى بأن أباهريرة
سمعه من كلام كعب الأحبار ، كما ذكره ابن كثير . أقول : قال فى تفسيره
فى قوله تعالى: (هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً) الآية من " البقرة":
وقد ذكر ابن أبى حاتم وابن مردويه فى تفسير هذه الآية الحديث الذى رواه
مسلم والنسائى فى التفسير أيضاً من رواية ابن جريج قال أخبرنى اسماعيل بن
أمية عن أيوب بنخالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبى هريرة
قال: ((أخذ رسول اللّه عَ لّ بيدى فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق
الجبال فيها يوم الأحد ، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين ، وخلق المكروه يوم
الثلثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ،
وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين
العصر إلى الليل)). وهذا الحديث من غرائب " صحيح مسلم"، وقد تكلم عليه
على بن المدينى والبخارى وغير واحد من الحفاظ ، وجعلوه من كلام كعب،
وإن أباهريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار ، وإنما اشتبه على بعض الرواة
فجعلوه مرفوعاً، وقد حرر ذلك البيهقى اهـ. وقد أخرج ابن كثير قبله.

٣١٦
معارف السنن
ج - ٤
الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه. قالوا : يا رسول الله
أية ساعة هى ؟ قال : حين تقام الصلاة إلى انصراف منها )).
بقليل عن ابن جرير بإسناده عن عبد الله بن سلام أنه قال: ((إن الله بدأ الخلق
يوم الأحد ، فخلق الأرضين فى يوم الأحد والإثنين ، وخلق الأقوات والرواسى
فى الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السماوات فى الخميس والجمعة ، وفرغ فى آخر
ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على مجل ، فتلك الساعة التى تقوم فيها
الساعة ١ هـ)). وقد بسط الكلام فى هذا الصدد فى تاريخه " البداية والنهاية "
بسطاً شافياً فليراجعه من شاء ( ١ - ١٥ إلى ١٨ ). ومما ذكر عن محمد :
جرير بإسناده عن محمد بن اسحاق : يقول أهل التوراة : ابتدأ اللّه الخلق يوم
الأحد، ويقول أهل "الإنجيل": ابتدأ اللّه الخلق يوم الإثنين، ونقول نحن
المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول اللّه عَ ل: ((ابتدأ الله الخلق يوم السبت اه)).
وذكر أن ما نقله ابن اسحاق من المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء الشافعية ،
والقول بأنه الأحد عن جماعة من الصحابة أبى مالك وابن عباس وعبد الله بن
سلام ، قال : واختاره ابن جرير وهو نص التوراة ، ومال إليه آخرون من
الفقهاء ، وهو أشبه بلفظ الأحد ، ولهذا كمل الخلق فى ستة أيام ، فكان
آخرهن الجمعة ، فاتخذه المسلمون عيدهم فى الأسبوع إلى آخر ما بسط الكلام .
قال الشيخ : والمختار أن بدأ الخلق يوم السبت والنهاية يوم الخميس ،
ثم استوى الله سبحانه وتعالى على العرش كما يليق بجلال ذاته وكبريائه من غير
تكييف وتمثيل وتشبيه ، ثم خلق الله سبحانه آدم يوم الجمعة بعد برهة من الدهر
طويلة لا فى جمعة متصلة بتلك الأيام الستة فى أسبوع واحد ، والتمسك على
ظاهر القرآن أولى وأقوى . أقول : إن بدأ الخلق يوم السبت اختاره السهيلى فى
"الروض الأنف" من الجزء الأول مع بيان أسرار غامضة دقيقة فى فضل يوم

