النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
بيان المذاهب فى القنوت فى آخر ركعات الوتر
( باب ما جاء فى القنوت فى الوتر)
حدثنا : قتيبة نا أبوالأحوص عن أبى اسحاق عن برید بن أبي مريم عن
"تلخيصه " على شرطها ، وأخرجه الطحاوى ، والدارقطنى ، وابن حبان ،
وبقية أصحاب السنن كما فى "نصب الرأية".
-: باب ما جاء فى القنوت فى الوتر :-
ههنا خلافيتان مشهورتان سلفاً وخلفاً ، الأولى : مسألة القنوت فى الوثر،
والثانية : أن القنوت إذا كان فهل هو قبل الركوع أو بعده ؟
فالأولى : قال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان واسحاق وأحمد فى الرواية المشهورة
عنه المختارة عند أكثر أصحابه كما فى "المغنى" (١ - ٧٨٨) و(١ - ٧٩١)
والشافعى فى أحد الوجوه الثلاثة كلهم قالوا بالقنوت فى آخر ركعات الوتر فى
السنة كلها، وإليه ذهب الحسن، وحكاه ابن المنذر كما فى "العمدة" (٣ -
٤٢٢) عن عمر ، وعلى. وأبى موسى الأشعرى، والبراء، وابن عمر ،
وابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبيدة السلمانى ، وحميد الطويل ،
وعبد الرحمن بن أبى ليلى . ورواه ابن أبى شيبة عن ابن مسعود ، وأصحاب النبى
حَ ظله ، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، وحسين بن على. قال النووى فى "شرح
المهذب" (٤ - ١٥): وهو قول أربعة من كبار أصحابنا أى عبد الله الزبيرى،
وأبى الوليد النيسابورى ، وأبى الفضل بن عبدان ، وأبى منصور بن
ابن مهران . قال النووى : وهذا الوجه قوى فى الدليل لحديث الحسن
ابن على رضى الله عنهما آهـ. والحديث هذا أخرجه الترمذى، وبقية
أصحاب السنن. قال الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٠٨): وقد صححه
( ٢ - ٣١)

٢٤٢
معارف السنن
ج - ٤
أنى الحوراء قال: قال الحسن بن على: ((علمنى رسول اللّه ◌َلاَ﴾
الترمذى وغيره لكن ليس على شرط البخارى اهـ . يشير إلى أن البخارى مع
أنه اختار القنوت فى الوتر ولم يخرج هذا الحديث لكونه ليس على شرطه ،
وعند النسائی فی ( باب الوتر بثلاث ) و کذا عند ابن نصر فی حدیث عبد الرحمن
ابن أبزى: ((ويقنت قبل الركوع)). وفى "العمدة": وروى السراج
بإسناده عن عبد الرحمن بن أبى ليلى حين سئل عن القنوت قال : حدثنا البراء
ابن عازب قال: ((سنة ماضية)) اهـ مختصراً. وفى القنوت قبل الركوع
حديث ابن عباس مرفوعاً عند أبى نعيم كما فى " نصب الرأية" (٢ - ١٢٤ ).
قال شيخنا فى " تعليقاته على الآثار": ورجاله موثقون إن لم يكن دلس
فيه حبيب بن أبى ثابت اهـ. وقال قوم فى القنوت فى الوتر فى رمضان فحسب .
وهو مذهب مالك كما فى " شرح المهذب" وذهب قوم إلى أنه فى النصف
الأخير من رمضان ، وإليه ذهب الشافعى وأحمد فى رواية ، وعزاه فى "المغنى"
إلى مالك أيضاً . قال : وروى ذلك عن على ، وأبى ، وبه قال ابن سيرين ،
وسعيد بن الحسن ، والزهرى ، ويحيى بن ثابت . وذهب قوم إلى أنه فى
النصف الأول من رمضان ، حكاه ابن رشد. وقد علمت أن أكثر الفقهاء
والمحدثين على ما اختاره أبو حنيفة ، وحكاه الرؤيانى وجهاً فى مذهب الشافعى،
قال : وهذا حسن ، وهو اختيار مشائخ "طبرستان" كما فى "شرح المهذب".
وأما المسألة الثانية : فمذهب أبى حنيفة أنه قبل الركوع ، قال البدر العينى
فى العمدة (٣ - ٤١٩): وحكاه ابن المنذر عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود،
... وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس ،
وأبى موسى الأشعرى ، والبراء .
وابن عبد العزيز ، وعبيدة السلمانى ، وحميد الطويل ، وابن أبى ليلى ؛ وبه قال
مالك ، واسحاق ، وابن المبارك ، وذكره فى " المغنى" عن أبى أيضاً. وقال

٢٤٣
بحث القنوت فى الوتر والمذاهب فيه
كلمات أقوهن فى الوتر : "اللهم اهدنى فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت،
الشافعى وأحمد : بعد الركوع ، وحكاه ابن المنذر عن أبىبكر الصديق ، وعمر ،
وعثمان، وعلى فى قول ، وحكى التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس ، وأبوب
ابن أبى تميمة ، وأحمد بن حنبل كما فى " العمدة". قال الحافظ فى " الفتح "
(٢ - ٤٠٨): وقد اختلف عمل الصحابة فى ذلك ، والظاهر أنه من
الإختلاف المباح اهـ .
وأما مسألة القنوت فى صلاة الفجر والقنوت فى النازلة فقد سلف البيان فيه
فى ( باب ما جاء القنوت فى صلاة الفجر ) ببسط شاف فلا نعيده .
قوله : أقولهن فى الوتر . ذكر الحافظ فى " التلخيص " أن هذه الزيادة
تفرد بها الراوى - أى أبو اسحاق عن بريد بن أبى مريم - وذكر الحافظ
أنه فيه ابن خزيمة وابن حبان على ذلك ، قال : ورواه شعبة وهو أحفظ من
... فلم يذكر فيه القنوت ولا الوتر آهـ. أنظر
مائتين مثل أبى اسحاق ..
" التلخيص " ( ص - ٩٤ ) للتفصيل .
قال الراقم : وأبو اسحاق ثقة ، وزيادة الثقات متعبرة ، ومن ذكر حجة
على من لم يذكر . على أن لأبى اسحاق فيه متابعاً عند الطبرانى وغيره، ولحديثه
شاهداً عند البيهقى كما فى " التلخيص " فلاضير.
ولكن الحديث هذا لا ينزل عن الحسن ، والمعروف عندنا فى القنوت
((اللهم إنا نستعينك الخ)). وذكر صاحب " البحر" فى الوتر (٢ - ٤٢ )
أن الأولى أن يقرأ بعده ما فى حديث الباب ، قاله تبعاً للشيخ ابن الهمام فى
" الفتح" فقال فيه (١ - ٣٠٦): والأولى أن يقرأ بعده قنوت الحسن آهـ.
ومن لم يحسن القنوت بالعربية فقيل: يقول: ((يارب ثلاثاً))، وقيل :
((اللهم اغفرلى ثلاثاً))، وقيل: ((ربنا آتنا فى الدنيا حسنة الخ)). ونسب إلى

