النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ بيان مذاهب المتكلمين والمحدثين فى المتشابهات وكلام شيخه ابن تيمية فى عدة كتبه مضطرب جداً فى هذا الصدد ، ولا ريب أنهما يكثران من نقول السلف وأقوالهم ، ولكن ثم يصرحان بما يناقص أقوالهم، ويحملانها فى غير محمل ، وليس هذا موضع بيانه والله ولى الهداية والصواب . وبالجملة فمذهب المتكلمين - كما قال الشيخ - هو التأويل بالعقل على ما يوافق الشرع، وقالوا : إن مذهب السلف أسلم ومذهبنا أحكم . وشرح قولهم : إن أصل مذهب السنة كلهم التفويض ، وأما التأويل فإنما يصار إليه عند الحاجة عند البحث والمناظرة مع فرق الضلال من المشبهة والمجسمة . ثم هم يؤولون بما لا يخالف الشرع والعقل ، وأما المبتدعة فتأويلاتهم تخالف الشرع . ومذهب المشبهة : إن الله جسم من الأجسام . قال الشيخ : ثم إن تفويض السلف وعدم التأويل له معنيان : الأول : التفويض إلى الله والإقرار بعدم علمهم وعدم الإنكار على من تأول . والثانى : تفويّض تفصيلها وكيفيتها إلى اللّه والإنكار على من تأول برأيه وعقله ، وهم أرادوا هذا المعنى الثانى . ثم المأولة من أهل الحق ثلاث فرق : فرقة هم أهل اللغة ، فتأولوا بالإستعارة أو التشبيه . وفرقة هم الصوفية ، تأولوها بالتجلى، وهو ظهور الشّى فى المرتبة الثانية ، فالنزول هو تجلى صورى عندهم لا نزول حقيقى . وفرقة هم المتكلمون ، تأولوا النزول بنزول الملائكة أو رحمة الله بعباده . قال الراقم : وقد فرغنا آنفاً من تفصيل المذاهب ، وأما مذهب التجلى الصورى فذكره الشيخ القارى فى "المرقاة" كما فى "فتح الملهم" مع تحرير المذاهب وتنقيحها، وإرجاع الخلاف فى أهل الحق إلى خلاف لفظى. راجع "فتح الملهم" (٢ - ٣١٥). وأما التجلى وحقيقته، فمن شاء أن يطلع عليه فليراجع "العقبات" للشيخ اسمعيل الشهيد، وما فى " فتح الملهم" عنها، وما ذكره ١٤٢ معارف السنن ج - ٤ الشيخ فى "مرقاة الطارم"، وجل منه تجدها فى "نيل الفرقدين" (ص - ١٣٥)، وتصدى إليه الشاه ولى اللّه من الجنائز من "حجة الله"، وفى " السطعات" و " الخير الكثير" و "التفهمات"، وملخص حقيقة التجلى أن يحاكى المخلوق صفة من صفات الخالق وينسب ذلك إليه سبحانه وتعالى. وللشاه عبد العزيز فى تفسير آبة كشف الساق بدائع فى هذا الصدد . قال الشيخ: والمتكلمون طائفتان: الأشعرية، وهم المنسوبون إلى الإمام أبى الحسن الأشعرى، وأتباعه الشافعية والمالكية. والثانية: الماتريدية، ينسبون إلى إمام الهدى أنى منصور الماتريدى ، وأتباعه الحنفية ، وأبو الحسن وأبو منصور معاصران لكن أبا منصور أصغرسناً من أبى الحسن ، والحنابلة لا ينتسبون إلى أحد منها . قال الراقم: أبو الحسن الأشعرى اسمه: على بن اسمعيل ، ينتهى نسبه إلى أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه، صحابى رسول اللّه صَ لّ﴾ . توفى على الأصح ما بين الثلاثين والعشرين بعد ثلاث مائة من الهجرة ، وترجمته الحافلة فى " تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى الإمام أبى الحسن الأشعرى" المحافظ ابن عساكر الدمشقى، وهو شافعى المذهب على الراجح ، وقيل : مالكى ، و كذا توسع جداً فى ترجمته ابن السبكى فى "طبقاته" فى الجزء الثانى. وأما أبو منصور الماتريدى فهو الإمام محمد بن محمد بن محمود الماتريدى، نسبة إلى " ما تريد" - بضم التاء - قرية من قرى "سمرقند"، توفى سنة ٣٣٣ هجرية بعد وفاة الأشعرى ، ترجمته المختصرة تجدها فى " الجواهر" و " الفوائد"، وهو حنفى تلميذ محمد بواسطتين، والخلاف بين الأشعرى و الماتريدى قليل جداً، حتى قال بعض الأفاضل . إن عقيدة الطحاوى لا يخالف الأشعرى إلا فى ثلاث مسائل ، وابن السبكى فى "طبقاته" يجعل الخلاف اللفظى فى سبع والمعنوى فى ست ، وقد ذكرها فى " قصيدته النونية" فى "طبقاته". ١٤٣ بيان الأشعرية والماتريدية وأتباعهم وأما أتباعهما فذكر الحافظ ابن عبد السلام : إن المالكية والحنفية والشافعية و فضلاء الحنابلة أشعريون ، ذكره ابن السبكى ، والتفصيل ما أفاده شيخنا الكوثرى فى مقدمته على "تبيين كذب المفترى" فقال : فالمالكية كافة وثلاثة أرباع الشافعية وثلث الحنفية وقسم من الحنابلة على هذه الطريقة من الكلام من عهد الباقلانى، والثلثان من الحنفية على الطريقة الماتريدية فى ديار " ما وراء النهر"، وبلاد الترك والأفغان والهند والصين وما والاها، إلا من انحاز منهم إلى الاعتزال ، كبعض الشافعية .... وبعض الحنابلة على مسلك السلف فى التفويض وترك الخوض ، وبعضهم انحاز إلى المعتزلة ، وكان غالبهم على تعاقب القرون حشوية على الطريقة السالمية