٣١٧
بيان أن أكثر الأحاديث على أن ساعة الجمعة بعد العصر
وفى الباب عن أبى موسى وأبي ذر وسلمان وعبد الله بن سلام وأبى لبابة
وسعد بن عبادة .
. حديث عمرو بن عوف حديث حسن غريب
قال أبو عيسى
الجمعة فليراجع (١ - ٢٧٠ و٢٧١). قال الشيخ: ثم إن تلك الأيام
الستة التى ذكرها الله سبحانه فى التنزيل هل هى فى أسبوع واحد أو من أسابيع
متفرفة ؟ وانظاهر الأول ، ولكن كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون .
أقول : حكاه ابن كثير فى " تاريخه" عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب
الأحبار ، واختاره أحمد وابن جرير وطائفة من المتأخرين ، وذكر أن الجمهور
على أنها كأيامنا هذه . وبالجملة اختلف المفسرون فيها على القولين .
قوله : وفى الباب ، أى فى فضل ساعة الجمعة مطلقاً لا فى تعيينها بكونها
بعد العصر . ودليل ذلك أنه أشار إلى حديث أبى موسى ، وقد أخرجه مسلم ،
وفيه من وقت الخطبة إلى انتهاء الصلاة كما تقدم ، وبقية الأحاديث المشار
إليها أكثرها على أنها بعد العصر كما تجد بعضها فى " مسند أحمد " وبعضها فى
" الفتح" و" العمدة ".
قوله : حسن غريب . فيه كثير بن عبد اللّه اليشكرى ضعفوه ، وضرب
على حديثه أحمد بن حنبل فى "مسنده" ولم يخرج عنه ، وقال أحمد : هو منكر
الحديث وليس بشتى ، وكذبه الشافعى فقال : أحد الكذابين ، أو أحد أركان
الكذب، وكذا كذبه أبو داؤد. أنظر ترجمته فى " التهذيب" (٨ - ٤٢٢).
قال الشيخ : ولا أعلم كذبه ، ونه الترمذى والبخارى ، تحسين
البخارى تجده فى "التهذيب". ثم إن العراقى كما حكاه شارح " المنتقى " انتصر
لتحسين الترمذى ، وقال : لعله حسنه باعتبار الشواهد .

٣١٨
معارف السنن
ج - ٤
حدثنا : اسحاق بن موسى الأنصارى نا معن نا مالك بن أنس عن يزيد بن
عبد الله بن الهاد عن محمد بن ابراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال
رسول اللّه عَل: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ،
وفيه أدخل الجنة ، وفيه أهبط منها ، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلى
فيسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه إياه)).
قال أبو هريرة: ((فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له هذا الحديث فقال:
أنا أعلم بتلك الساعة ، فقلت أخبرنى بها ولا تضنن بها على ؟ . قال : هى بعد
العصر إلى أن تغرب الشمس. قلت : فكيف تكون بعد العصر وقد قال رسول
اللّه عَّ الّ: لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلى، وتلك الساعة لا يصلى فيها ؟ فقال
قوله : لا تضنن . المشهور أنه من باب سمع ، ويأتى من باب ضرب ،
وفى آخره نون ثقيلة أو خفيفة ، ثم هو بالإدغام أو بفكه ، فصارت الوجوه
فيها ستة ، وبكل يجوز ضبطه ، كما قاله العراقى ، وحكاه السيوطى فى "القوت"
وكذا فى "تلخيصه" كما فى الحاشية المطبوعة بالهند .
قوله: يصلى. وفى "صحيح البخارى" (١ - ١٢٨) (باب الساعة التى فى
يوم الجمعة): "وهو قائم يصلى" من طريق مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن
أبى هريرة وهو كذلك فى " مؤطأ مالك" بهذا اللفظ، وفى "صحيح مسلم" من
طريق آخر : "قائم يصلى" من غير لفظة "هو". ومراده عند الشيخ كما تقدم
أن يداوم على الصلاة ويكون القيام ههنا بمعنى الدوام كما فى قوله تعالى : ( ومن
أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده
إليك إلا ما دمت عليه قائماً الآية) "آل عمران" (٧٥). ثم فى "سنن ابن ماجه"
(ص - ٨١). (باب الساعة التى ترجى فى الجمعة ) من طريق أبى النظر عن
٠٠

