النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ بيان بعض الأدلة فى الإيتار بثلاث بسبع)) ، قضت عليهم شدة الحرص فى كراهة الثلاث أن ذهلوا أن الحديث بدل على أن لا وتر هناك فى ذهن الشارع أقل من ثلاث، وإنه يريد أن لا يقتصروا عليه فيتركوا صلاة الليل رأساً، وقد خفى عليهم هذا مع ظهوره الخ. ومن أهم الأدلة فى الباب رواية أبى الزناد فى تعامل فقهاء المدينة السبعة ومن عداهم أهل فقه وفضل وصلاح عند الطحاوى وسنده حسن - كما تقدم -. وكذا رواية أبى العالية، وهو من كبار التابعين، أدرك كبار الصحابة وصلى خلف عمر بل سمع منه كما فى "التهذيب". قال: ((علمنا أصحاب محمد عَّ لٍّ أو علمونا أن الوتر مثل صلاة المغرب غير أنا نقرأ فى الثالثة ، فهذا وتر الليل وهذا وتر النهار » رواه "الطحاوى" بإسناد صحيح ، فناهيك به حجة أن ذلك قول جمهرة الصحابة إن لم يكن قول كافتهم . والآثار عن على وعبد الله متفقة متوافقة لا خلاف فيها ولا معارضة ولا تناقض من غير إبهام وإجمال ، وتذكر قول مسروق فيها كما تقدم بيانه فى مبحث رفع اليدين ، وفى آخره : ثم شائمت هؤلاء الستة فوجدت علمهم ينتهى إلى على وعبدالله، وهذا القدر يرشدنا إلى طانينة ، ويقول الحسن البصرى: ((أجمع المسلمون على أن الوتر بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن))، رواه ابن أبى شيبة كما فى "نصب الرأية" (٢ - ١٢٢)، والراوى عن الحسن عمرو. قال الزيلعى : الظاهر أنه عمرو بن عبيد وهو متكلم فيه اهـ . ويقول الحافظ فى "الدراية": وهو متروك. وربما يكون قول الزيلعى وسطاً فيه، فإن عبدالوارث ابن سعيد ممن يوثقه ويصدقه كما فى "التهذيب" فى ترجمة عبد الوارث ، وابن عدى والعقيلى ساقا له جملة أحاديث غالبها محفوظة المتون ، كما فى "ميزان الإعتدال " فی ترجمة عمرو بن عبيد ، وابن حبان ينفى عنه تعمد الكذب كما فى "الميزان". وفى "صحيح البخارى" من كتاب الفتن فى (باب إذا التقى المسلمان بسيفهما) : حدثنا عبد الله بن الوهاب نا حماد عن رجل لم يسمه عن الحسن اهـ. "قال فى "الفتح" (١٣ - ٢٦ و٢٧ ): قوله " عن رجل لم يسمه" هو عمرو ٢٢٢ معارف السنن ج - ٤ ابن عبيد شيخ المعتزلة ، وكان سي الضبط ، هكذا جزم المزى فى " التهذيب" بأنه المبهم فى هذا الموضع اهـ. فذكره البخارى فى "صحيحه"، واكتفاء الحافظ هنا بسوء ضبطه وقول عبد الوارث وابن حبان كل ذلك مما يدل على أنه يحتمل فى مثل هذا فى الجملة . علا أن فيما تقدم من الروايات وبالأخص فى رواية أبى الزناد وأبى العالية ما يشهد لصحته، وبأخص الخصوص لفظ أبى الزناد: ((أثبت عمر بن عبدالعزيز الوتر بقول الفقهاء: ثلاثاً لا يسلم إلا فى آخر من)) عند الطحاوى بإسناد صحيح ، وأثر أبى الزناد هذا وكذا قول الحسن يشيران إلى أنه وإن كان هناك بعض روايات فى الباب مختلفة غير أنهم أجمعوا على الثلاث ، وكأنهم أجمعوا بعد البحث والفحص روايةً وفقهاً ، فإذن من خالف هذا فكأنما أحدث خلافاً بعد وفاق ، وذلك نظراً إلى الروايات وإنعماضاً عن التعامل والتوارث المستفيضين، وإجماع السلف على الثلاث فى رمضان لا ينكر ، وفى " صحيح البخارى " من أبواب الوتر: قال القاسم : ورأينا أناساً منذ أدركنا بؤترون بثلاث وإن كلاً لواسع اهـ. وليس هذا بتعليق وإنما هو موصول بسند البخارى لحديث ابن عمر: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) كما نبه عليه الحافظ. والقاسم هو : ابن محمد بن أبى بكر ، والرواية هذه أيضاً تدل على تعامل جارٍ فى عهده على الثلاث ، وهو من الفقهاء السبعة الذين اختاروا الإيتار بثلاث مع روايته لحديث ابن عمر فى الوتر بركعة . وبالجملة المناط فى الباب والفصل فى معرض الخصام إنما هو التعامل دون محمض الروايات . وحديث: (( يؤثر بثلاث يقرأ فى الأولى بـ "سبح اسم ربك الأعلى" وفى الثانية "قل يا أيها الكافرون"، وفى الثالثة "قل هو الله أحد" الخ)) - وهذا لفظ حديث أبي بن كعب عند النسائى - يرويه نحو عشرين من الصحابة منهم : عبد الله بن مسعود، وعائشة، وعمران بن حصين ، وابن عباس ، وجابر، وأبو أمامة، وابن عمر، وعبدالرحمن بن أبزى ، أشار إلى بعضها الزيلعى ٢٢٣ تحقيق أن حديث الإيتار بثلاث بسلام واحد صحيح وإلى بعضها الحافظ فى "التلخيص". وانظر " الكشف" ( ص ـ ٢٦)، وحدیث أبیعند النسائى،و حديث عبدالرحمن بن أبزى عنده وعند أحمد والطحاوى، وحديث ابن عباس عند الترمذى ، كل منها صحيح بإعتراف الحافظ العراقى وغيره ، وأضحت شواهد لصحة البقية ، وإفراد الثلاث بالقراءة دليل شاف على وحدة الصلاة ، ووحدة الصلاة دليل على أنها بتسليمة ، وقد اعترف الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٠٠) - ميرية - بدلالة هذه الأحاديث على وصل الثلاث بسلام واحد ، ورد بها كلام ابن نصر فى الإنكار على صحة الوصل ، فهل بعد ذلك يبقى مجال البحث للمنصف أو ريب فى قوة ما اختاره أبو حنيفة ومن وافقه من الأئمة ؟! وليس من النصفة فى شئ وضع متمسكاته المحتملة موضع النص الصريح ، ووضع صرائح نصوص الخصم كالمسكوت عنه ، أو عدم ملاحظتها كالشئ المطروح . ودليل الحنفية فى ترجيح الثلاث بأنها جائزة عند الكل وما عداها ما فوقها وما دونها مختلف فيه فى غاية القوة ، وتعقب ابن نصر إياه فى "قيام الليل" بحديث: ((لا تؤتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب ولكن أوتروا بخمس الخ )) فى غاية الضعف ، ومن ذا الذى ذهب إلى وجوب الإبتار بما فوق الثلاث. وقوله بَ لٍ ذلك حث وتحريض على ضم شئ من صلاة الليل إلى الوتر. ومن ذا الذى تعين عنده النهى للتحريم دائماً، أفلا يكون للتنزيه ولخلاف الأولى أحياناً ؟ . ثم هل يقطع النظر من حديث أبى أيوب عند النسائى وأبى داؤد وغيرهما: ((ومن شاء فليؤتر بثلاث الخ)) وكذا من بقية الأحاديث التى هى نص صريح فى الإيتار بثلاث من فعله بِ الّ على سبيل العادة أو يوفق بين المرفوعات. وكذا تأويل الحافظ فى " الفتح" عدم التشبه بعدم القعدتين فى الوتر فى غاية الوهن، فإن آخر الحديث: ((ولكن أوتروا بخمس)» يرد عليه صريحاً فإنه دل على أن المراد التشبه فى الركعات لا غير. والله ولى الهداية والتوفيق، وهو حسبنا الله ونعم الوكيل ٠ ١٥ ٢٢٤ معارف السنن ج - ٤ فائدة : قد كنت أفردت فى مذكرتى مما كنت ألقيه على الطلبة كلمةٌ موجزةً فى أدلة الإيتار بثلاث، ومن ذهب إليه من الصحابة والتابعين، ولا أرى بأساً بنقلها لكى ينتفع بها الطلبة ، وليكون لهم عوناً على حفظ كلام موجز متين والله الموفق والمعين . وممن ذهب إلى أن الوتر ثلاث بتسليمة: عمر وعلى وابن مسعود وحذيفة وأبى بن كعب وابن عباس وأنس وأبو أمامة وعمر بن عبدالعزيز والفقهاء السبعة وأهل المدينة وأهل الكوفة كلهم ، فمن العجائب قول النووى من أن عدم صحة الإيتار بواحدة لم يقل به غير أبى حنيفة والثورى وأحمد فى رواية: والحسن بن حی وابن المبارك، ويا ليت لولاحظ نظرة إلى "جامع الترمذى" فإنه صرح فيه بأنه مذهب جماعة من الصحابة وغيرهم ، وقد حكى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" بإسناده عن الحسن إجماع المسلمين بذلك كما فى "الزيلعي" و"العمدة" وكك عن الكرخى ، والأدلة على ذلك أحاديث وآثار صحيحة : ١- منها: حديث عائشة مرفوعاً: ((يؤثر بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن)). الحاكم على شرطها. ٢- منها: حديث عائشة مرفوعاً: ((كان رسول اللّه عَلٍ لا يسلم فى ركعتى الوتر)). رواه النسائي والحاكم . ٣- منها: حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب )) الدارقطنى وغيره ، لهم فى رفعه كلام ، وصححوه موقوفاً ، وله شاهد مرفوع من حديث عائشة ، ومن حديث ابن عمر أيضاً . ٤- منها: حديث ابن عمر قال: ((قال رسول اللّه عَ لّ : صلاة المغرب وترصلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل)). "النسائى" (على شرطهما) ولعله "الكبرى". أنظر "الكشف" (ص - ٣٣) لإمام العصر. ٢٢٥ عدة أحاديث فى الوتر بثلاث ٥- منها : عن عقبة بن مسلم قال: ((سألت عبد الله بن عمر عن الوتر فقال : أتعرف وتر النهار؟ فقلت : نعم صلاة المغرب ، قال : صدقت و أحسنت)). رواه الطحاوى، وإسناده صحيح . ٦- منها: عن أبى العالية: ((علمنا أصحاب رسول اللّه عَ لّ أن الوتر مثل صلاة المغرب ، وهذا وتر الليل وهذا وتر النهار )) . الطحاوى . ٧- منها: عن أنس قال: ((الوتر ثلاث ركعات)). الطحاوى. ٨- منها: عن المسور بن مخرمة قال: ((دفنا أبا بكر ليلاً فقال عمر رضى الله عنه: إنى لم أوتر فقام وصففنا وراءه فصلى بثلاث ركعات لم يسلم إلا فى آخرهن)). الطحاوى فى "الآثار". ٩- منها: عن عبد الله بن قيس قال: ((قلت لعائشة: بكم كان رسول اللّه عڑ يؤ مر؟ قالت: کان یؤتمر بأربعوثلاث، وست ثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث ، ولم يكن يؤتر بأقل من سبع ولا أكثر من ثلاث عشرة.)) . أبو داود . ١٠- أوتر سعد بن أبى وقاص بركعة فأنكر عليه ابن مسعود وقال : ((ما هذه البتيراء التى لا نعرفها على عهد رسول اللّه حَ الٍ؟)). حكاه البدر العينى عن ابن أبى شيبة . ١١- منها: حديث الحارث عن على رضى الله عنه: ((كان رسول الله فَ الله يؤتر بثلاث)). الترمذى، والحارث ضعيف، وهناك من يوثقه فى روايته ومع هذا فله شواهد كثيرة . ١٢- منها: حديث: ((يؤتر بـ " سبح اسم ربك الأعلى" فى الأولى و"قل يا أيها الكافرون" فى الثانية و"قل هو الله أحد" فى الثالثة)) رواه الجماعة ( م - ٢٩ ) ٢٢٦ معارف السنن ج - ٤ من الصحابة فوق عشرة ، منهم : أبى بن كعب وعائشة وعمران بن حصين وابن عباس وعلى وجابر وأبو أمامة وابن عمر ، وإفراد الثلاث بالقراءة دليل شاف على وحدة الصلاة ، وهى على وحدة السلام. "الكشف" (ص - ٢٨). وقد اعترف الحافظ بدلالة هذه الأحاديث على وصل الثلاث فى " فتح البارى " (٢ - ٤٠٠) ميرية. ورد بها كلام ابن نصر فى الإنكار على صحة الوصل فليتنبه. ١٣- منها: أن الحسن قيل له: ((كان ابن عمر يسلم فى الركعتين من الوتر ، فقال: كان عمر أفقه منه، كان ينهض فى الثانية بالتكبير)). رواه الحاكم فى "المستدرك" (١ - ٣٠٤). ١٤- منها : ((وهذا وتر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعنه أخذه أهل المدينة)) هذه زيادة فى حديث عائشة ((يؤتر بثلاث لا يقعد إلا فى آخرمن)) عند الطحاوى والحاكم . ١٥- منها: عن ثابت قال: ((قال أس: يا أبا محمد خذ عنى فإنى أخذت عن رسول اللّه صَلّ وأخذ رسول اللّه ◌َلٍّ عن اللّه، ولمن تأخذ عن أحد أوثق منی))، وفيه: « أو تر بثلاث يسلم فىآخرهن )) "منتخب الكنز" ورجاله ثقات حكاه فى "كشف الستر". ١٦- منها: حديث عائشة فى " الصحيحين": ((يصلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن الخ)، يتبادر منه الثلاث بتسليمة ولاسيما إذا ضم هذا مع ما سبق من . ألفاظ فى روايتها ١٧- منها: حديث أبى مرفوعاً: ((الوتر بثلاث)) عند النسائى .. ( كشف السبر ) . ١٨- منها: الوتر فى حديث حذيفة ثلاث، كما يظهر من "العمدة" (٣ - ٦٢٢) ( كشف الستر ). ٢٢٧ بقية بحث الوتر بثلاث وبركعة ( باب ما جاء فى الوتر بركعة ) حدثنا : قتيبة نا حماد بن زيد عن أنس بن سيرين قال : سألت ابن عمر فقلت: ((أطيل فى ركعتى الفجر؟، فقال: كان النبى عَلَّه يصلى من الليل مثنى مثنى ، ويؤثر بركعة ، وكان صلى الركعتين ، ١٩- منها: عن أبى أيوب ((الوتر حق واجب فمن شاء فليؤ تر بثلاث)) ورجاله ثقات عند الدارقطنى. ( كشف الستر ) . ٢٠_ منها : عن أبى الزناد وعن السبعة: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبى بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله وسليمان بن يسار فى مشيخة سواهم أهل فقه وصلاح وفضل ، وربما. اختلفوا فى الشئ فأخذ بقول أكثرهم وأفضلهم رأياً ، فكان مما وعيت عنهم على هذه الصفة: ((إن الوتر ثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن)) رواه "الطحاوى" (١ - ١٧٥) وإسناده حسن ، وخالد بن نزار الأيلى من أصحاب مالك ، وثقه الدار قطنى كما فى "اللسان". -: باب ما جاء فى الوتر بركعة :- قوله : ويؤتر بركعة . تقدم منشأ تعبيره وما يعارضه من أحاديث فعلية صحيحة ، نعم لا بد من تسليم أن فى الصحابة من ذهب إلى الإيتار بركعة فذة ، وكذا فيهم من ذهب إلى الإيتار بثلاث بتسليمتين ، غير أن الأهم فى الباب لإحتجاج بالمرفوعات ، وتوجيهها وتعيين مرادها ، ولا يلزم على أهل المذاهب الجواب عن كل أثر موقوف فى الباب - يعنى إذا كان عندهم أقوى من حجة - وما قاله النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٢٥٣) فى شرح حديث عائشة: ((ويؤثر منها بواحدة)) أنه دليل على أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة ، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور آهـ. فيكفيه رداً كما ٢٢٨ معارف السنن ج - ٤ والأذان فى أذنه)). وفى الباب عن عائشة ، وجابر ، والفضل بن عباس ، وأبى أيوب ، وابن عباس . قال أبوعيسى : حديث ابن عمر حديث حسن صحيح ، والعمل نبه عليه شيخنا ما فى "طبقات الشافعية" (٥ - ١٣٩) فى ضمن المسائل والفوائد المنقولة عن ابن الصلاح فى ترجمته : بأن الركعة ليست بمطلوبة للشارع أبداً من حيث أنها ركعة بل من حيث أنها تؤتر ما تقدم ، فهناك يطلب انفرادها، وهذا أمر لا يكون فى غير الوتر ، وقال هو - أى الإقتصار على الركعة فى الوتر - مع صحته على تلوم فيه خلاف الأفضل فليس بقربة من حيث أنها ركعة منفردة - إلى أن قال -: ففى الركعة المنفردة عموم وخصوص، فعموم كونها صلاة صيرها قربة ، وخصوص كونها ركعة ليس من القربة فى شئ إلا فى الور آهـ . وأيضاً فى " الطبقات" (٦ - ١٨٧): وإن من أوتر بأكثر من ركعة ينوى قيام الليل إلا فى الذى يقع به الإيتار فى الآخر فينوى به الوتر ، والأصح عند النووى أنه ينوى بكل شفع ركعتين من الوتر اهـ . ثم هل تصح عندنا الركعة الفردة من النفل ؟ فذهب معاصر لصاحب "البحر" أنها صحيحة مكروهة، ورده صاحب " البحر" فقال: هى باطلة. كما فى (٢ - ٧٠) من ( باب إدراك الفريضة فى أوله). وقد استوفى أطراف المسألة شيخنا فى " تعليقات كشف الستر" (ص - ٧ و٨) من عبارات كتب المشائح فليراجع . قوله والأذان فى أذنه بريد بالأذان الإقامة، والغرض السرعة فى أدائها . وهكذا فسره القاضى عياض كما حكاه النووى ، وكذلك شرحه البدر العينى فى "العمدة" (٣ - ٤١٠) ويقول الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٠٥): فالمعنى أنه كان يسرع بركعتى الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة خشية فوات أول ٢٣٩ تحقيق الإبتار بركعة من كلام إمام العصر رحمه الله على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ لّ والتابعين: رأوا أن يفصل الرجل بين الركعتين والثالثة يؤتر بركعة؛ وبه يقول مالك ، والشافعى ، وأحمد ، واسحاق . الوقت اهـ. وكذلك فسره حماد بن زيد عند البخارى فقال قال حماد: أی بسرعة قال الراقم : واللفظ يحتمل أن يكون الغرض التعجيل فى أداء الركعتين متصلاً بالأذان كأن الأذان بأذنبه أى لم ينقطع بعد، وربما يكون هذا هو المتبادر والظاهر من اللفظ والله أعلم وإذ قد فرغنا من مسألة خلافية مشهورة فى الوتر من الخلاف فى عدد الركعات ، والوصل والفصل فيها ، وددت : أن أزف نتفاً فى غاية من الأهمية من "كشف الستر" بتسهيل فى التعبير وتلخيص للغرض ما يتعلق بروايات الإيتار بركعة فإنها أصبحت مشكلة على الأنظار ، والشيخ رحمه الله قد حلها وحللها فى غاية من الدقة ، وهى نظير حديث ابن عمر فى رفع اليدين ، فأذكر كلمات له فى شرحها وتحقيقها من مواضع مختلفة والله ولى التوفيق قال رحمه الله: إن حقيقة الوتر لما كانت تتقوم بواحدة فى الأصل واعبر فى الوتر أن يكون لإيتار صلاة الليل ، لزم أن تأتى هناك أحاديث تكشف عن هذه الحقيقة ، وعليه صلاة الليل مثنى مثنى ، والوتر ركعة من آخر الليل . ثم لم تكن صلاة الليل لازمة لزوم الوتر ، وإنما الأمر فيها موكول إلى رأى المصلى ، والصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر ومن شاء استقل، كما فى حديث، فجاء التصدير بقوله : صلاة الليل مثنى مثنى ، أخذ من أقل ما تكون، وكرر اللفظ تنبيهاً على أن للمصلى أن يتدرج فيها ويرتقى شفعاً شفعاً كما شاء ، ولما كان اعتبر فى الوتر أن يكون موتراً لما قبله وكان ما قبله غير لازم فكان ٢٣٠ معارف السنن ج - ٤ يوهم أن الوتر ليست بصلاة مستقلة ، وربما يتوهم أنه إذا لم تكن صلاة الليل لم تكن الوتر ، إذن كان لا بد أن يبين كونها صلاة مستقلة مع أقل ما يؤتره ، فدفعاً لذلك الوهم وكشفاً لهذه النكتة جاء قوله بجَّ: ((إن الله أمدكم بصلاة هى خير لكم من حمر النعم ، جعلها الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)). ولكنه لم يفرد له وقتاً بل أدخله فى العشاء وجعلها من توابعها ، فاجتمعت فيها الجهتان ، جهة الإستقلال وجهة التبعية ، والمقصود أن اللّه سبحانه كتب عليكم خمس صلوات فى الليل والنهار ليؤجركم بها ، ثم لم يكتف بها بل زادكم صلاة فشرع لكم الوتر زيدكم فى أجوركم ، وقال فى " مرقاة الصعود" : أى زادكم صلاة لم تكونوا تصلونها قبل على تلك الهيئة والصورة ، فإن نوافل الصلاة كانت شفعاً لا وتر فيها اهـ. ثم لما أكد أمر الوتر وشأنه لزم أن يعين ما هو الوتر فى الأصل وهى الواحدة ، وأقل ما يؤتره هو شفع واحد وأن يجعل صلاة برأسها ، وتكون وتراً شرعياً فجاءت ألفاظ تؤدى أن الوتر ثلاث، ومنها حديث: ((صلاة المغرب وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل )) . ولما كان صلاة الليل أفضل صلاة بعد الفريضة لا يعادلها صلاة غير المكتوبة فرغب فى أن لا يقتصر على أقل ما يكون وتراً، فقال: ((لا تؤتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب ولكن أوتروا بخمس أو سبع أو أكثر)). فهذه اعتبارات من جهات ، وقد تبين أن الوتر فى الأصل للإيتار ، وعليه وردت تسمية كل صلاة الليل وتراً ؛ ثم يبفى هذا النظر فى العلم فقط أو يظهر أثره فى العمل أيضاً اختلف فيه وبقى النظر دائراً ، واختلفت الأنظار لإختلاف الإعتبارات وترجيح بعضها على بعض ، لا أنهم بقوا فى مغالطة من الشريعة والتباس من الأمر حتى يرتفع الأمان عن الروايات ، ولا ريب أن مثل هذه الأمور التى اجتمعت واحتفت بالوتر لا يوجد فى غيره ، ولست أريد أن هذه ٢٣١ بقية الإيتار بركعة ومنشأ هذا التعبير الأنظار ظهرت متعاقبة ، فجرى الأمر على منهاج ثم تغير إلى غيره ، بل أريد أنها أنظار جاءت معاً واجتمعت