والكرامية إلى آخر ما ذكر . ولذا قد تصدى الرد عليهم ابن الجوزى فى "دفع الشبه". وقال الكوثرى فى "مقدمته" تلك: والأشعرية هم العدل الوسط بين المعتزلة والحشوية ، لا ابتعدوا عن النقل كما فعل المعتزلة ولا عن العقل كعادة والماتريدية الحشوية ، ورثوا خير من تقدمهم وهجروا باطل كل فرقة . هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة .... فالأشعرى والماتريدى هما إماما أهل السنة والجماعة فى مشارق الأرض ومغاربها ، لهم كتب لا تحصى . ولا يوجد من يوازن الأشعرى بين المتكلمين بالنظر لما قام به من العمل العظيم ، ومع ذلك لا تخلو آراؤه من بعض ما يؤخذ كنوع ابتعاد عن العقل مرة وعن النقل أ- فى حسبان الناظر فى كلامه فى مسائل نظرية معدودة ، كقوله فى التحسين والتقبيح والتعليل، وما يفيده الدليل النقلى، ونحو ذلك ، لأن من طال جداله مع أصناف المعتزلة والحشوية مثله لا بد وأن يحصل فى كلامه شئى من هذا القبيل ، وإنما لم يقع ذلك فى معاصره إمام الهدى أبى منصور الماتريدى شيخ السنة بما وراء النهر ؛ لتغلب السنة هناك على أصناف المبتدعة تغلباً تاما لا تظهر مشاغباتهم معه، فتمكن من الجرى على الإعتدال التام فى أنظاره ، فأعطى النقل حقه والعقل ١ ١٤٤ معارف السنن ج - ٤ حکه ا م باختصار . قال الشيخ: ولفظ الأشاعرة ربما يطلق على الأشعريين والماتريديين جميعاً . لعل ذلك تغليباً أو أن الخلاف قليل جداً، أو أن إطلاق ذلك يختص فى المسائل الوفاقية . ثم إن إطلاق: "أهل السنة والجماعة" على الأشعرية فى ديار "خراسان" و "العراق" وبلاد "الشام" وما والاها إلى أقصى بلاد "إفريقية" وبلاد "المغرب". وعلى الماتريدية فى بلاد " ما وراء النهر"، وعلى الطائفتين جمعاء فى بلاد " الهند" و"الصين" و"الأفغان" و"الترك". قال الشيخ: ثم إن الأشعرية قالوا: إن لله صفات ذاتية أزلية قديمة، وهى سبع: العلم ، والسمع ، والبصر ، والقدرة ، والإرادة ، والكلام ، والحياة . وصفات فعلية ، وهى حادثة مخلوقة له تعالى ، وليست قائمة به سبحانه وتعالى. وقال الماتريدية : الصفات الذاتية السبعة والفعلية كلها قديمة ، والصفات الفعلية كالإحياء والإماتة ، والتخليق والترزيق وغيرها . والكلام فيها مفروغ عنه فى كتب الكلام كـ "شرح المقاصد" و"شرح المواقف" و"شرح العقائد" وغيرها . وعرفها فى كتاب الأيمان من "الدر المختار" بما تكون صفات مع أضدادها . قال فى صفة ذات ما لا يوصف بضدها، وفى صفة فعل ما يوصف بها وبضدها، كالغضب والرضا . والتعريف هذا ذكره ابن الهمام فى " الفتح" والبابرتى فى " العناية " والزيلعى فى " شرح الكنز" وغيرهم أيضاً، فمنهم أخذه صاحب "الدر المختار". قال الشيخ : ولم أجد هذا التعريف فى كتب كلامية ، وقد قال الماتريدية بصفة التكوين ، وأدرجوا هذه الصفات الفعلية كلها فيها ، فجعلوا التكوين بمنزلة الجنس الذى يعم جميع هذه الصفات، فهى صفة ثامنة قديمة أزلية لله تعالى ، والبخارى أيضاً يقول بصفة التكوين . قال الراقم: أى فى "صحيح البخارى" فى ( باب ما جاء فى تخليق السماوات ١٤٥ بحث الصفات الذاتية والفعلية والأرض) من كتاب الرد على الجهمية، وأوضحه فى جزء "خلق أفعال العباد"، واعترف الحافظ فى "الفتح" ( ١٣ - ٣٧٠ ) بأن البخارى يوافق أبا حنيفة فى صفة التكوين . وقال الحافظ : والصائر إليه يسلم من الوقوع فى مسألة حوادث لا أول لها آهـ . قال الراقم : يعرض بابن تيمية . والأشعرية يقولون : الصفات الذاتية قديمة والتعلقات حادثة ، ويقول الإمام الطحاوى : إن الله تعالى خالق قبل أن يخلق ، ورازق قبل أن يرزق . أقول: ومن لفظه فى عقيدته: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه ، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته . ... ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم "الخالق"، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم "البارى" اهـ)). قال الشيخ: وهناك شئ آخر يتعلق بالبارى سبحانه أحق أن يسمى بالفعل مثل نزوله تعالى إلى السماء الدنيا، وما إلى ذلك من أفعال متعلقة به سبحانه وتعالى ، وظاهر أن مثلها لا يكون قديماً ، وتسميته بالفعل منى ، فيقول الماتريدية : إنها ليست قائمة به تعالى بل هى حوادث من مخلوقاته . ويقول ابن تيمية فى تلك الأفعال : إنها قائمة بالبارى ، وهى حوادث لكنها غير مخلوقة، فعنده تقوم الحوادث به سبحانه و تعالى بإختياره ، وهذه الحوادث قد يتصف بها وقد لا يتصف بها ، ويفرق بين الحادث والمخلوق بالعموم والخصوص ، فليس كل حادث عنده مخلوقاً ، فتلك الصفات عنده حادثة وليست مخلوقة ، ويدعى أنه يوافق