النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ بيان من تردد فى الصلاة وسها كيف يفعل حدثنا قتيبة نا الليث عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ماء: « إن الشیطان یأتی أحدكم فی صلاته فيلبس عليه حتى لا بدرى كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس)). قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح . حدثنا محمد بن بشار نا محمد بن خالد بن عثمة نا إبراهيم بن سعد قال حدثنى محمد بن اسحاق عن مكحول عن كريب عن ابن عباس عن عبد الرحمن أن الاستيناف أولى ؛ لأنه يسقط به الشك بيقين . وذكره صاحب " الهداية " بلفظ: إذا شك أخدكم فى صلاته أنه كم صلى فليستقبل الصلاة . قال الزيلعى : حديث غريب . واحتجوا للبناء على أكبر رأيه بحديث ابن مسعود أخرجه البخارى فى ( باب التوجه نحو القبلة) (١ - ٥٨) من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه وفيه قصة ، وأخرجه مسلم فى السهو مثله سنداً ومئناً من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((وإذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه)) . وأجابوا عنه فقال البيهقى فى " المعرفة" كما فى " نصب الرأية": أن التحرى بمعنى اليقين، قال الله تعالى: (فألئك تحروا رشداً) قال: وقال الشافعى : معناه فليتحر الذى يظن أنه نقصه فيتمه الخ . وفى " فتح البارى" (٣ - ٧٦): قال الشافعية: هو البناء على اليقين الخ. قال شيخنا: لا يساعده اللغة أصلاً، قال الراقم: وذلك حيث قال صاحب " النهاية": التحرى القصد والاجتهاد فى الطلب، والعزم على تخصيص الشئء بالفعل والقول اهـ . .وذكر فى " القاموس" من معانيه: طلب الأحرى بالاستعمال . وبالجملة فطلب الأحرى هو شئ آخر والأخذ بالأحرى آخر ، وفى الأول استعمال الرأى والفكر دون الثانى فهو أعم والله أعلم. واحتجوا للبناء على الأقل بحديث: ((إذا شك فر أحدكم فى صلاته فلم يدركم صلى الخ)، رواه مسلم من حديث الحدرى ٥٠٢ معارف السنن ج - ٣ ابن عوف قال: سمعت النبي ◌َّلِ يقول: ((إذا سها أحدكم فى صلاته فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين فليبن على واحدة ، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على ثنتين ، فإن لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعاً فليين على ثلاث ، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم » . قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح . كما تقدم . قال البدر العينى: فأبو حنيفة عمل فى كل واحدة من الأحوال الثلاثة بحديث آه ، والجمهور أخذوا بأصح ما فى الباب وتركوا بعضاً وأولو بعضاً ، وذكر الطبرى عن بعض أهل العلم أنه يأخذ بأيهما أحب لعدم التاريخ حكاه العينى . قوله : هذا حديث حسن صحيح ، الحديث هكذا مححه الترمذى ، وكذا أخرجه الحاكم فى " المستدرك" (١ - ٣٢٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، وأقره الذهبي فى " تلخيصه"، وجعله شاهداً لخبر عمار بن مطر ( الرهاوى الذى ساقه قبله وصححه مع أن عمار بن مطر تركوه ) ، وأخرجه أحمد فى " مسنده" (١ - ١٩٣)، وأخرجه ابن ماجه كلهم من طريق محمد بن اسحاق وصرح بالتحديث عند أحمد فى ما رواه عن مكحول مرسلا. وبالجملة ترى أنهم يصححونه مع كونه من رواية محمد بن اسحاق ومع كونه مضطرباً ، فرواه بعضهم موصولاً وبعضهم مرسلا ، ولذا يقول الحافظ فى " التلخيص" (ص ـ ١١٣): هو معلول فإنه من رواية ابن اسحاق عن مكحول عن كريب ، وقد رواه أحمد فى "مسنده" عن ابن علية عن ابن اسحاق عن مكحول مرسلاً ، قال ابن اسحاق : فلقيت حسين بن عبد الله، فقال لى : هل أسنده لك؟ قلت : لا ولكنه حدثنى أن كريباً حدثه به، وحسين ضعيف جداً اهـ. قال الراقم: وفيه اختلاف آخر فيرويه أحمد فى " مسنده " (١ - ١٩٣) من طريق اسماعيل - وهو ابن ابراهيم بن .... ٠ ٥٠٣ تحقيق الروايات فى سجود السهو وقد روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف من غير هذا الوجه ، رواه الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عبد الرحمن بن عن ابن اسحاق عن مكحول أن رسول اللّه ◌َاجِ قال الخ، ويروبه البيهقى فى "الكبرى" (٢ - ٣٣٢) من طريق اسماعيل المذكور عن ابن اسحاق عن مكحول عن ابن عباس . ثم إن البيهقى بعد أن ذكر ما ذكر أحمد من لقاء ابن اسحاق حسين بن عبد الله قال: فصار وصل الحديث لحسين بن عبد الله وهو ضعيف جداً إلا أن له شاهداً من حديث مكحول، فذكره من طريق عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مکحول نحو رواية ابن اسحاق عن مكحول عن کریب عن ابن عباس ، قال : وروى أيضاً عن ثور بن يزيد عن مكحول کذلك موصولاً، وروى من وجه آخر عن ابن عباس اهـ . ولعل الحافظ فى " التلخيص" غفل عن هذه