النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
بقية بحث الصلاة عند العشاء
قال: ((ونعشى ابن عمر وهو يسمع قراءة الإمام)). حدثنا بذلك مناد نا
عبدة عن نافع عن ابن عمر .
وهذا معناه، وانظر بعض أطراف أخرى من المسألة فى "العمدة" و "الفتح"،
وذكرت ما كان أهم ، ويتلخص من جميع ما دار فى الباب ما ذكره مبرك
عن التصحيح": وهذا إذا كان جائعاً ونفسه تتوق إلى الأكل وفى الوقت سعة،
وما أحسن ما روينا عن أبى حنيفة: لأن يكون أكلى كله صلاة الخ، كما حكيناه
من قبل . و "التصحيح" لعله تصحيح القدرى للشيخ قاسم من علمائنا والله أعلم.
حكاية ذكرها شيخنا : كان على بن شداد صلى بالجماعة خمساً وعشرين
سنة ولم يفته التكبيرة الأولى ففاقته مرة يوم ماتت أمه !شغله بتجهيزها وتكفينها
فاغتم لذلك وصلى أربعاً وعشرين ركعة نفلا لبتدارك بها أجرها ، فرأى فى
المنام قائلا يقول له: ما أدركت بهذه النوافل فضل التكبيرة الأولى. لم أعرف على
ابن شداد، ولم أقف بعد على مأخذ الحكاية والله أعلم. وذكر ابن حجر فى "لسان
الميزان": على بن شداد الحنفى، وقال: مجهول والحكاية مثلها منقولة فى "الفوائد
البهية" عن محمد بن سماعة ببعض تغير كما يقول صاحبى مولانا أمين اللّه
البهاولفورى والجارود هو ابن معاذ بن السلمى الترمذى شيخ أبي عيسى
صاحب " الجامع " من رجال " التهذيب". قال فى "التقريب": ثقة رمى
بالإرجاء ، مات سنة أربع وأربعين أى بعد المائتين . وما ذكر الترمذى من
أثر ابن عباس فقد أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة بإسناد حسن عنه وعن
أبى هريرة كما فى " الفتح" (٢ - ١٣٦)، وما ذكر من أثر ابن عمر فقد
أخرجه البخارى موصولاً فى «صحيحه" عقب حديثه المرفوع ، وأخرجه
ابن حبان من طريق ابن جريج عن نافع ، والسراج من طريق يحيى بن سعيد
عن عبيد الله عن نافع أيضاً كما فى " الفتح" و " العمدة".
(م - ٥١)

٤٠٢
معارف السنن
ج - ٣
( باب ما جاء فى الصلاة عند النعاس )
حدثنا هارون بن اسحاق الهمدانى نا عبدة بن سليمان الكلابى عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول اللّه عَ لّ: ((إذا نعس أحدكم وهو
يصلى فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإن أحدكم إذا صلى وهو بنعس فلعله
يذهب ليستغفر فيسب نفسه )»
-: باب ما جاء فى الصلاة عند النعاس :-
النعاس ما يتعلق بالرأس، والسنة ما تتعلق بالعين، والنوم ما يتعلق بالقلب،
كذا فى "العرف الشذى". وعامة اللغويين لا يفرقون بين السنة والنعاس،
ويفسرون النعاس بالوسن كما فى " النهاية" و "اللسان" و"مفردات الراغب"
وغيرها . واستشهد له صاحب "اللسان" وغيره بقول عدى بن الرقاع:
وسنان أقصده النعاس فرنقت - فى عينه سنة وليس بنائم
غير أنه حكى القرطبى فى "تفسيره" (٣ - ٢٧٢) عن المفضل أنه فرق
بينهما فقال : السنة من الرأس والنعاس فى العين ، والنوم فى القلب ١هـ. ثم
إنه عكس ما فى " العرف الشذى" فيحتمل السهو فى العرف والضبط لحفظ
الفرق أن يقال : العين بالعين والسين بالسين . وبالجملة النعاس والسنة فى كل
منها يعترى للعقل فتور لا يفقد معه كله . وبما يفسر النعسبة بالخفقة والسنة
بالغفوة ، وهذا قريب مما فى " العرف الشذى" والله أعلم.