فى موضع ، وفى مثل هذا ينبغى أن يرجع إلى الفعل بعد القول وإلى البيان بعد الإجمال وإلى التعامل بعد الروايات ، فلا حيرة ولا قلق من بقاء اختلافات فى شئ مشهود على رؤس الأشهاد ، فإن تجاذب الجوانب كما هو موجود ، والإعتبارات العلمية كما هى واقعة ، فيصعب فى مواضع عملية اجراؤها ، ويشكل طردها وعكسها ، فلا بد أن يقع خلاف ولا ينفصل طول الأعمار ، بل ليس من الممكن أن ينص الشارع على شى ويصدع فيه بأمر فيمتنع مجال الإجتهاد بعده وينسد احتماله ، فقد يجرى الإجتهاد بعد النص أيضاً ولا يزال يجرى فيه الإجتهاد وإن نص وإن كان مما تعم به البلوى ، وهذا يعلمه، من عنى بمثله وذاقه ومن لم يذق لم يدر. نعم إن الإختلاف إنما يقلق إذا كان فى المنصوص ، وإذا لم تجعل اختلاف السلف فى الأحكام الشرعية التى لها مساغ فى الجملة للإحتهاد نقلاً للشريعة وجرياً على ما تلقوه سهل الأمر جداً وهان الخلاف ، فالوتر يستلزم أن يكون قبله شفع ، لأن الإيتار هنا ليس بأن يؤثر من الأشياء فى الجملة بناءً على أن اللّه تعالى وتر يحب الوتر ، فإن هذا يجرى فى الأشياء كلها ، كأكل التمر يوم الفطر وتراً ، ولا تخصيص له بالصلاة ، بل المراد : أن الصلاة جاءت أشفاعاً والشفعية قدحت فى الوتربة فأوتروها . ولو لم يكن سائر الصلوات رأساً لما كانت الركعة الواحدة ، ولكان العدم يحفظ الوترية لا يقدح فيها فإذا جاءت الشفعية ولم تجبر بوتر فهذا مما لا يحبه الله. ثم إذا لم تكن صلاة الليل وقلنا أن الركعة الواحدة تؤثر العشاء ، وسيما إذا كان المقصود الإتيان بصلاة هناك تكون وتراً لا إيقاع فعل الوتر على العشاء ، فهذا يمكن عقلاً لكن ما جاء الحديث به من حيث اللفظ فإن الحديث : ((صلاة المغرب وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل))، وكذا: ((صلاة الليل مثنى مثنى الوتر ركعة من آخر الليل))، وقوله: ((صلاة الليل مثنى مثنى ٢٣٢ معارف السنن ج - ٤ فإذا خشى أحدكم الصبح صلى واحدة تؤثر له ما قد صلى )) ونحو ذلك ، ففى هذه كلها أحال على صلاة الليل وهى غير العشاء فى عرف الشارع ، فلا بد إذن من تقدم شئ من الشفع على الوتر ، وليس عندهم فى الوتر بواحدة قولاً إلا حديث: ((الوتر ركعة من آخر الليل )) من طريق أبى مجلز عن ابن عمر ، وهو مع كونه مختصراً وتمامه عند ابن ما جه يفيد تقدم شئ وله نقله إلى آخر الليل وإلا لم ينقل. ثم إن أمر الفصل والوصل يدور على حرف واحد وهو كون الوتر مع شفع قبله صلاة واحدة أو هما صلاتان ، فهل مراد الشارع بقوله : ((صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل)) أن تلك الركعة صلاة مستقلة ليست مما يصدق عليه صلاة الليل ، وأنكم إذا جئتم بصلاة الليل أشفاعاً فجيئوا بصلاة أخرى تسمى وتراً حتى تكون صلاة من بين الصلوات فى الليل وتراً وتكون ختاماً لها ، فهذا وإن كان مما يمكن عقلاً ويحتمل أن يكون مراداً غير أن الظاهر أنه لا يتبادر هذا من اللفظ الوارد ، وإنما المراد : إذا جثم بصلاة الليل شفعاً شفعاً فزيدوا عليها وتراً، وهو إذن من جملة صلاة الليل على ما تدل عليه اللغة من غير دخل لعرف شرعى فيه ، وهذا يلائم الوصل ، وبالأخص إذا لم يثبت عن الشارع أمر زائد وسكت هو عن كونه صلاة مستقلة ولم يتعرض للفصل ، فيحمله السامع. إذن على أنه من جنس ما قبله جيثى به للإيتار فقط . فإن الظاهر أن من خوطب بمثل ذلك ولم يكن عنده عرف من قبل لا يحمله إلا على ذلك . ثم بعد ذلك إذا جرى الأمر على الوصل وكان لابد من شفع ووتر وهو الثلاث وتعارفوه كذلك وتعاملوا به فلابد إذن أن يقال أن مجموع الشفع والوتر صلاة واحدة سماه الشرع وتراً، ويستحسن ذلك لهم ، لكن خطاب الشارع لمن سأله أولاً إنما هو على متفاهم اللغة قبل تعارف شرعى، وينبغى أن يراجع ههنا ما ذكره علماء الأصول فى الأسماء الشرعية، أ هى عرف للشارع أم للمتشرعة؟. فإذا ذقت هذا علمت أن الحديث كشف سر ما وقع من الاختلاف فى الوتر واستغراب الوتر بركعة ٢٣٣ ليس دليلاً على الفصل فإنه لم يطلق فى الحديث اسم صلاة الليل على المثنى أولاً وعلى الواحدة ثانياً ، بأن يقول تلك صلاة وهى صلاة ، بل إنما أطلق اسم صلاة الليل على السلسلة المسرودة ضربةً واحدةً ، وتلك السلسلة صلاة واحدة لاصلوات متعددة، ثم بعد ذلك يجرى التعارف ، ولكن إن بعض الصحابة حملوه على أن هناك صلوات فجروا على الفصل، وهم قد يرفعون الفصل إلى النبي ◌ٍَّ؛ لأنهم إذا فهموه من المرفوع فهو مرفوع عندهم ، وقد جرى مثل ذلك فى غير هذا الباب كثيراً، فهم يحملون آية من القرآن على جزء ويقولون : نزلت فيه وهو غير محصور ، وقد نبه عليه