النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ حديث فضيلة النوافل فى البيت ( باب ما جاء فى فضل صلاة التطوع فى البيت ) حدثنا : محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن سالم أبى النضر عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت عن النبى حَّا﴾. قال: (أفضل صلاتكم فى بيوتكم إلا المكتوبة)). وفى الباب عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وأبی سعید وأبى هريرة وابن عمر وعائشة وعبد الله بن سعد وزید بن خالد الجهنى . قال أبو عيسى : حديث زيد بن ثابت حديث حسن . وقد اختلفوا فى رواية هذا الحديث . فرواه موسى بن عقبة وإبراهيم بن أبى النصر مرفوعاً ، وأوقفه بعضهم، ورواه مالك عن أبى النضر ولم يرفعه . والحديث المرفوع أصح. حدثنا: اسحاق بن منصور نا عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َ ◌ّ قال: الصريح فى أحكام الميت والضريح" للشيخ اسماعيل الشهيد. وكتاب "الإعتصام" للشاطبي أجود كتاب فى موضوعه. وتلخيصه: "الإبداع فى مضار الإبتداع" جيد. -: باب ما جاء فى فضل صلاة التطوع فى البيت :- قوله : أفضل صلاتكم فى بيوتكم الخ . واستدل بهذا الإمام الطحاوى أن الفضل فى المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجد النبى بعد خلّ يختص بالفرائض. وتقدم البحث فيه فى (باب أى المساجد أفضل) وتفصيل أقوال العناء فيه فلا نعيده . فإن النافلة هى أفضل فى البيت مطلقاً، ولم يثبت عنه عَ الم أداء السنن والنوافل إلا فى البيت . وسلف تفضیل الكلام فيه فى ( باب ما جاء أنه بصليهما فى البيت ) وغيره من أبواب التطوع . ( م - ٢١ ). ١٦٢ معارف السنن ج - ٤ صلوا فى بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)). قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . قوله: صلوا فى بيوتكم. قال الجمهور: أراد النافلة لقوله عَلَّ : (( أفضل صلاة المرأ فى بيته إلا المكتوبة، ولأن البحث على النفل فى البيت لكونه أبعد من الرياء وأصون من المحبطات ، وليتبرك به البيت ، وتنزل الرحمة فيه والملائكة وتنفر الشيطان منه، كما ورد فيه حديث عند الطبرانى عن عبد الرحمن ابن سابط عن أبيه مرفوعاً. ((نوروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن ، ولا تتخذوها قبوراً كما اتخذها اليهود والنصارى ، فإن البيت الذى يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله ويكثر خيره وتحضره الملائكة وتدحض عنه الشياطين » إلى آخر الحديث . وقال القاضى عياض : قيل هذا فى الفريضة ، ومعناه : اجعلوا بعض فرائضكم فى بيوتكم ليقتدى بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وعبيد ومريض. ولعل هذا القائل استدل بلفظ: ((اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم)) فى حديث ابن عمر فى "الصحيحين" فكأنه أخذ كلمة من للتبعيض، وأراد بالصلاة المطلقة منها ما يشمل الفرائض أيضاً ، ولا حجة فيه لأنه يخالف نص الحديث الآخر فى فضل المكتوبة فى المسجد والبعض من الصلاة المطلقة يختص بالنافلة . هذا ملخص ما فى "العمدة" (٢ - ٣٦٨ و ٣٦٩) بتصرف وتغيير . قوله : ولا تتخذوها قبوراً. اختلف العلماء فى شرح هذه الجملة على أقوال ذكرها الحافظ فى " فتح البارى" (١ - ٤٤٢ ) والبدر العينى فى "عمدة القارى" (٢ - ٣٦٨) فقيل تأويله: الندب إلى الصلاة فى البيوت، إذا الموتى لا يصلون كأنه قال : لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون فى بيوتهم وهی القبور، وعزاه الحافظ إلى جماعة . وقيل : أريد به كراهة الصلاة فى المقابر، وعزاه ١٦٣ بيان وجوه كون البيت قبرا بعدم الصلاة فيه إلى البخارى ، وقيل : فيه النهى عن دفن الموتى فى البيوت وأبهم قائله ، وله معنى رابع ذكره المنذرى إحتمالاً ، فقال: يحتمل أن يكون المراد: ((لا تجعلوا بيوتكم وطناً للنوم فقط لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلى)). وله معنى خامس ذكره التوربشتى فقال : يحتمل أن يكون المراد أن من لم يصل فى بيته جعل نفسه كالميت وبيته كالقبر . قال الراقم : والظاهر هو المعنى الأول والخامس وهما متقاربان، وإلى الأول جنوح البدر العينى ، كما إلى الثانى جنوح الشهاب العسقلانى وراجعها . قال الشيخ : ومما يرد على التوجيه الأول حديث عند ابن ماجه فى " سننه " (ص - ٣٢٦) (باب ذكر القبر ) من حديث جابر بإسناد لا بأس به : ((إذا دخل الميت القبر مثلت الشمس عند غروبها فيجلس يمسح عينيه ويقول : دعونى أصلى))، وكذلك يرد عليه ما فى " صحيح