قوله : فيسب نفسه ، قبا : معناه أن يقرأ غير ما يريد ، كما فسره فى
"العمدة" (١ - ٨٦٦) وال» (١ - ٢٧١) أى يدعو على نفسه، قالا: وصرح
به النسائى فى روايته من طريق رب عن هشام اهـ . أى دعا على نفسه حيث أراد
الدعاء لنفسه آهـ. وقيل: بد السب حقيقة. قال على القارى فى " المرقاة "
(٢ - ١٤٥): ولا بعد أن يسب نفسه حقيقة آهـ. فإنه إذا لم يجد نشاطاً فى:

٤٠٣
بحث الصلاة عند النعاس
وفى الباب عن أنس وأبى هريرة . قال أبوعيسى: حديث عائشة حديث
حسن صحيح .
العبادة وسامت منها طبيعته وأحس ثقلاً فيها على قلبه فيكاد يسب نفسه بتلك
لمقاساة ، هذا توضيح ما فى "العرف الشذى"، لم أر هذا التفصل، ولفظ
"العرف": كان فيه تعقيد فأوضحت مفاده، ويؤيده حديث: ((ليصل أحدكم
نشاطه وإذا فتر فليقعد)) رواه الشيخان عن أنس. قال العلماء : هذا فى النافلة ،
وأما الفريضة فيأتى بها وجد لها نشاطاً أو لم يجد. كما حكاه البدر والشهاب عن
المهلب، فقال : إنما هذا فى صلاة الليل، لأن الفريضة ليست فى أوقات النوم.
ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك. ثم عقبا كلامه بأن العبرة لعموم اللفظ
لا لخصوص السبب فيعمل به أيضاً فى الفرائض إن وقع ما أمن بقاء الوقت اهـ .
وقال النووى فى "شرح مسلم" (باب أمر من نعس فى صلاته الخ)): وهذا
عاء فى صلاة الفرض والنفل فى الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور،
كى لا يخرج فريضة عن وقتها . وقال القاضى: وحمله مالك وجماعة على نفل
للين لأنها محل النوم غالباً اهـ. وذكر القارى أن الأمر للاستحباب فيترنب
عليه الثواب ويكره له الصلاة حينئذ اهـ . وقال أيضاً : والحاصل : أن سالك
طريق الآخرة ينبغى أن يجتهد فى العبادة من الصلاة وغيرها بقدر الطاقة ،
ويختار سبيل الاقتصاد فى الطاعة، ويحترز عن السلوك على وجه السآمة والملالة،
فإن الله لا ينبغى أن يناجى عن ملالة وكسالة ؛ وإذا فتر وضعف قعد من
القيام واشتغل بنوع من المباحات من الكلام والمنام على قصد حصول النشاط فى
العبادة فإنه يعد طاعة وإن كان من أمور العادة ، ولذا قيل : نوم العالم عبادة،
ومنه قوله عليه السلام لعائشة: ((كلمينى با حميراء (هـ)). قال الراقم: وأقوال
" .لف فى هذا المعنى كثيرة جداً. وقوله: فيسب بالرفع من عطف الفعل على
المعا. وبالنصب جواباً للترجى. أنظر " العمدة" ( ١ - ٨٦٦).

٤٠٤
معارف السنن
ج - ٣
( باب ما جاء من زار قوماً فلا بصل
حدثنا هناد ومحمود بن غيلان قالانا وكيع عن أبان بن يزيد العطار عن
بديل بن ميسرة العقيلى عن أبى عطية رجل منهم قال : كان مالك بن الحويرث
يأتينا فى مصلانا يتحدث فحضرت الصلاة يوماً فقلنا له : تقدم، فقال : ليتقدم
بعضكم حتى أحدثكم لم لا أتقدم، سمعت رسول اللّه فَ لٍ يقول: ((من زار قوماً
فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم )) .
-: باب ما جاء من زار قوماً فلا يصل بهم :-
الغرض من حديث الباب هو بيان الأدب للزائر بأن براعى حق المزور
وصاحب البيت ، وأن لا يتقدمه فى سلطانه وإن كان أهل للتقدم، فإن الشريعة
ربما تراعى المصالح الجزئية ، فعلم الزائر ولاية صاحب البيت كما سبق ذلك فى
حديث ابن مسعود: ((ولا يؤم الرجل فى سلطانه)). ثم هل هو على العموم
فلا يتقدم وإن رضى صاحب البيت أو أذن له ، أو هناك خصوص بما لم يؤذن
له ؟ فطائفة إلى الأول وطائفة إلى الثانى، كما قاله الترمذى ، ولعل مالك بن
الحويرث صاحب الحديث ممن حمل حديثه على العموم فلم يتقدم أولاحظ الأولوية
والأحقية وإن كان نقدمه جائزاً. والذين خصصوه فلعلهم نظروا إلى حديث:
((ولا يؤم الرجل فى سلطا فه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه))، فخصصوا منه ما كان
بإذنه، وعلم من ههنا أن مابينه الشرع من مراقب من يستحق الإمامة والتقدم من تقديم
الأقرأ ثم وثم كما تقدم تفصيله ، إنما هو إذا اجتمعوا فى مقام لم يكن لأحدهم
مزية خاصة من جهة الولاية فى البيت ، وإنما تفاوتوا فيما يحتاج إليه منصب
الإمامة ، فبين الأحق على أن هناك من جهة أخرى إرشاد لصاحب البيت بأن
يراعى قانون الشرع العام من أهلية المنصب بأن يقدم من هو أحق ، فإن كان الزائر
أحق من جهة علمه وفضله فينبغى أن يقدمه صاحب المنزل، فقد راعت الشريعة
الوجهتين تأسيساً لنظام صالح، وإيفاء كل ذى حق حقه، كما أفاده شيخنا رحمه الله

٤٠٥
بيان بقية حديث من زار قوماً لا يؤمهم
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أكثر
أهل العلم من أصحاب النبي ◌َ ◌ّله وغيرهم قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة
من الزائر . وقال بعض أهل العلم : إذا أذن له فلا بأس أن يصلى به . وقال
اسحاق محديث مالك بن الحويرث ، وشدد فى أن لا يصلى أحد بصاحب
المنزل وإن أذن له صاحب المنزل. قال : وكذلك فى المسجد لا يصلى بهم فى
المسجد إذا زارهم ، يقول : يصلى بهم رجل منهم.
فيما تقدم. وذكر صاحب "البحر الرائق" (١ - ٣٤٨) عن الأسبيجاني
وابن عابدين عن "التاتار خانية": أن صاحب البيت وإمام المسجد أولى بالإمامة
من غيره مطلقاً وإن كان غيره أعلم منه وأقرأ إلا أن يكون الغير معه سلطان
وولاية . فإن قدم صاحب البيت أحداً لفضله كان أفضل ، وإن تقدم هو من
غير أن يقدمه جاز، وإن تقدم صاحب البيت كان أحق . هذا ملخص ما ذكراه،
وذكره غير واحد من علمائنا، وهكذا عند الشافعية: تقدم صاحب البيت وإمام.
المسجد أولى كما فى " شرح المهذب" ( ٤ - ٢٨٥) و "شرح مسلم" (١ -
٢٣٦). وكذلك مذهب الحنابلة كما فى "المغنى" (٢ - ٣٧) بل قال :
ولا نعلم فيه خلافاً اهـ. ومثله مذهب مالك كما فى "المدونة" (١ - ٨٤).
فالحاصل أن المذاهب الأربعة والجمهور على أن الأحق بالإمامة صاحب البيت
وإن كان غيره أحق منه علماً وفقهاً ، وإذا أذن لغيره جاز للغير ، فحديث
الباب وقع مخصصاً لحديث: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله الخ)) عندهم ،
فكان كل من الحديثين قانوناً لموضع خاص ، وكذلك وقع شطر حديث :
((يؤم القوم أقرؤهم)) - أى قوله -: ولا يؤم الرجل فى سلطانه .....
( إلا بإذنه)) مخصصاً لحديث الباب عندهم ، فلم يبق العموم فى أحدهما عندهم ،
والإمام البخارى رحمه اللّه عقد باباً فقال : ( باب إذا زار الإمام قوماً فأمهم )
وأخرج فيه حديث عتبان بن مالك الأنصارى، فكأنه عارض حديث الباب وأشار

٤٠٦
معارف السفن
ج - ٣
(باب ما جاء فى كراهية أن يخص الامام نفسه بالدعاء)
حدثنا على بن حجر نا إسماعيل بن عياش قال حدثنى حبيب بن صالح عن
يزيد بن شريح عن أبى حى المؤذن الحمصى عن ثوبان عن النبي ◌ِّلِ قال:
((لا يحل لامرئ أن ينظر فى جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد
إلى الجواز، فكأنه عنده هو المرجح وراجع الفتح (٢ - ١٤٤) فخذه محرراً
والله ولى التوفيق والإصابة .
