النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ بقية تحقيق حديث: "لا يجلس إلا فى آخرهن" ومنشأ هذا التعبير كما نقله "الزرقانى"، فرواه حماد بن سلمة وأبو عوانه ووهيب وغيرهم بذلك السياق . وأكثر الحفاظ رواه عن هشام كما رواه مالك ، والرواية المخالفة له إنما حدث هشام بها أهل العراق ، وما حدث هو به قبل الخروج إلى العراق أصح عندهم ، وقد أنكرها مالك وقال : منذ صار هشام بالعراق أتانا منه ما لم نعرف ، فقد أعلوا هذا السياق كما تراه ، ولكن الأمر سهل بعد الوضوح بأن الخمس لم تكن بسلام واحد ، ولا قعدة واحدة بأحاديث متضافرة من روايات غيره وروايته فى الحجاز ، فلا يعجز الناظر فى توجيهه إذن . وذلك أن بعض الرواة يفصل بين صلاة الليل والوتر فيسرد تلك على حدة فى التعبير ، ويعد هذا على حدة ، ولكن يضم إلى الوتر شفعاً سابقاً عليه إلا الركعتين بعده جالساً ، وذلك كما أجمل ابن عباس فى حديثه فى الجمع الصورى قال: ((صلى النبي ◌َّ سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً)) فى الصحيح من وقت المغرب ومن تأخير الظهر إلى العصر ، فضم الشفع السابق إلى الوتر بالثلاث عند الإجمال فى الحساب وفذلكته ، وعند ذكر الجلوس نظراً إلى حال الوتر خاصة . وهذا يكثر فى سرد الأمور ونقل الوقائع ، ينظرون فيها نظراً إجمالياً أولاً ثم يعودون على أجزاء مقصودة بالإفادة ثانياً ، ويعتنون بها من بين الجملة ، فأجمل فى العدد ، وعند ذكر الجلوس توجه لحال الوترخاصة وهو ثلاث، فأراد نفى جلوس الوتر وهو ما يكتتف الواحدة من الجنبتين ، إذ به يتقوم وحدتها وإن كان الأول معتبراً فى ما قبله من الشفع فى الحكم ، لكنه يقوم وحدة الثالثة أيضاً فى الحس ، فالمعنى على هذا: لم يجلس جلوس الوتر إلا فى الآخر ، وإن جلس قبله فذلك جلوس الشفع لم يدخل فى الوتر ، وقد اتضح ذلك بالنص الصريح فى لفظ سعد ابن هشام عن عائشة كما تقدم بيانه . وعروة من الفقهاء السبعة يفتى بأن الوتر ثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن ، ( ٢ - ٢٦ ) ٢٠٢ معارف السنن ج - ٤ كما عند الطحاوى وهو الراوى للحديث ، فلم يحوجنا ذلك التعبير إلا إلى عناية فيه ، فذلك بعد وضوح المراد سهل يسير . فالمالكية لما لم يوافقهم ذلك السياق - لأنهم يوجبون الفصل فى صلاة الليل فى كل شفع - أعلوه . والشافعية جعلوا كل ما جاء من مسامحة الرواة فى الألفاظ صورة من صور الوتر ، وإن صرحت الألفاظ الأخر بخلافه . ونحن جمعنا بعضها ببعض ، فما خلص من الوتر أخذنا به ولم يكن يبدع من الأمر لو كان هناك من ينصف ، فإن الراوى لما فصل ثلاث عشرة إلى ثمان التهجد وغيرها وجعل الشفع الواحد من عداد الوتر لإفادة الموالاة فقال : يؤثر منها بخمس فقد فذلك الجملة. وقد قال صالح مولى التوعمة: ((أدركت الناس قبل الحرة يقومون بإحدى وأربعين ركعة ، ويؤترون بخمس يسلمون بين كل ثنتين، ويؤترون بواحدة ويصلون الخمس جميعاً)) رواه الأثرم كما فى "مغنى ابن قدامة " بل أقول : إن تقييده الخمس بكونها جميعاً مع أن ما قبلها كذلك يدل على أن المراد الموالاة فقط ؛ ذكره لئلا يدل على نفى القعدة فيها وترك السابق ، لأن حاله معروف لا يقع فيه غلط . فالحاصل أنه كان فى ذهنه أن الإيتار لا يتقوم إلا بقعدة قبل الواحدة وقعدة بعدها حساً وحقيقةً، فجاء إلى هذا وقال : لا يجلس فى شئ من الخمس حتى يجلس فى الآخرة أى جلوساً للإيتار الذى صدر به الكلام بقوله : " يؤثر"، ووجه نظره إليه، فهذا الإيتار لم يكن إلا هناك ، فذكره بما يحققه وهو الجلوس قبل الواحدة وبعدها ، فقوله : "حتى يجلس" يتناولها، ولم يكن غرضه ذكر جلوس ليس للإيتار فجعله مطروحاً من نظره . هذا وإن ساعدنا الخطاب مع هين لين لقلنا أن قوله: ((لا يجلس فى شئ من الخمس حتى يجلس فى الآخرة فيسلم )) لا يريد به الدلالة على الجلوسين من اللفظ ، بل غرضه ذكر الموالاة فى الخمس بدون فاصلة أجنبية ، وهو محط كلامه ، ٢٠٣ بيان منشأ اختلاف الرواة فى صلاة الوتر فلم يذكر إلا جلوس الآخر للفراغ وترك غيره إحالة على المعروف ، وهو فصل صلاة من نوع عن صلاة نوع آخر ، وإن الوتر لا يتقوم إلا بقعدتين كما اتضح فى حديث سعد بن هشام من نص لفظه لا منا . والتعبير قد يبنى على اعتبار معهود فى الخارج ، فيأتى ناظر ويأخذه مبتدأ به مستقلا ويكثر الغلط ، وهكذا وقعت مشاجرات وأغلاط فى الإعتبارات المناسبة فى العبارات ، ثم إن لفظ محمد بن جعفر الذى جعله البيهقى متابعاً لهشام ليس فيه عند أحمد وأبى داؤد والطحاوى إلا ذكر نفى الجلوس لا نفى السلام ، وكأنه إنما يريد ذكر الموالاة لا غير ، فبقى إذن هشام فى نفى السلام أى فى عبارته متفرداً على أنه فى بعض الألفاظ هو نفسه يكتفى بنفى الجلوس فقط . ثم إن الذى يظهر من الأمر أن فقهاء الحجاز لما كانوا لا يقولون بالوصل