مسلم" من أنه: ((رآى موسى عليه السلام قائماً يصلى فى قبره )) ، أخرجه " مسلم" من أحاديث الإسراء من حديث أبى هريرة ، وفيه: ((وقد رأيتنى فى جماعة من الأنبياء فإذا موسى عليه السلام قائم يصلى فإذا رجل جعد الخ)) وليس فيه زيادة: ((فى القبر)) نعم أخرجه أحمد فى "مسنده" من حديث أنس ولفظه: ((قال قال رسول اللّه ◌َاجلّ: ـسيب مررت ليلة أسرى بى على موسى عليه السلام قائماً يصلى فى قبره )) ذكره ابن كثير فى " تفسيره" من "سورة الإسراء"، وعزاه إلى أبى يعلى الموصلى أيضاً ، فليراجع والله أعلم . وما فى "صحيح مسلم" فى (باب الإسراء من كتاب الإيمان ) من حديث ابن عباس ، وفيه أيضاً ذكر يونس بن متى على ناقة حمراء وهو يلبى: (( كأنى أنظر إلى موسى هابطاً من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية)) . وكذلك يخالفه ما فى " جامع الترمذى" (٢ - ١١٢) (باب ما جاء فى سورة الملك، ، من أبواب فضائل القرآن عن ابن عباس قال: ((ضرب بعض أصحاب النبي (وَل؟ ١٦٤ معارف السنن ج - ٤ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا قبر فيه إنسان يقرأ " سورة الملك " حتى ختمها)) إلى آخر الحديث. فدلت هذه الأحاديث على عدم تعطل القبور من ذكر الله ومن تلاوة القرآن ومن العبادة. وفى كتاب " شرح الصدور بأحوال الموتى والقبور " السيوطى روايات أخرى فى هذا الصدد ، فإذن كيف يستقيم التأويل المذكور ؟ قال : والجواب عن ذلك : أن الأصل فى القبور عدم ذلك فإنه تنقطع التكاليف هناك ، وهذا الذى ذكر فى الروايات، يستثنى منه مع كثرته ، وإن كان ربما يتوهم أنه الأصل لكثرته على أن ذلك الذى ذكر هو لخواص عباد الله تعالى لا عامة المؤمنين والله أعلم . قال الراقم: ويحتمل أن يقال: أن قولهمَخلّ: ((ولا تتخذوها قبوراً)) بناءً على العرف، فقد صارت القبور وأهلها مثلاً لتعطيل وانقطاع الأعمال فى العرف ، كما يمثل بها من لم ينتفع بوعظ وتذكير ، ومنه قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من فى القبور). ومنه ما فى "مسلم": ((مثل البيت الذى يذكر الله فيه، والبيت الذى لا يذكر الله فيه كمثل الحى والميت)). وبالجملة فالقانون العام هو انقطاع هذه الأذ كار والأعمال ، وبذلك جری العرف ، وما يخص الله به بعض عباده فهو أمر آخر واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ١٦٥ بحث الوتر ومن أفرده بالتأليف أبواب الوقر ( باب ما جاء فى فضل الوقر ) -: أبواب الوتر :- لشيخنا الإمام صاحب الأمالى هذه : " كشف الستر عن صلاة الوتر" تأليف مفرد فى مسألة الوتر ، فيه نفائس فى غاية من الدقة ، وفوائد جليلة فى غاية من الأهمية ، لا يستغنى عنه كل محدث بحاثة، وفقيه محقق له إلمام بالدقائق، كشف فيه عن سر ما وقع بين الأمة من الخلاف المدهش فى كل ناحية ، و أحاول بحول الله وقوته أن أذكر ما تيسر لى فى هذا الشرح منه أبحاثاً مهمة بنوع من الإيضاح فى مواضع ، واللّه سبحانه ولى التوفيق . -: باب ما جاء فى فضل الوتر :- اعلم أن بحث الوتر بحث طويل، وقد أفرده الإمام محمد بن نصر المروزى بتأليف مستقل فيه ، وهو كتاب حافل بالروايات المرفوعة والآثار الموقوفة ، ولخصه المقريزى (١) وأطنب فيه من مشائخنا الحنفية الإمام أبو جعفر الطحاوى فى (١) المروزى هو: الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى نسبة إلى ""مرو" من بلاد خراسان. ولد رحمه الله سنة ٢٠٢ - هـ قبل وفاة الشافعی بسنتين، وتوفى سنة ٢٩٤ - ه، ولد ببغداد ، ونشأ بنيسابور وتوفى بـ "سمرقند". وهو أحد المحمدين الأربعة المتعاصرين والمشتركين فى الرحلة العلمية . والثلاثة منهم: ابن جرير الطبرى، وابن المنذر ، وابن خزيمة، وهم وإن كانوا شافعية نشأة وتفقهاً ولكن انتهى مآل أمرهم إلى الإستقلال بآرائهم الفقهية. وانظر ترجمة المروزى فى "تاريخ الخطيب" (٣ _ ٣١٥ وما بعدها) و "طبقات الذهبى"، والسبكى، و"تهذيب ١٦٦ معارف السنن ج - ٤ " شرح معاني الآثار" . والإختلاف فى صلاة الوتر من وجوه كثيرة ، وهى الإختلاف فى وجوبه ، وفى عدده ، وفى اشتراط النية فيه ، واختصاصه بالقراءة ، واشتراط شفع قبله، وفى آخر وقته ، وفى صلاته فى السفر على الدابة ، وفى قضائه ، والقنوت فيه ، ومحلٍ القنوت ، وما يقال فيه ، وفى فصله ووصله ، وهل تسن ركعتان بعده ، وفى صلاته من قعود ، وفى أول وقته، وهل هو الأفضل أو الرواتب ، أو خصوص ركعتى الفجر ؟ وهل الثلاث الموصولة منه بتشهد أفضل أو بتشهدين ؟ فهذه سبعة عشر وجهاً فى الخلاف ، السبعة منها الأول حكاه الحافظ ابن حجر عن ابن التين ، والتسعة بعدها من زيادته، والسابع عشر من زيادة الراقم ، استفاده من "شرح المهذب". وبالله التوفيق. وصلاة الوتر وصلاة التهجد شيئان ، والتهجد ما كان بعد الرقود ، فإن التهذيب"، و"تاريخ ابن خلكان"، و"شذرات ابن العماد" وغيرها. وأما المقريزى: فهو تقى الدين أبو العباس أحمد بن على بن عبدالقادر المقريزى، نسبة إلى "مقريز"- بالفتح- حارة ببعلبك، المولود سنة ٧٦٦هـ، والمتوفى سنة ٨٤٥ - هجرية ، صاحب " كتاب الخطط والآثار"، نشأ بالقاهرة وفيها توفى ، تفقه على مذهب أبى حنيفة ثم تحول شافعياً بعد برهة من الدهر طويلة ، وزادت مؤلفاته على مأتى مجلد كبير ، أنظر ترجمته فى " الضوء اللامع" للسخاوى. ثم لا بن نصر كتب ثلاثة متقاربة فى الموضوع : "كتاب قيام الليل"، و" كتاب قيام رمضان"، و "كتاب الوتر". وثلاثتها غير مطبوعة، وقد لخصها المقريزى بحذف المكررات المرفوعة وبحذف أسانيد الروايات الموقوفة وقد طبعت هذه التلخيصات مجموعة بالهند سنة ١٣٢٠ - هـ. والحافظ الذهبى أيضاً "كتاب الوتر" ذكره الحاج خليفة فى " الكشف" ولم نقف عليه. ١٦٧ بيان معنى التهجد والمذاهب فى الوتر وعدد ركعاته التهجد لغةً: ترك الهجود وهو النوم . قال فى "اللسان" (٤ - ٤٤٣): وأما المتهجد فهو القائم إلى الصلاة من النوم ، وكأنه قيل له: متهجد ، لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال للعابد: متحنث، لإلقائه الحنث عن نفسه الخ. وذكر هو وغيره أن الهجود من الأضداد . ويوافقه حديث مرفوع عن حجاج بن عمرو أخرجه الحافظ فى " التلخيص الحبير" ( ص - ١١٧) وقال إسناده حسن . قال رواه ابن أبى خيثمة من طريق الأعرج عن كثير بن العباس عن الحجاج ابن عمرو قال: ((بحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلى حتى يصبح أنه قد تهجد ، إنما التهجد أن يصلى الصلاة بعد رقدة ...... وتلك صلاة رسول اللّه صَلٍ )). وعزاه بإسناد آخر إلى الطبرانى أيضاً ، وفى السند الأول أبو صالح كاتب الليث ، وفى الثانى ابن لهيعة . وراجع ما ذكره ابن عابدين فى " شرح الدر " عن "الحلية" من بحث فيه. وليس عند الشافعية كثير فرق بينهما إلا أن الوتر آكد . وأما تفصيل المذاهب فى عدد ركعات الوتر فقال أبو حنيفة وصاحباه : ثلاث ركعات بتشهدين وتسليم ، وهى صلاة مستقلة ليست بتابعة للتهجد . وعند الشافعية حقيقة الوتر : أنه لإيتار ما قد صلى من صلاة الليل ، فكأنه من توابع صلاة الليل . ولذا لم يقولوا بالوجوب فى الوتر فقالوا: الوتر ثلاث ركعات بتسليمتين . ثم قالوا : الوتر ركعة وثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة ، واختلفوا فى وترية ثلاث عشرة ركعة ، وجزم الشيخ تقي الدين السبكى بأنها وتر، حكاه فى "شرح المهذب" عن جماعة من الخراسانيين. قال: وجاءت فيه أحاديث صحيحة ، وذكر أنه لو زاد على ثلاث عشرة لم يصح وتره عند الجمهور ، ويصح عند إمام الحرمين فى وجه حكاه، وذكر أن أقل الوتر ركعة بلا خلاف، وأدنى كماله ثلاث ركعات، وأكمل منه خمس ثم سبع الخ أنظر "شرح المهذب" (٤ - ١٢). ثم إن الشافعى يصرح بأن الركعة وتر فى "كتاب الأم" (١ - ١٢٣) ويعترض ١٦٨ معارف السنن ج - ٤ على مالك فى عدم قوله بالوتر بركعة . والقاضى أبو الطيب من الشافعية يصرح بكراهة الركعة الواحدة فى صلاة الوتر كما حكاه القسطلانى فى " شرح البخارى" (٢ - ٢٥٩) ولفظه: قال القاضى أبو الطيب: إن الإيتار بركعة مكروه اهـ. والنقل هذا مهم، فإن القاضى أبا الطيب الطبرى هذا من كبار حملة مذهب الشافعى، وانتهت إليه رئاسة الفقه فى العراقيين ، وعنه أخذ العراقيون من الشافعية مذهب الشافعى، ومن مشائخه الدار قطنى ، ومن تلامذته الخطيب البغدادى ، وأبو اسحاق الشيرازى وهو معاصر للقدورى ، والطالقانى من أئمتنا الحنفية توفى سنة ٤٥٠ من مائة سنة وسنتين، وله ترجمة واسعة فى "طبقات الشافعية" للسبكى من الجزء الثالث، وإذا أطلق: "القاضى" فى كتاب العراقيين من الشافعية هو الذى يراد به كما يراد به فى الخراسانیین، منهم القاضی حسین، وفی کتب الكلام أبوبكر الباقلانى، وفی کتب المعتزلة عبد الجبار الأسترابادى . ثم إن فى تعليقات الشيخ الإمام على "آثار السنن". وعن أحمد رواية فى كراهة الوتر ركعة لاشفع قبلها، ذكره شارح "سفر السعادة" عن "شرح الخرق" وهو مذهب مالك . وفى "الروضة" من معتبرات كتب الشافعية: أن الوتر بثلاث ، بتسليم فى رمضان ، وبتسليمين فى غيره . قال الشيخ : فلا ندرى ماذا يقول الشافعية فيه، هل يقبلونه أم لا؟ وقال فى تعليقاته على "آثار السين": وفى " البنابة " عن "الروضة" قول بأفضلية الوصل فى الجماعة كالفصل فى الانفراد ، وهووجه عند المالكية كما فى " الإكمال" شرح "مسلم" (٢ - ٣٧٨)، وفى " البناية " عن الزهرى نحوه فى رمضان. وكذلك حكى فى "الأم" (١ - ١٢٥) من عمل أهل مكة فى رمضان : ويؤترون بثلاث اهـ. وفى "شرح التقريب" للعراقى أربعة وجوه فى الوتر إذا كان بثلاث: الأول أفضلية الفصل، والثانى أفضلية الوصل، والثالث ما ذكر، والرابع عكسه . ١٦٩ تفصيل المذاهب فى عدد ركعات الوتر حدثنا: قتيبة ثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الله بن راشد الزوفى عن عبد الله بن أبى مرة الزوفى عن خارجة بن حذافة أنه قال : وذكر أن الأول أصح . ثم إذا أوتر بخمس أو سبع وما إلى ذلك مما ذكر فالأفضل عندهم الفصل بأن يسلم على كل ركعتين ، وجاز الوصل بأن لا يقعد على كل ركعتين ولا يسلم إلا فى آخر الركعات ، أو يقعد على الشفع الذى قبله . فهذا تفصيل ما عندهم فى صلاة الوتر . وأما النافلة ما عدا التهجد والوتر فيجوز أن يصلى مائة ر کعة بتشهد واحد وسلام . قال فى "شرح المهذب" (٤ - ٥٦): يجوز فى النفل المطلق أن يسلم من ركعة وركعتين ..... وأن يجمع بين ركعات كثيرة سواء كان بالليل أم بالنهار اهـ. وقريب من مذهب الشافعية مذهب الحنابلة والمالكية .. ثم مذاهبهم فى النظر الإجمالى واحدة ولكنا إذا أخذنا فى البحث وبلغنا فى الفحص الغاية ظهر لنا فرق فى النظر التفصيلى ، فعند الشافعى : الركعة والثلاث والخمس الخ كله وتر . وعند أحمد : الوتر ركعة فقط والبقية من الأشفاع قبله من صلاة الليل . كما فى "المغنى". وعند مالك: لا ينبغى أن يقتصر على ركعة، فأين الوفاق وأين الوحدة ؟. فإذن عد جمهور الأئمة فى جانب واحد كما يفعله كثير من الشافعية ليس إلا ادعاء محضاً لتكثير السواد فليتنبه . قال الشيخ رحمه الله: إلا أنى لم أجد عن المالكية التصريح بالوصل بتشهد فى القعدة الأخيرة أو الأخيرتين فيما عدا الثلاثة . غير أنهم يذكرون الوتر ثلاث ركعات بتسليمتين ، ثم يذكرون بقية الصور تحت الجواز . ( ٢ - ٢٢ ) ١٧٠ معارف السنن ج - ٤ خرج علينا رسول اللّه بَ لٍ فقال: ((إن اللّه أمدكم بصلاة هى خير لكم من حمر النعم: الوتر ، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)». وفى وأما الوتر بركعة عند المالكية، فنص " موطأ مالك": أنه ليس العمل عليه عندهم . أخرج مالك فى " مؤطئه " عن ابن شهاب : أن سعد ابن أبى وقاص كان يؤثر بعد العتمة بواحدة ، قال مالك . وليس على هذا العمل عندنا ، ولكن أدنى الوتر ثلاث كما فى " الموطأ" (ص - ٤٤) فى الأمر بالوتر . والمالكية يتأولون فى كلام إمامهم وجوزوا الوتر بركعة ، وقالوا : إن أدنى الكمال ثلاث ، وكلام مالك يأبى عن تأويلهم . وجوز المالكية الركعة الواحدة فى السفر ، وفى بعض كتبهم كراهتها، وههنا فروع أخرى لا حاجة إلى ذكرها هنا . وبالجملة فذهب الحنفية : أنه لا وتر عندهم إلا ثلاث ركعات بتشهدين وتسليم. نعم لو اقتدى حنفى بشافعى فى الوتر وسلم ذلك الشافعى الإمام على الشفع الأول على وفق مذهبه ثم أتم الوتر صح وتر الحنفى عند أبى بكر الرازى وابن وهبان ، وفيه يقول ابن وهبان فى " منظومته " : ولو حنفى قام خلف مسلم - لشفع ولم يتبع وتم فمؤثر أنظر المسألة مع ما فيها من الخلاف والتفصيل فى وتر "الفتح" و "البحر" و "الرد " وغيرها . قال الشيخ - رحمه الله -: ولا ريب أن بعض الصحابة يطلقون الوتر على قيام الليل وصلاة الليل أيضاً، منهم . ابن عمر ، وبعضهم يفصل بين صلاة الوتر وصلاة الليل كعائشة الصديقة فى أكثر رواياتها فليتنبه . قوله : إن الله أمدكم بصلاة الخ . ذهب أبو حنيفة إلى وجوب صلاة الوتر بالوجوب المصطلح عنده وليس ١٧١ بيان حكم الوتر والاختلاف فى ذلك الباب عن أبى هريرة وعبد اللّه ابن عمرو وبريدة وأبى بصرة صاحب النبي صَّة . قال أبو عيسى : حديث خارجة بن حذافة حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هو بمتفرد فى القول به، فإنه ذهب إليه جماعة من السلف، فقد حكى وجوبه القاضى أبو بكر ابن العربى المالكى عن سمنون وأصبغ ، وحكى ابن حزم أن مالكاً قال من ترك أدب وكان جرحة فى شهادته . وحكاه ابن قدامة فى " المغنى " عن أحمد ، وحكى وجوبه ابن أبى شيبة عن ابن المسيب وأبى عبيدة بن عبد لمه ابن مسعود والضحاك ومجاهد . وابن بطال عن ابن مسعود وحذيفة وإبراهيم النخعى ويوسف بن خالد السمتى شيخ الشافعى. هذا ما فى " العمدة" (٣ - ٤١٢) و "الفتح" (٢ - ٤٠٧ ) وفى " قيام الليل" ( ص - ١١٤ ) عن مسلم القرى قال : كنت جالساً عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أرأيت الوتر سنة هو؟ قال ما سنة! قد أوتر رسول اللّه عَ الٍ وأوتر المسلمون. قال: لا أسنة هو؟ قال مه أتعقل! قد أوتر رسول اللّه صَلٍ وأوتر المسلمون اهـ . ولينظر هذا التحاور العجيب بعين التفكر والتدبر. ورواه مالك فى "مؤطئه" مختصراً من بلاغاته. وذهب الحليمى وابن عبد السلام والغزالى إلى وجوب الوتر على رسول اللّه حَ الٍ فى الحضر كما حكاه ابن حجر فى "التلخيص" (ص - ٢٨٠) قال ابن رشد فى " قواعده" (١ - ١٥٤) فى سجود السهو: فكان العبادات بحسب هذا النظر منها ما هى فريضة بعينها وجنسها ، مثل الصلوات الخمس ، ومنها ما هى سنة بعينها فريضة بجنسها ، مثل الوتر وركعتى الفجر ، وما أشبه ذلك من السنن اهـ. وليراجع للتفصيل فإنه كلام متين . وقال شيخنا فى "تعليقاته": لم يجعله أحد جائز الترك، فسمه ما شئت اهـ . قال الراقم : فاتفقوا على أن تاركه آثم أو على عدم جواز تركه . وكذا المقوا على عدم تكفير منكره . فإذن الخلاف قريب من الخلاف الصورة. ١٧٢ معارف السنن ج - ٤ يزيد ابن أبى حبيب، وقد وهم بعض المحدثين فى هذا الحديث فقال: عبد الله بن راشد الزرقى ، وهو وهم . نظير خلافهم فى مسألة بساطة الإيمان وتركيبه ، أو زيادته ونقصه من مسائل الأصول ، فليس من النصفة توسيع ساحة الخلاف ، على أن اصطلاح أبى حنيفة فى الفرق بين الواجب والفرض مشهور متقرر فى محله ، وقد فصلنا فيه القول من الطهارة والمواقيت والصلاة فى مواضع . وذكر فى "البدائع " وغيره أن يوسف بن خالد السمتى من أعيان فقهاء البصرة - شيخ الشافعى - سأل أبا حنيفة عن الوتر فقال : إنه واجب . فقال له : كفرت يا أبا حنيفة ، ظناً منه أنه يقول فريضة ، فقال أبو حنيفة : أيهولنى إكفارك إياى وأنا أعرف الفرق بين الفرض والواجب كفرق ما بين السماء والأرض . ثم بين له الفرق بينهما ، فاعتذر إليه وجلس عنده للتعلم اهـ. وعلى ذلك طاح ما حكاه ابن نصر فى "قيامه" (ص - ١١٥) من حكاية سائل عن أبى حنيفة، وقوله : أنت لا تحسن الحساب ، فقام وذهب . ولفظة " فريضة " فى الجواب تصرف من الراوى قطعاً ، ولا بد إلا أن يراد بها الفريضة العملية . علا أن هناك قولاً بأن الوتر فريضة بعينه ، كما ذهب إليه الشيخ علم الدين على السخاوى الشافعى المتوفى سنة ٦٤٣ - هـ ، ويعد من أذكياء بنى آدم كما فى "طبقات ابن السبكى" . وألف فيه رسالة كما ذكره البدر العينى فى "العمدة" فى شرح حديث الصلاة الوسطى ، وقد ذكرناه من قبل ، فجعله فرضاً ، وجعله الصلاة الوسطى. قال فى "الفتح" (٨ - ١٤٧): ورجحه القاضى تفى الدين الأخنائى، واحتج له فى جزء رأيت بخطه اهـ. وبالجملة مثل هذا الخلاف من مدارك الإجتهاد لم يكن فيه من بد عند تجاذب الأدلة ودلالات القرأن واختلاف منازع الفكر ودقة الرأى وفقه النفس . ١٧٣ تحقيق منشأ الاختلاف فى الوتر قال الشيخ فى "تعليقاته": أجملت الشافعية صلاة الليل ولم ينوعوها، فحكموا بالسنية اطلاقاً ، وقسمها الحنفية فأفردوا قسماً بالوجوب، ونظيره الجماعة فى الصلاة مع الأعذار، فمن مجمل مستن ، ومن مفصل موجب، والوتر عند أبى حنيفة من توابع العشاء فلا يرد ما عن أبى أمامة: ((سمعت رسول اللّهِ مَّ له يخطب فى حجة الوداع فقال: اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم)). أخرجه الترمذى آخر أبواب الصلاة اهـ. ومال الجمهور وصاحبا أبى حنيفة إلى أن الوتر سنة. واستدل الحنة ة بحديث الباب - وما فى معناه - على الوجوب . لأن معنى أمدكم أى زادكم . وقد ورد فى رواية أخرى بذلك اللفظ أيضاً. ووجه التمسك أن الزائد يكون من جنس المزيد عليه، فيكون الوتر واجباً . هذا وإن لم يكن لازماً لكنه الغالب الأصل ، لا يرد إلا بدليل قوى . علا أنه ليس هذا القدر مناطاً فى الباب ، بل اجتمعت عدة أمور أفادت الوجوب فى نظر فقيه الأمة وفقيه الملة. وهى : (١) المواظبة مع عدم الترك أصلاً. (٢) عدم جواز الترك والإجماع. عليه. (٣) تخصيصه بوقت. (٤) قضاؤه إذا نسيه. (٥) قول عدة من سلف الأمة على الوجوب . (٦) اهتمام ذكره بمثل هذه الكلمات، وما إلى ذلك من وجوه فى الباب . وأجاب الخصوم بأن لفظ: "زادكم" ثبت فى سنة الفجر أيضاً مع أنكم لم تقولوا بوجوبها . قال الشيخ : أما أولاً: فإن فى سنة الفجر رواية عن أبى حنيفة فى وجوبها. وأما ثانياً: فإن ذلك اللفظ فى حديث سنة الفجر من وهم الراوى ، ومنشأ ذلك أن حديث الوتر وحديث ركعتى الفجر كلاهما روى من حديث أبى سعيد الخدرى، رواه الطبرانى فى "مسند الشاميين" كما