الشواهد، ولذا علل وصله من حسين بن عبد الله والله أعلم. وعلى كل حال ليس المدار فى الباب على هذا الحديث فقط بل هناك حديث الخدرى عند مسلم كما تقدم ، وحديث ابن عمر مرفوعاً إن رسول اللّهِ مَّ لي قال: ((إذا صلى أحدكم فلم يدركم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليركع ركعة، بحسن ركوعها، ويسجد سجدتين)) أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١ - ٣٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي فى " تلخيصه ". وأخرجه البيهقى فى " الكبرى" (٢ - ٣٣٣)، ورواته ثقات. قال: وقد وقفه مالك بن أنس فى "المؤطأ"، وكذلك أخرج فيه أثر عبد الله بن عمرو وكعب الأحبار فى معناه . قوله: رواه الزهرى عن عبيد الله، رواه اسحاق بن راهويه والهيثم بن كليب من طريق اسماعيل بن مسلم فى مسنديهما كما فى " التلخيص الحبير"، ورواه البيهقى فى " الكبرى" (٢ - ٣٣٢ و٣٣٣) من طريق اسماعيل بن المكى ، وكذا بحرين السقاء وسفيان بن حسين كلهم عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله ٤ معارف السنن ج - ٣ عوف عن النبى (باب ما جاء فى الرجل بسلم فى الركعتين من الظهر والعصر ) حدثنا الأنصارى نا معن نا مالك عن أيوب بن أبى تميمة وهو السختيانى عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة: ((أن النبى ◌َّ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال النبى حَل؟ : عن ابن عباس مختصراً عند الأولين ومطولاً عند البيهقى ، ولفظه قال : كنت أذاكر عمر شيئاً من الصلاة فأتى علينا عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فقال : ألا أحدثكما حديثاً سمعته من رسول اللّه حَلّ ؟ قلنا: بلى، قال: أشهد شهادة اللّه لسمعت رسول اللّه فَّ له يقول: ((إذا كان أحدكم فى شك من النقصان فى صلاته فليصل حتى يكون فى شك من الزيادة)). هذا ما تيسر والله ولى كل نعمة وتوفيق . -: باب ما جاء فى الرجل يسلم فى الركعتين من الظهر والعصر :- قوله : أقصرت الصلاة ، "قصرت" بصيغة المعلوم أو المجهول لأنه إما من القصور فهو لازم أو من القصر وهو معتد، وكذلك نقص لازم أو معتد. ومصدره فى اللازم النقصان وفى المعتدى النقص . كما ذكره صاحب "القاموس" وغيره لازماً ومتعدياً، ولكن ذكر صاحب "القاموس" النقص: الخسران فى الحظ كالتنقاص والنقصان، والنقصان أيضاً اسم للقدر الذاهب من المنقوص ، وقال: ودخل عليه نقص فى دينه وعقله ولا يقال نقصان آهـ . فعلم أن النقص أيضاً يأتى لازماً والله أعلم. ثم إن النووى فى " شرح مسلم" ذكر أن ضم القاف وكسر الصاد أشهر وأصح ، وحكى عنه الحافظ فى "الفتح" أن فتح القاف وضم الصاد أكثر ٥٠٥ وسيم صَلىالله بیان حدیث ذی اليدين فى سهوه أصدق ذو البدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول اللّه عَّ لل فصلى اثنتين وأرجح والله أعلم . قوله : أصدق ذواليدين، فى "موطأ مالك" (ص - ٣٢) " ما يفعل من سلم من الركعتين ساهياً" فى طريق داؤد بن الحصين عن أبى سفيان الخ : كل ذلك لم يكن فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول اللّه ، وكذلك عند مسلم فى (باب السهو) من طريق مالك عن داؤد بن الحصين، وعزا الزيلعى هذا اللفظ إلى البخارى أيضاً ، ولعله سها فيه ، ومثله فى "مؤطأ محمد" من طريق مالك نفسه . واختلف الأئمة فى الكلام فى الصلاة . قال أبو حنيفة : قبطل صلاته بالكلام ناسياً أو عامداً أو جاهلاً. وإليه ذهب أصحابه والثورى وغيرهم من الكوفيين من إبراهيم النخعى وحماد بن أبى سليمان وغيرهما ، وقتادة من البصريين كما قاله الحازمى ، والموفق بن قدامة، وهى رواية عن أحمد كما فى "شرح المهذب" (٤ - ٨٥) قال الموفق فى "المغنى" (١ - ٧٠٦): وفيه رواية ثانية: ((أن الصلاة تفسد بكل حال». وقال فى رواية حرب: (( أما من تكلم اليوم أعاد الصلاة )) وهذه الرواية اختيار الخلال ، وقال : على هذا استقرت الروايات عن أبى عبد الله - أى أحمد - بعد توقفه، وهذا مذهب أصحاب الرأى لعموم الأخبار فى منع الكلام اهـ. وفى " العمدة": وقال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم قالوا : كان هذا أول الإسلام ، وأما الآن فمن تكلم فيها أعاد ، وكذلك حكى عياض هذه رواية عن مالك . وقال الشافعى : لا تبطل إن كان ناسياً ، وقيده النووى فى "شرح المهذب» بأن لا يطول كلامه، وذكر أن ذلك مذهب مالك والأوزاعى وأحمد فى رواية وجميع المحدثين والعلماء ، ويعلم من "المغنى" أنه مذهب أحمد رواية" واحدةً على نقل صاحب " المجرد". (م - ٦٤ ): ٥٠٦ فـ معارف السنن ج - ٣ أخريين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم كبر فرفع ثم سجد مثل سجوده أو أطول » .. ونسب إلى مالك والأوزاعى أن قليله عامداً لإصلاح الصلاة غير مفسد ، عزاه ابن عبد