فى صلاة الليل وهو عنهم محقق فكان هشام فى "الحجاز" يبنى تعبيره على علمه هناك ، ثم لما خرج إلى العراق واطلع على الوصل بنى تعبيره إذ ذاك عليه ، والأمر كذلك عند الفقهاء من بعد ، فمن اختار الرباع أو جوزه فى الصلاة اختار تعيين الوصل فى الوتر ومن لا فلا . وقد مر أن الرواة أيضاً إذا جزءوا صلاة الليل مثانى فى العد والتعبير جزءوا الومر أيضاً فى التعبير جزئين ، وإلا فقد عبروا بثلاث . انتهى كلام الشيخ ملتقطاً فى مواضع بما تيسر ، ومن شاء استيفاء أطراف البحث فليراجع إلى كتابه والله هو الموفق . هذا وفى تعليقات الشيخ على "الآثار": وأما حديث عائشة فى " المستدرك": ((كان يؤثر بركعة وكان يتكلم بين الركعتين والركعة)) وهو فى "الإتحاف" (٣ - ٣٥٦) عن "المصنف" فهو فى التكلم بين صلاة الليل وركعتى الفجر ، وركعتا المغرب تطلقان على السنة بخلاف صلاة الفجر وصلاة المغرب. فكأن قولها : ((كان يؤثر بركعة)) جملة مستقلة، وكذا الجملة الثانية ، ولذا لم تقيد الركعتين والركعة بقولها من الوتر ، إذا الإيتار بالركعة لما قبلها لا اللتين كان يتكلم بينهما وبينها . ٢٠٤ معارف السنن ج - ٤ ومساقه مساق رواية مالك عند البخارى فى ( باب إذا صلى قاعداً ثم صح أو . ) وأما حديث الفصل بين الشفع والوتر عن وجد خفة تمم ما بقى . عائشة عند ابن نصر ( ص - ١١٨) فهو حديث التسليمة الواحدة بعد التاسعة أو السابعة، ولا يتعلق بالمسألة، وقد ضعفه فى "الزوائد" كما فى " شرح المنتقى " من (باب الإجتزاء بتسليمة) اهـ. والعامة من أهل العلم والدرس يحملون الخمس بأن ثلاثاً منها الوتر وركعتين منها ركعتا النفل جالساً بعد الوتر ، ويكون المراد بنفى الجلوس إذن الجلوس للفراغ عن الصلاة . قال الشيخ فى " تعليقاته": ولما لم تكن الركعتان بعد الوتر جالساً فى رواية عروة وإن كانتا فى رواية غيره فالأحسن أن لا يحمل حديثه: (( لا يجلس فى شئ إلا فى آخرها)» عليهما . وإنما روايته بالنظر إلى شفع قبل الوتر، وأراد بنفى الجلوس جلوساً خاصاً ، كان يريد أنه كان يصلى تلك الخمس متوالياً . وأيضاً لم نر ذكر الركعتين جالساً بعد الوتر إلا بعد التسع أو السبع لا بعد إحدى عشرة أو ثلاث عشرة اهـ. وانظر بعض تفصيله فى "كشف الستر" (ص - ٦٨) من الطبعة الثانية . ، قال الشيخ : وإن الركعتين بعد الوتر وإن كان ثبوتها فى رواية « الصحيحين "، وإن جوابهم له نفاذ فى الجملة، غير أنى لا أعتبر به فإن مالكاً ينكرهما ، وحديث الباب حديث عروة بن الزبير ، ولم نجد فى شئ من روايات عروة ذكرهما ، ومن أجل ذلك أنكرهما مالك ، حيث أخرج حديث عائشة فى "مؤطئه" من طريق عروة ، فالركعتان عندى هما الركعتان قبل الوتر، وإنما جمع الراوى بين الوتر وبينهما لعدم الوقفة الطويلة بينهما من وقفة النوم ، أو الوضوء والسواك وغيرها ؛ فالحمل عليه أولى مما حملوه عليه . وبالجملة إفراز الركعتين عن الثلاث متعين قطعاً ، والبحث فى تعيين الركعتين ، والركعتان قبل الوتر دل عليهما حديث عند الطحاوى ، ومفاده ينبغى أن يكون قبل الوتر ٢٠٥ بيان المذاهب فى الركعتين بعد الوتر جالساً شئ من الصلاة . ولفظ الشيخ فى "الكشف" (ص - ٤٣) عند الطحاوى وغيره: ((لاتؤتروا بثلاث ، وأوتروا بخمس أو سبع ، ولا تشبهوا بصلاة المغرب))، يريد فى اقتصار على ثلاث لا يتقدمها شئ من صلاة الليل ، لا فى القعدة كما قاله فى "الفتح". ولم أره منقولاً عن السلف - أى كراهة التشهد الأول - نعم نقل تركه عن قليل فعلاً اهـ . وانظر " العمدة " لبعض التفصيل ( ٢ - ٤٤٣ ). والركعتان بعد الوتر لم يرو عن أبى حنيفة والشافعى فيها شئء . وأنكرهما مالك ، وقال أحمد : لا أفعلهما ولا أمنع من فعلهما ، حكاه النووى فى " شرح مسلم" (١ - ٢٥٤ ) و" شرح المهذب"، وكذا فى " شرح المواهب" (٧ - ٤٠٩)، وأباحهما الأوزاعى، والمختار عند الشافعية أنه فعلها بياناً لجواز ، ولم يواظب عليها ، وتجد تفصيل كلام أحمد وديله فى " المغنى " للموفق ابن قدامة (١ - ٧٧٠ و٧٧١). وحكى عن أبى الحسن الآمدى : أنها من السنن الراتبة ، وذكر أنه أوصى بها خالد بن معدان ، وكثير بن مرة الحضرمى، وفعلهما الحسن اهـ. والبخارى وإن أخرج حديثه فى " صحيحه" فى (باب المداومة على ركعتى الفجر) بل ولم يخرج حديثه فى أبواب الوتر وقيام الليل ، غير أنه لم يبوب عليهما ، ويدل عدم تبويبه على عدم اختيار فعلها . وأما حديث ابن عباس ليلة مبيته فى بيت خالته ميمونة فهو أيضاً حديث كثير الطرق ، فمنها ما فى "سنن أبى داؤد" فى (باب صلاة الليل) من طريق الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفيه: ((ثم صلى سبعاً أو خمساً أوتر بهن، لم يسلم إلا فى آخرهن))، وأيضاً عنده من طريق عباد ابن يحيى عن سعيد بن جبير عنه، وفيه: ((ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن)). وللشيخ فصل مستقل فى حل حديثه والبحث فيه فى " الكشف" فليراجع . فهذا نظير حديث عائشة فى الإشكال . قال الشيخ: إن فى "صحيح مسلم" ٢٠٦ معارف السنن ج - ٤ فى (باب صلاة النبي صَ لّ بالليل ودعائه) (١ -٢٦١) من طريق حبيب ابن أبى ثابت عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس فى تلك القصة تصريح أن صلاة الليل تلك الليلة كانت ست ركعات ، وفيه : (( ثم (أوتر بثلاث))، فإذن لا بد أن نفرز الركعتين من الخمس فى روايته أيضاً ، ونحملها على ما حملنا رواية عائشة عليه ، وقد عمزها الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٠٣) من جهة حبيب بن أبى ثابت فقال : وقد اختلف عليه فى إسناده ومتنه اختلافاً اهـ. قال الشيخ فى " الكشف" (ص - ٥٨ ): وقد استدركه الدار قطنى من جهة حصين الراوى عن حبيب بن أبى ثابت ، وعمزه الحافظ من جهة حبیب نفسه ، فقال : وأظن ذلك من الراوى عنه حبيب بن أبى ثابت، فإن فيه مقالاً ، قال : كذا فى النسخة المبرية من " الفتح" ولعل هناك فى العبارة تحريفاً ، وصوابها : وأظن ذلك من الراوى عن حبيب بن أبى ثابت ، فإن فيه مقالاً ، يعنى حصين بن عبد الرحمن ، وهو كما ترى غير مؤثر ، وقد تابعه سفيان عند النسائى ، وأبوبكر النهشلى أيضاً قد وافقه من طريق يحيى ابن الجزار عنده فى الثلاث، وعند أحمد (١ - ٢٩٩) وكذا زيد بن أبى أنيسة على ما يظهر من عبارة النسائى أيضاً ، وكذا العلاء بن المسيب عند أبي نعيم فى "الحلية " عن ابن عباس بدون واسطة كما فى "فتح القدير" فهؤلاء أربعة ، وكذا الحجاج عن حبيب فى "العلل" (ص - ١٨) إن لم تكن تصحف من حصين فإذن صاروا خمسة ، انتهى من " الكشف " وتعليقاته وبالله التوفيق . قال الشيخ : وأيضاً له شواهد ، فمنها : ما عند " الطحاوى" (١ - ١٧٠ ) من طريق سعید بن أبى أيوب عن عبد ربه بن سعيد عن مخرمة بن سلمان عن كريب عن ابن عباس، وفيه: ((ثم أوتر بثلاث))، وقيس بن سليمان فى النسخة خطأ ، وإنما هو مخرمة بن سليمان - كما فى الطريق التالية بعدها ــ و ٢٠٧ بيان أدلة الوتر بثلاث بتسليمة واحدة سنده فى غاية القوة . ومنها : ما وافق فيه المنهال بن عمرو حبيب بن أبى ثابت عن على بن عبد الله بن عباس، وفيه: ((وأوتر بثلاث)) رواه "الطحاوى" (١ - ١٦٩). ومنها: ما عند النسائى فى "سننه" (١ - ٢٤٩ ) (باب كيف الوتر بثلاث) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله عَّهُ يؤمر بثلاث يقرأ فى الأولى بـ "سبح اسم ربك الأعلى" الخ، وهو عند أحمد والطحاوى وغيرهما أيضاً ، فثبت ما أسنده حبيب من طرق أخرى ، وقد جاء التصريح عن عكرمة بن خالد عن ابن عباس أيضاً عند ابن جرير ، وكذا عن ابن أبى ليلى عنه عند ابن عساكر وهو عمل سعيد بن جبير كما عند ابن نصر من ( باب ما يقرأ به فى الوتر ) فروايته الخمس - كما عند البخارى وغيره - محمولة على نفى سلام الفراغ لا على نفيه أصلاً ، يشير إليه ما عند ابن نصر من ( باب ما يدعى به فى آخر الوتر وبعد الفراغ من الوتر ) كما فى " تعليقات كشف الستر" فلا شذوذ ولا تفرد ، فإذن تعين إفراز الثلاث من الخمس للوتر كما فى نظائره . وأدلتنا من جهة الآثار كثيرة : فمنها : ما فى "شرح معاني الآثار" الطحاوى (١ - ١٧٣ ) عن المسور ابن مخرمة قال: ((دفنا أبابكر ليلاً فقال عمر: إنى لم أوتر ، فقام نصففنا وراءه فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا فى آخرهن )) وسنده صحيح . ومنها: ما عنده ( ١ - ١٧٥) أيضاً عن أبى الزناد قال: ((أثبت عمر ابن عبد العزيز الوتر بالمدينة بقول الفقهاء ثلاثاً لا يسلم إلا فى آخرهن))، و إسناده فى غاية القوة ونهاية الصحة ، من طريق ربيع المؤذن ، وهو صاحب الشافعی من رجال النسائى وأبىداؤد ، ثقة ، وابن وهب عبد الله بن وهب من رجال الجماعة ، وابن أبى الزناد وهو عبد الرحمن من رجال مسلم والأربعة ، الم ٢٠٨ معارف السنن ج - ٤ وأبوه أبو الزناد عبد الله بن ذكوان من رجال الجماعة ، فهؤلاء الكبار رجال الإسناد . ومنها: ما فى "مستدرك الحاكم" (١ - ٣٠٤) إن هذا وتز أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعنه أخذه أهل المدينة ، قاله بعد روايته حديث عائشة المتقدم ذكره: (( يؤتر بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن)). وقد قيل الحسن البصرى : إن ابن عمر كان يسلم فى الركعتين من الوتر ، فقال : كان عمر أفقه منه، كان ينهض فى الثالثة بالتكبير . رواه الحاكم فى " المستدرك " (١ - ٣٠٤). ومنها: ما عند "الطحاوى" (١ - ١٧٣) عن ثابت قال: ((صلى بى أنس الوتر ، أنا عن يمينه وأم ولده خلفنا، ثلاث ركعات لم يسلم إلا فى آخرهن ، ظننت أنه يريد أن يعلمنى))، وإسناده صحيح ، كما قال النيموى . ومنها : أنه عمل الفقهاء السبعة ، ومنهم : عروة بن الزبير راوى حديث الباب من خمس