النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
تحقيق توثيق العمرى فى روايته
فعبد الله هذا هو العمرى . وكذلك صح أبو عبد الله الحاكم له حديثاً فى
"المستدرك" عن نافع كما فى "العمدة" (٤ - ٤٦٤)، وكذلك الحافظ
ابن دقيق العيد جعل رواية عبد الرزاق عن العمرى عن عمر بن نافع حسنة فى
المتابعة كما حكاه شارح " المنتقى" فى ( باب وقت الظهر ). وأما تصحيح ابن
السكن لحديثه فذكره الحافظ فى " التلخيص" ( ص - ٢٢١) من حديث من
جاءفى زائراً كان له حقاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة، وكذلك مجمح
ابن السكن حديث النهى عن الصلاة فى المزبلة ، وفيه العمرى عن نافع كما
فى "شرح المنتقى" وكذلك المنذرى فى " الترغيب" (ص - ٨٤) حسن
له حديثاً .
وبالجملة فهؤلاء الترمذى ثم الحاكم وابن السكن ثم المنذرى وابن دقيق العيد
وابن كثير وغيرهم حسنوا له أحاديث ، ولعل إليها أشار الشيخ رحمه الله ، وقد
خرجنا هذه بضوء ما أشار إليه الشيخ فى تعليقاته على " آثار السنن» وبالله
التوفيق . وقال الشيخ: وقد استدل الحافظ برواية العمرى هذا فى كتاب الحج
من " فتح البارى" على لقاء الزهرى مع ابن عمر فى ضمن رواية الزهرى من
سالم أنه كتب عبدالملك بن مروان إلى الحجاج: أن لا تخالف ابن عمر فى الحج،
فعلى هذا رواية الطحاوى تلك حسنة . قال الراقم : ذكره الحافظ فى "الفتح".
(٣ - ٤٠٨) (باب التهجير بالرواح) ومثله فى " العمدة" (٤ - ٤٧٢ )
و "التهذيب" (٩ - ٤٥١) فى الكل نقلاً عن الذهلى: قال : لست أدفع
رواية معمر عن الزهرى أنه شهد سالماً وعبد الله بن عمر مع الحجاج فى الحج،
فقد روى ابن وهب عن عبد الله العمرى عن الزهرى نحوه اهـ. والذهلى هذا
هو الإمام محمد بن يحيى بن فارس الذهلى النيسابورى الحافظ شيخ الإمام البخاري
صاحب " الصحيح" ، فانظر كيف يعتمد على رواية العمرى عن الزهرى وفى
. (م - ٦٦)

٥٢٢
معارف السنن
ج - ٣
تقوية مثله كفاية . والله ولى التوفيق
وتصدى الشافعية للجواب عن ذلك فقالوا : إن الذى استشهد يوم بدر هوذو
الثمالين وهو عمير بن عبد عمرو من بنى خزاعة ، لا ذواليدين فإن ذا اليدين هو
خرباق بن عمرو من بنى سليم . والشافعى أول من نص على التفرقة فى كتابه
"إختلاف الحديث" كما فى "الفتح" (٣ - ٧٧)، ثم تبعه من جاء بعده
ممن ذهب إلى مذهبه فى ذلك فلعله دخل مذهبهم فى التاريخ وصار التاريخ
تبعاً للفقه ، وإذن تكون النقول التاريخية فى عدم التفرقة من أهل مذهبه أقوى
حجة فى الباب فإنها على صرافة تاريخية لم تنصبغ بصبغة مذهبية فليتنبه لذلك
ثم جاءوا بكونها رجلين بنقول عديدة وعارضهم الحنفية فأثبتوا أنها
واحد لقب بها رجل وجاءوا على ذلك بأدلة ، وقد استوى أدلة الفريقين
الشيخ ظهير أحسن النيموى فى "آثار السنن" فذكر من أدلة الشافعية ما يدل
على التفرقة بينهما من القائلين: أبا عوانة وابن منده والبيهقى وابن عبد البر
والسهيلى وابن الأثير الجزرى، فالأول فى "صحيحه"، والثانى لعله فى الصحابة،
والثالث فى "المعرفة" وفى " السنن الكبرى"، والرابع فى "التمهيد"، والخامس فى
"الروض الأنف"، والسادس فى" أسد الغابة". وزد عليه الإمام الشافعى فى
"إختلاف الحديث" والقاضى عياض فى "شرح مسلم" كما حكاه الحافظ البدر العينى
وغيره ، وزد عليه أبا عبد الله الحاكم صاحب " المستدرك".
وأما القائلون بالوحدة فذكر منهم : ابن حبان فى " ثقاته" ، وابن
سعد فى "طبقاته"، وأبا عبد الله محمد بن يحيى العدفى فى " مسنده"،
وأبا العباس المبرد فى "كامله" أى فى الجزء الثالث فى (ص - ٣٠٨) من
(باب ذكر الأذواء )، والحافظ ابن الأثير فى " أسد الغابة».
قلت: ذكر أولاً وحدتها فقال: الخرباق السلمى اسمه عمبر بن عبد

٥٢٣
تحقيق أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان
عمرو ، يكنى أبا محمد ، ويقال له : ذو اليدين وذو الشمالين والخرباق لقب ،
ثم قال: وقيل هما اثنان اهـ ــ وكذلك ذكر منهم السمعانى فى " أنسابه" كما
فى " المغنى" للشيخ محمد طاهر الفتى، قلت: وحكا عنه الحافظ علاء الدين
الماردينى فى " الجوهر النّى"، وزد عليهم القاضى أبا محمد الرامهرمزى فى
"المحدث الفاصل" حكاه صاحب " الجوهر التى" وصاحب " العبدة" (٣
- ٧٠٤)، وزد عليهم أبا معشر كما قاله العراقى فى "شرح التقريب" (٣
- ٥) وهو نجيح بن عبد الرحمن السندى المدنى إمام حجة فى المغازى والسير.
وهؤلاء من عدا أصحاب الحديث الذين وقع فى رواياتهم ما يدل على الإتحاد
كابن عمر عند الطحاوى ، وحديث أبى هريرة عند النسائى وغيره من طريق
الزهرى وعمران بن أبى أنس و معمر ، وكحديث ابن عباس عند البزار
والطبرانى ما يأتى بعض تفصيله فخذه محرراً ، ولا يبعد أن يكون منشأ من
ذهب إلى التعدد وقوعها فى الروايات بلقبين ، ثم رواية أبى هريرة الواقعة
بلفظ بتبادر منه حضوره فيها ، ثم ذكر بعض أهل المغازى ذا الشمالين فى
قتلى بدر فزعموا من هذه الأمور زعماً سطحياً ، ثم رسخ فى القلوب لمسألة فقهية
دارت عليه أو هم أناطوها عليه ، فلاريب أن من نص فى روايته باللقبين معاً
وفصل الأمر وبين منشأ التلقيب أولاً ثم ثانياً فهو أضبط من غيره ، وعنده علم
وتفصيل ليس عند غيره والتفصيل حجة على الإجمال والنطق قاض على السكوت ،
علا أن هناك ما مضى وما يأتى ما يؤيد القائلين بالاتحاد دون التفرقة والله أعلم.
ومن أدلتنا فى الباب رواية الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة عند النسائى ( ١
- ١٨٣) (باب ما يفعل من سلم من ثنتين بإسناد صحيح متصل كما قاله علاءالدين
الماردينى . ووقع فيه: ذو الشمالين بدل ذى اليدين ، وأجابوا عنه بأنه من وهم
الزهرى، وقال ابن عبد البر فى " التمهيد": إنه تفرد به كما حكاه السيوطى
فى: "زهر الربى" على " سنن النسائي"، وكذلك حكاه العراقى وابن حجر