٢٤٤
معارف السنن
ج - ٤
وتولنى فيمن توليت ، وبارك لى فيما أعطيت ، وقنى شر ما قضيت ، فإنك
محمد عدم التوقيت فيه ، قيل : وهو فى غير القنوت وفى غير الصلاة .
والتفصيل فى كتب الفقه .
قال الشيخ : وادعى بعض المدعين العمل بالحديث أن قنوت الحنفية لم
يثبت فى الحديث . قال الراقم : أراد به بعض المنكرين من تقليد الأئمة
المتبوعين ، ولم أعرف من هو؟ قال : وقد غفل هذا المدعى مما ذكره صاحب
"الإتقان" أن سورتى القنوت تسمى سورتى الخلع والحفد. قال الراقم :
ذكره فى النوع السابع والأربعين من الجزء الثانى عن الحسين بن المنارى فى كتابه
"الناسخ والمنسوخ" قال: ومما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه
سورتا القنوت، وتسمى سورتى الخلع والحفداهـ. وذكر فى "الدر المنثور" من خاتمة
الجزء السادس فيه تفصيلاً لا يوجد فى غيره، فذكر أنها فى "مصحف أبى بن كعب
و کذا فى "مصحف أبىموسى" و"ابن عباس"، وذكر أنه قنت بها عمر ، وعلى،
وعبدالله بن مسعود، وأمر بها أنس بن مالك حين سئل عن القنوت فى الوتر. قال:
وأخرج محمد بن نصر عن سفيان قال : كانوا يستحبون أن يجعلوا فى قنوت
الوتر هاتين السورتين: "اللهم إنا نستعينك" الخ ، وكذا أخرج عنه عن ابراهيم
وعطاء بن أبي رباح والحسن. وفى "نصب الرأية" (٢ - ١٣٦ )،
و "التلخيص الحبير" (ص - ١٢٠) عن مراسيل أبى داؤد حديث القنوت
هذا عن خالد بن أبى عمران قال: (( بينما رسول اللّه عَ ل يدعو على مضر))، فذكر
القصة، قال: ثم علمه: ((اللهم إنا نستعينك)) فذكره ، وذكره الطحاوى
عن عمر الفاروق بأسانيد صحيحة ، وكذا ذكر البيهقى ذلك عن عمر ، وقال :
وهذا عن عمر صحيح موصول كما فى " التلخيص"، وذكر فيه " بسم الله
الرحمن الرحيم " قبل قوله " اللهم إنا نستعينك" وقبل قوله "اللهم إياك نعبد"،

٢٤٥
استجاب دعاء القنوت بسورتى الخلع والحة:
وذكر ابن رشد فى "البداية": أنه استحب القنوت مالك بـ "اللهم إنا نستعينك"
فذكره ، وقال : ويسميها أهل العراق السورتين ، ويروى أنها فى "مصحف
قال : وقال عبد الله بن داؤد: من لم يقنت
أُبی بن کعب "
بالسورتين فلا يصلى خلفه آهـ. وفى "المغني" ( ١ - ٧٩٠ ): وهاتان
السورتان فى " مصحف أبى بن كعب"، قال : وروى أبو عبيد بإسناده عن
عروة أنه قال : قرأت فى " مصحف أبي بن كعب" هاتين السورتين ....
وقال ابن سيرين : كتبها أبى فى مصحفه الخ. أقول : وفى " الإتقان" أن
أبياً كان يقنت بها . والنقول فى ذلك كثيرة، وكفاك بما ذكرناه حجةً وبرهاناً
لإمام الأئمة أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقال الشيخ: ومن أجل ذلك تجد فى
بعض كتبنا الفقهية. النهى عن قراءة دعاء القنوت هذه الجنب .
قال الراقم: هى رواية عن محمد كما فى "رد المحتار" من الغسل،
وظاهر الرواية أنه لا يكره ، وعليه الفتوى كما فى "الولوالجية" حكاه صاحب
" البحر" من الوتر. قال الشيخ : وكذلك غفل بعض من يدعى اتباع السنة أنه لم
يثبت رفع اليدين عند التكبير للقنوت مرفوعاً ولا موقوفاً كما يرفع للتحريمة ،
وهذه أيضاً غفلة . قال الراقم : أراد به الشيخ نذيز حسين الدهلوى ممن قرأ
على الشيخ المحدث الشاه محمد اسحاق الدهلوى ، وذكره الشيخ النيموى ولم يسمه
فقال : وبما أخر جناه فى الباب يرد ما زعمه بعض أهل العلم من أن رفع اليدين
للقنوت فی الوتر لم يثبت فى ذلك أثر صحيح عن تابعی جليل فضلاً عن صحابى
وفضلا على فضل من حديث صحيح انتهى. قال : فقد أثبته بعض فضلاء الجنفية
- أراد به الشيخ المحدث مولانا ظهير أحسن النيموى البهارى صاحب "آثار
السنن" - على زعمه أثر عبد الله بن مسعود وعمر الفاروق، أخرجها البخارى
فى "جزء رفع اليدين" .
قال الراقم: أما أثر عبد الله فرواه البخارى فى "جزء رفع اليدين" بإسناد