العلماء . وبالجملة : فمن عنى بالبحث عن تلك المسائل واعتنى به فلعل الله لا يحرمه عن الإصابة أو مصادفة الراجح ، فلا يقلقك أن عملهم كاشف للشريعة ، وإذا اختلفوا فيما تكرر وقوعه فقد التبست ولم يبق سبيل للمريد. هذا والأمر بيد الوتر الصمد ، يفعل الله ما يشاء ، ويحكم ما يريد. وقد جرت المناظرة والمذاكرة بين الصحابة فى هذه المسألة ، کما بين ابن مسعود وسعد بن أبى وقاص عند الطحاوى وغيره، وما بين أنس وأبى محمد عند ابن عساكر كما فى "المنتخب"، وكما يدل عليه رواية أبى العالية عن أصحاب محمد عَلهم عند الطحاوى، وكرواية أبى الزناد عنده فى حكم عمر بن عبد العزيز بقول الفقهاء السبعة ، وكقول سعد ابن هشام بعد ذكر حديث عائشة فى الإيتار بثلاث: ((وهذا وتر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب)) عند "الحاكم"، فقد جرى هناك بحث وكشف ألبتة، وكذلك وقع استغراب للوتر بركعة وتردد وتساؤل ، كما عند الطحاوى من قصة سعد ابن أبى وقاص ، وكما عنده من استغراب بعضهم إيتار معاوية بركعة ، حتى صوبه ابن عباس أو استنكره مرة أخرى ، كما عند الطحاوى أيضاً ، ومن الإستغراب أيضاً ما عند البخارى من الدعوات من الدعاء للصبيان من إيتار سعد (٢ - ٣٠) ج - ٤ معارف السنن بركعة ، وكذا ما عنده من باب ما ذكر فى الأسواق من إيتار نافع بن جبير بركعة . وكذا ما عنده من ذكر معاوية من إيتاره بركعة، وكقول الحسن حين ذكر له تسليم ابن عمر بين ركعتى الوتر: كان عمر أفقه منه ، كان ينهض بالثانية بالتكبير . وقال مسروق : وكان أصحاب ابن مسعود يتعجبون من صنيع ابن عمر، وما إلى ذلك من روايات . ونقول: وآثار كل ذلك يدل على قلة العمل وخمول الأمر فى الإيتار بالواحدة ، وفى " الجوهر النّى" أن أبا منصور قال له الناس يقولون عن الوتر بواحدة تلك البثيراء آهـ. وأبو منصور هذا سأل ابن عباس عن الوتر فقال : ثلاث، كما عند الطحاوى. ثم اعلم إن حديث النهى عن البتيراء وإن قدح ابن القطان فى سنده لكن قد كثر تذاكره فى كلام الصحابة تمسكاً به أو جواباً عنه ، كما ثبت عن ابن عباس وعائشة عند الطحاوى ، وعن ابن عمر أيضاً ، فكان مقدمة مشهورة بينهم ، وهذا يدل على أنه حديث فى الواقع ولا بد وتفسيره فيما روى مرفوعاً، وأعل إسناده هو بالواحدة مشياً على اللغة كالخطبة البتراء كما فى " القاموس"، فالبتراء نقصان من الآخر، ولعل التصغير فى اللفظ لإفادة القلة ، وهى فى الركعة الواحدة ، ثم إن إسناد حديث النهى عن البتيراء فى " الميزان" و"لسان الميزان" عن عثمان بن محمد بن ربيعة الرأى ، وهو كما ذكره العينى فى " مغانى الأخيار " عثمان بن محمد بن عثمان ابن ربيعة، وهكذا عند الدارقطنى فى "سننه" (ص - ٥١٧) فى حديث: ((البينة على من ادعى)). وفيه (ص - ٥٢٢) فى حديث: (( لا ضرر ولا ضرار)) ، وكذا عنده فى غرائب مالك، ومواضع أخر عند غيره. وذكر فى "اللسان": إن بقية الرجال ثقات، فبقى الكلام فى عثمان بن محمد ، وقد محمح له الحاكم من البيوع (٢ - ٥٨) حديث: ((لاضرر ولا ضرار))، وأقره الذهبي هناك فى " تلخيصه "، فكأن عبد الحق صاحب " الأحكام" وكذا ابن القطان لم ٢٣٥ معنى النهى عن البتيراء واختلاف أذواق الصحابة فيها يعرفاه ، فساق الذهبى فى " الميزان " الكلام فيه ، ولم يتبين له وجهه فى " تلخيص المستدرك " فوافق الحاكم فاعلمه . وقول ابن عباس وعائشة فى كون الثلاث البتيراء ولكن خمس أو سبع ، يريدان به أن تكون صلاة الليل مشتملة على شفع مفصول ووتر بثلاث وإلا فلا فرق بين الثلاث والخمس الموصولة أصلاً، كما لا يخفى. ثم إن ابن عمر لما كان قائلاً بالفصل فى الوتر صرف معنى البتيراء إلى أن يصلى بركوع ناقص وسجود ناقص . وابن عباس وعائشة لما كانا قائلين بكون الوتر ثلاثاً صرفاه إلى عدم شمع قبله ، وهذا كله اجتهاد منهم ، فإن قلت أن فى حديث النهى عن البتيراء أن يصلى الرجل واحدة تؤتر بها ، وهو نقيض الحديث الصحيح عبارة" وعنواناً : ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشى أحدكم الصبح صلى واحدة تؤثر له ما قد صلى )) فماذا أريد؟ . قلت : أراد ههنا واحدة لا قبلها شى ولا بعدها شئ ، أو منفصلة عما قبلها بخلاف الحديث المشهور، فجاءت عبارة واحدة إثباتاً ونفياً لهذا السر، وفى كتاب "الأم" (٧ - ١٧٣ ) عن عبد اللّه أنه كان يكره أن يكون ثلاثاً وتر ولكن خمساً أو سبعاً فوضح المراد ، وفيه آثار أخر فى "شرح المنتقى"، وكلها فى العدد لا فى التشهد والسلام، وإذا كان العمل هناك منتشراً فلاتسأل عن مسامحات الرواة فى النقل ، كما فعلوا فى الأذان والإقامة بمزدلفة ، وصلاة الكسوف ، وههنا فى ثلاث عشرة وإحدى عشرة وغيرهما ، وفى ذكر محل الإضطجاع فى حديث ابن عباس ، وكما اضطربوا فى حديث وائل بن حجر فى الإخفاء بآمين والجهر بها ، ووضع اليدين فوق السرة وتحتها فى حديثه ، والجمع بين المضمضة والاستنشاق فى حديث عثمان وعلى والفصل بينهما فى واقعة، وكذا فى نصاب زكاة الإبل فى حديث عمرو بن حزم ، واستثناء المغرب من قوله فعَّ الٍّ: ((بين كل أذانين صلاة))، واستثناء الركعتين بعد العصر من النهى، وسنة الفجر عند الإقامة وغيرها . هذا وقد انتهى ما قصدنا ٢٣٦ معارف السنن ج - ٤ إيراده من ذكر ملتقطات من " كشف الستر " و"تعليقاته" من شتى المواضع بضم بعضها إلى بعض ، وبترتيب فيها جيد متين ، وتسهيل للتعبير فى مواضع وتغيير يسير فى أخرى ، وأرجو اللّه سبحانه أن ينفع به وبأصله ، ويتقبله منا برحمته وفضله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . ورغبة فى مزيد التسهيل أقول : قد تلخص من ذلك أمور فخذها وزيادة : الأول : إن فى الوتر جهات : كونه فى آخر الليل ، وكونه لإيتار ما قبله من الصلاة ، وكونه صلاة مستقلة ، فإذا نقل إلى آخر الليل اجتمعت فيها الجهات ولم يتميز ، وإذا أدى أول الليل امتاز من غيره ؛ والأحاديث وردت مشيرة إلى كل جهة فربما تشتبه حقيقتها إذا لم يعتبر حقيقة كل. الثانى : إن صلاة الليل أفضل صلاة بعد المكتوبة، فرغب الشارع أن يتقدم منها شئ عند الإيتار فأصبح منشأ للإشتباه والكراهة فى الإكتفاء بالثلاث . الثالث : إن حقيقة الوتر إنما هى تتقوم بالركعة الواحدة وإن كان قبله شفع ، فلم تكن الركعة فى بعض الروايات نصاً فى الإنفراد من الشفع ، ومن هنالك ذهب كثير من السلف إلى اختيار الثلاث الموصولة مع بلوغهم حديث الإيتار بركعة ، فقد فهموا منه حقيقة الإيتار ، وقد حصل فى ضمن الثلاث . الرابع : إن الروايات المنصوصة لا ينقطع فيها الإجتهاد ، وإن الإجتهاد ربما يختلف ، وكثيراً ما يعمل صحابى على وفق ما اجتهد فى منصوص ، ثم يرفع عمله الإجتهادى إلى رسول اللّه حَ اه زعماً منه بأنه المراد ، وله نظائر أكثر من أن تحصى ، ومن هذا القبيل روايات ابن عمر فى رفع الإبتار بواحدة إلى رسول الله عَليه، ولم يثبت فى الخارج قولاً أصلاً إلا حديث: ((الوتر ركعة من آخر الليل)» ولکن سیاق ابن ماجه یفید ٢٣٧ بقية فذلكة البحث السابق الطويل فى مسألة الوتر تقدم شفع قبله نحو إفادة . الخامس: إنه إذا اختلف عمل السلف اجتهاداً منهم فى المنصوص فهنالك تكثر مسامحات الرواة فى النقل والتعبير ، فينبغى إذن التيقظ والتأمل فى سائر الطرق والألفاظ . السادس: إن فى الباب أحاديث هى نص فى الثلاث الموصولة بسلام ، وحديث الإبتار بالواحدة ليس نصاً فى معناه المختلف فيه، بل يوجد ذلك المعنى فى الإيتار بثلاث أيضاً، فينبغى أن يعمل بالنص الصريح دون المحتمل ، فلاريب أن العمل بالنص الصريح الناطق الغير المحتمل أولى وأقوى من العمل بالنص المحتمل الساكت عن مورد النزاع . السابع : إن روايات عائشة الصحيحة تدل على عدم الإيتار بركعة فذة ، وهى أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللّه عَ لَّمَ، فرواياتها الموهمة للإبتار بالركعة ترد إلى تلك الصرائح ، وكذلك الأمر فى روايات ابن عباس رضى الله عنها . الثامن : إنه ربما نشأ الإشتباه والوهم لأجل اختصار الرواية ، فإذا رجعناها إلى الرواية المطولة زال الاشتباه ، فينبغى أن يراجع الطرق والألفاظ كلها لكى لا يشتبه الغرض المطلوب ، ويطمئن القلب وينفصل الأمر . التاسع : إن حديث أبى سعيد الخدرى عند صاحب " التمهيد " فى النهى عن البتيراء ، وتفسيره بالواحدة رجاله ثقات على اعتراف الحافظ فى. "لسان الميزان" غير عثمان بن محمد وهو وإن تكلم فيه العقيلى فلم يتكلم فيه أحد من قدماء أهل الجرح والتعديل قبله ممن عاصره أو قرب من عصره وهم أعرف به منه ، علا أن جرح العقيلى أيضاً بلفظ خفيف فقال : الغالب على حديثه الوهم ، وهذا مع أن تعنته معروف وتفرده ٢٣٨ معارف السنن ج - ٤ ( باب ما جاء فى ما يقرأ فى الوفر) حدثنا : على بن حجر نا شریك عن أبی اسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((كان رسول اللّه ◌َ لّ يقرأ فى الوتر بـ "سبح اسم ربك الأعلى " و "قل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد" فى ركعة ركعة)). وفى الباب عن على وعائشة وعبد الرحمن بن أبزى عن أبى بن كعب عن النبى ◌ٍَّ. قال أبو عيسى: وقد روى عن النبى بَلّل: ((أنه قرأ فى الوتر فى الركعة الثالثة بـ "المعوذتين" و"قل هو الله أحد")) والذى اختاره أكثر أهل العلم بالجرح غير