مسلك السلف الصالحين ، وألف فيه كتاباً مفرداً، والأشاعرة ببطلون ذلك، والباری سبحانه وتعالى ليس عندهم محلاً للحوادث، ومن كان محلاً الحوادث فهو حادث عندهم ، وتعالى الله عن ذلك، ولم يقولوا بالفرق بين الحادث والمخلوق ، فالحادث عندهم مخلوق . أقول : ربما يستدل لابن تيمية وأتباعه فى الفرق بين الحادث والمخلوق بقوله : ( وما يأتيهم من ذكر من ( ٢ - ١٩ ) ١٤٦ معارف السنن ج - ٤ ربهم محدث ) حيث سمى الذكر محدثاً مع أنه ليس مخلوقاً عند أهل الحق ، ولا حجة فيه أصلاً، لأن معنى الإحداث إيجاد الشئ بعد أن لم يكن، والحدوث كون الشئ بعد أن لم يكن ، عرضاً كان أو جوهراً ، والمحدث ما أوجد بعد أن لم يكن ، وذلك إما فى ذاته أو إحداثه عند من حصل عنده ، ومنه قوله تعالى المتلو . فبه عليه الإمام الراغب فى " مفرداته"، فهو محدث عندهم بمعنى أنه لم یکن عندهم من قبل ، أی جاءهم ذ کر جدید ، فهو وإن کان قديماً عند الله سبحانه وتعالى لكنه محدث عندهم ، فالتعبير بالإحداث نظراً إلى المخاطبين لا فى نفس الأمر ، ومن ذا الذى يشك فى أن الذى قام باللّه من الكلام النفسى قديم ، والذى نتلوه فى المصاحف مرتباً بأصواتنا محدث . وبالجملة : ما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ، وكل محل الحوادث حادث وإلا لاستلزم كون الحادث فى الأزل ، كل ذلك عند أهل الحق . وأصل تلك النزغة من الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستانى ( المتوفى سنة ٢٥٥ ). قال أبو المظفر الإسفرائينى فى كتابه فى الملل - وهو من أوثق المصادر لتمحيص مذاهب الفرق وتنقيحها - ( ص - ٦٦): ومما ابتدعوه من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم، لعلمهم بافتضاحه هو قولهم : بأن معبودهم محل الحوادث تحدث فى ذاته وأقواله وإرادته وإدراكه المسموعات والمبصرات ....... . إلى أن قال بعد تفصيل -: ولم يجد هؤلاء فى الأمم من يكون لهم القول بحدوث الجواهر فى ذات الصانع غير المجوس ، فرتبوا مذهبهم على قولهم الخ . ويقول عبد القاهر البغدادى فى " التبصرة البغدادية " المطبوعة باسم "أصول الدين" بالآستانة . وأما جسمية "خراسان" من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم بأن الله له حد ونهاية من جهة السفل . ..... وقد ومنها : أنه بماس عرشه ، ولقولهم: بأن اللّه محل الحوادث .. أفسدوا بإجازة حلول الحوادث فى ذات الله لأنفسهم دلالة الموحدين على حدوث ١٤٧ بحث أن القديم لا يكون محلا للحوادث الأجسام بحلول الحوادث الخ . وكذلك فعل البربهارية والسالمية ، واندسوا منهم فى الحنابلة ترويجاً لصنوف زيغهم باسم الحنبلية ، حيث وجدوا على زعمهم أقرب طريق إلى ترويج أباطيلهم حتى شوهوا بذلك سمعة الحنابلة ، وأصبحوا وصمة عار على المذهب الحنبلى ، وحاشا مذهب إمامهم الجليل من تلك الأهواء البشعة ، ومن أجل ذلك قام للرد عليهم الحافظ ابن الجوزى فى كتابه " دفع الشبه" . وترى تفاصيل فى هذا الصدد فى " السيف الصيقل" للحافظ تفى الدين السبكى ، وتعليقاته الكوثرية، و "الاختلاف فى اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة" تأليف ابن قتيبة فى آخر عهده مع تعليقه ((لفت الحظ)). وقد ذكر أبو المظفر الإسفرائينى فى أواخر كتابه فى تفصيل مذهب أهل الحق فى العقائد (ص - ٩٧) : وأنت تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها فى ذاته وصفاته ؛ لأن ما كان محلا الحوادث لم يخل منها وإذا لم يخل منها كان محدثاً مثلها ، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: " لا أحب الآفلين"، بين به أن من حل به من المعانى ما يغيره من حال إلى حال ، كان محدثاً لا يصح أن يكون إلهاً آهـ . وقال فى (ص ـ ١٠١): وأنت تعلم أن كل صفة قامت بذات البارى جل جلاله لم تكن إلا أزلية قديمة الخ . وقال فى أواخر كتابه : واعلم أن جميع ما ذكرنا من اعتقاد أهل السنة والجماعة فلا خلاف فى شئ منه بين الشافعى وأبى حنيفة وجميع أهل الرأى والحديث ، مثل مالك والأوزاعى وداؤد والزهرى والليث بن سعد وأحمد بن حنبل ، فإذن من الغريب المدهش والمؤسف المؤلم ما يتوسع به الحافظ ابن تيمية فى كتبه من تجويز قيام الحوادث وحلولها فيه ، ومن إثبات الجهة وتجويز الحركة ، وقدم العرش ، وتفسير الاستواء بالاستقرار فى قوله: " ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستت به بقدرته، فكيف بالعرش العظيم" وتمثيل نزوله تعالى " وله درجين من المنبر ، وقال : كنزولى هذا، كما هو مدون فى "الدرر الكامنة" الحافظ ابن حجر، ١٤٨ معارف السنن ج - ٤ وذكره ابن بطوطه الرحالة من