٢٤٦
معارف السنن
ج - ٤
صحيح عن الأسود عن عبد الله رضى الله عنه: (( أنه كان يقرأ فى آخر ركعة من
الوتر "قل هو الله أحد" ثم يرفع يديه فيقنت قبل الركعة))، ذكره النيموى ،
وعزاه الحافظ فى "التلخيص" ( ص - ١٠٥) إلى ابن المنذر والبيهقى. وأما أثر
الفاروق فكذلك عند البخارى فى " جزئه" بإسناد صحيح عن أبى عثمان قال:
(( كنا وعمر يؤم الناس ثم يقنت بنا عند الركوع يرفع يديه حتى يبدو كفاه ،
ويخرج ضبعيه»، ذكره النيموى وقال : قال البيهقى فى "المعرفة": وروى فى
رفع اليدين فى قنوت الوتر عن ابن مسعود وأبى هريرة اهـ. وذكره الحافظ فى
"التلخيص"، وعزاه الرافعى إلى عثمان أيضاً غير أنه لم يقف عليه الحافظ . وفيه
آثار أخر لأبى هريرة ومكحول وأبى قلابة وغيرهم عند ابن نصر فى "قيام الليل".
فإذن ليس طعنه على الحنفية إلا كما قال الشاعر :
وكم من عالب قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم
ولنا فى الرفع أيضاً أثر ابراهيم النخعى أخرجه الطحاوى فى "شرح الآثار"
(١ - ٣٩١) فى (باب رفع اليدين عند رؤية البيت) من كتاب المناسك. قال :
ترفع الأيدى فى سبع مواطن : فى افتتاح الصلاة ، وفى التكبير القنوت فى
الوتر، وفى العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة بجمع وعرفات،
وعند المقامين، وعند الجمرتين)). وإسناده صحيح. قال الطحاوى : قال
أبو يوسف - وهو راوى الأثر- فأما فى افتتاح الصلاة وفى العيدين وفى الوثر
وعند استلام الحجر فيجعل ظهر كفيه إلى وجهه، وأما فى الثلاث الأخر فيستقبل
بباطن كفيه وجهه ، قال الطحاوى : وقد أجمع الذين يقنتون قبل الركوع على
الرفع معها آهـ. قال الشيخ: ثم لى تردد فى أثر الفاروق بأن الرفع هل كان
مثل الرفع عند التحريمة أو مثل الرفع للدعاء؟ وبعض الألفاظ يؤمى إلى الثانى ،
وقد ثبت مثله عن أبى يوسف عند قنوت الوتر، وذكر صاحب "مراق الفلاح"
عن فرج مولى أبى يوسف أنه رآى مولاه أبا يوسف إذا دخل فى القنوت للوتر

٢٤٧
بحث رفع الیدین للتكبير عند القنوت
رفع يديه فى الدعاء .
قال الراقم : ذكره فى (باب الوتر ) وكذا ذكره ابن الهمام فى " الفتح"
(١ - ٣٠٦) وقال: قال ابن أبى عمران: كان فرج ثقة. قال ابن الهمام
ووجهه عموم دليل الرفع للدعاء، ويجاب بأنه مخصوص بما ليس فى الصلاة للإجماع
على أن لا رفع فى دعاء التشهد اهـ. ونظر فيه الشرنبلالى بأثر ابن مسعود.
قال الراقم : وأثر ابن مسعود ليس نصاً فيه بل يحتمل كلاً منهما ، علا أن نقل
الطحاوى عن أبى يوسف يخالف ظاهر هذا كما تقدم والله أعلم . وذكر الطحاوى
فى " شرح معانى الآثار" عن أبى يوسف ما يدل على أن الرفع فيه كالرفع عند
التحريمة كما تقدم لفظه آنفاً . فقد صرح بجعل كفيه إلى وجهه ، ثم هو يحتمل
أن يكون عند التكبير، وهو الظاهر ، ويحتمل أن تبقى تلك الهيئة إلى انتهاء الدعاء
وهو كيفية دعاء الرهبة أحد الأقسام الأربعة كما نقل عن محمد بن الحنفية فى
"المبسوط" و"المعراج" وغيرهما، وتقدم بيانها فى (باب ما جاء فى الإشارة )
وبهذا يمكن أن يوفق بين قولى أبى يوسف رحمه الله كما لا يخفى. وليراجع "شرح
معانى الآثار" من ( باب رفع اليدين عند رؤية البيت) (١ - ٣٩١)
للتفصيل فيه .
ورفع اليدين عندنا سنة، وفى التكبير قولان: الوجوب والسنية، ورجح
صاحب "البحر" الثانى فى ( باب سجود السهو ) واكتفى بذكر الأول فى صفة
الصلاة ، وأما رفع اليدين فسنة كما فى " الدر" وغيره. وثبت التكبير عند
القنوت عن عمر ، وعبد الله، والبراء ، وغيرهم عند ابن نصر، وذكره فى
"المغنى" عن على أيضاً، قال: وهو قول الثورى، ولا نعلم فيه خلافاً اهـ.
وذكر قبله أنه مذهب أحمد.