-: باب ما جاء فى كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء :-
فى الحديث أحكام ثلاثة : مسألة صلاة الحاقن ، وقد تقدم بيانها فى (باب
ما إذا أقيمت الصلاة ووجد أخدكم الخلاء فليبدأ باخلاء ) ومن أجل هذا
لم يتصد الشيخ لبيانها فى " العرف" فلتراجع. ومسألة النهى عن الدعاء خاصة
لنفسه إذا كان إماماً وفصلها الشيخ . ومسألة النظر فى بيت الغير من غير إذن،
وفوض الشيخ بيانها إلى محلها من كتب الفروع. قال الطيبي : ولعل توسيط
الإستيدان بين حالتى الصلاة الجمع بين مراعاة حق الله وحق العباد ، وخص
الإستبدال من حقوق العباد لأن من راعى هذه الدقيقة فهو بمراعاة ما فوقها
أحرى، حكاه القارى فى " المرقاة" (٢ - ٧٣).
الحقن والحاقن من أمسك البول ، والحاقب من أمسك الغائط . كما فى
"النهاية" وغيرها، ويقال لحابس الريح: الحازق، ولحابس الغائط والبول
معاً: الجاقم ، وقيل: الحازق أيضاً، وقد قدمنا بيانه، والمراد هما أهم من
الكل فإن فى الكل شغل البال المخل بالخشوع المطلوب فى الصلاة، وعد ذلك من
أعذار ترك الجماعة كما فضلناه تفصيلا .
قوله : حتى بسأذن ، من نظر إلى بيت رجل هكذا من غير إجازة فجرعه
١

٤٠٧
تحقيق حديث : أن لا يخص الإمام نفسه بدعوة
دخل ، ولا يؤم قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم ،
ولا يقوم إلى الصلاة وهو حقن )).
أهل البيت أو قتله فهل يقتص أو يؤدى أم لا؟ فتفصيله مفروغ عنه فى موضعه
من كتب الفقه .
قوله: فيخص نفسه الخ . أشكل هذا على العلماء حيث ورد فيه النهى عن
أن بخص نفسه بالدعاء مع أنه مِّ له سائر ما روى عنه من الأدعية فى الصلاة
وخارجها بصيغة الإفراد دون الجمع إلا قليلا جداً كدعائه فعَّالٍّ فى الإستسقاء
حين جاءه رجل وهو يخطب فقال: هلك المال وجاع العيال الخ ، كما ورد فى
حديث أنس فى الصحاح ، ورواه البخارى فى ( باب الاستسقاء فى المسجد
الجامع) وفيه: ((اللهم أسقنا الخ)) وكدعاء القنوت الذى اختاره علماؤنا
الحنفية: ((اللهم إنا نستعينك الخ)) كما يأتى تفصيله فى محله إن شاء الله تعالى.
فإذن كيف يكون حكم الحديث مع أنه عَّ له كان إماماً فى غالب أحيانه ولم ينقل
عنه ذلك . فاختلفت الأقوال فى حله فقال بعضهم : إن الحديث موضوع .
قال الشيخ: وهذا عندى غير صحيح لا يمكن عليه الحكم بالوضع أصلاً.
قال الراقم: القائل هو ابن خزيمة، وقد ذكر حديث: ((اللهم باعد بينى
وبين خطاياى الخ )) قال : فى هذا دليل على رد الحديث الموضوع :
(( لا يؤم عبد قوماً الخ)) فذكره. وإنما قال الشيخ: هذا غير صحيح لأن
إسناده مما يحتج به ، ولا أقل من أن يكون حسناً كما قاله الترمذى ، وهو
إسناد شامى ، وإسماعيل بن عياش ثقة فى الشاميين . وليس من الإنصاف أن
يحكم بالوضع على حديث ثابت إذا لم يفهم تأويله ومعناه ، أو ظن متعارضاً .