فى "نصب الرأية ، وإسناده حسن كما فى " الدراية". فيمكن أن يكون دخل على الراوى لفظ حديث فى حديث آخر . وذلك أن رواية أبى سعيد الخدرى فى ركعتى الفجر رواها الذهبى فى "تذكرة الحفاظ" (٢ - ٢٥٩) من ترجمة البحيرى بذلك السند الذى روى به حديث الوتر فاتحد سنداً ومتناً . والبحيرى ١٧٤ معارف السنن ج - ٤ هذا هو: الحافظ أبو حفص عمر بن محمد بن بحير السمرقندى ، وبحيرى آخر : أبو عمرو محمد النيسابورى صاحب ابن خزيمة ، ترجم له الذهبى فى "التذكرة" (٣ - ٢٦٧ ) . ثم إن لفظ حديثه: ((إن الله زادكم صلاة إلی صلاتكم، هی خیر من حمر النعم ألا وهى: الركعتان قبل الفجر اه)) وعزاه فى " نصب الرأية" (٢ - ١١٢) إلى "سنن البيهقى" و"مستدرك الحاكم". وعزاه فى "الدراية" (ص - ١١٢) إلى محمد بن نصر فى الصلاة أيضاً . قال الذهبي: وقد تفرد بحديث حسن فقال : أنا العباس بن الوليد الخ . فحديث أبى سعيد فى ركعتى الفجر من طريق البحيرى عن العباس بن الوليد الخلال عن مروان بن محمد عن معاوية بن سلام عن يحيى بن أبى كثير عن أبى نضرة عن أبى سعيد مرفوعاً . وحديث الوتر عند الزيلعى عن الطبرانى أيضاً من طريق العباس بن الوليد إلى آخر السند ، و لفظه: ((إن الله تعالى زادكم صلاة وهى الوتر اه)). فيحتمل أن الراوى انتقل فيه من حديث إلى حديث وإن قال فيه ابن خزيمة : لو أمكننى أن أرحل فى هذا الحديث لرحلت . ذكره الزيلعى وغيره . وقوله : أن أرحل أى إلى ابن بحير كما فى "سنن البيهقى" (٢ - ٤٦٩) ولفظ الشيخ فى "تعليقاته": ولعله انتقل من حديث إلى حديث ، ويلتبس بما عند "مسلم" (١ - ٢٥٧) وغربه ابن معين کما عند البیھمی - أى فى " سننه" - ، ولا بد من الوهم فيه لإتحاد سنده فى "التذكرة" و"التخريج" اهـ. ثم إن حديث الباب غربه الترمذى وسكت عن تصحيحه وتحسينه ، ونقل عن البخارى أنه قال : لا يعرف سماع بعض هؤلاء من بعض، كما ذكره الزيلعى عن ابن عدى عن البخارى ، وعزاه فى " نصب الرأية" و"الدراية" إلى حمد والحاكم أيضاً. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وليراجع " نصب الرأية" و"التلخيص الحبير" و"العمدة" من الجزء الثالث للأخبار الواردة فيه . وما نقل عن البخارى فهو بناء منه على مذهبه من أنه لا يكتفى ١٧٥ البحث فى الحديث المعنعن والاختلاف فيه بالمعاصرة فقط بل يشترط السماع ، والمسألة على طولها مفروغ عنها فى مبسوطات المصطلح، وكذا فى شرح شيخنا العثمانى والنووى على "صحيح مسلم" فلا حاجة هنا إلى البحث عنها، وفى "نصب الرأية" (٢ - ٣٤٧) فى أبواب الزكاة عن ابن القطان: أن البخارى وابن المدينى إذا لم يعلمالقاء أحدهما للآخر لا يقولان فى حديث أحدهما عن الآخر : منقطع، إنما يقولان : لم يثبت سماع فلان من فلان اهـ . وههنا صور : إحداها : عدم المعاصرة وعدم اللقاء بين الراوى والمروى عنه، فالرواية منقطعة عند الكل بالإتفاق . والثانية : ثبوتهما جميعاً ، فالرواية مقبولة عندهم جميعاً. والثالثة: ثبوت المعاصرة دون السماع وهى مقبولة عند الجمهور خلافاً للبخاری وهو يقول فى مثله : لم يثبت ساع فلان عن فلان وغر ضه بیان عدم علمه بالسماع دون اثبات نفى السماع كما فهمه بعضهم، ثم إن ثبوت السماع عند البخارى يكفى فى رواية ما ولا يشترط أن يكون فى كل حديث . قال الشيخ : وقد رأيت تصريحاً علیه عن البخاری فیبعض الكتب حین سئل عنه. وحديث الباب أخرجه أبو داؤد وسكت عليه وصححه ابن السكن ، حكاه شيخنا فى تعليقاته عن "المرقاة" للقارى. وصحيح ابن السكن لا يكون أقل من الحسن لذاته . ثم إن القدماء من المحدثين كانوا لا يفرقون بين الحسن والصحيح ، وكانوا يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف ويقولون : إن الخطابى أول من قسم الحديث إلى الأقسام الثلاثة . وراجع "مقدمة ابن الصلاح" مع "نكت العراقى" للتفصيل. وابن تيمية ينقل الإجماع على أن الحسن لذاته والصحيح واحد . قال شيخنا : ونقل الإجماع عليه مشكل. وقيل: إن أول من أخرج الحسن هو الترمذى، قال: وقد ثبت إطلاق الحسن فى كلام البخارى وابن المدينى قال الراقم : أنظر " التدريب" (ص - ١٣)، وفيه فى كلام الشافعى والبخارى وجماعة. ثم إد عند ابن سعد فى "طبقاته" (ق ١ ج - ٤ ص - ١٣٩) من حديث خارجة ابن حذافة: ((خرج علينا النبى بجَخّ لصلاة الغداة فقال: لقد أمدكم الله الليلة ١٢ ١٧٦ معارف السنن ج - ٤ بصلاة لهى خير لكم من حمر النعم ، قلنا : وما هى يا رسول الله ؟ قال : الوتر فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر)). وفيه محمد بن اسحاق ، وذكره الشيخ فى "تعليقاته" عن "نور المصباح". وكذا عند ابن أبى شيبة كما ذكره فى " كنز العمال" (٤ - ٩٠): ((لقد أمدكم اللّه الليلة الخ)). وخارجة بن حذافة من مسلمة الفتح كما فى "الإصابة" (١ - ٣٩٩). غير أن ابن سعد ذكر خارجة ابن حذافة فيمن تقدم إسلامهم ولم يشهد بدراً، فهذا يؤيد شيخنا رحمه اللّه، ولا يحتاج إذن إلى التأويل فى قوله : "خرج علينا"، فافهم وتشكر. فإذن يكون وجوب الوتر بعد فتح مكة . قال الشيخ : والذى تحقق عندى أن البردين - أى الفجر والعصر - وكذا الوتر كان حكمها قبل إيجاب الخمسة ، فلعل قول ابن حذافة عند ابن سعد : "خرج علينا" أى على معشر المسلمين . وأيضاً لعل الزائد فى هذه الليلة نفس الإيتار، وإلا فالصلاة فى الليل استمرت من نزول "المزمل" إلى آخر العمر، ولكنها كانت أشفاعاً، فأصبحت وتراً. وإن الذى نسخ فى آخر "المزمل" طول القراءة لا أصل الصلاة، فإن وقع تيسير ففى الطول، أو تغيير ففى وصف الإيتار ، ولم يدل هناك لفظ على نسخ أصل الصلاة ، وقد كانت الصلاة فريضة من قبل بالإتفاق . وكذلك يقول البخارى بنسخ بعض صلاة الليل لا كلها ، قال : وإنى أدعى أن البخارى أيضاً قائل بوجوب بعض صلاة الليل ، ولا أقل من الوتر، ولفظة "من" فى قوله فى ترجمة الباب: "وما نسخ من قيام الليل" تبعيضية لا بيانية ، كما زعم . وقد أوضحه الشيخ فى "فصل الخطاب" (ص - ١٨ و١٩): وذكرته فى " نفحة العنبر فى هدى الشيخ أنور". وقد صرح القاضى أبو بكر ابن العربى فى " عارضة الأحو ذى" ( ٢ - ٢٤٦) على أن البخارى قائل بوجوب الوتر. ويقول الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٤٠٦) ما ملخصه: إن البخارى أخرج حديث الوتر على الدابة ليدل على عدم وجوب الوتر . قال الشيخ : وفيه نظر ، لأنه لا بعد فى أن يكون ١٧٧ بيان من ذهب إلى وجوب الوتر وأدلته البخارى قائلاً بوجوبه مع القول بجوازه على الدابة ، وليس هو مقلداً للحنفية أو الشافعية فى قواعدهم ومسائلهم ، ونظير ذلك أن الشافعية مع قولهم بوجوب صلاة الليل عليه حَ الٍ كما فى "شرح المهذب" للنووى قالوا بجواز أدائها على الدابة ، صرح به فى "شرح المهذب" (٤ - ٢٠) قال: ومن خصائصه عَلّ جواز هذا الواجب الخاص عليه على الراحلة اهـ. وسيأتى بحث صلاة الوتر على الدابة فى محله . ثم إن ما قلنا أنه لعل الزائد نفس الإيتار دون الصلاة ذكره الخطابى أيضاً كما حكاه العينى فى "البناية" عن الخطابى كما فى " تعليقات الشيخ" . وذلك كزيادة الركعتين فى الرباعية ، فلا يتوهم أن الصلاة بعد هذه الزيادة غير ما كانت قبلها ، بل الرباعية كانت ثنائية ثم أصبحت رباعية . ولم يظن أحد أنها صارت غير الأولى . وأما أدلة وجوب الوتر على ما ذهب إليه أبو حنيفة فكثيرة، وقد استوفاها الزيلعى فى "نصب الرأية"، فقد أخرج فى ( باب صلاة الوتر ) ما بدل على الوجوب ، من حديث خارجة بن حذافة ، وحديث عمرو بن العاص ، وعقبة ابن عامر ، وابن عباس ، وأبى بصرة ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وابن عمر، وأبى سعيد الخدرى. وزاد البدر العينى فى "العمدة" (٣ - ٤١٢ وما بعدها) فيه حديث بريدة عند أبىداؤد ، وحديث على عنده وعند غيره ، وحديث أبى هريرة عند أحمد، وحديث عائشة عند أبى زيد الدبوسى فى " کتاب الأسرار" وحديث أبى سعيد غير الحديث المذكور عند الحاكم والترمذى ، و حديث ابن مسعود عند أبى داؤد، وحديث معاذ بن جبل عند أحمد، وحديث أبى برزة عند عمر فى "الإستذ كار"، وحديث أبى أيوب الأنصارى عند الدار قطنى ، وحديث سلمان بن صرد عند الطبرانى فى " الأوسط"، وحديث عبد الله بن أبى أوفى عند البيهقى فى الخلافيات . فهذه تسعة عشر حديثاً مرفوعاً. (٢ - ٢٣ ) .١٧٨ معارف السنن ج - ٤ ( باب ما جاء أن الوقر ليس بحتم ) حدثنا : أبو كريب نا أبوبكر بن عياش نا أبو اسحاق عن عاصم بن ضمرة منها ما هو صحيح عند بعضهم ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف ينجبر وهنه بالصحيح والحسن ، ويكاد يكون حديث خارجة بإسناد الطحاوى أحسن اسناداً من غيره ، وحديث أبى بصرة عند أحمد والطحاوى والحاكم وإن كان فيه ابن لهيعة وهو ثقة عند أحمد وغيره ولكنه توبع ، كما فى " التلخيص الحبير ". وقد ذكرنا من مذاهب السلف ما يوافق أباحنيفة من قريب فلا نعیده، وتبين مما ذكرنا أنه قول وسط فى الباب، فإنه قد ذهب بعضهم إلى الإفتراض، وذكرنا أن الخلاف غير جوهرى بعد التحقيق ، هذا والله ولى التوفيق . ومن الأدلة أنه لم يثبت أنه بَّ هُ ترك الوتر حضراً ولا سفراً بل لم يثبت ذلك من الصحابة والتابعين ؛ وهذا القدر يكفى دليلاً للوجوب . وقال مالك بن أنس : من تركه أدب وكانت جرحة فى شهادته . حكاه ابن حزم عنه كما فى "العمدة" (٣ - ٤١٢). وقال الحافظ علم الدين السخاوى : إن الوتر فرض عين ، وإنه ملحق بالفرائض، وألف فيه كتاباً مستقلاً ، كما فى "منحة الخالق على البحر الرائق" لابن عابدين ، كما ذكرنا من قبل من "العمدة" و"الفتح" ومثله قال أحمد كما فى "المغني" (١ - ٧٩٧) قال أحمد: من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ، ولا ينبغى أن تقبل شهادته اهـ. قال الشيخ : إن فى القرآن الكريم نفسه دليل على وجوبه ، فإنه لم ينسخ هناك إلا التطويل كما تقدم . ويقول الشافعية: فرضت ليلة الإسراء خمس صلوات، فكيف يزاد فيها الوتر؟ قلنا: الوتر ليست صلاة مستقلة ، وإنما هى تابعة لصلاة العشاء ووقتها واحد . -: باب ما جاء أن الوتر ليس بختم :- استدل الجمهور بحديث الباب على عدم وجوب الوتر ، والحنفية أدلة ١٧٩ بیان وجوب الوتر وثبوته بالسنة عن على قال: ((الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة ، ولكن سن رسول الله عَظِلّ، قال: إن اللّه وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن)). كثيرة على الوجوب ، ذكرها الزيلعى ، وأخرج الأحاديث ، منها حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول اللّه عَ ل٣ يقول: ((الوتر حق، فمن لم يؤثر فليس منا، الوتر حق من لم يؤثر فليس منا)). أشار إليه الترمذى فى الباب. أخرجه الحاكم وصححه ، وأبو المنيب عبيد اللّه فى إسناده ، وثقه ابن معين . وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، ورواه أبو داؤد وسكت عليه ، وله شاهد من حديث أبى هريرة وغيره ، راجع " العمدة " . قوله : ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة . هذا لا يخالف الإمام أبا حنيفة ، فإن وجوب الوتر ليس كوجوب الصلوات الخمس، ألاترى أن من أنكر صلاة من الخمس كفر ، ولم يكفر من أنكر وجوب الوتر ، فبين الوتر والمكتوبات فرق فى الإعتقاد أيضاً. قال فى " العمدة" (٣ - ٤١٢): ولم يقل أحد أن الوتر واجب كوجوب الصلاة .. . ... وذكر أنه فرض عملاً، سنة سبباً ، واجب علماً اهـ . قوله: ولكن سن رسول اللّه ◌َ ا﴾ . لا يصح أن يستدل بهذا، على أن الوتر ليس بواجب ، لأن لفظ : "السنة" فى تعبير الشريعة يراد بها: الطريقة المسلوكة ، لا السنة التى اصطلح عليها فقهاء الأمة ، فإن الإطلاق بالمعنى المصطلح مستحدث ، وربما نجد إطلاق السنة على الفرائض المتفق عليها ، ونظائرها كثيرة جداً . قرله: فأوتروا يا أهل القرآن . فسر " أهل القرآن" فى الحاشية المطبوعة على هامش "جامع الترمذى" (المطبوع بالهند) بـ "المؤمنين" فى أحد التأويلين، ١٨٠ معارف السنن ج - ٤ وفى الباب عن ابن عمر وابن مسعود وابن عباس . قال أبو عيسى : حدیث على حديث حسن . وروى سفيان الثورى وغيره عن أبى اسماق عن عاصم بن ضمرة عن على قال: ((الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول اللّه فَتجلٍّ)). حدثنا بذلك بندار نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان . وهذا أصح من حديث أبى بكر بن عياش. وقد روى منصور بن المعتمر عن أبى إسحاق نحو رواية أبى بكر بن عياش . ظناً بأن الوتر ليس مختصاً بحفاظ القرآن خاصة ، وإنما هى واجبة على المؤمنين كافة . فلو فسر بـ "حفاظ القرآن" لزم عدم وجوب الوتر على غيرهم. قال الشيخ: وهذا ليس بصحيح ، وإنما الصحيح أن المراد بـ "أهل القرآن" هم حفاظ القرآن، كما حكاه الترمذى من اسحاق فى ( باب ما جاء فى الوتر بسبع ) . وأريد بالإيتار ههنا صلاة الليل المشتملة على الوتر المصطلح . والفرق بين الحافظ وغيرهم يظهر فى صلاة الليل والقراءة فيها دون الوتر ، فإن المأثور فيها سور مخصوصة يحفظها كل أحد . وقد روى من كبار السلف المحدثين ذلك . وفى " قيام الليل" ( ص - ٧٠ ) من " المختصر " المطبوع بالهند لمحمد ابن نصر عن أنس مرفوعاً: ((إن اللّه أهلين من خلقه ، قالوا : ومن هم با رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته)). وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه مرفوعاً: ((إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن. فقال أعرابى: ما يقول النبي ◌َِّالَّ؟ قال: ليست لك ولا لأحد من أصحابك)). رواه ابن نصر من طريق أبى عبيدة عن عبد الله. وفى رواية أنه قال: ((لست من أهله)). والرواية هذه دلت على أمرين: الأول : أن المراد بـ "أهل القرآن" هم الحفاظ، وعلى الأقل من عنده قدر