٢٤٨
معارف السنن
ج - ٤
تقضى ولايقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت " .
وفى الباب عن على . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من
هذا الوجه ، من حديث أبى الحوراء السعدى وإسمه : ربيعة بن شيبان ، ولا
نعرف عن النبى معَّل فى القنوت فى الوتر شيئاً أحسن من هذا! واختلف أهل
العلم فى القنوت فى الوتر ، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت فى الوتر فى السنة
كلها واختار القنوت قبل الركوع ، وهو قول بعض أهل العلم ، وبه يقول
سفيان الثورى ، وابن المبارك ، واسماق ، وأهل الكوفة ، وقد روى عن على
ابن أبى طالب أنه كان لا يقنت إلا فى النصف الآخر من رمضان ، وكان
يقنت بعد الركوع. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعى وأحمد .
قوله : وإنه لا يذل . أسقط بعضهم الواو منه كما أسقط بعضهم الفاء من
قوله : " فإنك تقضى"، وعزى الحافظ فى " التلخيص" إلى الترمذى زيادة
"سبحانك" قبل "تباركت" وليست فى المطبوعة ، وثبت فى بعض الروايات:
" ولا يعز من عاديت" بعد قوله: "وإنه لا يذل من واليت" رواها البيهقى ،
وهو صحيح كما قال الحافظ ، لا أنه ضعيف كما قال النووى ، وتبعه ابن الرفعة،
وزاد ابن حبان بعد قوله : "تعاليت": " نستغفرك ونتوب إليك"، كما فى
"الحصن الحصين" و"شرحه" للشيخ عبد الحئ. وزاد النسائى فى " سننه " فى
آخره : "وصلى الله على النبى محمد" من رواية عبد الله بن على عن الحسن،
وفيه انقطاع كما قاله ابن حجر ، وليس بصحيح كما قال النووى . ولم يكن
فى نسخة الحافظ للنسائى " محمد" فرد على المحب الطبرى لما عزاه إلى النسائى،
وهو عندنا فى المطبوعة موجود . وكنت رأيت زيادة : "اللهم اغفرلى" بعد
الصلاة فى دعاء القنوت ، ثم بحثت عنه فلم أظفر به بعد والله أعلم .
قوله : وفى الباب عن على . رواية على هذه أخرجها الترمذى فى ( كتاب

٢٤٩
بيان حكم الوتر - عند النسيان أو غيره
(باب ما جاء فى الرجل بنام عن الوقر أو بنسى )
حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع نا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن
عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه ◌َخالٍ: ((من نام عن
الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر وإذا استيقظ)) .
الدعوات ) (٢ - ١٩٦) وأخرجه كذلك " النسائى" و"أبو داؤد" و"ابن
ماجه" كلهم فى الوتر . وقال الترمذى : حسن غريب اهـ.
-: باب ما جاء فى الرجل ينام عن الوتر أو ينسى :-
قال أبو حنيفة : يجب قضاء الوتر کما يجب الوتر ، وحدیث الباب دلیل
له، غير أن طريق الترمذى له ضعيف بعبد الرحمن بن زيد . قال فى "التقريب":
ضعيف . وذکر فی"التهذيب" عن ابن عدی أنه قال: له أحاديث حسان وهو
ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه اهـ. وفى " الفتح"
(١ - ٢٥٩): وأولاد زيد - بن أسلم -: عبد الله، وأسامة ، وعبدالرحمن ؛
وأوثقهم عبد الله اهـ. ويستفاد منه أن عبد الرحمن أيضاً ثقة وإن لم يكن مثل
أخيه عبد اللّه ، ثم إنه لم يخرج له فى الستة غير الترمذى وابن ماجه ، وعلى كل
حال يشهد لصحة رواية عبد الرحمن روايته عند آخرين من طرق صحاح ، فقد
تابعه محمد بن مطرف عند أبى داؤد ، والدارقطنى ، والحاكم، وعبد الرحمن بن
سلمة عند الدار قطنى ، كما سيأتى . ورواه الترمذى مرسلاً من طريق عبد الله
ابن زید وهو صحیح . قال شيخنا : وروى أبوداؤد حديث الباب ، وسنده
قوى ، وصححه العراقى ، وكذا أخرجه الدار قطنى ولفظه أنفع لنا .
قال الراقم: رواه أبو داؤد فى "سننه" فى (باب الدعاء بعد الوتر) (١ -
( ٢ - ٣٢ )

٢٥٠
معارف السنن
ج - ٤
حدثنا قتيبة نا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبى ◌َ الج قال: ((من
نام عن وتره فليصل إذا أصبح)) .
وهذا أصح من الحديث الأول ، سمعت أبا دائد السجزى - یعنی سلمان
ابن الأشعث - يقول : سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
٢٠٣) من طريق محمد بن مطرف المزنى عن زيد بن أسلم، ومن طريقه الدارقطنى
فى "سننه" (ص - ١٧١) والحاكم فى "المستدرك" (١ - ٣٠٢)، وصححه على
شرط الشيخين ، وأقره الذهبي فى "تلخيصه"، وحكى العينى فى "العمدة" (٣ -
٤١٤) عن ابن الحصار تصحيحه عن شيخه، وأخرجه الدار قطنى أيضاً من طريق
عبد الله بن سلمة عن زيد بن أسلم بلفظ: ((إن النبي ◌َّ قيل له: إن أحدنا
يصبح ولم يؤثر؟ قال: فليؤتر إذا أصبح )). وأيضاً عنده من حديث ابن عمر
مرفوعاً: ((من فاته الوتر من الليل فليقضه من الغد)) ، ولعل إليه أشار شيخنا بأنه
أنفع للحنفية حيث يعم القضاء بعد طلوع الشمس أيضاً . وعند الحاكم من حديث
أبى هريرة مرفوعاً: ((إذا أصبح أحدكم ولم يؤتر فليؤتر)) "المستدرك" (١ -
٣٠٤) وصححه على شرطها ، ووافقه الذهبي. وعند الطبرانى فى "الكبير" من
حديث أغر المزنى ورجاله موثقون كما فى " زوائد الهيشمى" .
فالحاصل أنه ثبت الحدیث القولى مسنداً من حديث أبىسعيد، وأبى هريرة؛
وابن عمر ، والأغر المزنى، ومرسلاً من حديث زيد بن أسلم . ومن الأحاديث
الفعلية فيه حديث عائشة عند أحمد: ((كان رسول اللّه ◌ُحَالٍ يصبح فيؤتر)) وإسناده
حسن كما فى "الزوائد"، وفيه حديث أبى الدرداء عند الحاكم والبيهقى ، وصححه
الحاكم وأقره الذهبي، وثبت عن ابن مسعود والزبير وعروة بن مسعود كلهم عند
الطبرانى بأسانيد رجالها رجال الصحيح كما فى "الزوائد" (٢ - ٢٤٧) ، وتصحيح
العراقى لرواية الدارقطنى حكاه الشوكانى فى "شرح المنتقى"، وقد علمت أنه صححه