البر إلى مالك وربيعة وابن القاسم كما فى "العمدة" (٢ - ٤٦٠) وعزاه النووى فى "شرح المهذب" إلى الأوزاعى قال: وهى رواية عن مالك وأحمد. ثم فى رواية عن أحمد عدم فساد صلاة الإمام خاصة إذا تكلم لمصلحة الصلاة كما فى "المغنى" و"شرح التقريب" للعراقى. وبالجملة فعن أحمد أربع روايات ، ثلاث كثلاثة مذاهب والرابعة هى الأخيرة ، وانظر " المغنى" و "المجموع" و"العمدة" من الثانى والثالث و"شرح التقريب" للتفصيل، وذكرنا تلخيصه ، وهذا الخلاف بعد ما أجمعوا على أن الكلام عامداً لا لمصلحة الصلاة تبطل به الصلاة ، ونقل الإجماع ابن المنذر وغيره كما فى " المجموع" و"المغنى" و "العمدة"، واتضح أن مذهب أبى حنيفة هو مذهب مالك على ما حكاه الحارث ابن مسكين، ومذهب أحمد على ما اختاره الخلال ، وإذن لا يكون ادعاء تفرد الشافعى بين الأربعة بعيداً والله أعلم. وبالجملة ما نسب«إلى مالك والأوزاعى من جواز الكلام لمصلحة الصلاة يرد عليه ما أخرجه أبوداؤد فى "سننه" (١ - ٧٤) ( باب كيف الأذان). من حديث ابن أبى ليلى: ((أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال)) وقال فيه: وحدثنا أصحابنا قال: ((كان الرجل إذا جاء يسأل فيخبر بما سبق من صلاته الخ)) وبما يأتى عند الترمذى بعد ثلاثة أبواب، والحديث أخرجه الجماعة من حديث زيد بن أرقم: (( كنا نتكلم خلف رسول اللّه بَلٍ فى الصلاة الخ)) فالظاهر أن الكلام ذلك كان لمصلحة الصلاة حيث كان الرجل يخبر بالركعات. قال الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٥٩): والذى يظهر أنهم ما كانوا يتكلمون فيها بكل شئى ، وإنما يقتصرون على الحاجة من ورد السلام ونحوه اهـ. وذكر فى " إمام الكلام" عن الحازمى أن الأخبار .. ٥٠٧ بيان المذاهب فى الكلام فى الصلاة ناسياً وفى الباب عن عمران بن حصين وابن عمر وذى اليدين . قال أبو عيسى : وحديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . حديث معاذ كان بالإشارة ومع هذا منع ، فالمنع على ما يتبادر من ظاهره أنه منسحب على كل كلام كيف ما كان عامِداً أو ناسياً لمصلحة أو غيرها . واستدل الشافعية بحديث الباب على جواز الكلام ناسياً . ثم فى وجه الإستدلال لهم طريقان : طريق المتوسطين منهم يحتجون باجمال حديث الباب من وقوع الكلام فيه ، وطريق الحذاق المهرة منهم الخطابى والبيهقى ، ثم الحافظ ابن حجر وأمثالهم يحتجون بكلامه عليه الصلاة والسلام لأنه بَ لّ كان ناسياً دون الصحابة رضى الله عنهم، وإنهم تكلموا صريحاً كما يدل عليه رواية عند النسائى فىسننه" (١ - ١٨٢) (باب من سلم من اثنتين ناسياً وتكلم) وفيه: ((وقال: أكما يقول ذواليدين؟ قالوا: نعم الخ)). أو ((أومثوا برءوسهم)) كما فى رواية عند أبى داؤد فى ( باب سجدقى السهو ) (١ - ١٤٤) وفيه: ((فأومئوا ، أى نعم الخ )) قال الحافظ فى " فتح البارى" (٣ - ٨٢): وهذا اعتمده الخطائى، قال الحافظ : لكن وقال : حمل القول على الإشارة مجاز سائغ . يبقى قول ذى اليدين ((بل قد نسيت)) ( أى فى الصحيح ) ثم تصدى الجواب عنه وتعقبه راجعه . ثم إن أبا دائؤد قد علل هذه اللفظة فقال: لم يذكر "فأومتوا" إلا حماد بن زيد اهـ. وكذلك علله الدار قطني فى "سننه" (ص - ١٤٠) بل روى أبوالربيع الزهرانى عند مسلم ، وليس فيه ذلك وكذلك روى أسد عند الطحاوى عن حماد وفيه: ((وقال: نعم)) وليس فيه: ((فأومئوا)) وعند مسلم من حديث ابن عيينة عن أيوب بن سليمان: ((صدق لم تصل إلا ركعتين))، وعند النسائى من حديث الزهرى: ((صدق با رسول الله)) فلعل الوهم ممن يروى عن حماد، أو هو نفسه برويه تارة على الصواب وقارة على الوهم والله أعلم . أو يقال: إن ذلك كان إجابة لـ سول اللّه عَلٍ ، ولا تفسد به الصلاة عند ٥٠٨ د معارف السنن ج -٣ جماعة منهم ، واستدلوا فيه بحديث أبى سعيد بن المعلى عند البخارى فى ( باب فضل فاتحة الكتاب ) ( ٢ - ٧٤٩ ) من كتاب فضائل القرآن ، و ( ص - ٦٦٩) من تفسير "سورة الأنفال"، و(ص - ٦٤٢) و (ص - ٦٨٣) قال: ((كنت أصلى فى المسجد فدعانى رسول اللّه عَ لٍ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت : يا رسول الله إنى كنت أصلى، فقال: ألم يقل اللّه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحببكم الخ)). وراجع " فتح البارى" (٨ - ١٢٠) للتفصيل فى مسألة وجوب الإجابة . ولا سيما ورد فى بعض طرق الحديث ، رواه الترمذى فى حديث أبى هريرة فى فضل الفاتحة (٢ - ١١١) ورواه النسائى وأحمد وابن خزيمة والحاكم من حديث أبى هريرة كما يستفاد من "فتح الحافظ" (٨ - ١١٩ و١٢٠) "بلى ولا أعود إن شاء الله))، وفى كلام للإمام أحمد: إن كلام ذى اليدين لم يفسد صلاته لأنه كان على ظن التمام ، فكأنه لم یکنی فی الصلاة ، فكان فى حكم الناسى ، ذكره صاحب " المغنى" فى رواية موسى