مشاهداته ، وما إلى ذلك من شواذ فى الأصول والفروع ليس هذا موضع بيانها . وبالجملة كتبه فيها فوائد ونفائس ولطائف كما أن فيها مداحض ومزال الأقدام ، وأشياء سطحية يتعجب مثلها من مثله ، فقد جمع فى ثغبه صفواً وكدراً الخ . ولله در القائل : فمن علا زلقاً عن غرة زلجا قدر لرجلك قبل الخطو موضعها فربما. كان بالتكدير ممتزجاً : لا يغرنك صفو أنت شاربه قنبيه : لشيخنا رحمه الله كلام فى هذا الصدد عند الكلام فى تصوير حدوث العالم فى رسالته : " مرقاة الطارم"، ربما يتوهم منه تصحيح حوادث لا أوّل لها ، والنظر فى قولهم : ما لا يخلو من الحادث فهو حادث الخ . وليس الأمر كذلك، فإنما يصرح الشيخ فى مواضع خلاف ذلك، فقال فى "مرقاة الطارم" (ص - ٥٨ ): واعلم أن ما قررنا من إمكان الحادث فى الأزل إنما هو على تقدير عدم التناهى، وإنه لا يحصره كلية، وإلا فوجود الحادث الزمانى فى الأصل جمع بين النقيضين ، ومن لم يفرض عدم التناهى استمر على كليته ، ولعله هو الصادق ، ومن جوز حوادث لا أول لها فإنما ذهب إلى قدم العالم أولاً للعلية والمغلولية ، ثم صور مذهبه كذلك ، ولا معتبر به إذن ، وكذلك الحافظ ابن تيمية . وصرح فى (ص - ٤٤): "إن تقوم القديم بالحوادث لا يعقل". وقال فى "نيل الفرقدين" (ص - ١٣٥): والذى يذكره الحافظ ابن تيمية فى تصانيفه من قيام الحوادث بذاته تعالى ويعبر عنه تحسيناً للعبارة وترويجاً لمراده بقيام الأفعال الإختيارية بذاته . فإنا لا نقول بقيام الحوادث بذاته أصلاً، وأما الإختيارية فصفة فعل قديم قائم بذاته ، بخلاف ما خلقه بالإختيار ، فإنه منفصل عنه بناءً على أن الفعل غير المفعول ، كما حكاه البغوى فى " شرح السنة" ١٤٩ بحث الصفات الفعلية ومذهب الفلاسفة فى الصفات عن أهل السنة اهـ. ومن أراد التفصيل فى تعيين مسلكه فلا بد أن يقف على رسالته "مرقاة الطارم" والله أعلم . قال الشيخ : ثم إنا نقول : إنه لا دليل للأشاعرة بحدوث الصفات الفعلية، فإن قيل : إن للصفات الفعلية التى هى آثار الأسماء الحسنى للبارى جل ذكره تعلقاً بالحوادث الكونية ، فتكون حادثة . قلت : لو كان المدار بمحض التعلق بها فالتعلق كذلك حاصل فى إرادته وقدرته مثلاً أيضاً . وأنتم لا تقولون بحدوثها، والمشهور بين المتكلمين: أن الإرادة قديمة ، وتعلقها بالمتعلقات الحادثة حادث . وقال الحذاق منهم: والإرادة قديمة، وكذا تعلقها قديم، لكن المتعلق حادث، كما يقوله الدوانى فى رسالته فى الواجب سبحانه وتعالى . قال الراقم : أراد برسالته : "الزوراء" وهى رسالة جمع فيها الدوانى أدلة إثبات البارى سبحانه بأسلوب ممزوج بين الفلسفة والتصوف ، فيأتى يجنب البرهان ما يحكم به الوجدان والكشف ، وسمعت من الشيخ غير مرة أنه كان يقول : لم يأت فيها بشئ بديع بل قال : لم يصنع بها شيئاً فى هذا الموضوع أى حدوث العالم واختصاص البارى سبحانه بالقدم . وهى مطبوعة ليست عندى الآن ، والمذكور هنا مثله يستفاد من كلامه فى " شرح العقائد العضدية " فى ضمن رد قول الفلاسفة فى قدم العالم فليراجع . قال الشيخ : واعلم أن الفلاسفة ينكرون فى الحقيقة صفات الله تعالى ، وقولهم بعينية صفات البارى أغلوطة ، بل الذى يلزمهم بعد تحقيق مسلكهم أن الصفات زائدة ، فإنهم لا يقولون إلا بصفة العلم ، وأنكروا سائر الصفات . ثم العلم حصولى عند أرسطو، والفارابى، وابن سينا كلهم ، كما هو مصرح فى كتبهم . ولعل القوم لم يتنبهوا لها فنقلوا ما يخالفه، فإذن يكون العلم زائداً. وأما الوجود فهو عين الذات عندهم ومتحد به ، واختاره الأشعرى أيضاً فهما متحدان عندهم فى الحقيقة، والاتحاد على أنواع: الإتحاد فى المفهوم، والإتحاد ١٥٠ معارف السنن ج - ٤ فى الحقيقة، والإتحاد فى الوجود. والأول أضيق، والثانى أوسع من الأول، والثالث أوسع من الثانى . قال الراقم : مذهب الفلاسفة فى الصفات والعلم وتفاصيل المذاهب فى مسألة الوجود كلها مفروغ منه فى كتب القوم بتمحيص وتحقيق، فعليك بـ "شرح المواقف" و "حواشيه" السيالكونى والحلى، و"شرح المقاصد" وغيرهما من مبسوطات الكتب الكلامية . وقد تعرض لمسألة الوجود شيخنا رحمه الله أيضاً فى "مرقاة الطارم" فأفاض فى شجون البحث والتحقيق ، وما ذكره الشيخ من كون العلم حصولياً عندهم ، فقال فى "حل المعاقد" ( ص - ١٤١ ): ثم اعلم أن القول بارتسام صور المعلومات فى ذاته تعالى وكون علمه تعالى حصولياً منسوب إلى المعلم الأول أرسطو والثانى أبى نصر الفارابى والحكيم بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس، وعبارات إشاراته أيضاً مفصحة عنه ، ثم نقل رد الطوسى إياه ، ومن جملة رده ما رده