٢٥١
المذاهب فى قضاء الوتر وأن القضاء أمارة الوجوب
فقال: أخوه عبد اللّه لا بأس به. وسمعت محمداً يذكر عن على بن عبد الله أنه
ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة ، وقد
ذهب بعض أهل الكوفة إلى هذا الحديث وقالوا : يؤثر الرجل إذا ذكر وإن
كان بعد ما طلعت الشمس ، وبه يقول سفيان الثورى .
قبله الذهبى وقبله شيخ ابن الحصار والحاكم مع أحاديث أخرى صحيحة . وبالجملة
الدليل صحيح ، والحكم بالقضاء أمارة الوجوب ، ونفس قضاء الور موضع اتفاق
بين جمهرة الأمة، فقد ذكره العراقى وقبله ابن قدامة فى "المغنى" عن على،
وعبد الله ، وسعد بن أبى وقاص ، وأبى الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وابن عمر،
وابن عباس ، وعبادة بن الصامت وغيرهم من الصحابة ، ومن التابعين عن
عمرو بن شرحبيل، وعبيدة السلمانى، وابراهيم النخعى، وأبى العالية، ومسروق،
وطاؤس ، وحماد بن أبى سليمان وغيرهم ، غير أنهم اختلفوا فى أنه إلى متى
يقضى على خمسة أقوال كما ذكر المنذرى ، أو ثمانية أقوال كما ذكرها العراقى ،
وحكاها شارح المنتقى ، فذهب مالك والشافعى وأحمد إلى أنه يقضى ما لم يصل
الصبح، وذهب أبو حنيفة والثورى إلى أنه يقضى أبداً، وهو وجه عند الشافعى،
وصححه البلقينى فى " حاشية الأم" (١ - ١٢٨) وعليه فتوى الشافعية كما فى
"شرح المنتقى". وقال الطيبى: وهو أظهر قولى الشافعى، قال الزرقانى فى
"شرح المواهب": وهو المعتمد عندهم. وقال الأوزاعى، والليث، والحسن،
وأبو ثور : يصلى ولو طلعت الشمس .
قال الراقم عفا الله عنه : حديث الباب عن أبى سعيد وغيره نظیر حديث
أنس فى الصحاح الستة: ((إذا نسى أحدكم صلاة أونام عنها فليصلها إذا ذكر ها)»
وذكر النوم من أفراد مسلم ، وهو نص فى وجوب القضاء فى الفرائض عند
الكل، فليكن حديث قضاء الوتر نظيره فى الحكم كما هو نظيره فى اللفظ ، وقد

٢٥٢
معارف السنن
ج - ٤
( باب ما جاء فى مبادرة الصبح بالوقر )
حدثنا : أحمد بن منيع نا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة نا عبيد اللّه عن نافع
عن ابن عمر أن النبى عَّ ◌ُلِ قال: ((بادروا الصبح بالوتر)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
تقدم أدلة الإمام أبى حنيفة فى وجوب الوتر ، وكذا سلف بيان من ذهب إلى
وجوبه من السلف ، فإذا ثبت الوجوب فى الذمة ثبت القضاء ، وهذا الحديث
أيضاً من جملة أدلة الوجوب وبالله التوفيق . ثم ما يعارضه فهو إما مجمل محتمل
وإما ضعيف وساقط لا يقاوم الصحاح الصراح والله أعلم .
-: باب ما جاء فى مبادرة الصبح بالوتر :-
أخرج ابن خزيمة فى " صحيحه" كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٢ -
٤٠٦) والزرقانى فى "شرح المواهب اللدنية" (٨ - ٥) من طريق طلحة بن
نافع عن ابن عباس عند ابن خزيمة الخ حديثاً بسند قوى وفيه: ((فلما انفجر
الفجر قام بَّ الج فأوتر بركعة)). قال ابن خزيمة: والمراد به الفجر الأول -أى
الكاذب - ، وذكر الزرقانى بعد كلام ابن خزيمة فهو أداء لوقوعه فى وقته اهـ.
قال الشيخ: وقد أوله بذلك لثبوت وتره عَُّّ قبيل الصبح الصادق فى
"الصحيحين" وغيرهما، وكذلك ثبت عن على فى رواية الوتر عند الفجر الأول،
وقال : هذه ساعة الوتر .
لعل الشيخ يريد ما روى عن على: (( أنه كان يخرج حين يؤذن ابن النباح
عند الفجر الأول فيقول : نعم ساعة الوتر هذه الآية " والصبح إذا تنفس"
رواه ابن جرير ، والطحاوى ، والطبرانى، والحاكم، والبيهقى كما فى "الكنز
(٤ - ١٩٥، وأيضاً فى " الكنز" عن عبد خير قال: ((كنا فى المسجد فخرج