٥٢٤
معارف السنن
ج - ٣
والماردينى والعينى وغيرهم. قال الشيخ: هذا غير صحيح فإنه يصرح بأنّه
كان هذا قبل بدر، ثم استحكمت الأمور بعد. حكاه الزيلعى فى "نصب الرأية"
(٢ - ٦٧) نقلا ابن حبان فى "صحيحه"، ومثله عن ابن وهب فى "الجوهر
النّى" . ولم ينفرد هو به كما يقوله بل قابعه على ذلك عمران بن أبى أنسى عند
النسائى والطحاوى، فالنسائى فى "سننه" (١ - ١٨٢) (باب ما يفعل من
سلم من اثنتين بإسناد صحيح على شرط مسلم كما يقوله صاحب "الجوهر النّى"
وصاحب ".العمدة"، وأما الطحاوى ففى "شرح الآثار" (١ - ٢٥٨)
( باب الكلام فى الصلاة الخ ) وكذلك رواه عكرمة مرسلا عند ابن أبى شيبة
بإسناد قوى أخرجه البدر العينى فى "العمدة" (٢ - ٤٥٥) وسياقه: وقال
ابن أبى شيبة فى " مصنفة" حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عكرمة قال: صلى
النبى معَّ له بالناس ثلاث ركعات ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث
فى الصلاة شئ؟ قال: وما ذلك؟ قالوا: لم تصل إلا ثلاث ركعات ،
فقال : أكذاك باذا البدين وكان يسمى ذا الشمالين ؟ فقال: نعم ، فصلى ركعة ومجد
سجدتين اهـ. وفيه أيضاً ذو الشمالين وتابعه معمر عند أحمد فى " مسنده" (٢ - ٢٨٤)
من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة
وفيه : فقال ذو الشمالين الخ. قال الراقم عفا الله عنه: وأوفى سياق الحديث
الزهرى ما عند الدارمى ( ص - ١٨٥) فى " مسنده" عن عبد الله بن صالح
قال حدثنى الليث حدثنى يونس عن ابن شهاب قال أخبرنى ابن المسيب
وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله عن
أبى هريرة وفيه: فقال له ذو الشمالين بن عبد الله بن عمرو فضلة الخزاعى ...
.... وفيه: فقال: أصدق ذو اليدين الخ. وعبد الله بن صالح أبو صالح المصرى
كاتب الليث ضعفه الجمهور ولكن وثقه جماعة واستشهد به البخارى اتفاقاً ،
وقيل: روى عنه فى "صحيحه" أيضاً، كما فى " التهذيب" و"مقدمة فتح الباري".

: ٢٥,
تحقيق أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد
علا أن هؤلاء جميعاً يروى عنهم الزهرى عند النسائى من طريق آخر . ومن
لطائف اسناده أنه اجتمع فيه فى روايته عن أبى هريرة أربعة فقهاء من الفقهاء
السبعة الذين بعد مالك بن أنس إجماعهم إجماع كافة الناس ، ومن لطائف متنه
أنه اجتمع فيه تلقيبه بذى الشمالين وذى اليدين معاً ، وبروبه الزهرى عند أحمد
فى "مسنده" (٢ - ٢٧١) عن أبى سلمة وأبى بكر بن سليمان عن أبى هريرة
من طرق عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى وهو إسناد فى غاية الصحة ، وفيه
أيضاً تلقيبه بها جميعاً، ومن هذا الطريق نفسه النسائى فى " سننه" سنداً ومنناً،
وكذلك عند مالك فى " مؤطئه" ( ص - ٣٣) عن الزهرى عن أبى بكر بن
سلمان عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن مرسلاً ، وهو موصول من
طرق مذكورة فإذن تلخص أن نقول : اتفق سعيد بن المسيب وأبو سلمة
وأبوبكر بن عبد الرحمن وأبوبكر بن سلمان وعبيد الله بن عبد الله بن عقبة ومحمد
ابن سيرين من كبار الفقهاء التابعين عن أبى هريرة علی ذکر ذی الشمالین و ذی الیدین
جميعاً، وفي جميع ذلك: "صلى رسول اللّهمّ له" دون " صلى بنا" أو نحوه،
فلم يكن نصاً في حضوره، والزهرى من أعلم الناس بالسنة فى زمانه جليل الشأن
ما استودع قلبه أشيئاً قط فنسيه ، وأعرف الناس بالأنساب، وأعلم الناس بالأحكام
وما إلى ذلك من كلمات من الأئمة فى الثناء عليه فى كتب الطبقات والرجال، وتابعه
عمران بن أبى أنس عن أبى سلمة ، وشهد له معمر عن أيوب عن ابن سيرين
فالإنكار عن رواية الزهرى ليس فيه تخطئة للزهرى وعمران ومعمر وعكرمة
فقط أبل للفقهاء التابعين المذكورين جمعاء بل تكذيب لابن عمر وابن عباس
وغيرهم ، ولو كانت هذه العدة وهذه القوة فى جانب الخصم لجنبوا علينا
بخيلهم ورجلهم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . فالحاصل أن الحنفية
تقول أن ممیراً وخر باقاً واحد ، وعبد بن عمرو وعمرو واحد وهو خزاعم.
وما ورد من كونه من سليم فلا ينافى ذلك لأن سليماً هذا ابن ملكان وننى سليمة