ركعات، رواه من طريق أبي الزناد عن السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وأبى بكر بن عبد الرحمن ، وخارجة بن زيد ، وعبيد الله بن عبد اللّه، وسليمان بن يسار ، فى مشيخة سواهم أهل فقه و صلاح وفضل، وربما اختلفوا فى شئ ، فآخذ بقول أكثرهم وأفضلهم رأياً ، فكان مما وعيت عنهم على هذه الصفة : أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن، وإسناده حسن كما قال النيموى ، وخالد بن نزار فيه من تلامذة مالك ، قال الدارقطنى : ثقة، كما فى "لسان الميزان". ومنها: ما عند "الترمذى" (٢ - ٢٢٣) فى مناقب أنس، قال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب نا زيد بن الحباب نا ميمون أبو عبد الله نا ثابت البنانى قال: قال لى أنس بن مالك: ((يا ثابت خذ عنى فإنك لن تأخذ عن أحد أوثق منى، إنى أخذته من رسول اللّه ◌َّالل، وأخذه رسول اللّه بَكلٍّ عن جبرئيل، ٢٠٩ بيان الوتر بثلاث بسلام واحد وأخذ جبرئيل عن اللّه عزوجل))، ولم يذكر متنه . وهو فى " تاريخ ابن عساكر" وفيه: ((أوتر بثلاث يسلم فى آخرهن))، ورجاله ثقات كما فى " منتخب كنز العمال"، وهوفى" الكنز" ( ٤ - ١٩٦) ورمز له الرؤيانى " كر"، و"كر" رمز ابن عساكر، قال: ورجاله ثقات اهـ. قال الشيخ: وإن لم أجد حال ميمون أبى عبد الله، غير أنه ذكره ابن حبان فى الثقات كما "التهذيب" (١٠-٣٨٧). ورمز لابن ماجه من الستة فقط ، وسماه فى "الميزان": ميمون بن عبد الله ، قال : ولا يعرف ، ورمز لأبى داؤد فقط والله أعلم. وصرح ابن عبد الهادى الحنبلى : أن من ذكره ابن حبان فى الثقات ولم يطعن أحد فهو ثقة ، قال الشيخ: وظنى أن حديث: ((من كنت مولاه فعلى مولاه )» يرويه شعبة عن ميمون أبى عبد الله هذا. قال الترمذى بعد رواية الحديث فى مناقب على (٢ - ٢١٣): وروى شعبة هذا الحديث عن ميمون أبى عبد الله اهـ. وشعبة لا يروى إلا من الثقات. فإذن الحديث سنده قوى . وفى "التهذيب" ( ٤ - ٣٤٤) عن صالح جزرة : وأول من تكلم فى الرجال شعبة ، ثم تبعه القطان ، ثم أحمد ، ويحيى . وفيه : وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين ، و جانب الضعفاء والمتروكين الخ . وفيه : وقيل لابن عوف بن مالك : لا تحدث عن فلان ، لأن أبا بسطام تركه اهـ. وأبو بسطام كنية شعبة ، وفى هذا القدر مقنع وكفاية . والشيخ رحمه الله قد بثها فى "كشف الستر" درراً منثورة وجواهر مبعثرة، والبدر العينى فى "العمدة" (٢ - ٤٤٢ و٤٤٣) و(٣ - ٤٠٨ و ٤٠٩) استوفى قدراً صالحاً منها كما استوفى فيها (٣ - ٤١٢)، وما بعدها أدلة الوجوب ، وفى "آثار السنن" وبالأخص فى " إعلاء السنن" ما يكفى و يشفى، ونأتى ببعض البقية فى (باب ما جاء فى الوتر بثلاث) إن شاء الله تعالى. واستدل الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٠٠ و٤٠١) لإثبات مذهبه بأدلة غير ( م - ٢٧ ) ٢١٠ معارف السنن ج - ٤ مصرحة فى مذهبه بل يحتمل محامل، وآخر ما احتج به رواية الطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١ - ١٦٤) من طريق الوضين بن عطاء عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر: ((أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة))، وأخبر أن النبى عَظِلّ كان يفعله، وكأنه وجد أصرح دليل لمذهبه، وهو مرفوع فى الحكم ، قال: وإسناده قوى . ولم يعتذر الطحاوى عنه إلا بإحتمال أن يكون المراد بقوله: بتسليمة - أى التسليمة التى فى التشهد - قال . ولا يخفى بعد هذا التأويل والله أعلم اهـ. قال الشيخ: أما أولاً: ففيه الوضين بن عطاء، وفيه كلام فى "التهذيب" نقل توثيقه عن أحمد وابن معين ودحيم. وقال ابن سعد : كان ضعيفاً فى الحديث. وقال الجوز جاني: واهى الحديث ..... وقال ابن قانع: ضعيف اهـ. وقال فى " التقريب": صدوق سينى الحفظ رمى بالقدر. فالحكم على قوة إسناده كما حكم مشكل . وأما ثانياً : فالإمام الطحاوى لم يقتصر بما ذكره الحافظ بل قال : وقوله يفصل بتسليمة ، يحتمل أن يكون تلك التسليمة يريد بها التشهد ، ويحتمل أن يكون التسليم انذى يقطع الصلاة آهـ. ثم قال: إنى أجيب الحافظ، أما أولاً: فإنه لا يلزم أن يكون إخبار ابن عمر من فعله بَّ اللّ أن يكون مثل ما فعله فى جميع الأمور ، بل يمكن أن يكون التشبيه فى نفس الثلاث لا فى الفصل . وأما ثانياً : فإن ابن عمر كان يرى السلام فى التشهد - أى قوله: السلام عليك أيها النبى الخ ـ، نسخاً لصلاته. والحافظ نفسه " فى الفتح" فى الجزء الثانى ( باب التشهد فى الأولى ) (٢ - ٢٥٧) أخرج فيه رواية من " مصنف عبد الرزاق » بسند سمیح بأنه كان لا يسلم فى التشهد الأول ، و کان یری ذلك نسخاً لصلاته، فلعل ابن عمر لما رآى قَالّ أنه سلم فى التشهد الأول فزعم أنه خرج ◌َّ من صلاته، وإن لم يكن هو تسليم القطع ، فإذن بناء حديث ابن