ابن يوسف عن أحمد ، وهو الذى ذكره الترمذى فى آخر الباب . وبالجملة روايات أحمد مضطربة فى تنقيح المسألة ، وكل هذه التأولات اضطروا إليها لمعارضتها نصوصاً صريحة قولية فى تحريم الكلام ، وكان الأسلم اختيار القواعد الشرعية العامة . وحمل الواقعة الخاصة على خصوصيات عهد التشريع ما لم ينضبط فيه التشريعات ، وإنما هى واقعة حال لا عموم لها كما يأتى تفصيله . ثم قال الشافعية : إن واقعة حديث الباب بعد نسخ الكلام فى الصلاة ، وإن النسخ وقع بمكة كما ذهب إلى ذلك أبو الطيب الطبرى فى آخرين من الشافعية كما فى *فتح البارى" (٣ - ٥٩). وقصة ذى اليدين إنما وقعت فى المدينة فلا بدخل إذن هذا تحت النسخ لتأخره ، وهذا بعد ما اتفقوا أن الكلام كان مباحاً فى الصلاة ثم نسخ ، وإنما الخلاف فى أن الكلام نسخ كله مطلقاً أو خص منه بعضه ، وتمسك الشافعية فى نسخ الكلام بمكة بقصة رجوع عبد الله بن مسعود ٥٠٩ . أحاديث تحريم الكلام فى الصلاة عن الحبشة إلى مكة، وقصة سلامه عليه عَّ له وعدم إجابته عَلَه، ثم قال عَ} بعد فراغه من صلاته: «إن اللّه يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا فى الصلاة)). أخرجه النسائى وأبو داؤد والطحاوى من طريق أبى وائل عن عبد اللّه ، وكذلك رواه ابن حبان فى " صحيحه" كما فى " نصب الرأية" (٢ - ٦٩). ونفس الحديث بمعناه أخرجه الشيخان، وفيه ((إن فى الصلاة لشغلا)). ونقول: إن نسخ الكلام بالمدينة قبل وقعة بدر وذلك للانفاق بأن قوله تعالى: ( وقوموا لله قانتين) نزل بالمدينة كما فى " الفتح". (٣ - ٥٩)، وفى حديث زيد بن أرقم عند الشيخين: ((كنا نتكلم فى الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: (وقوموا لله قانتين ) فأمر نا بالسكوت ونهينا عن الكلام)، وكذلك بدل حديث عبد الله بن مسعود من طريق كلثوم الخزاعى عند النسائى أن النسخ بهذه الآية وهى مدنية بالإتفاق . وفى "الخصائص" السيوطى (٢ - ٢٠٨): أخرج سعيد بن منصور فى "سننه" عن محمد بن كعب القرظى قال: ((قدم رسول اللّه عَ لّ المدينة والناس يتكلمون فى الصلاة فى حوائجهم كما يتكلم أهل الكتاب فى الصلاة فى حوائجهم حتى نزلت هذه الآية: (وقوموا لله قانتين) (هـ)). ومثله فى " الدر المنثور" (١ - ٣٠٦ )، وأخرج فيه أيضاً عن ابن عباس وغيره فليراجع . وما ذكروا من قصة رجوع ابن مسعود من الحبشة فنقول: لابن مسعود مجرتان إلى الحبشة ، أما الأولى فكان هاجر عدة من الصحابة بإذنه بَ ل إلى الحبشة لما رأى المشركين يؤذونهم ، ثم إن المسلمين بلغهم وهم بأرض الحبشة أن أهل مكة أسلموا فرجع فاس منهم فلم يجدوا ما أخبروا ، وذلك أنه نزلت " سورة النجم" فسجد النبى حَلّ ومسجد معه المسلمون والمشركون، فلما بلغهم ذلك رجعوا فوجدوهم على حالهم من الكفر فلم يدخلوا مكة إلا ابن مسعود ، وأقاء أياماً ثم هاجر إلى الحبشة، وهذه هى الهجرة الثانية له، ثم لما هاجر ◌َّ﴾ إلى المدينة. رجع ابن ٠١٠ معارف السنن ج - ٣ مسعود إلى المدينة ، وهذا هو الرجوع الثانى له من الحبشة إلى المدينة . وفيها وقعت قصة سلامه وعدم رده علي وكان ذلك بالمدينة قبل بدر فإن ابن مسعود ممن شهد بدراً ، والهجرتان إلى النجاشى ذكرهما أصحاب السير كمحمد بن اسحاق وغيره، كذا أفاده شيخنا رحمه الله. قال الحافظ فى " الفتح" ( ٧ - ١٤٣): وكان وقوع ذلك - أى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة - مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت فى شهر رجب من سنة خمس من المبعث اهـ. وذكر أن المسلمين أحد عشر رجلا وأربع نسوة فى المرة الأولى ، وذكر أن ابن مسعود فيهم كما ذكره الواقدى ، وذكر فى الجزء الثامن من " الفتح" ( ص - ٤٧٣ ) أن الرجوع كان فى سنة خمس فى رمضان، وبه جزم الواقدى اهـ. وأما فى المرة الثانية فكان المسلمون ثمانين رجلا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر بن أبى طالب الخ ، وذكر فى الجزء الثانى من " الفتح " ( ص - ٦٠ ) فی رجوعه الثانى، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبى ◌َّ يتجهز إلى بدر .... فظهر أن اجتماعهم بالنبى ◌َلي بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابى الخ . وقد ساق ابن كثير فى " تاريحه " (٣ - ٦٩ ) حديثاً عن " مسند أحمد" فى ذكر المهاجرين إلى الحبشة وفيهم عبد اللّه بن مسعود ، وفيه : ثم تعجل عبد الله ابن مسعود حتى أدرك بدراً. قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوى وسياق حسن آهـ. وأما قصة سجود المشركين فى " سورة النجم" فمخرجة فى " صحيح البخارى" فى كتاب التفسير ، وأما بلوغ خبر إسلام المشركين بعد هذه القصة وكان كذباً فقد ذكره الحافظ ابن كثير فى " البداية والنهاية" (٣ - ٩١ ) والحافظ فى " الفتح" (٧ - ١٨٢) و(٨ - ٤٨٣) والحافظ علاء الدين فى "الجوهر النقي". وقال الحافظ الزيلعى فى "نصب الرأية" (٢ - ٧١ ): وابن مسعود فقد شهد بدراً لأنه هاجر الحبشة ثم رجع إلى مكة ثم رجع إلى ٥١١ تحقيق حجرتى ابن مسعود وما إلى ذلك فمدينة وشهد بدراً . ذكره موسى بن عقبة فى " مغازيه"، وهى أصح المغازى عند أهل الحديث اهـ . وقال ابن سعد فى " طبقاته" (٣ - ١٠٧ ): قالوا : هاجر عبد الله بن مسعود إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعاً فى رواية أبى معشر. ومحمد بن عمر ولم يذكره محمد بن اسحاق فى الهجرة الأولى وذكره فى الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة اهـ. فهؤلاء أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن ومحمد بن عمر الواقدى وموسى بن عقبة من أعلام أئمة السير كلهم اتفقوا على كون ابن مسعود فى الهجرتين ، وكذلك حكاه فى " الجوهر النقي" عن ابن الجوزى ، وفى هذا القدر مقنع وكفاية ، وقد بسط الكلام فى ذكر المهاجرين إلى الحبشة ابن هشام فى "سيرته" المهذبة من " سيرة ابن اسحاق"، وهى مأخذ من جاء بعده وقد ذكر ابن مسعود فى المهاجرين إلى الحبشة ، وكذا قدمته الأولى بمكة ابن كثير فى "تاريخه" ، غير أنه لم يفصح بالثانية ، وجعل حديث تحريم الكلام بمكة فأشكل عليه الأمر ، أنظر " البداية والنهاية" (٣ - ٩٢)، فالتحقيق مانقحه الشيخ رحمه الله وأيده كلام جهابذة الفن والله ولى التوفيق والتحقيق والهادى إلى سواء الطريق . قيل : إن فى كتاب " الأم" رواية عن ابن مسعود نفسه تدل على أن النسخ بمكة . قال الشيخ : لم أجد تلك الرواية فى " الأم " نعم ذكره الشافعى فيه من قوله ، أقول : لكنه أحال على حديث لم يسنده ، ومع هذا ليس بصريح فيما يقوله ، أنظر "الأم" (١ - ١٠٨)، وتمسك الشافعية فى تأخر قصة ذى اليدين بأن أباهريرة أدركها وقد أسلم هو فى السنة السابعة - بعد غزوة خيبر - وهو يقول: ((صلى بنا رسول اللّه ◌َّاللّ الظهر أو العصر الخ)) فهذا يدل على أنه حضرها ، وكذلك يقول البيهقى فى " المعرفة". كما حكاه الزيلعى: وأصله من الشافعى فى «الأم» (١ - ١٠٨)، وقد أجاب عنه الإمام الطحاوى فى "شرح الآثار" (١ - ٢٦١) (باب الكلام فى الصلاة ): ٥١٢ معارف السنن ج - ٣ بأن قول أبى هريرة: ((صلى بنا الخ)) يعنى بالمسلمين، وهذا جائز فى اللغة. وقد روى مثل هذا عن النزال بن سبرة ثم أسنده وقال فيه : قال قال لنا رسول اللّهِ مَّليّ: (( إنا أو إياكم كنا ندعى بنى عبد مناف الخ)) يعنى لقوم النزال، -فيريد بذلك أنه قال لقومنا حيث هو لم ير رسول اللّه حَ الٍ. وقد روى عن طاؤس أنه قال : قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضرات شيئاً الخ ، وطاؤس لم يدرك معاذاً لأن معاذاً قدم اليمن فى عهد رسول اللّه ◌َلهم ولم يولد طاؤس ، فكان معنى قوله : " علينا" أى على بلدنا. وروى عن الحسن أنه قال : خطبنا عتبة بن غزوان ، يريد خطبته بالبصرة ، والحسن لم يكن حينئذ بالبصرة لأن قدومه لها كان قبل صفين بعام كما قاله أبو رجاء ثم أسنده ، فكذلك قول أبى هريرة : صلى بنا، أى بالمصلين لا أنه شهد ذلك وحضره آهـ، قال الراقم: وأضف إلى هذه النظائر الثلاثة التى ذكرها أبو جعفر الطحاوى ما يأتى فيما يلى مما وقفت عليه عند البحث أو عثرت عليه فى كلام غيرى : فأقول ١ - قال الحافظ فى " التهذيب" (٢ - ٢٦٧): وقال - أىْ على ابن المدينى - أيضاً فى قول الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة قال: إنما أراد خطب أهل البصرة . ٢ - وقال : كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين ، وكذا قال أبو حاتم ١ هـ. ٣ - وفى ". ذيب" (٢ - ٢٦٩): قال البزار فى " مسنده " فى آخر ترجمة سعيد بن يب ..... وروى من آخرين لم يدركهم، وكان يتأول فيقول : حد وخطبنا يعنى قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة اهـ. ٤ - قال ابن سعد فى " الطبقات" (ق - اج - ٧ ص - ١٣ ) :. نا الحسن بن موسى الأشيب قال حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن ٥١٣ تحقيق طريقة مروايات الصحابة عن رسول الله وتيـ مالك أنه حدث بحديث عن رسول اللّه عَلٍ فقال له رجل: أنت سمعته من رسول اللّه فَ الجِ؟ فغضب غضباً شديداً وقال: لا والله ما كل ما نحدثكم سمعنا من رسول اللّه عَّ ◌ٍ ولكنا لا يتهم بعضنا بعضاً اهـ. ٥ - قال البراء: ما كل ما نحدثكم عن رسول الله عَليه سمعناه ولكنا سمعنا وحدثنا أصحابنا ، ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن" (١ - ٥٢٧) حكاه الشيخ عبد العزيز فى حاشية " نصب الرأية ". ٦ - عن مجاهد قال: جاءنا أبوذر رضى الله عنه الخ. قال البيهقى: مجاهد لا يثبت له سماع من أبى ذر ، وقوله : "جاءنا" يعنى جاء بلدنا. ذكره البيهقى فى باب البيان أن النهى مخصوص ببعض الأمكنة. حكاه الحافظ الماردينى فى " الجوهر النقي" والبدر العينى فى " العمدة " ٧ - فى " شرح معاني الآثار" (١ - ٢٤٥) (باب صلاة المسافر ) عن ابن أبى ليلى قال: ((خطبنا عمر الخ) ٨ - وكذا فى "شرح الآثار" (١ - ٢٠٩) فى (باب المفصل هل فيه سجود أم لا) عن ابن أبى ليلى، قال: ((صلى بناعمربن الخطاب الخ)). وظاهر أن ابن أبى ليلى ليس له سماع من عمر كما صرح به ابن معين وغيره ٩ - روى البيهقى فى "سنته" (٢ - ٤٩٨) عن الحسن قال : ((أمنا على بن أبى طالب رضى الله عنه الخ)) والحسن لم يصح لقاؤه علياً. ١٠ - ذكر البيهقى فى الجزء الرابع من " سننه" نقلاً عن ابن المدينى بعد ما ذكر قول الحسن: ((خطبنا ابن عباس بالبصرة)). وقول ثابت: ((قدم علينا عمران بن حصين)) كما قدمناه عن " التهذيب": ومثل قول مجاهد: ((خرج علينا على) ( م . ٦٥ ٥١٤ معارف السنن ج - ٣ ١١ -: قال: وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك حدثهم الخ ، يريد أن فى كل ذلك إرسال بريد قومه وبلده . ١٢ -: أخرج أبو داؤد فى " سفته" فى (باب كيف إخراج اليهود من المدينة) (٢ - ٦٧) عن أبى هريرة أنه قال: (( بينا نحن فى المسجد إذ خرج إلينا رسول اللّه مَّاج فقال: انطلقوا الخ)) ففيه قصة إخراج اليهود، وكان هذا قبل إسلام أبى هريرة ، وأشكل على الحافظ ، ولعله من هذا القبيل فيزول الإشكال . ١٣ -: روى البخارى فى الحدود عن السائب قال: ((نؤتى بالشارب فى عهد رسول اللّه عَ ل فنقوم إليه الخ)). قال فى " العمدة" (١١ - ١٢٩) و"الفتح" (١٢ - ٥٩): إسناد القائل الفعل بصيغة الجمع التى يدخل هو فيها مجازاً؛ لأن السائب كان صغيراً جداً فى عهد النبى معَّله ، كان ابن ست سنين يبعد منه الشركة فى أمر الضرب ، فالظاهر أن مراده كنا الصحابة آهـ . ١٤ -: فى "الصحيح" قال أبو هريرة: ((شهدنا خيبر الخ)) قال فى " الفتح" (٧ - ٣٦٢): أراد جيشها من المسلمين ؛ لأن الثابت إنما جاء بعد أن فتحت خيبر آهـ . ١٥ -: فى "الصحيح" قال أبو هريرة: ((افتحنا خيبر الخ)). قال فى "الفتح" (٧ - ٣٧٤): أى المسلمون الخ . ١٦ -: فى "الصحيح": (٢ - ٦٦١) فى (باب قوله: فعسى الله أن يعفو عنهم ) من طريق أبي نعيم عن شيبان عن يحيى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: ((بينا يصلى التى تَّ العشاء إذ قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: قبل أن يسجد: ألهم نج عياش بن أبى ربيعة الخ)) ورواه مسلم فى استحباب القنوت الخ ، وفيه: " بينما". وهذه الواقعة لم يشهدها أبو هريرة كما يستفاد ٥١٠ تحقيق طريقة روايات الصحابة من "العمدة" (٣ - ١٤٢) و " الفتح" (٨ - ١٧٠) مع أن اللفظ يتبادر منه حضوره فيها . وهذا أشبه حديث بحديث أبى هريرة إسفاداً ومتناً . فإن الحديث الذى هو مورد النزاع من طريق شيبان عن يحيى عن أبى سلمة عن أبى هريرة أيضاً . ١٧ - أخرج ابن عدى عن البراء قال: ((لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد)). قال ابن عساكر: قوله: "فينا" يعنى المسلمين، لأن البراء لم يشهد بدراً. حكاه فى " التدريب" (ص - ٨١). فلينظر قارؤنا الكريم كيف محت روايات عديدة فى تعبير يتبادر منه حضور الراوى مع عدم حضوره ولشدة تيقنهم بذلك والقطع بصدقهم يعبرون من القصة كأنهم برونها رأى العين. قال البراء : ما كل ما نحدثكم عن رسول اللّهِ بَ الّ سمعناه. لكن سمعنا وحدثنا أصحابنا)) كما ذكره الحافظ أبو بكر الجصاص فى "أحكامه" (١ - ٥٢٧) حكاه الشيخ عبد العزيز السهالوى ، وهذا ابن عباس يقول: ((كنا نتحدث عن رسول اللّه عَلَّه إذ لم يكن يكذب عليه ، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه)، كما رواه مسلم فى مقدمة " الصحيح"، بريد تركنا رواية ما لم نسمع منه وسمعنا ممن يقول أنه سمعه ، وأنت ترى أن ابن عباس سمع سبعة عشر حديثاً فقط مع أنه يروى عنه 952 ما يزيد على ألف وخمس مائة حديث ، فليس هذا إلا لقطعهم بصدق أهل العصر، فلم ارقابوا تركوا، وفى آخر مقدمة "صحيح مسلم" تفصيل متين فى هذا الصدد فليراجع وبالجملة عادة الصحابة فى الإرسال معروفة لا تنكر، علا أنه من ذا الذى ينكر تصرف الرواة فى مثل هذا ممن بعدهم ، وبالأخص إذا لم يدركوا. ذلك المدرك وغفلوا عن دأبهم ، ثم لم يفكروا نفس الأمر من اتصالهم بالقصة والواقعة وهذا واضح لمن تأمل فأنصف ، والحاصل أن ما سردنا من النظار يؤيد ما ج - ٣ معارف السنن ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوى ، وهى نظائر كثيرة ، ولو ذهبنا فى البحث وأخذنا فى التنقيب ربما وقفنا على قدر كثير جداً ، وفيما ذكرنا كفاية للباحث ومقنع للمنصف، وقد استفدنا بعضها من تعليقات شيخنا رحمه اللّه على "آثار السفن" و" تعليقات الشيخ عبد العزيز على " تخريج الزبلعى" أيضاً. والله سبحانه ولى