٥٢٦
معارف السنن
ج - ٣
ابن ملكان بطن من خزاعة ، وليس من سليم بن منصور الذى ليس من خزاعة
قاله الشيخ ظهير أحسن فى " آثار السنن" . وقال: إن ذا اليدين أيضاً من خزاعة
كما نص على ذلك ابن سعد فى "طبقاته" وابن حبان فى "ثقاته" ... وقد بدل
على ذلك ما قاله أبو محمد الخزاعى : من أن ذا اليدين أحد أجدادنا وهو
ذو الشمالين، وذو الشمالين أحد أجداده سليم وهو أيضاً خزاعى . قال ابن هشام
فى "سيرته" فى (باب من حضر بهدر): قال ابن اسحاق: وذو الشمالين ابن عبد
عمرو بن فضلة من غبشان بن سليم بن ملكان بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر
من خزاعة اهـ. قال شيخنا رحمه الله تعالى: وأبو محمد الجزاعى اسمه عقيل بن
خويلد بن معاوية ، وإنه من أكابر العلماء كما فى "الأنساب" - للسمعانى
وهذا ينبغى أن ينفصل به البحث فى أن ذا اليدين هو ذو الشمالين ، ورجل آخر
أبو محمد الخزاعى فى "مستدرك الحاكم" (١ - ٢٨٦) وهو عبد الله بن محمد
الخزاعى: وأما قول ابن اسحاق : عمرو بن عامر من خزاعة فيه تجوز فإن
خزاعة لقب وهم من ولد عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف من مضر نسب
إلى عمرو بن عامر لتبنى حارثة بن عمرو بن عامر إياه وهو من اليمن ، وهذا
كما تجوز البخارى فى عكسه فى (باب نسبة اليمن إلى اسماعيل) فقال منهم أسلم
ابن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة . وأسلم أعلى من خزاعة
كما فى " الفتح" (٦ - ٣٩٨) وهؤلاء سابقون إلى الإسلام بخلاف بنى سليم
الذين منهم وعل وذكوان وعصية الذين عصوا اللّه ورسوله . وفى " تاج,
العروس": أن خزاعة لقب لحى، واسمه ربيعة، وكذلك لقب إخوته :
أقصى وعدى وكعب، ومثله فى "خلاصة الوفاء" (ص - ٨٢) وإنهم نزلوا.
ببطن مر . ثم رأيت فى" أسد الغابة" من نافع بن عبد الحارث الخزاعى: أن
أسلم وملكان وخزاعة أخوان، وبنو ملكان لقلتهم ينسبون إلى خزاعة . وقوله :
لا سليم بن منصور ، وهو الذى ذكره النحاة فى إجراء القول كالظن كما فى

٥٢٧
بقية بحث من حديث ذى اليدين
فى التصريح انتهى كلام الشيخ رحمه الله .
قال الراقم : قال صاحب "السيرة" ابن هشام: وكذا صاحب "القاموس"
وصاحب "لسان العرب": سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وسليم أيضاً قبيلة فى جذام من اليمن ، فظهر من هذا وكذا من التأمل فى الأنساب
التى تصدى لذكرها المؤرخون أن سليم بن ملكان الخزاعى من العرب القحطانيين
اليمانيين، وأما سليم بن منصور فهو من العرب العدنانيين الحجازيين. وبالجملة
فالسلمى كما يكون خزاعياً قحطانياً كذلك يكون قيسياً عدنانياً فليحفظ ملخصاً
والله أعلم . قال الشيخ: ونظمت فى البيتين ما يقوله الشافعية فقلت :
ذو الشمالين ابن عبد عمرو
الذى كان شهيد البدر
ذو اليدين السلمى ذكروا
ثم خرباق بنعمر وآخر
وأنشدت فيما يقوله الحنفية :
قبل عمرو، عبد عمرو واحد وابنه هذا عمير قزروا
ن منصور فخذ ما حرروا
من سليم بن ملكان ولا ابـ
ثم يعلم أنه كان يدعى بذى الشمالين، وكان فيه نوع تطير وتشاؤم ، فغيره
النبى $ وسماه ذا اليدين، يدل عليه رواية أبى داؤد فى " سننه" فى ( باب
سجدقى السهو) (١ - ١٤٤) وفيه: ((فقام رجل كان رسول اللّه عَلّ يسميه:
ذا اليدين . قال الراقم : وقد تقدم عن عكرمة عندابن أبى شيبة: "فقال أكذاك
يا ذا اليدين وكان يسمى " ذا الشمالين"، وكذلك يقول أبو العباس المبرد فى
"الكامل" (٣ - ٣٠٨) فى (باب ذكر الأذواء): ومنهم - أى من الأذواء -
ثم من خزاعة ذو اليدين سماه رسول الله عَ ادٍ " ذا اليدين"، وكان قبل بدعى
ذا الشمالين.اهـ. ومن ذلك تراهم يتفقون على تسميته بذى اليدين لما يحكون لفظه صيله
لأنه ) ما كان يسميه بذى الشمالين أصلاً، وأما إذا أرادوا أن يعبروا عنه
فى صدد ذكر القصة فتارة يعبرون عنه بذى الشمالين كما حكاه الزهرى وعمران

٥٢٨
معارف السنن
ج - ٣
ابن أبى أنس وابن سيرين من لفظ أبى هريرة فسموه ذا الشمالين، وتارة يعبرون
عنه بما بدعوه عَّله، فكل ذلك دليل على وحدة الرجل وتسميته باللقبين جميعاً
لأجل طول يديه، والظاهر أنه أريد الحقيقة ، وقيل : كناية عن البذل والعمل،
وجزم ابن قتيبة أنه كان يعمل بيديه جميعاً كما فى " الفتح". وعند الطحاوى من
طريق أسد عن حماد فقام رجل طويل اليدين كان رسول اللّه فَالج سماه: " ذا
اليدين" . وكذا عند الطحاوى ( من طريق عمران بن أبى أنس عن أبى سلمة :
فأدركه ذو الشمالين. فعلم أنهم كانوا يسمونه ذا الشمالين والنبى حَاله سماء
ذا اليدين .
قال الشيخ : وبعد كل ذلك إن لنا حجة قوية أخرى تدل على أن أصل
الواقعة لم يدركه أبو هريرة وإن أباهريرة تأخر إسلامه عن هذه القصة، وتفصيلها
يستدعى بسطاً فى المقام ، وقد أشرت فى مذكرتى إلى تفصيلها غير أنى أريد
أن أ کتنفی ههنا بالإشارة إليها إجمالاً فأقول : وردت فی حدیث ذی اليدين عند
الشيخين: ((ثم أتى جذعاً فى قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً الخ)). كما هو
عند البخارى فى صحيحه" فى (باب تشبيك الأصابع فى المسجد) (١ - ٦٩ ).
ومسلم فى "صحيحه" فى (باب السهو فى الصلاة) واللفظ له . ولفظ البخارى
فى التشبيك: ((فقام إلى خشبة معروضة فى المسجد فاتكأ عليها)). وفى السهو:
((ثم قام إلى خشبة فى مقدم المسجد فوضع يده عليها)). وبهذا اللفظ فى
"الأدب" غير أن فيه: ((ووضع بده عليها)) ونفس الحديث أخرجه فى ،واضع
طوانة الحنانة كما فى "مسند أحمد" و"فتح
غيرها أيضاً . وهذه الجذع هى
أخرجه فى " مسنده" ( ٢ - ٢٤٨ ) من
البارى" . أقول : بشير إلى <
يرين عن أبى هريرة وفيه: وقال سفيان :
طريق سفيان عن أيوب عن ا.
((ثم أتى جذعاً فى قبلة المسجد كان يسند إليه ظهره فأسنده إليه ظهره الخ ))
مذكر فى "الفتح" (٣٠ - ٨٠) فى شرح قوله: ((ثم قام إلى خشبة فى مقدم