قال فى " فتح المغيث" للسخاوى (ص - ١٠٨): وهذا - أى الحكم بالوضع -
خطأ لإمكان حمله على ما لم يشرع للمصلى من الأدعية بخلاف ما يشترك فيه
الإمام والمأموم اء. قال الشيخ: وقيل فى تأويله أن لا يدعو لنفسه ويدعو

٤٠٨
معارف السنن
ج - ٣
وفى الباب عن أبى هريرة وأبى أمامة . قال أبوعيسى : حديث ثوبان
حديث حسن . وقد روى هذا الحديث عن معاوية بن صالح عن السفر بن.
على غيره ، وهذا مما لا يلتفت إليه . أقول: لم أعرف قائله ولا مأخذه .
وقال : قيل إن المراد به الأدعية التى وردت بصيغة الجمع كأدعية القرآن
وأدعية الإستسقاء وما شاكلها ، فإنه لا يفردها لنفسه لا الأدعية الواردة بصيغة
الإفراد . وكذا لم أقف على القائل ولا على المأخذ .
قال الشيخ : وقيل : أريد بها الدعاء الذى يشترك فيه المقتدون كدعاء
القنوت وغيره ، وإلى هذا التأويل أذهب . أقول : القائل ابن تيمية ، حكاه
ابن القيم فى "الهدى" (١ - ٩٥). قال الراقم: ومذهب إمامنا أبى حنيفة
أن يدعو فى المكتوبة بأدعية القرآن يحتمل أن يكون سر ذلك هذا الحديث فإنها
بصيغة الجمع، والجماعة لها سنة مؤكدة قريبة من الواجب والله أعلم .
وقال الشاطبى فى " الإعتصام" (٢ - ٤): وإنما حمل الناس الحديث
على دعاء الإمام فى نفس الصلاة من السجود وغيره
. ولما لم يصح
العمل بذلك عند مالك أجاز للإمام أن يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين ذكره
فى " النوادر" اهـ .
قال الشيخ فى مذكرته: قد كثر الكلام فيه كما فى "السعاية" (٢ -
٢٤٥) و "الإتحاف" (١ - ٦٣) و"فتاوى الحافظ ابن تيمية" (١ - ١٧٧)
وكل ذلك لعدم استقامة معناه عندهم. والإعلال من هذا الوجه ليس بصواب،
وقد فتح الله على بالجراب، وهو أنه ليس المراد به صورة الصيغة بأن يأتى بصيغة
المتكلم مع الغير لا الواحد المتكلم، بل المراد به أن ينتهز فرصة فى أثناء صلانه
للدعاء بأى صيغة شاء . ولا ينتبهون له فيدعو لأنفسهم . وهذا إنما يكون فى
غير المواضع التي شرع الدعاء فيها من الصلاة. فالمراد بالتخصيص الاختصاص

٤٠٩
بحث دعاء الإمام لنفسه والدعاء بعد الصلاة
نسير عن يزيد بن شريح عن أبى أمامة عن النبى معَّجُلٍ. وروى هذا الحديث
عن يزيد بن شريح عن أبى هريرة عن النبى عَلّ ، وكان حديث يزيد بن شريح
بوجود الدعاء منه ، ولا ينتبهون له كى يدعو، لأنفسهم أى الاختصاص بأصل
وفى " المصنف" (١ - ٤١٥):
وجوده منه لا من حيث الصيغة .
ابن علية عن خالد الحذاء قال قال أبو قلابة : تدرى لم كرهت الإمامة ؟ قال :
لا ، ولكنها كرهت أنه ليس لإمام أن يخص نفسه بدعاء من دون من وراءه ،
وفيه (١ - ٥٠٨) قال: لا قراءة فى الركوع ولا فى السجود، إنما جعلا لذكر
اللّه تعالى. والمواضع التى أعطت الشريعة للدعاء فى الصلاة سنة. ذكرها فى
"المواهب" من آخر التشهد (٧ - ٣٣٤) و"فتح البارى" (١١ - ١١٢)
والاختصاص كأنه بانتهاز موضع لها غيرها وبالسر انتهى كلام الشيخ .