عمر ٢١١ تحقيق عمل ابن عمر فى السلام على ركعتى الوتر على ظنه واجتهاده فحسب . وقد أوضح الشيخ جوابه فى " الكشف" (ص - ٢٢ و٢٣ ) وفيه بسط كاف فى تحقيق حديث ابن عمر ، ومذهبه فى فاتحة رسالته وخاتمته من جميع نواحيه ، رواية ودراية بما تبتهج له الأبصار ، وتنشرح به الصدور، وهو من خواص أبحاث رسالته بأسلوب مبتكر احتوى نفائس فى غاية من الدقة بترويض القريحة ، وإطالة الفكرة ، بحيث أخضعت أعناق أهل التحقيق والتدقيق ، فليراجع وبالله التوفيق ، وسنذكر منها مقتطفات فى الوتر بركعة قريباً إن شاء الله تعالى . وما أخرجه الحافظ فى " الفتح" من " مصنف عبد الرزاق" من طريق الزهرى عن سالم ، كذلك أخرجه ابن أبى شيبة فى " مصنفه" كما فى "كشف الستر" من طريق نافع بسند قوى، غير أنه روى مالك عن ابن عمر فى "مؤطئه" (ص - ٣١) التشهد فى الصلاة، ما يدل على أنه كان يتشهد فى القعدة الأولى كما نتشهد، ففيه أن عبد الله بن عمر كان يتشهد فيقول: بسم الله التحيات لله الصلوات الله الزاكيات اللّه السلام على النبى ورحمة الله وبركاته - إلى أن قال -: فإذا جلس فى آخر صلاته تشهد كذلك أيضاً ، إلا أنه يقدم التشهد اهـ. قال الشيخ : فأشكل الأمر، ولم يظهر لى وجه التوفيق بينهما، ولم أجد تفصيل مذهب ابن عمر من خارج لكى يزول الإشكال . وقال فى "الكشف": فكأنه رجع عنه، أو عنده فيه تفصيل ، فيسلم فى التطوع بإرادة الفصل، لا فى المكتوبة مثلاً بقرينة قوله - فى رواية "المؤطأ" . ثم يرد على الإمام والله أعلم. وقال فى "تعليقاته" المخطوطة بقلمه على " الكشف": يمكن أن يكون ما عند مالك من تشهده أوله : كما فى تطوعه ، وثانيه : كما فى مكتوبته ، لأنه لما لم يكن يسلم فى التشهد الأول من مكتوبته لم يتأت فيها ما ذكره من لفظه ، ويتحمل مثل هذا لدفع التهافت ، فذكر لفظ التشهد الأول ٢١٢ معارف السنن ج - ٤ حينما كان ذلك اللفظ هو فى التطوع ، وكذا الرد على الإمام حينما كان ولم يكن اللفظ الأول فى المكتوبة كذلك ، فإن قوله: "ثم يرد على الإمام" لا يكون فى كل وقت أيضاً ، وقد أشكل ذلك برهة ، وهذا غاية ما يمكن أن يقال فيه . وحمل القارى أيضاً الأول على التطوع بقرينة الدعاء فيه . وبالجملة لفظ التشهد ههنا ، وكذا فى ما رواه ابن عمر عن أبى بكر كما فى "التلخيص" سواء إلا ما فرق هو من عنده، وقوله وفعله عن تعيين محاله ساكت . وعند "البيهقى" (٢ - ٤٨٧): قال أبو عبد اللّه ــ يعنى البخارى -: وقال سعيد بن جبير : كان ابن عمر لا يصلى أربعاً لا يفصل بينهن إلا المكتوبة ١هـ. وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه سمع عبد اللّه بن عمر يقول: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يريد التطوع ١ هـ)). وكذا فى "المدونة". ولا عبرة بما فى "الدار قطنى" (ص - ١٦٠) من رفعه. ونافع ينقل عنه هذا ، ثم ينقل يحيى بن سعيد عن نافع عنه أربعاً فى النهار ، ويحيى ينقل هذا ثم ينقل خلافه عند البخارى فى ترجمة هذه المسألة اهـ. هذا وقد ذكر الشيخ ثمانية أحاديث فى إثبات القعدة والتشهد على كل ركعتين فى "كشف السعر" وتعليقاته من ( ص - ٢٠) . وفيها : حديث لإبن عمر عن "مصنف ابن أبى شيبة" من طريق جعفر ابن برقان عن عقبة بن نافع قال : سمعت ابن عمر يقول : ليس صلاة إلا فيها قراءة وجلوس فى الركعتين وتشهد وتسليم ، فإن لم تفعل ذلك سجدت سجدتين و أنت جالس اهـ. قال الشيخ: وعقبة بن نافع هو الذى ذكره فى "الإصابة" من القسم الثانى والرابع ، ولعل الصواب ابن عمرو للقرابة بينهما آهـ. والله أعلم . وما يستدل به الشافعية على الإيتار بركعة بما فى "صحيح مسلم" (١ - ٢٥٧) من صلاة الليل، عن ابن عمر مرفوعاً، وكذا عن ابن عباس مرفوعاً: ((الوزر ركعة من آخر الليل)) فلا يصح به الإستدلال ، فإن غرضها - كما تقدم - أن ٢١٣ بيان من ثبت عنه الوتر ثلاثاً من الصحابة إيتار ما قبله إنما يتحقق بالركعة الواحدة لا أن صلاة الوتر المعهودة فى الشرع ركعة واحدة فحسب ، ويؤيد ذلك ما عند ابن ماجه والطحاوى وعزاه فى "العمدة" إلى النسائى، ولعله فى " الكبرى" عن عامر وهو الشعبى، قال : ((سألت ابن عباس وابن عمر كيف كانت صلاة رسول اللّه عَّ اله بالليل؟ فقالا: ثلاث عشرة ركعة ، ثمان ويؤتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر ١هـ)). فإن مذهب إبن عمر نفسه راوى الحديث متحقق فى الخارج بالأسانيد الصحيحة أن الوتر ثلاث بتسليمتين . وأما ابن عباس فثبت عنه مرفوعاً - كما تقدم ــ أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة عند مسلم وأبى داؤد وغيرهما ، فإذن استدلالهم بحديث: ((يسلم من كل ركعتين ومؤثر بواحدة)) رواه مسلم فى "صحيحه" من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة ( ١ - ٢٥٤) أيضاً لا يصح حجة فإنه عام وقد أتينا بالخاص . يريد رحمه الله أن فى حديث عائشة هذا إجمال، والمراد من السلام على كل ركعتين هو حال صلاة الليل شفعاً شفعاً ، والإيتار بواحدة مع شفع قبلها ، فالمعنى أنه يؤتر شفعاً من تلك الأشفاع، ويجعله وتراً بضم ركعة ثالثة ، وهذه الركعة متصلة بالشفع كما أن الشفع متصلة بها من غير إنفصال بالتسليم ، ولا بد أن يأول هكذا بدليل ما ثبت عنها الثلاث من غير فصل بين الركعتين بسلام فى روايات عدة ، لكى لا يتناقص رواياتها ، وتلك الروايات صريحة واضحة فى معناها لا إبهام فيها أصلاً ، فتلك الرواية وإن كانت تحتمل بالنظر إلى ظاهر اللفظ أن يكون هناك وتر بالركعة الفردة الفذة من غير ضم شفع قبلها لكنه عير مراد بدليل رواياتها الباقية ، وراجع كلام الشيخ نفسه فى شرحه فى "الكشف" (ص - ٣٠) و"تعليقاته" (ص - ٣١). وأما حديث الحكم عن مقسم عن أم سلمة قالت: ((كان رسول الله صَ لخل؟ يؤثر بخمس وسبع لا يفصل بينها بسلام ولا كلام)). أخرجه " النسائى" (١: - ٢٤٩ ) (باب كيف الوتر بخمس) ورواه أحمد وابن ماجه. قال فى "الكشف": ٢١٤ معارف السنن ج - ٤ ومرة جعله الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة ، فالإضطراب واقع اهـ. فهو مثل حديث عائشة وابن عباس الذى تقدم ذكره، فجوابه مثل جوابه. علا أن البخارى قد أعله فى " التاريخ الصغير" (ص - ١٣٥) كما فى " الكشف". قال : ولا يعرف لمقسم سماع عن أم سلمة ولا ميمونة ولا عائشة اهـ. ومثله فى "التهذيب " عن " التاريخ الصغير" (١٠٠ - ٢٨٩). وفى " كتاب العلل " لابن أبى حاتم (١- ١٦٠) بعد روايته من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة : قال أبى: هذا حديث منكر اهـ. فكان الحديث منقطع الإسناد منكر المتن فلا يقوم به حجة فى معرض الخصام. غير أن فى "طبقات ابن سعد" (٥ - ٢١٧) فقال: وقد روى عن أم سلمة سماعاً اهـ. وذكر فى (٥ - ٣٤٧) وكان كثير الحديث ضعيفاً اهـ . وأجاب الشيخ عنه فى فصل مستقل . ومما قال : ثم أصل الحديث عن أم سلمة وميمونة وعائشة عند النسائى، وأبى أمامة عند أحمد والطحاوى فى نفس العدد لا غير ، فجاء الحكم فأنشأ هذا التعبير ، وأراد كون الوتر مع شفع سابق متوالياً ، وإنه جاء ◌َّ له فى الوتر تواً لم يعرج فى أثناءه إلى غيره، ونفى السلام باعتبار حصة الوتر فقط ، لكنه تسامح فى العبارة ههنا ؛ و کذا فی حدیث ابن عباس من طريق سعيد بن جبير سابقاً ، فهو المولع بهذا السياق عن أم سلمة وعن ابن عباس مرتين. فيسرد الجديثين على منوال واحد وينفرد عن الآخرين فى كليهما ، علا أنه قد يترك ذلك التصريح آونة وليس إلا تعبيراً اعتبره بما لحظه، فعند النسائى عن الحكم أيضاً عن مقسم قال: ((الوتر سبع))، فلا أقل من خمس ، فذكرت ذلك لإبراهيم ، فقال : عمن ذكره؟ قلت : لا أدرى ؟ قال الحكم : فحججت فلقيت مقسما فقلت له : عمن ؟ قال عن الثقة عن عائشة وميمونة ، فهذا الذى هو عنده وبنى عليه تعبيره ، ولمانسب إلى ابن عباس عن أم سلمة مرة ونقل عن ميمونة أيضاً سرى ذلك منه إلى قصة مبيته عند ميمونة . ٢١٥ تحقيق الإيتار بواحدة وتوجيهه وخالف سائر الرواة ممن قبله ، ومنهم كريب وسعيد بن جبير وعلى بن عبد الله بن عباس وعطاء وطاؤس والشعبى وطلحة بن نافع ويحيى بن الجزار وأبو جمرة وعمر بن حفص واسحاق بن عبد اللّه وغيرهم ، فليس عنده فى الأصل إلا ذكر عدد من الشفع والوتر متوالياً فيجئ بهذا السياق ويحط كلامه فى نفى السلام على اعتبار الوتر، فقط انتهى ملخصاً مختصراً وليراجع للتفصيل . وما عند "النسائى" (١ - ٢٤٩) (باب ذكر الإختلاف على الزهرى) فى حديث أبى أيوب: ((ومن شاء أوتر بواحدة)) ورواه "أحمد" و "أبو داؤد" و" ابن ماجه" و"الطحاوى" وآخرون ، فجوابه من وجهين ، أما أولاً: فإنه معارض بما روى عن أبى أيوب نفسه عند الدار قطنى: ((الوتر حق واجب، فمن شاء فليؤتر بثلاث)) كما فى "التلخيص" (ص - ١١٦). قال : ورجاله ثقات . وقال الشيخ فى " تعليقاته على الآثار": أراد بالواحدة الاكتفاء بالثلاث ، وبالثلاث فصلها عما قبلها ، وكذلك بالخمس ذهاباً منه إلى أن من اقتصر على ثلاث فقد أوتر بواحدة ، ومن فصل ثلاثاً عما قبلها فقد أوتر بثلاث، وكذلك هذا، وقد وقع فى روايات عائشة التناوب فى التعبير بالواحدة تارةً وبالثلاث أخرى . وبالجملة لابد لمثبت الفذة أن يأتى بدليل من خارج ، وإلا فيحمله ويحيله على كل ما كان متقرراً عنده ، ويؤيده أن أبا أيوب سمى بعض صلاة الليل وتراً لا كلها ، وعليه حديث ابن عمر مرفوعاً عن ابن أبى شيبة: ((صلاة المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل)). قال العراقى: وإسناده صحيح اهـ. وراجع " كشف الستر" (ص - ٧٠ ). وأما ثانياً : فإنه مختلف فيه رفعاً ووقفاً ، وصحح "أبو حاتم" و"الذهلى " والدار قطنى فى "العلل" و"البيهقى" وغير واحد وقفه كما فى "التلخيص