٣١٩
بيان أن ساعة الجمعة فى آخر ساعة النهار
٠.٠٠٠.ص.
عبد الله بن سلام: أليس قد قال رسول اللّه حَلالٍ: من جلس مجلساً ينتظر الصلاة
فهو فى الصلاة ؟ قلت: بلى، قال: فهو ذاك)) . وفى الحديث قصة طويلة.
قال أبوعيسى: وهذا حديث صحيح. قال: ومعنى قوله: "أخبرنى بها ولا
تضنن بها على" يقول: لاتبخل بها على، والضنين: البخيل ، والظنين: المتهم.
أبى سلمة عن عبد الله بن سلام، وفيه: قال عبد الله: ((فأشار إلى رسول اللّه عَلّ:
أو بعض ساعة ، فقلت: صدقت، قلت أى ساعة هى؟ قال: هى آخر ساعات
من النهار . قلت : إنها ليست ساعة صلاة، قال: بلى إن العبد المؤمن إذا صلى
ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو فى الصلاة)). ورواه ابن خزيمة من هذه الطريق
مثله كما ذكره فى "الفتح". فكان هذا التأويل مرفوعاً من قول النبى وَّ،
ولكنه أعله ابن منده الأصبهانى ، وصوب وقفه كما قال الشيخ . أقول : لم
أقف على كلام ابن منده فيه غير أن الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٣٤٩ ) رجح
الوقف وقال : وهذا يحتمل أن يكون القائل " قلت" عبد الله بن سلام فيكون
مرفوعاً، ويحتمل أن يكون أبا سلمة فيكون موقوفاً ، وهو الأرجح لتصريحه فى
رواية يحيى بن أبى كثير بأن عبد الله بن سلام لم يذكر النبى عَ لٍ فى الجواب اهـ.
قال الراقم : وفى رواية أحمد فى "مسنده": قال أبوسلمة سألته: أى ساعة هى؟
قال : آخر ساعات النهار ، فقلت : إنها ليست بساعة صلاة الخ . فهذا يؤيد
الوقف أيضاً
قوله : قصة طويلة . والقصة بطولها رواها مالك فى " مؤطئه" فى الساعة
التى يوم الجمعة (ص ـ ٣٨) من طريق يزيد بن عبد الله عن محمد بن ابراهيم
التيمى، وأخرجه أحمد وأبو داؤد أخصر منه ويشير بالقصة إلى ما ذكروه من قول
كعب ذلك فى كل سنة وقول عبد الله بن سلام فى كل جمعة ثم تصديق كعب
إياه بنص التوراة الخ . وفى "المؤطأ" أيضاً قصة سفر بصرة بن أبى بصرة إلى الطور
vi

٣٢٠
معارف السنن
ج - ٤
( باب ما جاء فى الاغتسال فى يوم الجمعة )
حدثنا : أحمد بن منيع نا سفيان بن عيينة عن الزهرى عن سالم عن أبيه أنه
وإنكار أبى هريرة عليه ذلك لأجل حديث: ((لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة الخ)).
-: باب ما جاء فى الاغتسال فى يوم الجمعة :-
ذهب أبو حنيفة والشافعى وأحمد والجماهير من السلف والخلف إلى أن الغسل
يوم الجمعة سنة غير واجب ، وحكاه الخطابى عن عامة الفقهاء ، وحكاه القاضى
عياض عن عامة الفقهاء وأئمة الأمصار ، ونقل ابن عبد البر فيه الإجماع فقال :
أجمع علماء المسلمين قديماً وحديثاً على أن غسل الجمعة ليس بفرض، قاله العراقى
فى "شرح التقريب" (٣ - ١٦١). وفى "العمدة" (٣ - ٢٢٥ ) عن ابن
عبد البر فى "الإستذ كار" أنه قال: لا أعلم أحداً أوجب غسل الجمعة إلا أهل
الظاهر آهـ. وذكر العراقى ما ملخصه : أن دعوى الإجماع غير صحيحة، فقد
حكى الوجوب ابن منذر عن أبى هريرة وعمار بن ياسر وغيرهما ، وحكاه الخطابى
عن الحسن البصرى قال : وحكى إيجابه أيضاً عن مالك والشافعى وأحمد ،
وذکره عن نص الشافعی فی القديم والجديد ، ورد تول الرافعى والنووی وابن
الرفعة بعدم اطلاعهم على نص الشافعى ، ومع هذا المعتمد عند أصحاب هؤلاء
كلهم السنية والندب دون الوجوب، وأما رواية مالك فحكاه ابن المنذر ثم الخطابى
ثم ابن عبد البر فى " التمهيد"، وأبى ذلك أصحابه، وحكاه ابن حزم عن عمر
وغيره من كثير من الصحابة ، غير أن الحافظ يقول فى " الفتح": ليس فيها
· عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادراً ، وإنما اعتمد فى ذلك على أشياء محتملة
الخ. ثم الظاهرية قالوا بوجوبه الجمعة ولم يجعلوه شرطاً لصحة الصلاة، فيجيزون
صلاة الجمعة من غير غسل لها ، ثم يجب الغسل عليه ولو صلى الجمعة حتى