مقبول، وكذلك عدم معرفة عبدالحق وابن القطان المغربيين إياه لا يضر، فقد صح له الحاكم فى " المستدرك " وأقره الذهبي فى "تلخيصه" خلاف ما فى "الميزان"، وهما قليل الخبرة برجال الشرق، ومما يؤيد صحته كثرة تذاكره فى مذاكرات الصحابة ، كأنه مقدمة مشهورة مسلمة بينهم ، وكذلك تؤيده آثار صحيحة فى الباب . العاشر : إنه يظهر بعد البحث أن الإيتار بركعة فذة والإقتناع بها أمر خامل لم يجر بها تعاملهم ، ولذا وقع منهم استغرابها ، فعاب ابن مسعود على سعد ، وابن عباس على معاوية ضد ما فى رواية من التصويب ، وتعجب أصحاب ابن مسعود من صنيع ابن عمر ، وما إلى ذلك عند الطحاوى وغيره . هذا والله ولى التوفيق والتسديد . إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . -: باب ما جاء فى ما يقرأ فى الوتر :- حديث الباب دليل صريح على الإيتار بثلاث ، ويتبادر منه أنها بتسليم واحد ، وأصرح منه لفظ حديث أبي بن كعب عند النسائى، وقد اعترف الحافظ سب بيان الثلاث الموصولة بسلام ٢٣٩ من أصحاب النى مَّ ومن بعدهم: أن يقرأ بـ "سبح اسم ربك الأعلى" و"قل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد" يقرأ فى كل ركعة من ذلك بسورة)). حدثنا : اسحاق بن ابراهيم بن حبيب بن الشهيد البصرى نا محمد بن سلمة الحرانى عن حصيف عن عبد العزيز بن جريج قال : سألت عائشة : بأى شئ كان يؤثر رسول اللّه بحّ؟ قالت: كان يقرأ فى الأولى بـ" سبح اسم ربك الأعلى"، وفى الثانية بـ "قل يا أيها الكافرون"، وفى الثالثة بـ"قل هو الله أحد" و "المعوذتين")). فى " الفتح" بأنه نص فى الثلاث الموصولة، ورد به إنكار ابن نصر كما سلف ذكره ، وتقدم أن حديث الباب رواه نحو عشرين من الصحابة ، والساكت فيها يحمل على الناطق، فإذن هذه الأحاديث كلها دلت على ما اختاره الإمام أبوحنيفة ومن وافقه وتابعه . ورواية عائشة بزيادة " المعوذتين" فى الثالثة أنكرها أحمد ویحیین معین ، کما حكاه الحافظ فى "التلخيص" (ص - ١١٨) عن ابن الجوزى وذكره ابن قدامة فى "المغنى" (١ - ٨٠٠) أيضاً، وذكر الحافظ عن العقيلى أن حديث ابن عباس وأبي بن كعب بإسقاط "المعوذتين" أصح اهـ. وقال شيخنا رحمه اللّه فى " تعليقات كشف الستر" (ص - ٥٤ ): ثم رأيت فى "تاريخ ابن عساكر" من "خزرج" تقسيم السور على الثلاث، فكأنها حديثان اختلطا أو ختمت كلاّ على "قل هو الله أحد" ثم ذكرت " المعوذتين" تارةً ، أى كان يقرأ بالخمس فى الوتر ، والثالثة من الخمس مشتركة فى الطريقتين ، إما ابتداء وإما انتهاء ، ونظيره : "الشهر هكذا و هكذا" ، وخنس الإبهام فى الثالثة اهـ . قال الراقم : ويؤيد كلام الشيخ ما أخرجه الطحاوى عن أبى إدريس عن أبى موسى عن عائشة قالت: ((كان رسول الله عَ ليه يقرأ فى وتره فى ثلاث ٢٤٠ معارف السنن ج - ٤ قال أبو عيسى : وهذا حديث حسن غريب ، وعبد العزيز هذا والد ابن جريج صاحب عطاء ، وابن جريج اسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . وقد روى هذا الحديث يحيى بن سعيد الأنصارى عن عمرة عن عائشة عن النبى وَلَّم . ركعات "قل هو الله أحد" و"المعوذتين" اهـ)). وأخرجها أبو حنيفة فى "مسنده" من غير هذه الزيادة ، أخرجها ابن الهمام فى "الفتح" (١ - ٣٠٤) عن أبى حنيفة عن حماد عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة الخ. وإليه ذهب علماؤنا الحنفية، فلم يستحبوا فى الثالثة زيادة "المعوذتين". وأما مالك والشافعى ففى "شرح المهذب" أنها استحبا زيادتها بعد سوره "الإخلاص" . وبالجملة ذهب أبو حنيفة وأحمد إلى عدم اختيار الزيادة، واختاره الثورى واسحاق ، كما فى " شرح المهذب" (٤ - ٢٣). وذهب مالك والشافعى إلى اختيارها ، ومن ههنا فليعلم نظر الإمام أبى حنيفة وأتباعه فى البحث عن الحقائق . وثبتت صورة أخرى من تسع سور فى ثلاث ركعات قراءة " الحاكم التكاثر" و"القدر" و"إذا زلزلت" فى الأولى، و"والعصر" و"الكوثر" و " النصر" فى الثانية؛ و"الكافرون" و"تبت" و"قل هو الله أحد" فى الثالثة، كما فى حديث على ، أخرجه الترمذى مختصراً فى ( باب الوتر بثلاث ) ، وأخرجه الطحاوى مطولاً مفصلاً كما قدمناه، وأخرجه أحمد بن ابراهيم الدورقى فى "مسند على" له عن على كما فى "التلخيص" (ص - ١١٨). قوله : حسن غريب . حسنه الترمذى مع أن فيه خصيفاً ، وفيه لين كما فى "التلخيص"، واختلط بآخره كما فى " التقريب"، وربما يكون تحسين الترمذى لتأييده بحديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وقد أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١ - ٣٠٥) وصححه على شرط الشيخين ، وأقره الذهبي فى