به الشيخ من لزوم زيادة الصفات ، ثم تصدى الجواب أيضاً ، فمن شاء التفصيل فليراجع إليه وإلى كتب الفن ، وذكره كمال الدين على " شرح جلال الدين العضدية " أيضاً ( ص - ٣٠٠) مع ما له وما عليه. وبالله التوفيق. قال الشيخ : والفلاسفة أنكروا الإرادة والقدرة كما أنكروا تعلق العلم الإلهى بالمعدومات ، وعند المتكلمين يتعلق علمه بالمعدومات من غير واسطة الصور. وإنما أنكروا الفلاسفة القدرة والإرادة لقولهم بأن البارى سبحانه فاعل بالإيجاب وسموه علة ، وهى ما فى طباعها صدور المعلول . أقول . تجد استيفاء هذا الموضوع من كل ناحية من نواحى البحث و التمحيص فى " مرقاة الطارم لحدوث العالم" وفى " ضرب الخاتم على حدوث العالم " . كلاهما للشيخ رحمه الله، وقد أبدع فيها بنفائس من نفثات صدره ، ١٥١ مسألة عينية الصفات وغيريتها وكذا فى "كتاب اللمعة" فى مباحث الوجود، وغيره لأستاذ العلامة راغب باشا الشيخ ابراهيم بن مصطفى الحلبى المذارى تجد بحثاً منقحاً . قال الشيخ : ويظهر بعد الفحص أن مذهبهم أن الحوادث وجودها بالعلة الأخيرة، ويتلخص منه: أنها بغير محدث . ونحن نقول: إن الله سبحانه وتعالى فاعل بالإختيار ، يخلق ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، وإنكار القدرة الإلهية كفر صريح بإجماع الأديان السماوية . نعم لا يستبعد عنهم الإنكار عن صفة الكلام والبصر والسمع ، فإنها مختلف فيها بين أهل القبلة من المسلمين فكيف يرجى منهم قبول مثلها . وبالجملة لما أنكروا القدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وقالوا بالإيجاب وذهبوا إلى قدم العالم والوجود عين ذاته عندهم فلم يبق إلا صفة العلم. وظهر بعد التحقيق أنه حصولى عندهم فكان زائداً على الذات، فإذن قولهم بعينية الصفات ليس إلا تلبيس وخداع ، ولما انتهى بنا الكلام إلى هذا الحد فلنذكر عدة فوائد تناسب المقام . الفائدة الأولى : ويستفاد من كلام الإمام الحجة مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوى الديوبندى فى كتابه : "تقرير دالذير" بالأردية ما ترجمته إلى العربية : إن النزاع بين المتكلمين القائلين بعدم عينية الصفات ، والصوفية القائلین بعینیتها مآله إلى نزاع لفظی ،حيث مثل صفاته تعالى بمصباحله زجاجات بلون مختلف أخضر وأحمر مثلا من كل جانب ، فينعكس نور ذلك المصباح فى كل جهة حسب لون الزجاج أخضر وأحمر ، فإذن هذا النور الأخضر ليس هو عين نور المصباح حيث يختلف لونه ولا هو غيره ، حيث أن منشأ ذلك النور و منبعه هو هو . وكذلك مثل بقرض الشمس بأن الشمس كروية والذى نشاهد من شكلها هو سطح عريض مدور ، فهذا السطح العريض لا هو عين الشمس ، فإنها كروية، وهذا ليس بكرة، وكذا ليس غيرها ، فإن منشأ هذا السطح هو نفس ١٥٢ معارف السنن ج - ٤ قرص الشمس . وحاصله أن للقول بالعينية أيضاً وجه كما أن للقول بكونها لا عين ولا عين وجهاً . وبالجملة منبع الفيض الذى ذات واحدة وإنما التعدد فى الصفات جاء من تجليات وشئون مختلفة . وقد صرح العارف الجانى بالمرتبتين عند الصوفية أيضاً كما ذكر أن القوم اتفقوا على أن الله تعالى كمالاً" ذاتياً وكمالاً اسمائياً أفاده الشيخ . أقول: ولعل الجامى قاله فى "اللوائح"، والشيخ فى "مرقاة الطارم" قد تعرض إليه فى مواضع ، منها ما فى ( ص - ٤٤ )، ومنها ما فى ( ص - ٣٠). وتعرض فى " نيل الفرقدين" (ص - ١٣٥) إلى حضرة الذات ، ثم حضرة الأسماء والصفات ، ثم حضرة الأفعال ، ثم حضرة آثار الأفعال الخ . الفائدة الثانية: قال الشيخ: ذكر ابن الهام فى "التحرير": أن أفعال البارى سبحانه معللة بالحكمة ، وأجمع عليه المحدثون والفقهاء. قال : ولا يلزم منه الاستكمال بالغير كما زعم الفلاسفة ، فإن الصفات فروع كمال الذات ، فليست من الخارج حتى يلزم الإحتياج إلى الغير . قال الراقم : ذكره فى بحث القياس فى بيان العلة (٣ - ١٤٣ ) من "شرح التحرير" لابن أمير الحاج ما لفظه: وكون الشارع قضى بالحكم عنده الحكمة اعتباره ومعرفته مسالك العلة وشرطها تفضل لا وجوب، وهذا ما يقال: الأحكام مبنية على مصالح العباد دنيوية كما ذكر وأخروية للعبادات ، وهو وفاق بين النافين لطرده وإن اختلف إسمه ، ومنع أكثر المتكلمين ذلك لظنهم لزوم استكماله فى ذاته كمالا لم يكن ذهول ، بل ذلك لورجعت إليه ، أما إلى غيره فمنوع، بل هو أثر كماله القديم .... . إلى أن قال -: والأقرب أنه لفظى مبنى على معنى الغرض ، أو أنه غلط من اشتباه الحكم بالفعل ... .. غير أن اتصافه بأقصى ما يمكن من الكمالات موجب لموافقة حكمه للحكمة ١٥٣ بحث أن صفاته تعالى من لوازم ذاته الخ . وإليه يشير