بحث وتنبيه : قد راج فى كثير من البلاد الدعاء بهيئة اجتماعية رافعين
أيديهم بعد الصلوات المكتوبة، ولم يثبت ذلك فى عهده بَّ وبالأخص
بالمواظبة ، نعم ثبتت أدعية كثيرة بالتواتر بعد المكتوبة ولكنها من غير رفع
الأيدى ومن غير هيئة اجتماعية، فعم نبت دعاؤه ◌َّ له برفع البدين باجتماع
بعد النافلة فى واقعتين: أحدهما راقعة بيت أم سليم رضى الله عنها حين صلى
فيه جَ لّ السبحة ودعا لأنس، رواه مسلم من حديث أنس فى (باب جواز
ثم دعا لنا أهل البيت بكل
الجماعة فى النافلة) وفيه: ((فصلى بنا ...
وكان فى آخر ما دعالي به أن قال :
خير من خير الدنيا والآخرة
"اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه")). وأخرجه البخارى مختصراً فى
خمسة مواضع من " صحيحه " ليس فيه ذ کر الدعاء
وما ذكره الشاطبى فى كتابه " الإعتصام " من مذهب مالك: أنه بدعة،
( ٢ - ٥٢ )

٤١٠
معارف السنن
-
عن أبى حى المؤذن عن ثوبان فى هذا أجود إسناداً وأشهر .
فليحمل على أن المواطبة به بدعة لعدم استمرار عمله فَلّ به لا أن العمل .
بدعة مطلقاً. قال فى (١ - ٢٩٢): ثم القرافى قد عد ذلك من ندم
المكروهة على مذهب مالك آهـ . وقد أطال الشاطبى الكلام فيه فى آخر + .
الأول وأول الجزء الثانى. وآخره فليراجع ، وقال : وقد حصل أن الده .
مهيئة الإجتماع دائماً لم يكن من فعل رسول الله عَ ل كما لم يكن من قوله ولا
إقراره آهـ. وراجع ما ذكرناه فى (باب ما يقول إذا سلم) فقد لخصت هه
البحث بما يكفى إن شاء الله تعالى .
ويقول بعض أهل العصر من الحنفية لما ثبت الدعاء بتلك الهيئة فى موضع
فليعد إلى دبر المكتوبات أيضاً. ويستدل لذلك بالعموم . قال شيخنا : أقول
إن الاحتجاج بالعموم إنما ينبغى فيما لم يرد الخاص حكم على حدة ، ونفس ثوت
الرفع فى الدعاء أمر آخر، غير أن الأدعية المأثورة عنه عَّ امٍ فى أثر المكتو ....
لم يثبت فيها الرفع، فقد صح عنه: "اللهم اغفرلى ما قدمت وما أخرت الخ" ...
الترمذى وغيره ، و" اللهم ربنا ورب كل شئ الخ " عند أبىدائؤد. و" رس
أعنى ولا تعن على الخ" عند أبى داؤد. و"اللهم إنى أسئلك علماً نافعاً الخ" عند
النسائى وغيره، وكل ذلك فى السفن، وراجع "الحصن الحصين" لتفصيلها
مجموعة . ويمكن أن يستدل لذلك بما رواه الترمذى من حديث الفضل بن هناس
. إلى ربك مستقبلة ببطونها وجهك وتقول
وفيه: «وتقنع بيديك ..
يا رب بارب الخ)) فى (باب ما جاء فى التخشع فى الصلاة) وسيأتى إن
شاء اللّه تعالى. قال الشيخ: ومع هذا فلا يدل على الدعاء بالهيئة الرغحه
المعروفة، وابن القيم أيضاً يدعى أنه بدعة ونوقش ، أفاده الشيخ على محله
من کتبه .

٤١١
شرح حديث من أم قوماً وهم له كار هون
( باب ما جاء من أم قوماً وهم له كارهون )
حدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفى نا محمد بن قاسم الأسدى عن الفضل
ابن دلهم عن الحسن قال سمعت أنس بن مالك قال: ((لعن رسول الله عَليه
ثلاثة : رجل أم قوماً وهم له كارهون ، وامرأة باقت وزوجها عليها ساخط،
-: باب ما جاء من أم قوماً وهم له كارهون :-
حاصل أحاديث الباب فى مسألة الإمام كما قال الفقهاء رحمهم الله أن سبب
الكراهة إن كان فى الإمام كان الإثم عليه ، وإن كان فى القوم فالإنم عليهم
لا عليه، والمسألة كذلك فى "البحر" و"شرح المنية" و"الدر المختار" وغيرها،
وذكروا : وينبغى أن تكون الكراهة تحريمية فى حق الإمام فى صورة الكراهة
لأجل حديث الباب ، وبه جزم صاحب " الجلية" كما قاله ابن عابدين ، وفى
"المرقاة" (٢ - ٩١) عن ابن الملك أى كارهون لبدعته أو فسقه أو جهله،
أما إذا كان بينه وبينهم كراهة وعداوة بسبب أمر دنيوى فلا يكون له هذا
الحكم آهـ. وقال فى (ص - ٩٢): أما إذا كرهه البعض فالعبرة بالعالمّ ولو انفرد.