٥٢٩
تحقيق تاريخ بناء المنبر وكونه قبل إسلام أبى هريرة
المسجد)) وفى رواية ابن عون عن ابن سيرين بلفظ: " فقام إلى خشبة معروضة
فى المسجد أى موضوعة على العرض))، ولمسلم من طريق ابن عيينة عن أيوب
بلفظ: (( ثم أتى جذعاً فى قبلة المسجد فأستند إليها مغضباً)) قال : ولا تنافى بين
هذه الروايات لأنها تحمل ، علا أن الجذع قبل إتخاذ المنبر ممتداً بالعرض ،
وكأنه الجذع الذى كان ◌َُّّ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر ، وبذلك جزم بعض
الشراح اهـ. وذكرفي " الفتح" (١ - ٤٠٩) حديث جابر «أن رسول الله.
عَليه كان يصلى إلى سارية فى المسجد ويخطب إليها ويعتمد عليها فأمرت عائشة
فصنعت له منبره هذا ، ، قال : وإسناده ضعيف انتهى. و فيه روايات أخرى.
فى " زوائد الهيشمى" (٢ - ١٨٠) وما بعدها. قال الشيخ: وقد دفنت هذه
الجنافة حين وضع المنبر . قال الراقم : كما ذكر ذلك فى حديث أنس عند
أبى عوانة وابن خزيمة وأبى نعيم وفيه: ((ثم أمر به فدفن )، وكذا فى حديث
أبى سعيد عند الدارمى: ((فأمر به أن يحفر له ويدفن)) كذا فى " الفتح" (٦
- ٤٤٣). وذلك قبل إسلام أبى هريرة ، فكيف بدرك هذه القصة أبو هريرة؟
قال الشيخ : وقد بلغت الروايات خمس عشرة رواية عندى تدل على ثبوت
المنبر فى السنة الثالثة والرابعة والخامسة وما بعدها ، وأنه وضع فى الثانية ، وإن
إسلام أبى هريرة فى السابعة بالاتفاق . فمن المحال إذن أن يدرك أبو هريرة نفسه
القصة، ويدعى ابن حبان وضع المنبر فى السنة الخامسة، والحافظ فى " الفتح" بدعيه
فى السنة التاسعة لا قبلها ، وتخالفه روايات كثيرة . قال الراقم : قول ابن حبان
لم أجده فى "الفتح" ولا فى " شرح المواهب" غير أن فى "الفتح" (٢ - ٤١٥): وأفاد
ابن حبان أن خروجه عَلّ إلى المصلى للاستسقاء كان فى شهر رمضان سنة ست من
الهجرة اهـ . ومثله فى "شرح المواهب"، وقد ثبت فى استسقائه فى المصلى قعوده
على المنير ورقيه إلى المغير وأمره بوضع المنبر وما إلى ذلك فى روايات فى الصحاح،
(م - ٦٧ )

٥٣٠
معارف السنن
ج - ٣
فإذن يكون ثبوت المنبر قبل السادسة بإقرار ابن حبان أو فيها قبل الاستسقاء
وفى "الفتح" (٢ - ٣٣٠): وجزم ابن سعد أن ذلك - أى عمل المنبر -
كان فى السنة السابعة ، قال : وفيه نظر لذكر العباس وتميم فيه وكان قدوم
العباس بعد الفتح فى آخر سنة ثمان ، وجزم ابن النجار بأن عمله كان
سنة ثمان ، وفيه نظر أيضاً لما ورد فى حديث الإفك فى "الصحيحين "
عن عائشة قالت: ((فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا
ورسول اللّه عٍَّ على المنبر الخ)، ولم أقف على رأيه صريحاً والله أعلم.
هذا وقد راجعت إلى ما قيده الشيخ فى تعليقاته على "آثار السنن" والأوراق
الملحقة بها مما يتعلق بالجذوع والسوارى فى المسجد النبوى وإتخاذ المنبر بإشارات
وإيماضات وإحالة على الكتب برقم صفحة بعضها فوق بعض بنمط مدهش ،
وقد راجعت تلك المظان ومباحث الموضوع فقد طالت حیرتی وزادت دهشتى
وقعبت فى تلخيص كلام محرر فى تعيين سنة اتخاذ المنبر ، وهل هو إثنان من
الطين والخشب أو واحد؟ وهل كان يستند فيّ له إلى الجذع قبل المنبر؟ وهل
هذا هو الجذع من جذوع سقف المسجد أو جذع مخصوص للانكاء عليه ؟
وما يدور حول هذا البحث من روايات ومقالات تتعب الباحث فى الترجيح،
ورحمه الله شيخنا فقد أتعب كل من جاء بعده من عالم باحث ونظار محقق :
شفى وكفى ما فى الصدور ولم يدع لذى اربة فى القول جداً ولا هزلاً.
وأسوق إليك الآن نتفاً ملتقطة منها تقريباً لما قصده الشيخ رحمه الله تعالى
وبالله التوفيق .
١ - أخرج الحية فى " الزوائد" فى (باب ما جاء فى القبلة ) حديث
أبى سعيد ابن المعلى عند البرار والطبرانى وفيه: ((فمررنا يوماً ورسول اللّه عَلاجل
قاعد على المنبر فقال: لقد حدث اليوم أمر عظيم، فدنوت من النبى معَّ فتلا
هذه الآية : (قد نرى تقلب وجهك فى السماء ) حتى فرغ من الآية الخ )، وهَذا
٠.٠