الشيخ رحمه الله فى "ضرب الخاتم" (ص - ١٠ ) بقوله: فروع كمال الذات فاعلمه يا فتى ولم يك الإستكمال بل فيضه ومن قال الراقم : ويشبه هذا ما ذكره ابن سينا فى الصفات فى صدد جواب عن مشكلة ، وكذا ألجأ إليه الشيرازى فى " الأسفار الأربعة" (٣ - ٢٧ ) فى فصل فى حال ما ذکره المتأخرون فىأن صفاته تعالی یجب أن یکون نفس ذاته، فذ کر الشیرازی وحكاه بعده من أبیعلی ابن سينا : أن صفاته تعالی لوازم ذاته، وإن ذاته لا يكون موضوعاً لتلك الصفات ، لأنها موجودة فيه ، بل لأنها عنه، وفرق بين أن يوصف جسم بأنه أبيض ، لأن الأبيض يوجد فيه من خارج ، وبين أن يوصف بأنه أبيض ، لأن البياض من لوازمه آهـ . قال الراقم : وتجد فى الصفات بحثاً نفيساً ممتعاً جداً للشيخ المحقق الخفاجى فى "شرح الشفا" فى خطبة "الشفا" فقال: الذات المقدسة غير مفتقرة إلى الصفات التى ليست عينها ، بل الصفة مفتقرة للذات لإسنادها له وعدم صحة استغنائها عنه بديهة ، وإذا كانت الذات غير محتاجة للصفات ولا مستكملة بها لا يلزم تعطيلها أيضاً ، لأن وجودها فائدة لكونها صفات كمال فليست مؤثرة بالذات ولا واجبة بالذات ، بل بالإسناد للذات التى هى كالمبدأ لها ، لأنها قديمة ليست منفكة ، إلى آخر ما قال . ومن أراد التفصيل فليراجع إليه . والأسلم أن يقال كما يقول الإمام الرازى : إنا لا نعلم كنه صفات اللّه كما لا نعلم كنه ذاته . وإنما المعلوم لنا أنا لا نعلمها إلا بلوازمها وآثارها، وذاته لم تكمل بها ، لأن الذات كالمبدأ لها . وقد صدق الجلال الدوانى حيث ذكر أن مسألة عينية الصفات وغيريتها ليست مما يتعلق به التكفير . نعم إن الإنكار عنها كفر، فينبغى تسليمها إجمالاً وتفويض كيفيتها تفصيلاً إلى الله سبحانه وتعالى. وأما مسألة تعليل أفعال الله ( ٢ - ٢٠) ١٥٤ معارف السنن ج - ٤ بالحكمة فتجد فيها البحث الشافى فى كتاب "إيثار الحق" للوزير المانى فى أوراق كثيرة . وقد حكى عليه الإجماع وبسط القول فيه جداً. وهو من نفائس كتابه . وذكر فى "التحرير" أيضاً: أن العلة التامة تكون مقدمة على المعلول تقدماً زمانياً ، إلا أن الزمان لقلته ربما يتوهم عدمه ، واختاره المتكلمون والسبكى فى "جمع الجوامع". وهذه المسألة مرماها أن الله سبحانه لوفرضنا أنه علة لا يستلزم عدم تأخر المعلول عنه حتى يكون قديماً ، والبحث فيها طويل الذيل من شاء التفصيل فليراجع "مرقاة الطارم" للشيخ وكذا "ضرب الخاتم" له. ويقول فى "ضرب الخاتم فى حدوث العالم": وما نعرف المعلول إلا وجعله لعلته مستأنفاً لا معا أتى من الوصل أعنى كالزمان وما احتوى وحيث انقطاع البین لا بد عندهم وإلا فجعل واحد فى تلازم ومع وصف جمعی فی المرتب قد جرى وشرح الأبيات هذه يحتاج إلى بسط ليس هذا محله . الفائدة الثالثة : اختلف أهل المعقول فى مسألة العلم ، فقال عامة المنطقيين: العلم: الصورة الحاصلة، وقال المير زاهد: العلم: الحالة الإدراكية. وقال المتكلمون: العلم: مبدأ الحالة الإدراكية . ونوضح منشأ الخلاف فى مثال: بيت مظلم وضع فيه سراج فأضاء له كل ما هناك من الصور وانتشر ضياؤه ، فحصل هناك أمور ثلاثة : السراج ، وضياؤه المنتشر ، وإضاءة ما هنالك من الصور . فقال ميرزاهد الهروى: العلم هو الضياء المنتشر ، وعند المتكلمين هو السراج نفسه ، وعند المنطقيين : الصور المضيئة بضياء السراج ، فلينظر أيهم أدق مدركاً وأقرب تحقيقاً؟ أفاده شيخنا . والمسألة هذه مفروغ منه فى كتاب "الزاهدية على القطبية" و"حواشى القوم على الزاهدية" بحثاً وتحقيقاً. الفائدة الرابعة : فى مسألة على الغيب مقامان ، أحدهما : مقام المدح : ١٥٥ تحقيق الفرق بين مقام المدح ومقام الحقيقة وتكفير أهل القبلة والثناء ، وفيه يأتى الإطراء والمبالغة، ولا يكون الغرض الكشف عن الحقيقة، فلا يكون كذباً ، ومنه بيت البردة : فإن من جودك الدنيا وضر تها. ومن علومك علم اللوح والقلم والثانى : مقام ذكر المسألة وتحقيق الواقعة، فتذكر إذن القيود والشروط، ولا يتساهل فى تركها أصلاً، ولا يبالغ فيها ، فليفرق بين المقامين: مقام المدح ومقام المسألة ، وليميز بين باب المناقب وباب الحقائق ، والمصيبة نشأت من الاختلاط بين المقامين أفاده الشيخ . وفى مسألة علم الغيب - وإنه من خصائص علام الغيوب - رسالة لطيفة للشيخ: " سهم الغيب فی کبد أهل الريب"، وهى مطبوعة ولكنها نادرة . الفائدة الخامسة: قد اشتهر على الألسنة أن المتأول لا يكفر - كما أن اشتهر أن لا يكفر أحد من أهل القبلة بـ . وقد صرح المولى الخيالى فى أواخر شرحه على "شرح العقائد النسفية"، وكذا الشيخ الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد: أن التأويل فى ضروريات الدين كفر . وكلام الخيالى عند شرح قول الشارح التفتازانى: "ومن قواعد أهل السنة أن لا يكفر أحد من أهل القبلة" ما لفظه: معنى هذه القاعدة أنه لا يكفر فى المسائل الاجتهادية، إذ لا نزاع فى تكفير من أنكر شيئاً من ضروريات الدين آه. وكلام ابن دقيق العيد حكاه الحافظ ابن حجر فى "الفتح" فى الجزء الثانى عشر، ذكره شيخنا فى " إكفار الملحدين". والإمام الغزالى رسالته جيدة فى هذا الموضوع سماها : " فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة"، وهى مطبوعة ، وكذا شيخنا رحم الله قد أفرد المسألة بتأليف مبسوط سماه: "إكفار الملحدين فى ضروريات الدين". قد استوفى المسألة نقلاً وبحثاً. فقهاً وكلاماً، رواية ودرايةً، وحقق فيه أن المنكر من القطعيات، والملحد فى ضروريات الدين ، والمتأول فيها ١٥٦ معارف السنن ج - ٤ كل خارج عن الإسلام ، وكتابه هذا قد شرق وغرب ، ووافقه على ذلك أكابر عصره ، مثل الشيخ الحجة مولانا أشرف على التهانوى ، ومولانا خليل أحمد السهار نفورى شارح " سنن أبى داود" رحمهما الله، ومفتى ديار الهند مولانا كفاية الله الدهلوى، وسائر علماء ديوبند وعلماء الهند. وقد ذكرت بعض وصف الكتاب فيما تقدم فى الجزء الأول . الفائدة السادسة : قال الشيخ يتوهم من "جامع الفصولين"(١) وهو كتاب معتبر من معتبرات الفقه الحنفى ، أنه لا يجوز ترجمة المتشابهات الواردة فى صفات اللّه ترجمة لغوية بغير العربية. قال الراقم : لعله يشير إلى ما يستفاد مما ذكره فى الباب الثامن والثلاثين فى الكلمات الكفرية ، قال فى (٢ - ٢١٦): قال: " دست خدای دراز است" (أى يد اللّه طويلة ) كفر ، قيل: لو عنى به الجارحة لا لو عنى به القدرة آهـ . قال الشيخ : والذى يظهر عندى أن يكون النهى عن تفسيره دون ترجمته اللغوية . الفائدة السابعة : المقطعات القرآنية من المتشابهات حكى القرطبى فى " تفسيره" ( ١ - ١٣٤) عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود أنها من المكتوم الذى لا يفسر والمتشابه الذى انفرد الله بعلمه ، ولا يجوز أن نتكلم (١) ألفه الشيخ محمود بن اسرائيل الشهير بـ " ابن قاضى سماوة " من علماء القرن الثامن الهجرى المتوفى سنة ٨١٨ - هـ من " فصول العمادي" و " فصول الاستروشى"، ولذا سماه " جامع الفصولين" ، وهو كتاب جليل جداً فى مسائل فصل الخصومات ، مطبوع متداول . ١٥٧ حديث النزول واختلاف ألفاظه ((ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل الأول، فيقول : أنا الملك ، من ذا الذى يدعونى فأستجيب له ، من ذا الذى يسألنى فأعطيه ، من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له ، فلا يزال كذلك حتى يضئ الفجر)). وفی الباب عن على بن أبىطالب وأبیسعید ورفاعة الجهنی وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبى الدرداء وعثمان بن أبى العاص . قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . وقد روى هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبى هريرة عن النبى وَالر﴾ أنه قال: ((ينزل الله تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر))، وهذا أصح الروايات . فيها ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت اه ملخصاً وما يروى عن ابن عباس تأويل معانيها ، راجع له " تفسير ابن كثير" و " تفسير القرطبى" و"الدر المنثور". قال الشيخ: فعلى تقدير صحته عنه بيان بعض المحتملات ( دون الجزم بتأويلها ) . قال شيخ مشايخنا مولانا محمود حسن الديوبندى المدعو بـ" شيخ الهند" فى " فوائده التفسيرية": وكل ما روى عن السلف فى بيان معانى المقطعات القرآنية فإنما هو على سبيل التمثيل أو التنبيه على بعض مزاياها ، أو تدريب للناظر وتسهيل للمقصود اهـ . قوله : ثلث الليل الأول . وفى رواية : " نصف الليل"، وفى أخرى: " ثلث الليل الآخر"، واحتارها المحدثون ، بل ههنا ثلاث روايات أخرى : الترديد بين الثلث الأول والنصف ، والترديد بين النصف والثلث الأخير ، والإطلاق ى "ثلث الليل" فالكل ست روايات كما فى "العمدة" (٣ - ٦٢٣) و"الفتح" (٣ - ٢٦). ورجح جماعة رواية " الثلث الآخر" وهى فى الصحيح . ١٥٨ معارف السنن ج - ٤ ( باب ما جاء فى القراءة بالليل ) حدثنا : محمود بن غيلان نا يحيى بن اسحاق نا حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن عبد الله بن رباح الأنصارى عن أبى قتادة: أن النبي ◌ُّ لُ قال لأبى بكر: مررت بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك، فقال إنى أسمعت من ناجيت، قال الشيخ: لا حاجة إلى