وقيل: العبرة بالأكثر، ورجحه ابن حجر، ولعله محمول على أكثر العلماء إذا
وجدوا وإلا فلا عبرة بكثرة الجاهلين . قال تعالى: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) .
وقوله : لا تجاوز صلاتهم الخ العلماء كلهم أو أكثرهم على أن عدم القبول أو
عدم المجاوزة الآذان أن صلاتهم لا تقع مرضية اللّه تعالى وإن صحت، لا أنها لا تصح
أصلا. وكذلك حققه الحافظ الشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد فى " إحكام
الأحكام" من شرح الحديث الثانى من كتاب الطهارة، وذكر عن بعض المتأخرين
أن كل مقبول صحيح وليس كل صحيح مقبول)) اهـ . وكذلك فى " العمدة "
(١ - ٦٦٥) وكذلك فسروه فى حديث العراق وفى شارب الخمر وغيرهما.
قوله : وامرأة بانت الخ. قال القارى فى " المرقاة" (٢ - ٩٠١ ) عن

٤١٢
معارف السنن
٠٠
ج - ٣
ورجل سمع : "حى الفلاح" ثم لم يجب)).
وفى الباب عن ابن عباس وطلحة وعبد الله بن عمرو وأبى أمامة . قال
أبو عيسى: حديث أنس لا يصح لأنه قد روى هذا عن الحسن عن النبى عد لاً}
مرسل . قال أبوعيسى : ومحمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه ،
وليس بالحافظ ، وقد كره قوم من أهل العلم أن يؤم الرجل قوماً وهم له
كارهون، فإذا كان الإمام غير ظالم فإنما الإثم على من كرهه . وقال أحمد واسحاق
فى هذا : إذا كره واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس أن يصلى بهم حتى يكرهه
:
أكثر القوم .
ابن الملك والمظهر: هذا إذا كان السخط لسوء خلفها وسوء أدبها أو قلة طاعتها
وإلا فالأمر بالعكس اهـ .
قوله : ورجل سمع حى على الفلاح الخ . والمراد عدم الإجابة بالفعل أى
لم يذهب إلى الجماعة فإن الواجب الإجابة الفعلية دون القولية كما تقدم تفصيله
فى أبواب الأذان ، علا أن هنا قرينة لذلك أيضاً حيث قال: (( ورجل سمع حى
على الفلاح))، ولم يقل: ((سمع الأذان)، ففيه أمر بالإتيان والحضور خاصة، فكان
إجابته هو الحضور والذهاب بانقدم . وهذا إذا لم يكن هناك عذر شرعى منه
وأعذار الجماعة استوفى بيانها من قبل .
قوله : ومحمد بن القاسم تكلم فيه الخ . يريد أن الإرسال أضح من
الوصل فإن الذى وصله هو ابن القاسم الأسدى ولا عبرة بوعله فإنه ضعيف
غير أن الضعف لا يضر فإن له شواهد من روايات أخرى، أشار إليها التر مذى،
وحديث ابن عباس منها عند ابن ماجه، وإسناده حسن كما قاله العراقى ،
وحديث أبي أمامة صرح الترمذى بأنه حسن غريب ، علا أن المرسل يكفى حجة
فى الباب عند الجمهور كما تقدم بيانه .

٤١٣
بيان حديث صلاة العبد الآبق وإمام قوم هم له كار هون
حدثنا هناد نا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن زباد بن أبى الجعد
عن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: (( كان يقال: أشد الناس عذاباً
اثنان: امرأة عصت زوجها ، وإمام قوم وهم له كارهون» قال جرير قال منصور:
فسألنا عن الإمام فقيل لنا : إنما عنى بهذا الأئمة الظلمة ، فأما من أقام السنة
فإنما الإثم على من كرهه .