٠٠.
٥٣١
تحقيق أن المنبر كان فى السنة الثانية
يدل على وجود المنبر فى السنة الثانية قبل تحويل القبلة والتحويل قبل بدر
وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وتقدم الكلام فيه مرتين .
٢ - وثبت عند أحمد وابن ماجه والدارمى فى حديث أبي بن كعب :
(( كان رسول اللّه ◌َّلي بصلى إلى جذع إذ كان المسجد عريشاً وكان يخطب الناس
إلى جانب ذلك الجذع ، فقال رجل من أصحابه : يا رسول اللّه هل لك أن أجعل
لك منبراً الخ)) واللفظ لأحمد (٥ - ١٣٨) ومثله فى حديث ابن عمر عند أحمد
وحديث أبى سعيد عند أبي يعلى وعائشة وأم سلمة ، وحديث جابر كلها عند
الطبرانى. أنظر "الزوائد" من (باب المنبر) من أبواب الجمعة ، ونفس حديث
خطبته إلى جذع قبل إتخاذ المنبر فى " صحيح البخارى" من حديث ابن عمر غيره
من ( باب علامات النبوة ) وفيه أحاديث أخرى فى "الوفا" و"خلاصة الوفا"
وفى " الصحيحين» من حديث سهل بن سعد من أبواب الصلاة، وذكر فى.
الجزء الخامس من "شرح المواهب" أحاديث بضعة عشر محابياً فى حنين الجذع
حين اتخاذ المنبر فليراجع .
٣ - فى " الصحيحين» من حديث عائشة فى قصة الإفك : «ورسوله
اللّه عَ لّ على المنبر)) كما تقدم، وقصة الإفك فى سنة خمس، فثبت منه ثبوت
المنبر فى سنة خمس أو قبلها قبل وقعة الإفك ، وهذا أصح حديث فى ثبوت
المنبر فى الخامسة .
٤ - أحاديث استسقائه فى المصلى وثبوت المنبر فيها كما تقدمت الإشارة
إليها وكان فى سنة ست من الهجرة كما أفاده ابن حبان .
• - فى "الوفا" (١ - ٢٧٥) عن " مسند الدارمى" من حديث بريدة
(( كان النبي ◌ِّر له إذا خطب قام فأطال القيام فكان يشق عليه قيامه فأتى بجذع
نخلة فحفر له وأقيم إلى جنبه قائماً، فكان النبي ◌َّ إذا خطب فطال القيام عليه
استند فائكى عليه فبصر به رجل إلى أن ذكر بناء المراقى الثلاث ، ودل هذا

٥٣٢
معارف السنن
ج - ٣
على أن الجذع المتكألم يكن من جذوع السقف .
وبالجملة يتلخص من هذا ومما تقدم أن إستناد النبى حَ الٍ فى قصة ذى
اليدين كان إلى جذع فى مقدم المسجد فى جانب القبلة الذى كان يستند إليه فى
الخطبة قبل إتخاذ المنبر من طرفاء الغابة ، وإن الجذع هذا هى الحنانة قد دفئ
بعد إتخاذ المنبر ، وإن المنبر كان فى السنة الثانية قبل بدر كما دل عليه حديث
أبى سعيد ابن المعلى . وثبت من " الصحيحين" ثبوته فى قصة الإفك وهى قبل
خيبر بالاتفاق ، وصح نقله إلى المصلى للاستسقاء ، وذلك سنة ست ، وجميع
ذلك دليل على أن أبا هريرة لم يشهد القصة فى حديث ذى اليدين ، ومن خالف ذلك
يلزمه مخالفة روايات كثيرة فى الباب ، وهذا الاستدلال لتقدم قصة ذى اليدين .
عن يوم بدر على عدم شهود أبى هريرة إياها حجة طريفة وقوية فى الباب لم
أرها لغير شيخنا رحمه اللّه، فرحمه الله ما أدق نظره وأوسع علمه.
ثم إن ما ذكر فيه من خمس عشرة رواية وذكر فى الإستسقاء وكذا فى
الجمعة عشرين رواية دالة على هذا فلعله أراد تلك الروايات التى تدل على استناده
إلى الجذع قبل اتخاذ المنبر ، ولاريب أنها تبلغ هذا العدد ، وربما زادت إذا
أضفنا إليها كل ما دار حول المسألة من قصة دفن الحنانة ، وإنها مغروسة فى
الجنة والله أعلم. هذا ما نيسولى تحريره ملخصاً وليراجع " السيرة الحلبية"
لتفصيل ملخص فى إتخاذ المنبر (٢ - ١٣٧ إلى ١٤١ ).
ثم نقول بعد البحث أن نسخ الكلام كان بالمدينة ، والدليل عليه أن نسخ
الكلام بروبه المدنيون من الصحابة . منهم : زيد بن أرقم ، وبأتى حديثه
عند الترمذى فى ( باب نسخ الكلام ) فهو يقول: (( كنا نتكلم خلف رسول
اللّه ◌َلٍ فى الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت: ( وقوموا
لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ) الحديث أخرجه الجماعة إلا
ابن ماجه . والآية مدنية بالاتفاق ، وتأول فيه ابن حبان بأن قومى يتكلمون