التوفيق والنعمة فله الحمد والمنة . وما أجاب به الإمام الطحاوى قاله ابن حبان فى حديث زيد بن أرقم : " كنا نتكلم" أنى كان قومى يتكلمون. كما حكاه ابن حجر في "الفتح" (٣ - ٦٠). وحكى عنه أنه قال: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين ثم قال : فهو متعقب بأن الآية مدنية بالإتفاق .. . وبما روى الطبرانى مور حديث أبى أمامة قال: ((كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذى إلى جنبه فيخبره بما فاته فيقضى ثم يدخل معهم حتى جاء معاذ يوماً فدخل فى الصلاة فذكر الحديث ، وهذا كان بالمدينة قطعاً لأن أبا أمامة ومعاذ ابن جبل إنما أسلما بها ١ هـ». ثم إن الطحاوى لم يجب عما فى رواية مسلم فى " صحيحه " (باب السهو فى الصلاة) ( ١ - ٢١٤ ) فى حديث أبى هريرة: " بينا أنا أصلى مع رسول اللّه ◌ِحَو الخ)، وهو صريح فى حضوره ، قال صاحب " البحر" فى الجزء الثانى فى مفسدات الصلاة: ولم أرعنه جواباً شافياً . وتصدى ابن عابدين الجواب فى حاشيته على البحر " و"الدر" بما ذكره الطحاوى ثم قال: أظن أن صاحب " البحر". اشتبه عليه حديث ذى اليدين بحديث معاوية بن الحكم الخ . قال الشيخ : غفل ابن عابدين عن رواية مسلم هذه. قال شيخنا: وأنا كذلك لم أجد جواباً شافياً أيضاً إلا أن يقال: إنه وهم الراوى، فلعله رواه بالمعنى لما رأى لفظ " صلى بنا " فزهم حضور أبى هريرة فى الواقعة ، أو يقال: إنه اختلط على شيبان والرلوى حديثان حديث معاوية بن الحكم السلمى كما فى "صحيح مسلم" (باب تحريم ٥٦٧ حقیق رواية أبىهريرة " صلى بنا" فى قصة ذی الیدین الكلام) (١ - ٢٠٣) وفيه: ((بينا أنا أصلى مع رسول الله فَّله إذا عطس رجل من القوم الخ )، وهو حديث العطاس. والثانى: حديث أبى هريرة فى قصة ذى اليدين، فلعله أخذ لفظة " حديث معاوية بن الحكم" فأدخلها فى حديث أبى هريرة والله أعلم وبالجملة سيأتى ما يعارضه قريباً. ثم الأولى أن يقال كما أفاده الشيخ فى تعليقاته على "آثار السنن": ولعله وقع فيه لبس على يحيى بن كثير بحديث معاوية بن الحكم ، فإنه أيضاً عنه عند مسلم اهـ. فالذى وقع فيه اللبس عليه هو يحيى لا شيبان ، حيث لم يرو شيبان حديث معاوية عند مسلم ، ويأتى بيان تفرد بجي . قال الراقم: وبالجواب الأول أجاب عنه الحافظ علاء الدين الماردينى فى "الجوهر النقي" وقبعه العينى فقال: يحتمل أن بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبى هريرة : "صلى بنا" أنه كان حاضراً، فروى الحديث بالمعنى على زعمه فقال: "بينا أنا أصلى". وهذا وإن كان فيه بعد إلا أنه يقربه ما ذكرناه من الدليل على أن ذلك كان قبل بدر الخ . قال الشيخ عبد العزيز السهالوى فى تعليقه على "نصب الرأية": روى الحاكم فى "المستدرك" (٤ - ٤٨) بإسناد رواته ثقات عن أبى هريرة قال: ((دخلت على رقية بنت النبى حل})). واتفقوا على أن الرقية توفيت فى السنة الثانية من الهجرة فى رمضان قبل إسلام أبى هريرة بخمس سنين، وروى الدار قطنى فى "سننه" (ص - ٢٣٢) عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: ((كنت عند غمر الحديث)) وقال ابن معين: لم يثبت سماع ابن أبى ليلى من عمر. فنقول فيه: لعل أصل الحديث " دخلنا وكنا" فغيره بعض الرواة إلى هذا ، وهذا وإن لم نعثر عليه فى رواية لكن لا بد منه إذا حفظنا الراوى عن نسبة الخطأ إليه ، فليؤول هذا اللفظ بما يؤول به أمثاله، وقال : وهو من رواية شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى بن أبی کثیر عن أبى سلمة انفر د به شيبان ٥١٨ معارف السفن ج - ٣ أصحاب يحى ويحى مدلس رواه عن أبى سلمة بالعنعنة ويرويه ابن المبارك عن يحى ولم بذكر هذا اللفظ، وروى الطحاوى من طريق حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير قال حدثنا أبو سلمة ثنا أبو هريرة قال: ((صلى بنا رسول اللّه عَّ له الخ)) فطريق حرب الذى فيه التصريح بتحديث أبى سلمة يحى يوافق سائر من روى عن أبى سلمة وأبى هريرة بلفظ الجمع ، فطريق شيبان إما وهم منه وتصرف فى الرواية خالف به جميع من روى عن يحيى وأبى سلمة وأبى هريرة ، أو من تدليس يحيى .... وقال: وتأويل ما فى الحديث من قوله: قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين وقوله : قالوا : نعم يا رسول اللّه، وغير ذلك مما أجاب به القوم بأومأوا وقولهم بأن ذا اليدين قال للنبى حي: (( بعض ذلك قد كان يا رسول اللّه)) وكان يظن أنه أم صلاته وقد سمع قبل ذلك قوله عَّظلّ: لم تقصر وغير ذلك من التأويلات التى لا يسوى بها الحديث على ما هم عليه الآن من مذهبهم ، فمن ارتكب هذه الأمور كلها لتسلم له: "بينا أنا أصلى" فى رواية شيبان ــ وحده - فهو كمن حفظ بيتاً وهدم مدينة اهـ. وقال شيخنا رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن ادارة المسألة على صورة التعبير من راو متأخر فى غاية الضعف لأن الصورة غير قصدية . وفى "التحرير المختار": إن هذا فى بعض الأصول نقلاً عن الشارح - أى النووى - فكأن النسخ مختلفة لكن لم يرد النووى هذا فراجعه ( حيث قال : هكذا هو فى بعض الأصول المعتمدة من الركعتين وهو الظاهر ... وفى بعضها بين الركعتين الخ) والله أعلم. وقال شيخنا رحمه الله: ويمكن أن بأول : "بينا أنا أصلى»: أى كأنى أنظر إليه كما يقول ابن المبارك فى رفع اليدين عند البيهقى اهـ. وقال رحمه الله: واعلم أنه لو كانت الواقعة بعد نسخ الكلام أيضاً فإنه أول واقعة وقع الكلام فيها سهواً فسومح فيه كما سومح فى الانجراف من الشام إلى الجنوب عند تحويل القبلة لأنه أول واقعة اهـ . ثم الجواب على طريق المعارضة فهو أن ذا اليدين قتل يوم بدر وأسلم ١٩ بيان اسلام أبى هريرة بعد غزوه خيبر أبو هريرة فى سنة سبع كما قاله غير واحد من أهل السبر منهم ابن اسحاق . قال أبو عمر فى "الإستيعاب": أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول اللّه فَ آهـ. فإذن إسلامه بعد بدر بنحو خمس سنين. وذكر الحافظ فى " الفتح" ( ٧ - ٣٦٢): أن الثابت إنما جاء بعد أن فتحت خيبر ، ووقع عند الواقدى أنه قدم بعد فتح معظم خيبر فحضر فتح آخرها الخ ، وذكر الماردغ) عن ابن عبد البر وابن بطال أن إسلام أبى هريرة بعد ما قتل ذوالبدين، وكذلك روى عن ابن عمر عند الطحاوى فى " شرح معاني الآثار" (١ - ٢٦١) ( باب الكلام فى الصلاة ) أنه ذكر له حديث ذى اليدين فقال: ((كان إسلام أبى هريرة بعد ما قتل ذو اليدين))، ورجاله ثقات إلا عبد الله العمرى، وهو وإن تكلموا فيه ولم يأخذ عنه البخارى ولكن أخرج له أرباب السفن ، و وثقه جماعة ، وقد اتفقوا على صدقه ولكن أخذوا عليه أن فى حفظه شيئاً . وأما ابن معين فقال تارة : لا بأس به ، وقال تارة: صويلح، وقال مرة: صالح ثقة، كما ذكره فى " التهذيب" (٥ - ٣٢٧ و ٣٢٨) و " الميزان" ( ٢ - ٥٨). وقال الخليلى: ثقه غير أن الحفاظ لم يرضواحفظه اهـ. وقال يعقوب. ابن شيبة: ثقة صدوق فى حديثه اضطراب، كما فى " خلاصة الخزرجى " و" تهذيب المزى"، وزاد: ويزيد فى الأسانيد كثيراً ا هـ. وفى " ميزان الإعتدال ": (٢ - ٥٨) قال الدارمى: قلت لابن معين: كيف حاله فى نافع ؟ قال: صالح ثقة ١هـ. وروايته هذه عن نافع، فإذن هى رواية جيدة على رأى ابن معين . وأما أخوه عبيد الله العمرى فثقة اتفاقاً، أخرج له الأئمة الستة ، قدمه أحمد بن صالح على مالك فى نافع وابن معين فى القاسم عن عائشة على الزهرى عن عروة عنها كما فى "التقريب" وذكره فى " الميزان " عن الإمام أحمد فقال : كان رجلاً صالحاً ، كان يسأل عن الحديث فيقول : أما وأبو عثمان حى فلا فهكذا يرد السائل إلى أخيه. قال شيخنا: ثم بعد. وفاة أخيه أخذ كتاب أخيه فكان يروى عنه فأخذ عليه ، قال : فيكون ١٢٠ معارف السنن ج - ٣ هذه وجادة ، ووجادة من لقى صاحب الكتاب مقبولة . نعم لا يقبله من يحتاط ما لم يكن فيه تحديث أو إخبار أو إجازة ويقبلها المتأخرون مطلقاً . والوجادة بالكسر أحد وجوه التحمل، ومعظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم على عدم جواز العمل بها ، وعن الشافعى ونظار أصحابه جوازه ، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به ، وهذا هو الصحيح كذا فى " تقريب النووى" وانظر " التدريب" (ص - ١٤٨ و ١٤٩) التفصيل . قال الشيخ : وقد مصح بعض أحاديث عبد الله العمرى ابن السكن ، وثلاثة أحاديث عندى من روايته حسنها بعض المحدثين . قال الراقم : منهم الترمذى فى " سننه" فى ( باب ما يقول إذا رأى مبتلى) أخرج حديثاً من طريق عبد الله بن عمر العمرى عن سهيل بن أبى صالح ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه اهـ. وكذلك فى أبواب الحج فى ( باب دخول مكة نهاراً ) أخرج حديثاً من طريق العمرى عن نافع ، ثم قال : هذا حديث حسن اهـ. ومنهم ابن كثير فى " تفسيره" فى أوائل " سورة القصص". أخرج حديثاً عن " مسند أبي يعلى" بطريق عبد الله بن عمر العمرى عن نافع عن ابن عمر ، ثم قال: إسناده حسن لا بأس به اهـ. ومنهم البخارى فى " جزء رفع اليدين" ( ص - ٢٥ ) فقال: لوصح حديث العمرى عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنها لم يكن مخالفاً للأول الخ . فقد جوز تصحيح روايته . والبخارى فى " صحيحه" من كتاب العلم فى ( باب المناولة) ذكر " عبد الله ابن عمر" فجزم الکرمانى أنه العمری ، ومال إليه البدر العینی ، وجوزه ابن حجر . أنظر " العمدة" (١ - ٤٠٦ و٤٠٧) و "الفتح" (١ - ١٤٢) وفى "التهذيب" (٥ - ٥٢) قال: قال ابن شاهين فى الثقات، قال أحمد بن صالح المصرى : أربعة اخوة ثقات عبد الله وعبيد الله وعاصم وأبو بكر بنوعمر بن حفص بن عاصم اهـ.