٢٥٣
بيان أن الليل كله محل للوتر - وبيان الصبح الكاذب
حدثنا : الحسن بن على الخلال نا عبد الرزاق نا معمر عن يحيى بن أبي كثير
عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه عَ لٍ: (( أوتروا
قبل أن تصبحوا )) .
حدثنا : محمود بن غيلان نا عبد الرزاق نا ابن جريج عن سليمان بن موسى
عن نافع عن ابن عمر عن رسول اللّه عَ لّ قال: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب
كل صلاة الليل والوتر ، فأوتروا قبل طلوع الفجر)).
علينا على فى آخر الليل فقال : أين السائل عن الوتر؟ فاجتمعنا إليه فقال : إن
رسول اللّه عَّ الل أوتر أول الليل ثم أوتر وسطه ثم أوتر هذه الساعة فقبض وهو
يؤتر هذه الساعة)) (طس)، والطحاوى فى ( باب التطوع بعد الوتر) (١ -
٢٠١) وزاد: قال: ((وذلك عند طلوع الفجر)). قال الطحاوى: وهذا
عندنا على قرب طلوع الفجر قبل أن يطلع آهـ . وأيضاً عنده عن ابن أبى شيبة
وابن جرير عن سنان بن حبيب قال : قلت لإبراهيم أى ساعة؟ قال على : نعم
ساعة الوتر هذه؟ قال فى الغلس فى وجه الصبح قبل الفجر اهـ .
قال شيخنا : واعلم أن الصبح الكاذب لم يتعين تقديره بوقت محدود قبل
الصادق بل الوقت بينهما يزيد وينقص ، وقد صرح به غير واحد من الفقهاء ،
وربما لا يبصر الكاذب ، وكل ذلك خلاف ما هو المشهور عند أهل الهيئة .
أقول : قد فرغنا من تفصيل هذا البحث بقدر الحاجة فى المواقيت عند
قول الترمذى : وأول وقت الفجر حين يطلع الفجر الخ . ثم رأيت قول ابن
حجر المكى فى " تحفة المحتاج شرح المنهاج" (١ - ١١١) بعد بحث: والظاهر
أن مرادهم مطلق الزمن، لأنها تطول تارةً وتقصر أخرى ، أى ا .ة بين
الفجرين الكاذب والصادق .

٢٥٤
معارف السنن
ج - ٤
قال أبو عيسى : وسلمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ ، وروی
عن النبى معَ الج أنه قال: ((لا وتر بعد صلاة الصبح))، وهو قول غير واحد
من أهل العلم ، وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق : لا يرون الوتر بعد
صلاة الصبح
-
قوله: لا وتر بعد صلاة الصبح. قال الشيخ : أى لا وتر أداءً أقول:
يريد أن مراد الحديث أن وقته الشرعى المعين له انتهى بعد الصبح لا أنه لا يصلى
بعده ، فإذن لا يستقيم به استدلال من استدل به من المالكية والشافعية والحنابلة
لعدم قضائه بعد الصبح، ومن راعى الأحاديث القولية والفعلية التى سلفت منا فى
قضائها عند الصبح وبعده ، وكذا اعتبر عموم قوله : "إذا ذكر" ولم يخصصه
بما قبل الصبح تعين له المصير إلى التوفيق بما وجهه الشيخ رحمه الله ، علا أن
الحديث أشارإليه الترمذى من رواية أبى سعيد عند ابن نصر من طريق أبى هارون
العبدى ، وهو متروك ، ومنهم من كذبه كما فى " التقريب" واسمه : عمارة بن
جوين . قال ابن نصر ( ص - ١٣٨ ) بعد روايته : وهذا الحديث لو ثبت
لكان حجة لا يجوز مخالفته، غير أن أصحاب الحديث لا يحتجون برواية أبىهارون
العبدى ، وقد روى عن أبى سعيد من طريق آخر رواية تخالف هذا فى الظاهر
ثم ذكر حديث الباب من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . قال الحافظ فى
"الفتح" (٢ - ٣٩٩): وفى "صحيح ابن خزيمة" من طريق قتادة عن
أبى نضرة عن أبى سعيد مرفوعاً: ((من أدركه الصبح ولم يؤتر فلا وتر له )) وهذا
محمول على التعمد أو على أنه لا يقع أداءً، لما رواه أبو داؤد من حديث أبى سعيد
أيضاً مرفوعاً: ((من نسى الوتر أم نام عنه فليصله إذا ذكره ا هـ)). فقد وفق
الحافظ هناك كما وفق الشيخ ههنا وبالله التوفيق .

٢٥٥
عدم إعادة الوتر والمذاهب فيه
(باب ما جاء لا وقران فى ليلة )
حدثنا : هنادنا ملازم بن عمرو قال حدثنى عبد الله بن بدر عن قيس
-: باب ما جاء لا وتران فى ليلة :-
ذهب بعض السلف إلى نقض الوتر . واعلم أن من أوتر من الليل ثم قام
للتهجد ، فالجمهور على أنه يصلى التهجد ولا يعيد الوتر ولا ينقضه ، وإليه
ذهب أبو حنيفة ، والثورى ، ومالك ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد ،
وأبو ثور ، وابن المبارك ؛ وبه قال إبراهيم النخعى ؛ وروى ذلك عن أبى بكر
الصديق ، وعمار ، وسعد بن أبى وقاص ، وعائذ بن عمرو ، وابن عباس ،
وأبى هريرة ، وعائشة ، وعلقمة ، وطاؤس ، وأبى مجلز كما ذكره ابن قدامة
فى " المغنى" (١ - ٧٩٩)، وذكره فى " شرح المهذب" عن ابن المنذر
والقاضى عياض عن أكثر العلماء ، وروى آثار أكثرهم ابن نصر فى " كتاب
الوتر" (ص - ١٢٨ و١٢٩ )، وحكاه عن غيرهم أيضاً ، وكذا الطحاوى
فى "شرح مغافى الآثار" فى (باب التطوع بعد الوتر). وذهب جماعة إلى
أنه یصلی ر کعة ويقصد ضمها إلى وتره فیصیر شفعاً ، وهو قول اسمق،وروى
عن على وعثمان وابن عمر وسعد وغيرهم . قال ابن قدامة : ولعلهم ذهبوا إلى
قول النبى عَّجُل: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)). وكذا قال ابن نصر
وقال : وإنما هو ندب واختيار وليس بإيجاب اهـ. وقال ابن نصر (ص -
١٢٨ ): وقال طائفة أخرى : إذا أوتر الرجل بركعة من أول الليل وسلم منها
فقد قضى وتره ، فإذا نام هو بعد ذلك وأحدث لعلة احداثاً مختلفةً ثم قام
فاغتسل أو توضأ وتكلم بين ذلك ثم صلى ركعة أخرى فهذه صلاة غير تلك
الصلاة ، وغير جائز فى النظر أن تتصل هذه الركعة بالركعة الأولى التى صلاها