تحقيق أن واقعة ذى اليدين كان قبل تشريع التسبيح للاعلام ٥٣٣
اهـ. حكاه الحافظ العينى فى "العمدة" (٣ - ٧٠٠) وكذا الحافظ فى
"الفتح" (٣ - ٦٠)، ورده العينى رداً بليغاً. ومنهم: معاذ بن جبل
عند " أبى داؤد" ( ص - ٧٤) فى الأذان، وذكر نسخ الكلام ، وقد أسلم
بالمدينة كما فى " الفتح" (٣ - ٦٠). ومنهم: جابر بن عبد الله عند أبى داؤد
كذلك (١٠ - ١٣٣) فى (باب رد السلام فى الصلاة ) عن جابر قال :
«أرسلنى فى اللّه عَلّ إلى بنى المصطلق فأنيته وهو يصلى على بعيره فكلمته فقال
بيده هكذا - إلى أن قال - فلما فرغ قال : ما فعلت فى الذى أرسلتك فإنه
لم يمنعنى أن أكلمك إلا أنى كنت أصلى اهـ ، وكذلك فيه حديث أبى أمامة عند
الطبرانى فى " العمدة" و" الفتح" و"الزوائد" وهو أيضاً أسلم بالمدينة،
وذكر الشيخ رحمه الله فيه رواية أبى سعيد أيضاً فى تعليقاته على "آثار السنن" ولم
أقف على من خرجه، قال: وهو من صغار الصحابة . ثم رأيت أخرج حديثه
الطحاوى وأبسط منه الهيثمى فى " الزوائد" معزواً إلى البزار، وفيه عبد الله
ابن صالح كانب الليث (تقدم حاله) قال: «كنا نرد السلام فى الصلاة حتى نهينا عنه))
وهذا لفظ الطحاوى. وهو أيضاً مدنى أنصارى من بنى سلمة لم يشهد بدراً وأحداً،
قيل : وكان ينقل الماء الأصليه يوم بدر كما قاله ابن عبد البر وغيره ، ومما يدل
على تقدم واقعة الباب عدم تسبيحهم لذلك مع أن النبى نَّله حين ذهب إلى
بنى عمرو بن عوف للصلح ثم رجع ، وكان أبوبكر يؤم الناس فأكثر الناس
التصفيق، فعلمهم النبى ◌َامِ: من نابه شئ فى صلاته فليسبح فلو كان واقعة
ذى اليدين بعد هذه القصة لسبحوا للتنبيه حيث سبق تشريع التسبيح مع أنهم
لم يسبحوا فعلم أن واقعة ذى اليدين متقدمة على ذلك لا محالة . الإستدلال به
كذلك من الإمام أبى جعفر الطحاوى فى " شرح الآثار» فى (باب الكلام فى
الصلاة) (١ - ٢٥٩) وقصة بنى عمرو بن عوف، وتشريع التسبيح فى
" الصحيحين" من حديث سهل بن سعد أخرجه البخارى فى مواضع منها (باب

٥٣٤
معارف السفن
ج - ٣
من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول الخ ) ومسلم فى ( باب تقديم الجماعة
من يصلى بهم) ولم أقف على تاريخ ذهابه إلى بنى عمرو بن عوف غير أن شيخنا
رحمه الله يقول فى تعلقاته على "آثار السنن": كان تشريع التسبيح بعد بدر
فقصة ذى اليدين قبله وذلك أن ممن ذهب معه عَّل إلى بنى عمرو بن عوف:
سهيل بن بيضاء على ما فى " الفتح"، وكان من أسارى بدر مستضعفاً بينهم على
ما نقله الزرقانى فى " شرح المؤطأ" (٢ - ١٤) من رواية الطبرانى، قال :
وفى " الكنز" (٤ - ٢١٥) من قول سهل بن سعد: قديم كان " ذلك" ثم
ذكر الشيخ رحمه الله: واعلم أن من قال أنه من أسارى بدر فقط غلط بل هو من
البدريين وأخوه سهل من أسارى بدر ، وقد ذكر فى " الطبقات" (٣ -
٣٠٢) من القسم الأول سهيل بن بيضاء بأنه شهد بدراً اهـ .
قال الشيخ : ومما يفيدنا ما أخرجه الطحاوى فى " شرح معاني الآثار"
(١ - ٢٥٩) (باب الكلام فى الصلاة) أثر عمر بن الخطاب بإسناده إلى
عطاء يقول: ((صلى عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم فى ركعتين ثم انصرف فقيل
له ذلك ، فقال : إلى جهزت عيراً من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت
المدينة فصلى بهم أربع ركعات)) . فأعاد عمر الصلاة مع أنه ممن شاهد قصة
ذى اليدين وفعل هذا بحضرة أصحاب رسول اللّه مح لهفلم ينكروا ذلك، فدل
على نسخ ما فى حديث ذى اليدين عندهم جميعاً . وكذلك احتج به الطحاوى .
وما قال المباركفورى فى " تحفته" من أنه مرسل عطاء وليس فى المرسلات
أضعف من مرسلات الحسن وعطاء . فلعله غفل عن أنه ليس هو مرسل
اصطلاحى ، وإنما فيه انقطاع. علا أن المرسل حجة عند أبى حنيفة وأهل
العراق ومالك وأهل المدينة وغيرهم إذا كان المرسل ثقة كما فى " كفاية الخطيب"،
وتقدم أن قبول المراسيل مذهب الجمهور .
وكذلك حجتنا فى فساد الصلاة بالكلام حديث معاوية بن الحكم السلمى

٥٣٥
بيان أحاديث قولية فى تحريم الكلام فى الصلاة
عند مسلم فى "صحيحه" (١ - ٢٠٣) باب تحريم الكلام فى الصلاة ونسخ
ما كان من إباحته . وفيه: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام
الناس، إنما هى التسبيح والتكبير وقراءة القرآن الخ )) وهذا حديث عام فيه
تشريع قولى ولم يعارضه حديث خاص . وليلاحظ فى هذا الحديث القولى من
التعميم البالغ من وقوع النكرة فى سباق النقى ، ثم تأكيده بكلمة " من " ثم بيان
حصر الصلاة فى التسبيح والتكبير وقراءة القرآن وفوق كل ذلك تصدير الحديث
بقوله: "لا يصلح" تنبيهاً على أن الكلام مطلقاً مما ينافى روح الصلاة ومقصدها
وشأنها ، وليس فيه أى تخصيص بالعامد أو بغير الجاهل أو بما يكون لمصلحة
الصلاة ، وكذلك ما ورد فى حديث زيد بن أرقم فى " الصحيحين" وغيرهما،
وفى حديث ابن مسعود فى " الصحيحين" و" السنن» بعد أوبته الثانية من الهجرة
إلى المدينة . فهذه أحاديث ثلاثة صحاح عليها نظام مسألة التحريم من الكلام
مطلقاً فى الصلاة عندنا ، وفى الكل تشريع قولی عام بالمدينة بل حدیث زید بن
أرقم مفسر وقع بياناً للنص القطعى من قوله تعالى: ( وقوموا لله قانتين) .
فإذن استفاد نوع قطعية فى قوله فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، فهل عندهم
ما يصادم هذه الصرائح الصحيحة الثابتة يكاد يكون بعضها قطعياً ، ثم أضف
إلی ذلك حديث سهل فی تشريع التسبيح ، وحديث معاذ عند أحمد وأبىدائد ،
وحديث جابر عند أبى داؤد ، وحديث أبى أمامة عند الطبرانى ، وحديث
أبى سعيد الخدرى عند الطحاوى . كما قدمنا ذكرها فى هذا الباب ، فهل ترفع
هذه القوة قصة جزئية فعلية لم يعلم تاريخها بالضبط فى عهد كان تشريع النظام
. لم ينته بعد ، ويأتى ما فيها من المشكل عند كل محتج به وبالله التوفيق ..
قال الشيخ: ثم إن أكثر أهل العلم ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة كما
صرح به الترمذي فى ( باب نسخ الكلام ) . وأظن أن البخارى أيضاً يوافقنا
فإنه لم يبوب على حديث الباب للمسألة الخلافية مع شدة الخلاف فى المسألة ومع