الحبير". قال الحافظ: وهو الصواب . وقال ابن الصلاح: لا نعلم فى روايات الوتر مع كثرتها أنه عليه السلام أوتر بواحدة فحسب ، حكاه ابن حجر فى "التلخيص" (١١٦). ٢١٦ معارف السنن ج - ٤ فهذا ابن الصلاح يصرح بأنه لم يثبت فعلاً الإقتصار بالواحدة ، وما تعقبه الحافظ فى " التلخيص" ( ص - ١١٦ ) من حديث " كريب " عن ابن عباس عند ابن حبان: ((إن النبى ◌َّ ◌ُّ أوتر بركعة)) ففيه: أن رواية كريب عن ابن عباس فى قصة مبيته فى بيت ميمونة فى " الصحيحين " وغيرهما بالطرق المتضافرة ليس بهذا السياق أصلاً كما لا يخفى ، وقد تابع كريباً على السياق المعروف غير واحد ، كأبى جمرة وغيره ، وفى بعض سياقاته تصريح بالثلاث، فكيف تقاوم رواية شاذة بسياق شاذ السياقات المعروفة المتضافرة من طرق عديدة ؟ وراجع " الكشف " من فصل فى حديث ابن عباس ليلة المبيت ، فكأنه اختصار من قوله فى الحديث الطويل " ثم ركعتين ثم أوتر " ولم يكن نصاً فى الإيثار بواحدة كما تقدم بيانه ، فالمحتمل لا بد أن ترجعه إلى المفسر الغير المحتمل وهو التصريح بالثلاث ، وهذا ابن عباس يصدق عائشة ويعترف بأنها أعلم أهل الأرض بالوتر ، وعائشة فى تلك الرواية المصدقة صرحت بأن الوتر ثلاث ؛ فينبغى أن يتأن فى الأمر لا أن يتغامض ويستعجل فيما وجده موافقاً لرأيه من غير أن يبحث عنه ويكشف حاله . وأما أثر سعد بن أبى وقاص من الإيتار بواحدة فقد عاب عليه ابن مسعود فى إيتاره بركعة، كما فى " شرح معانى الأثار" (١ - ١٧٤) (باب الوتر). وحديث أبي موسى الأشعرى عند " النسائى" (١ - ٢٥١) (باب القراءة فى الوتر ): ((كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين ثم قام فصلى العشاء ركعتين ثم قام فصلى ركعة أوتر بها يقرأ فيها بمائة آية من "النساء"، ثم قال: ما آلوت أن أضع قدمى حيث وضع رسول اللّه فٍَّ قدميه، وأن أقرأ بما قرأبه رسول حلّ الج))١ هـ. فقال شيخنا رحمه الله ما ملخصه: إن مثل هذا الرفع رفع مبهم لا يكفى ولا يشفى أمام الصرائح الثابتة عنه عَّ ل﴾ فإنه فعل أموراً جمة من قصر العشاء . والإيتار بواحدة ، والقراءة بمائة آية ، ومن النساء خاصة ، ٢١٧ تحقيق أن بعض الصحابة يرفع حديثاً ويكون للإجتهاد فيه مدخل والنوم على الوتر ، والإكتفاء بمائة آية فى قيام الليل ، فهل المراد رفع مجموع هذه الأمور أو بعضها ، وأى بعض منها أراد ، ثم الظاهر منه ترك سنة العشاء أيضاً ، فهل يدخل فيه هو أيضاً أم لا ؟ وقد جرى نحو ذلك عنهم كثيراً فيفعلون أموراً إجتهاداً ويرفعونه على ظن أنها كذلك ، وله نظائر من فعل ابن عمر وغيره ، والظاهر أن محط كلامه هو القراءة بمائة آية فى ليلة يستحق أجر ما ورد عن أبى هريرة مرفوعاً: ((من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ فى ليلة مائة آية كتب من القانتين » أخرجه الحاكم وصححه . فيحتمل أنه قرأ مائة آية عملاً بهذا الحديث واجتهد فى الواحدة بأنها حقيقة الوتر كما اجتهد ابن عمر فرفع باعتبار بعض الأمور . علا أنه ثبت عن أبى موسى نفسه ما يعارضه ، ففى " زوائد الهيثمى" من ( باب السهو فى الصلاة ) من طريق أبى عثمان النهدى قال: (( خرج أبو موسى الأشعرى وأصحابه من مكة فصلى بهم المغرب ركعتين ثم سلم ثم قام فقرأ ثلاث آيات من "النساء" ثم ركع وسجد وسلم))، يذكره عن النبى ◌َ﴾﴾ . قال: رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله رجال "الصحيح". وقد أخرج الطحاوى من طريق أبى ادريس عن أبى موسى عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه عَل يقرأ فى وتره فى ثلاث ركعات " قل هو الله أحد" و "المعوذتين")) ورواه عبد الرزاق فى " مصنفه" كما فى " كنز العمال" (٤ - ١٩٧ ) فاضطرب شديداً، ومثله لا يمكن أن ينفصل عنه شئ ، وأن يكون حجة فى الخصام ، ومحمد بن يزيد الرحبى له ذكر فى " التاريخ الصغير " للبخارى ، وكذا فى " معجم البلدان" لياقوت فى الرحبة بالسكون والمنسوب محرك كما فى "القاموس" انتهى ملخصاً ببعض زيادة من " تعليقات الشيخ على الآثار " . قال الراقم عفا الله عنه: والرحبى ذكره ياقوت فى " معجمه" ( ٢ - ٢٨) ٢١٨ معارف السنن ج - ٤ ( باب ما جاء فى الوتر بثلاث ) حدثنا : هنادنا أبو بكر بن عياش عن أبى اسماق عن الحارث عن على قال: ((كان رسول اللّه ◌َ اهل يؤثر بثلاث يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، (٤ - ٢٣٥) فى " رحبة دمشق" وكناه: أبا القاسم وأبا بكر. قال: وروى عن أبى ادريس وأبى الأشعث وعروة بن رويم ، وذكر كثيراً، وعنه أبو قلابة الجرمى وأبو الأشعث الصنعانى وأبوسلام الأسود وربيعة بن يزيد اهـ . -: باب ما جاء فى الوتر بثلاث :- قوله : يؤثر بثلاث . المتبادر منه مذهب إمامنا أبى حنيفة ، والحديث سقيم من جهة السند لوجود الحارث الأعور ، ولكنى أقول : الحارث بن عبد الله