٢٥٦
معارف السنن
ج - ٤
ابن طلق بن على عن أبيه قال سمعت رسول الله
ـكلايـ
يقول : « لا وتران
فى ليلة)).
فى أول الليل فتصيران صلاة واحدة ، وبينها من الأحداث ما ذكرنا فإنما
هاتان صلاتان متبائنتان كل واحدة غير الأخرى ، ومن فعل ذلك فقد فعل
فقد أو تر مرتين ، ثم إذا هو أو تر أيضاً فى آخر صلاته صار مؤتمر ثلاث مرار.
وقد روى عن النبى ◌ّ﴾ أنه قال: ((لا وتران فى ليلة آهـ)). ثم إن الرجل إذا
أو تر أول الليل فإذا نام ثم استيقظ وأراد أن يصلى فليصل ركعة ويضمها بما صلاها
أول الليل حتى يصير شفعاً ثم يصلى شفعاً شفعاً ثم يؤتر آخراً كما فسره ابن نصر
وابن رشد فى " البداية" وابن قدامة فى "المغنى" والنووى فى " شرح
المهذب". قال النووى: وهو وجه حكاه إمام الحرمين وغيره من الخراسانيين .
قال الشيخ: والغرض أن يستقيم له العمل بحديث: ((اجعلوا آخر صلاتكم
بالليل وتراً)) والذى ذهب إلى نقض الوتر هو الذى ذهب إلى الإيتار بركعة أو
الإيتار بثلاث مفصولة، وفى "مسند أحمد" (٢ - ١٣٥) من طريق محمد
ابن اسحاق قال حدثنى نافع عن ابن عمر: ((أنه كان إذا سئل عن الوتر قال :
أما أنا فلو أو ترت قبل أن أنام ثم أردت أن أصلى بالليل شفعت بواحدة ما مضى
من وترى ثم صليت مثنى مثنى فإذا قضيت صلاتى أو ترت بواحدة ، إن رسول
اللّه ◌َ لل أمر أن تجعل آخر صلاة الليل وتراً)). قال الشيخ فى "كشف الستر":
وذهب راوى الحديث - وهو ابن عمر - إلى تبادر الفصل ، وبنى عليه
مسألة نقض الوتر كما قد مرعن "المسند"، وهو كذلك عند الطحاوى وابن
نصر وغيرهم عنه وعن آخرين كأمير المؤمنين عثمان وسعد ، وهى مسألة ضعيفة
عند الجمهور مخالفة لحديث : "لا وتران فى ليلة". وقال: فقد أدى اعتبار
الفصل، والإجتزاء بركعة إلى مثل هذه التفاريع اهـ. وقال فى موضع آخر .

٢٥٧
بحث إعادة الوتر وعدمِه والمذاهب فيه
قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب ، واختلف أهل العلم فى الذى
يؤتر من أول الليل ثم يقوم من آخره ، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي
حَل﴾ ومن بعدهم نقض الوتر وقالوا: يضيف إليها ركعة ويصلى ما بدا له ثم
فاستنبط ابن عمر هذه المسألة من الحديث ، وليس الأمر كذلك، فلعل ما فهمه
من الفصل أيضاً كذلك آهـ . وحديث الباب دليل الأئمة الأربعة وكل من
لم يقل بنقض الوتر ، وأصحاب ابن مسعود كانوا يتعجبون من نقض ابن عمر كما
فى "شرح معاني الآثار" (١ - ٢٠١) (باب التطوع بعد الوتر ) وكذا عند
ابن نصر (ص - ١٢٨)، وعندهما عن مسروق قال قال ابن عمر: شئ أفعله
برأبى لا أرويه ، وعند ابن نصر عن ابن عباس لما بلغه فعل ابن عمر لم يعجبه ،
وقال ابن عمر: ((يؤثر فى ليلة ثلاث مرات))، وعن عائشة: ((الذين
ينقضون وترهم هم الذين يلعبون بصلاتهم))، ومثله عن ابن عباس: ((ذاك
الذى يلعب بوتره)) اهـ. قال ابن رشد فى "قواعده" (١ - ١٦٢) : وفيه ــ أى
فى نقض الوتر - ضعف من وجهين، أحدهما : أن الوتر ليس ينقلب إلى النفل
بتشفيعه ، والثانى: أن التنفل بواحدة غير معروف فى الشرع ، وتجويز هذا ولا
تجويزه هو سبب الخلاف فى ذلك، فمن راعى من الوتر المعنى المعقول وهو ضد
الشفع قال : ينقلب شفعاً إذا أضيف إليه ركعة ثانية ، ومن راعى منه المعنى
الشرعى قال : ليس ينقلب شفعاً لأن الشفع نفل والوتر سنة مؤكدة أو واجبة ،
انتھی کلامه وهو جيد متين .
قوله . حسن غريب . عزاه الحافظ فى "التلخيص" (ص - ١١٧ ) إلى
. أحمد والسنن الثلاثة -أى الترمذى وأبى داؤد والنسائى - وابن حبان ثم قال: وقال
الترمذى: حسن . قال عبد الحق: وغيره يصححه اهـ .
(٢ - ٣٣ )