٥٣٦
معارف السفن
ج - ٣
تغريمه الحديث فى شتى الأبواب . وأما تبويبه على الكلام فهو عام حيث قال:
( باب ما ينهى من الكلام فى الصلاة ) وأورد فيه حديث ابن مسعود وزيد
ابن أرقم وسهل بن سعد فى قصة خروجه حَ له إلى بنى عمرو بن عوف،
فأخرج فيه دعائم مسألة تحريم الكلام . قال الشيخ رحمه الله : فدل صنيعه هذا
على ما قلت ولم ينبه عليه أحد من الشارحين البدر العينى وابن حجر . قال :
ثم إن بعض الحنفية جعل المخلص من حديث ذى اليدين كونه مضطرباً. ولم أجعله
مداراً فى الباب فلذا لا ألتفت إليه . قال الراقم : لعله أراد به مولانا الشيخ
ظهير الحسن ، حيث قال فى « آثار السنن": قال النيموى: إن هذه مروايات
ثم بين فى تعليقه
وإن كانت فى " الصحيحين" لكنها مضطربة بوجوه .
تفصيلها والله أعلم. والإضطراب فيه من وجوه منها : اضطرابه فى عدد
الركعات، ففى حديث أبى هريرة عند الشيخين: ((أنه صلى ركعتين ثم سلم)).
وفى حديث عمران بن حصين عند مسلم وغيره: ((أنه سلم فى ثلاث ركعات))،
ومنها فى الوقت فى "الصحيحين» من حديث أبى هريرة: (أنه صلى صلاة الظهر)).
وعند مسلم: ((أنه صلاة العصر)). وفى بعض الروايات: ((إحدى صلانى
العشى )، بالشك، فتارة جزم بالظهر وأخرى بالعصر ، وتارة أخرى تردد
بينهما. ومنها اضطراب فى الموقف أى أين قام النبى حَ لّ بعد ما سِلم صاهياً؟ فى
حديث أبى هريرة عند الشيخين: ((ثم قام إلى خشبة فى مقدم المسجد فانكأ عليها))
وفى حديث عمران عند " مسلم": ((ثم قام فدخل الهجرة)). ومنها فى سجدتى
السهو: فعند الشيخين: (( أنه سجد سجدتي السهو )) وفى رواية - عند أبى داؤد
بإسناد صحيح - (((إنه لم يسجد سجدقى السهو)). وكذا فى " سنن النسائي" ولفظه:
عن أبى هريرة أنه قال: ((لم يسجد رسول اللّه ◌َ ل يومئذٍ قبل السلام ولا
بعده)). وروى الطحاوى فى " شرح الآثار" (١ - ٢٦٢) (باب الكلام
فى الصلاة ) من طريق ربيع المؤذن عن خالد بن عبد الرحمن عن ابن أبى ذئب

٥٣٧
بيان اضطراب حديث ذى اليدين وأن الواقعة واحدة
عن الزهرى بإسناد قوى أنه قال سألت أهل العلم بالمدينة فما أخبرنى أحد منهم
أنه صلاهما بعنى سجدتي السهو يوم ذى اليدين . وخالد بن عبد الرحمن هو
أبو الهيثم الخراسانى من رواة أبى داؤد والنسائى ، وثقه ابن معين وغيره . فمن
أجل ذلك تصدى النووى إلى دفع الاضطراب بتعدد الواقعة ، والحافظ جزم
بالوحدة بين حديث أبى هريرة وعمران ، والتوحيد بينهما هو مسلك الحذاق من
المحدثين. قال فى " الفتح" (٣ - ٨٠): وهذا صنيع من يوجد حديث
أبى هريرة بحديث عمران ، وهو الراجح فى نظرى وإن كان ابن خزيمة ومن
تبعه جنحوا إلى التعدد ، ثم ذكر الباعث لهم على ذلك إلى أن قال : وقد تقدم
فى ( باب تشبيك الأصابع ) ما بدل على أن محمد بن سيرين راوى الحديث
عن أبى هريرة كان يرى التوحيد بينهما وذلك أنه قال فى آخر حديث أبى هريرة:
((نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم اه)) وقال فى (٣ - ٧٨ ):
والظاهر أن الاختلاف من الرواة ، وأبعد من قال : يحمل على أن
القصة وقعت مرتين الخ . وقال العينى فى " العمدة" (٣ - ٦٤٤): قلت:
الحمل على التعدد أولى من نسبة الرواة إلى الشك اهـ . ثم يرد على الحنفية بأنه
إذا كان الكلام جائزاً عند ذلك فلما ذا سجد رسول الله يجعله السهو، ذكره
الطحاوى ثم أجاب عنه مما ملخصه بأن لزوم سجدقى السهو هو بالتسليم قبل أوان
السلام، ومن تعمد السلام قبل أوانه كان مسيئاً. ومن سهافيه فلابد أن يجبر بالسهو.
ثم إن الطحاوى قد بين وجه كلتا الروايتين ، فبين أولاً وجه عدم سجود
الهو كما أسنده عن الزهرى ثم تصدى لوجه السجود كما هو في عامة الروايات
فليراجع .
وبالجملة فللحنفية أن ينكروا سجود السهو اختياراً لما فى رواية النسائى
وأنى داؤد والطحاوى بأسانيد صحيحة والله أعلم. والجواب صحيح وحاصله :
(م - ٦٨ )