الأعور وإن كذبه الشعبى فقد وثقه ابن معين وأحمد بن صالح المصرى وابن عبد البر وغيرهم. ، حتى قال ابن عبد البر: أظن الشعبى عوقب بقوله فى الحارث: كذاب الخ ، علا أن المحقق أن تكذيب الشعبى إياه إنما هو فى رأيه لا فى روايته . وفى "مسند أحمد" عن وكيع عن أبيه قال حبيب بن أبى ثابت لأبى اسحاق حين حدث عن الحارث عن على فى الوتر: (( يا أبا اسحاق حديثك هذا ملأ مسجدك ذهباً »، كما فى "التهذيب"، ثم بعد كل ذلك أن الحديث له شواهد صحيحة من حديث عائشة وغيرها فى الإيتار بثلاث كما تقدم نبذ منها ، ويأتى ، فلا يضر مذهب أبى حنيفة أصلاً . قوله : بتسع سور . وقع تفصيل هذه التسع فى بعض طرق الحديث . كما ورد عند الطحاوى من طريق إسرائيل عن أبى اسحاق فى الأولى: " ألهاكم التكاثر" و" إنا أنزلناه فى ليلة القدر" و"إذا زلزلت". وفى الثانية: " والعصر" و " إذا جاء نصر الله" و" إنا أعطينك الكوثر". وفى الثالثة: " قل يا أيها الكافرون " و"تبت" و"قل هو الله أحد". ٢١٩ أحاديث الوتر بثلاث وبيان من ذهب إلى الإيتار بركعة يقرأ فى كل ركعة بثلاث سور آخرهن "قل هو الله أحد")). وفى الباب عن عمران بن حصین و عائشة وابن عباس و أبی أیوب وعبد الرحمن ابن أبزى عن أبى بن كعب ، ويروى أيضاً عن عبد الرحمن بن أبزى عن النبى ۵﴾، هكذا روی بعضهم فلم یذ کر فیه عن أبى؛ وذکر بعضهم عن عبد الرحمن ابن أبزى عن أبى. قال أبوعيسى : وقد ذهب قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ له وغيرهم إلى هذا، ورأوا أن يؤثر الرجل بثلاث. قال سفيان: إن شئت أوترت بخمس ، وإن شئت أوترت بثلاث ، وإن شئت أوترت بركعة . قال سفيان : والذى أستحب أن يؤتر بثلاث ركعات، وهو قول ابن المبارك وأهل الكوفة . حدثنا : سعيد بن يعقوب الطالقانى نا حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن سیرین قال: « کانوا یؤثرون بخمس وبثلاث وبركعة، ويرون كل ذلك حسناً)). قوله: آخرهن "قل هو الله أحد". يريد آخر التسع فى الركعة الثالثة هو "قل هو الله أحد" لا أنها الآخر فى كل ركعة. قوله : قال سفيان . مذهب سفيان المدون المشهور فى الكتب يوافق أبا حنيفة فى الإيتار بثلاث بتسليمة، قال النووى فى "شرح المهذب" (٤ - ٢٢): وقال أبو حنيفة : لا يجوز الوتر إلا ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة كهيئة المغرب ... ووافقه سفيان الثورى اهـ. ولعل ما ذكره الترمذى رواية عنه، وقد ذكره كذلك ابن قدامة فى " المغنى" . قوله : ويرون كل ذلك حسناً . اعلم أن الإیتار بركعة حكاه البدر العينى فى "العمدة" (٢ -٤٤٢) عن عطاء وابن المسيب ومالك والشافعى وأحمد وأبى ثور واسماقی و داؤد، قال : ورویعن عثمان وسعد بن أبى وقاص وابن عباس ومعارية ٢٢٠ معارف السنن ج - ٤ وأبىموسى وابن الزبير وعائشة . وفى " مغنى ابن قدامة ": ذكره عن زيد بن ثابت وابن عمر ومعاوية أيضاً ، وحكاه ابن العربى عن أبى بكر وعمر أيضاً ، وأما الإيتار بثلاث فذكره العينى عن عمربن عبدالعزيز وسفيان الثورى وأبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد وأحمد فى رواية، والحسن بن حى وابن المبارك، قال : وقال أبو عمر: يروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود وأبى بن كعب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبى أمامة وحذيفة والفقهاء السبعة، وحكى ابن نصر فى "كتاب الوتر" (ص - ١٢٣) ذلك عن الحسن ومحمد بن سيرين وقتادة وبكربن عبد الله المزنى ومعاوية بن قرة وإياس بن معاوية وأصحاب على وعبد الله ، وعن عطاء وطاؤس وأيوب - ولعله السختياني - أيضاً . قال الراقم : وإذا أخذنا فى البحث والكشف عن مذاهبهم لم يبق فى الصحابة المجتزين بركعة إلا أقل قليل : معاوية وسعد بن أبى وقاص مع ثبوت خلافه عن سعد عند الطحاوى ، والبقية منهم إما عنهم روايات أخرى بالثلاث الموصولة ، كعائشة وابن عباس وأبي موسى ، وإما أنه ظن مذهبهم من بعض رواياتهم الموهمة ، كابن عمر ، فإنه يقول بالثلاث المفصولة بسلام ، ومذهب مالك كذلك ، وسعيد بن المسيب فى الفقهاء السبعة الذين اختاروا الثلاث ، وأحمد له رواية كأبى حنيفة ، فلم يبق فى الأئمة الأربعة إلا الشافعى، فتوسع وتسامح ، وإنى لأرجو من حاول التحقيق فى مذاهبهم ومنشأ نزاعهم أن يراجعوا "كشف الستر" لكى يتبين صديع الفجر من حندس الليل البهيم. وناهيك حجة فى أنه عيلا؟ لم يثبت عنه الوتر بركعة فعلاً أصلاً . وكذا لم ينقل الفصل عنه فى ركعتى الوتر صريحاً غير محتمل للتأويل أصلاً، وإنما هو فهم ابن عمر من رواية قولية كما تبين سابقاً ، ومن لطيف ما استدل به الشيخ رحمه الله فى " الكشف" فقال: إن الذين تمسكوا فى كراهة الوتر بثلاث كالمغرب بحديث: ((لا تؤتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب ولكن أوتروا بخمس أو