الترجيح ، وليحمل الكل على ظاهرها ، وليقل بالتزول فيها جميعاً ، كما يليق بشأنه وكبريائه ، فإنه سبحانه وتعالى وتقدس لا يشغله شئء ، والأوقات الثلاثة مباركة فإنها أوقات فراغ القلب عن الأشغال الدنيوية ، وجمع بعضهم بالحمل على اختلاف الأحوال باختلاف أوقات الليل فى كل قطر ، وما ذهب بعضهم كما اختاره الشيخ . والتفصيل فى " العمدة " و "الفتح". -: باب ما جاء فى القراءة بالليل :- قوله : وأنت تخفض . الأفضل عند أبى حنيفة فى نافلة الليل الجهر بالقراءة بشرط أن لا يؤذى نائماً أو مصلياً آخر ، وكذلك يقتضيه الحديث ، وفى "الهندية" عن "الزاهدية": أنه يتخير فى الجهر والإسرار فى نوافل الليل والله أعلم . وأما كراهة الجهر بالقراءة والذكر إذا تأذى به نائم أو غيره فمذكورة فى الحظر والإباحة من كتبنا . قوله : أسمعت من ناجيت . قال الصوفية : كان الصديق فى مرتبة الجمع والفاروق فى مرتبة الفرق، فأرشدهما النبي ◌ُّهَ إلى مرتبة " جمع الجمع". ذكره القارى فى "المرقاة". وشرح هذه المراتب الثلاثة تجدها فى رسالة الأستاذ الإمام أبى القاسم القشيرى، وما قال رسول اللّه بحّ الجيل نظير ما فى " التنزيل العزيز" : (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ، وابتغ بين ذلك سبيلاً) حكاه ١٥٩ صلاته بَ الّه بالجهر والإسرار قال ارفع قليلاً، وقال لعمر : مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك، فقال: إنى أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، قال: اخفض قليلاً)). وفى الباب عن عائشة وأم هانى وأنس وأم سلمة وابن عباس . حدثنا: قتيبة نا الليث عن معاوية بن أبى صالح عن عبد الله بن أبى قيس قال: سألت عائشة: كيف كان قراءة النبى حَّ بالليل؟ فقالت كل ذلك قد كان يفعل ، ربما أسر بالقراءة وربما جهر ، فقلت : الحمد لله الذى جعل فى الأمر سعة )). قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح غريب . قال أبو عيسى : حديث أبى قتادة حديث غريب، وإنما أسنده يحيى بن اسحاق عن حماد بن سلمة، وأكثر الناس إنما رووا هذا الحديث عن ثابت عن عبد الله بن رباح مرسلاً حدثنا : أبو بكر محمد بن نافع البصرى نا عبد الصمد بن عبد الوارث عن اسماعيل بن مسلم العبدى عن أبى المتوكل الناجى عن عائشة قالت: ((قام النبى مَ الّ بآية من القرآن ليلة)). القارى عن " الطيبى" . قال الشيخ: والأولى أن لا يدخل فى مثل هذه الأمور التى لم تحصل لنا ، ولله در الشيخ الأكبر محى الدين ابن العربى حيث وصل إلى مجلس من مجالس الأولياء فأخذوا فى البحث فى منزلة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فسألوه أن يقول فيها شيئاً فاعتذر بأنه كيف أدخل فى أمر ليس لى فيه نصيب ، قاله فى "الفتوحات المكية" قاله الشيخ. قال الراقم: ولم أقف على محله حتى أحكيه بنصه . عَلّ بآية من القرآن ليلة. الآية هذه قوله تعالى: (إن قوله : قام النبي ٠١٦٠ معارف السنن ج - ٤ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) كما هو مصرح فى حديث أبى ذر عند النسائى وابن ماجه وابن نصر والطحاوى ، وعرض له خليج حالة التلذذ والاستغراق فى مناجاة الله تعالى، وظاهر هذا الحديث أنه فَلَ} لم يقرأ فى هذه الصلاة "الفاتحة"، وبالأخص ما ورد فى " شرح معانى الآثار" للطحاوى فى حديث أبى ذر فى ( باب جمع السور فى ركعة واحدة) (١ - ٢٠٥): (( يقرأ آية من كتاب الله بها يركع وبها يسجد وبها يدعو)). وإذا استوفيت طرق الحديث دل على ذلك فيشكل الأمر على القائلين بفرضية الفاتحة ، فمثل هذه الصلاة لها أصل عندنا ، وأما عندهم فليس له حقيقة أصلاً مسألة: تعيين سورة للقراءة فى صلاة فيما لم يرد بها السنة مكروه ، و المسألة مذكورة فى مكروهات الصلاة من كتبنا على الإختلاف فيه من الطحاوى وغيره من المشايخ . قال شيخنا . والبدعة ما لم يكن لها أصل فى الكتاب و السنة والإجماع والقياس ، ثم ترتكب على قصد أنها قربة وما لم يقصد بها القربة لا تسمى بدعة ، فالأمور الرائجة فى العرائس وحفلات الفرح وعقود النكاح على خلاف السنة لا تسمى بدعة ، فإنها ليست على قصد القربة . نعم إنها أمور إذا كان فيها سرف ولغو فتمنع من جهة أخرى . وأما العادات الرائجة فى مراسم التعزية ومحافل المآتم فهى بدعة ، لأنها تفعل على قصد أنها من الدين . ثم إن تكرار آية فى النافلة جائز عندنا من غير كراهة . قال الراقم : فرق الشيخ بين رسوم الأفراح ومحافل السرور ، وبين المآتم ورسوم الأموات ، وهذا متين جيد لم أقف عليه صريحاً ، وإن كان مفاد كلامهم فى تعريف البدعة والله أعلم. وأحسن ما ألف فى رد البدع إيضاح "الحق