٢٥٨
معارف السنن
ج - ٤
يؤتر فى آخر صلاته لأنه لا وتران فى ليلة وهو الذى ذهب إليه اسحاق ، وقال
بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ ﴾ وغيرهم: إذا أوتر من أول الليل ثم
نام ثم قام من آخره أنه يصلى ما بدا له ولا ينقض وتره ويدع وتره على ما
كان ، وهو قول سفيان الثورى ومالك بن أنس وأحمد وابن المبارك ، وهذا
أصبح لأنه قد روى من غير وجه أن النبى ◌َ ◌ّ قد صلى بعد الوتر.
حدثنا : محمد بن بشار نا حماد بن مسعدة عن ميمون بن موسى المرئى
عَدخله كان يصلى بعد الوتر
عن الحسن عن أمه عن أم سلمة: ((إن النبى
ركعتين ) .
قوله: قد صلى بعد الوتر. أراد أن قوله جَلالٍ: ((اجعلوا آخر صلاتكم
بالليل وتراً)) إنما هو للندب دون الوجوب حيث ثبت عنه خلافه . وذهب
بعضهم إلى الوجوب كما فى "الفتح" خلافاً الجمهور، وثبت إنكار مالك عن
الركعتين بعد الوتر كما هو عند النووى فى " شرح مسلم " .
قوله : ميمون بن موسى المرئى. المرئى منسوب إلى امرئ القيس . المرئى
بفتحين وهمزة كما فى "التقريب". قال الحافظ عبد الغنى الأزدى فى "مشتبه
النسبة" (ص - ٧٣): وأما المرئى - بالراء والهمزة تليها - فهم قليل، وهم من
امرأ القيس من مضر ، منهم ميمون بن موسى المرئى ، والناس يكتبونه بالألف
بين الياء والراء اهـ .
قوله : يصلى بعد الوتر ركعتين . الركعتان بعد الوتر أسلفنا أنه أنكرهما
مالك وقال : لا أصليهما، ولم يثبت فيها شئ عن أبى حنيفة والشافعى ، وصلاهما
مرة أحمد فقط، والبخارى وإن أخرج الرواية غير أنه لم يعقد عليهما باباً ،
فعلم أنه لم يذهب إليها ، وذكر النووى فى "شرح مسلم" وغيره الجواز فقط
لأجل ورودهما فى الحديث .

٢٥٩
بحث الركعتين بعد الوزر جالساً أو غير جالس
ـلانـ
وقد روى نحو هذا عن أبى أمامة وعائشة وغير واحد عن النبى
قال شيخنا رحمه اللّه: لو ثبت الركعتان بعد الوتر فالسنة فيهما الجلوس
دون القيام ، فإن الجلوس فيهما قصدى غير أن لى تردد فى ثبوتهما لما تقدم ،
وراجع ما قدمته فى ( باب ما جاء فى الوتر بخمس ) وثبت فيها قراءة " إذا
زلزلت" و"قل يا أيها الكافرون" كما رواه أحمد، والطحاوى، وابن نصر،
والبيهفى (٣ - ٣٣) من حديث أبى أمامة: ((إن النبى عَ لٍَّ كان يصلى
ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيها : "إذا زلزلت" و"قل يا أيها
الكافرون")). وكذا عند البيهقى فى " الكبرى" وفى " المعرفة" كما فى
"الجوهر النقي"، وعند الدارقطنى من حديث أنس بمثل حديث أبى أمامة ،
وفى الركعتين جالساً من غير تعيين القراءة حديث أم سلمة عند الدار قطنى
والبيهقى ، وحديث عائشة عند مسلم والنسائى وأبى داؤد ، وهو الذى أشار إليه
الترمذى هنا . وأما حديث ثوبان عند الدارمى والطحاوى والدارقطنى والبيهفى
- واللفظ له - قال: ((كنا مع رسول اللّه عَ لٍ فى سفر فقال: فى هذا السفر جهد
وثقل فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له )) فقال
البيهقى : يحتمل أن يكون المراد به ركعتان بعد الوتر ، ويحتمل أن يكون أراد :
"فإذا أراد أن يؤثر فليركع ركعتين قبل الوتر" اهـ. قال الراقم: والظاهر عندى
الثانى، وإليه ذهب شيخنا فى "الكشف"، واختاره القارئ فى "المرقاة". وفى
"طبقات الشافعية" (٥ - ١٣٩) فى ترجمة أبى عمرو ابن الصلاح فى الركعتين
بعد الوتر، وقيل : إنها سنة الوتر كالركعتين بعد المغرب سنة المغرب ، وجعلت
ركعتا الوتر بعد جائزة عن قعود إشارة إلى أنه غير . واجب، وقيل : إن ذلك
منسوخ انتهى .
قال الراقم : وذكر بعضهم السر فى أدائهما جالساً أن لا تقدح فى آخرية

٢٦٠
معارف السنن
ج - ٤
( باب ما جاء فى الوفر على الراحلة )
حدثنا : قتيبة نا مالك بن أنس عن أبى بكر بن عمر بن عبد الرحمن عن سعید
ابن يسار قال: ((كنت مع ابن عمر فى سفر فتخلفت عنه فقال: أين كنت؟
فقلت: أو ترت، فقال: أليس لك فى رسول الله أسوة حسنة؟ رأيت رسول الله
حَ لم يؤثر على راحلته)).
الوتر والله أعلم .
-: باب ما جاء فى الوتر على الراحلة -:
قال الجمهور: يجوز الوتر على الراحلة، وقال أبو حنيفة وأتباعه: لا يجوز،
وهو مذهب عروة بن الزبير ، ومحمد بن سيرين ، وابراهيم النخعى كما فى
"العمدة" (٣ - ٤١٦)، وروى ذلك عن الفاروق، وكذا ابنه كما فى "مصنف
ابن أبى شيبة" والطحاوى . أقول : وينبغى أن يكون هو مذهب كل من حكى
عنه وجوب الوتر كابن مسعود ، وحذيفة ، وابن المسيب ، ومجاهد ، وعبيدة
ابن عبد الله بن مسعود وغيرهم ممن تقدم وإن لم يذكروه فى هذا السياق فليتنبه .
وبالجملة فالإختلاف فيه من عهد السلف، وحديث الباب دليل الجمهور،
ولأبى حنيفة ما أخرجه الطحاوى فى " شرح معاني الآثار" (باب الوتر على الراحلة)
(١ - ٢٤٩) من طريق حنظلة بن سفيان عن نافع عن ابن عمر: ((أنه كان
يصلى على راحلته ويؤتر بالأرض ويزعم أن رسول اللّه عَ لَّةٍ كان يفعل كذلك))
وإسناده صحيح كما فى "العمدة" (٣ - ٤١٦)، وكذلك أخرجه أحمد فى "مسنده"
من طريق سعيد بن جبير: ((أن ابن عمر كان يصلى على راحلته تطوعاً ، فإذا
أراد أن يؤتر نزل فأوتر على الأرض))، ذكره فى "العمدة". وبالجملة هو
موقوف لا مرفوع . وأجاب الطحاوى عن حديث ابن عمر فى الإيتار على