٥٣٨
معارف السنن
ج - ٣
أن لزوم سجود السهو بسبب تأخير الأركان للتسليم قبل موضعه .
وقال الشيخ : بعد اللتيا والتى : إن حديث ذى البدين لا يستقيم على
مذهب أحد من الأئمة فإنه ثبت فيه عمل كثير من دخول الحجرة ثم الخروج
وهذا الذهاب والإباب وهذا عمل كثير تفسد بمثله عندنا وعندهم جميعاً. قال
النووى فى " شرح مسلم": وفى هذا الحديث دليل على أن العمل الكثير
والخطوات إذا كانت فى الصلاة سهواً لا تبطلها كما لا يبطلها الكلام سهواً ،
وفيها لأصحابنا وجهان أصحها عند المتولى لا يبطلها لهذا الحديث ، والمشهور فى
المذهب أن الصلاة تبطل بذلك وهذا مشكل ، وتأويل الحديث صعب على من
أبطلها ام مختصراً، وقال فى " شرح المهذب" (٤ - ٩٤): فأما فعل الناسى
إذا كثر ففيه طريقان : أشهرهما وبه قطع المصنف والجمهور : تبطل الصلاة
وجهاً واحداً آه . وليس فى العمل الكثير تفصيل العمد والنسيان بل مذهب
الشافعية فيه أضيق من مذهبنا ، فقد ذكر النووى فى "شرح المهذب" (٤ -
٩٣ ): الفعلة الواحدة كالخطوة والضربة قليل بلا خلاف والثلاث كثير بلا
خلاف ، وفى الإثنين وجهان الخ . وقد جعل تحريك الأصابع فى سبحة وحكة
أو حل وعقد كالخطوات فى أحد الوجهين راجعه للتفصيل. وأيضاً قد ثبتت
الإقامة فيما بنى حّ له وهم لا يقولون بها. وقد أخرج النسائى ذلك فى أبواب
الأذان فى ( باب الإقامة لمن نسى ركعة من الصلاة) (١ - ١٠٨) من
حديث معاوية بن حديج. وفيه: ((فأمر بلالاً فأقام الصلاة)). وأخرجه
الطحاوى كذلك . وأجاب عنه البيهقى بحمل الإقامة على معناها اللغوى . قال
الشيخ : لفظ " فأمر بلالاً فأقام الصلاة" لا يحتمل هذا التأويل أصلاً،
وأيضاً يرد هذا التأويل ما ورد فيه من حديث مرسل وفيه تصريح بقول :
" قد قامت الصلاة". أخرج ذلك فى "كنز العمال" (٤ - ٢١٤) عن عبيد
ابن عمير، وفيه قال: «أصدقى ذو اليدين أخو بنى سليم؟ قال الناس: نعم،
٠

تحقيق أن المدار يكون على أحاديث تكون قواعد دون الوقائع الجزئية ٥٣٩
واختلف أهل العلم فى هذا الحديث فقال بعض أهل الكوفة : إذا تكلم فى
قال النبى ◌َّلّ: حى على الفلاح، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة ، ثم
صلى بهم ركعتين، ثم انصرف)) ( عب ) . وعبيد بن عمير تابعى كبير ،
كما فى "الفتح" (١ - ٢٢) سأل عنه عبد الله بن الزبير بدأ الوحى كما عند
ابن هشام .
وبالجملة عمل أبو حنيفة كما هو دأبه بالأخذ بالضوابط العامة والقواعد
الكلية فى الشريعة . وأما الوقائع الجزئية الواردة خلاف ما عهد من نظام التشريع
العام فيخرج لها محامل ، فكذلك واقعة ذى اليدين واقعة حال لا عموم لها ،
والمناط على القواعد العامة . قال الشيخ رحمه الله تعالى: الاستدلال بجواز الكلام
سهواً أو نسياناً بحديث ذى اليدين إهدار الناطق المعلوم السبب ، وهو حديث
معاوية بن الحكم وابن مسعود وزيد بن أرقم بالساكت المجهوله ، وهو حديث
ذى اليدين فاعلم ذلك وقد قلت :
١ - با من يؤمل أن تكو - ن له سمات قبوله
٢ - خذ بالأصول ومن نصو - ص نبيه ورسوله
٣٠ - نصاً على سبب أتى - بالساكت المجهوله
٤ - دع ما يعازك حاله - بالبين المنقوله
٥ - وخذ الكلام بغوره - لا عرضه أو طوله
٦ - ليس الوقائع فى شرائ ـ مه كمثل أصوله
٧ - لتطرق الأعذار فى - فعل خلاف مقوله اهـ
وقد تقدم شعر الشيخ هذا فى مسألة الاستقبال والاستدبار عند الخلاء أيضاً.
ولطول العهد به لم نربأساً بالإعادة ، وكذلك الشيخ قد أعادها غير أن هناك فى
(٤) " دع ما يفوتك وجهه". ولفظ الشيخ فى تعليقاته على " الآثار" ولم تكن
عندى إذ ذاك : أنت تعلم أن حديث أبى أيوب نص فى الباب وتشريع فى المسألة

٥٤٠
معارف السنن
ج - ٣
الصلاة ناسياً أو جاهلا أو ما كان فإنه يعيد الصلاة . واعتلوا بأن هذا الحديث
كان قبل تحريم الكلام فى الصلاة .
وأما الشافعى فرأى هذا حديثاً صحيحاً فقال به ، وقال : هذا أصح من
الحديث الذى روى عن النبى معَّ فى الصائم إذا أكل ناسياً فإنه لا يقضى،
وإنما هو رزق رزقه الله .
قال الشافعى: وفرقوا هؤلاء بين العمد والنسيان فى أكل الصائم لحديث
وحكم على وصف معلوم منضبط . وهذه الأحاديث لم يعلم سببها بعد ، فكيف
يترك ما هو معلوم السبب بما جهل سببه ووجهه؟ وكيف يهدر الناطق بالساكت
فاعتبر وكن على ذكر فإنه قضاء للمبهم على المفسر والمجهول على المعلوم اهـ .
فائدة: يعلم من "الخصائص الكبرى" السيوطى أن الكلام كان جائزاً فى
الصلاة عند أهل الكتاب دون الكلام فى الصوم على عكس ما فى شريعتنا من
إباحته فى الصوم دون الصلاة . ذكر السيوطى فى "الخصائص" (باب اختصاصه
$92 بتحريم الكلام فى الصلاة) وبإباحته فى الكلام فى الصوم على العكس
مما كان من قبلنا ، ثم أورد فيه حديث محمد بن كعب القرظى مرسلة كما
تقدم ذكره .
قوله : ناسياً أو جاهلا. الناسى من نسى كونه فى الصلاة ، والجاهل من
جهل الحكم.
قوله : قال الشافعى : وفرقوا هؤلاء بين العمد والنسيان الخ . تصدى
للاعتراض علينا بالاجتهاد إلزاماً فقاس الصلاة على الصوم، ولنا أن ندفعه أيضاً
بالاجتهاد بأن هيأة الصلاة مذكرة بخلاف حالة الصوم فإنها غير مذكرة کما
قاله صاحب " البحر" فى " الأشباه والنظائر" فى بحث النسيان، وذكره فى
"البحر" أيضاً، وذكره صاحب " الهداية" قبله فى كتاب الصوم ولفظم