حدثنا محمد بن اسماعيل نا على بن الحسن نا الحسين بن واقد قال نا أبو غالب
قال سمعت أباأمامة بقول: قال رسول اللّه عَلَّ: ((ثلاثة لا تجاوز صلائهم
آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع ، وامرأة باقت وزوجها عليها ساخط ،
وإمام قوم وهم له كارهون )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ، وأبو غالب
اسمه حزور .
قوله : كان يقال الخ . قال العراقى: هذا كقول الصحابى: "كنا نقول
وكنا نفعل" فإن عمرو بن الحارث له صحبة، وهو أخو جويرية بنت الحارث
إحدى أمهاتنا، وإذا حمل على الرفع فكأنه قال: "قيل لنا"، والسائل هوزلج اهـ.
حكاه السيوطى فى " القوت" .
قوله : لا تجاوز الخ . أى لا ترفع إلى السماء كما فى حديث ابن عباس:
((ولا ترفع صلانهم فوق رؤسهم شبراً، وهو كناية عن عدم القبول كما الطبرانى
عن ابن عباس: ((لا يقبل لهم صلاة)) كذا فى " القوت". قال الطيبي:
ويحتمل أن يراد : لا يرفع عن آذانهم فيظلهم كما يظل العمل الصالح صاحبه
يوم القيامة آهـ حكاه القارى .

٤١٤
معارف السنن
ج - ٣
( باب ما جاء اذا صلى الامام قاعداً فصلوا قعوداً )
حدثنا قتيبة نا الليث عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: ((خر رسول
اللّه عَ لّ عن فرس فجحش فصلى بنا قاعداً فععلينا معه قعوداً،
-: باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعداً فصلوا قعوداً -:
مسألة اقتداء القائم القادر على القيام خلف القاعد العاجز عنه مسألة خلافية
قديمة بين الأئمة الأربعة بل بين الصحابة والتابعين ، فقال أبو حنيفة : اقتداء
القائم خلف القاعد جائز، ولا يجوز القعود للقادر بل يصلى قائماً ، وإليه ذهب
أبويوسف والشافعى، ووافقهم البخارى ، وإليه ذهب سفيان الثورى وأبو ثور
كما فى " شرح المهذب"، والأوزاعى فى رواية كما فى" العمدة" و"الفتح" ،
وعبد الله بن المبارك كما فى " الإعتبار" تخازى، وهى رواية عن مالك فيما
حكاها الوليد بن مسلم عنه كما فى " الفتح"، ولم يحك التر مذى عنه غيره، وجعله
الحازمى فى " الإعتبار" (ص - ١٠٩) مذهب أكثر أهل العلم، وجعله
الخطابى ثم القاضى عياض ثم ابن دقيق العيد مذهب أكثر الفقهاء، وكذلك حكاه
المنذر عن أكثر أهل العلم ، والنووى ثم البدر العينى عن جمهور السلف . قال
أبو عمر ابن عبد البر: وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار الشافعى وأصحابه
وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر وأبو ثور وغيرهم، حكاه ابن رشد فى "قواعده".
وكل هذا بضد ما يدعبه ابن حزم مخالفة جمهور السلف ثم لم يستطع أن ينقل
إلا عن ثلاثة من الصحابة ، جابر وأبى هريرة وأسيد بن حضير ، وهم الذين
ذكرهم الترمذى، وحكاه بعضهم عن أنس وقيس بن فهد أيضاً، وادهى ابن
حبان أنه اجماع، ولم يستطع أن يحكى إلا عن أربعة نفر ، ولذا ناقشه الحافظ فى
دعوى الإجماع. ثم ابن حزم أيضاً مال إلى دعوى الإجماع وادعى أنه لم يحفظ
عن أحد من الصحابة خلاف ذلك ، ومن الغريب أن خصمه إذا ادعى الإجماع
1

٤١٥
بيان المذاهب فى صلاة القائم خلف القاعد
الناطق فى أمر فهو ينكر وجود الإجماع وصحته مطلقاً ويدعى أنه غير ممكن
فليتنبه . وفى "قواعد ابن رشد" ولعله من الحافظ أبى عمر فى مسألة قضاء الوتر
ما نصه : ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا ، وقد رآى قوم أن
مثل هذا داخل فى باب الإجماع ، ولا معنى لهذا فإنه ليس ينسب إلى ساكت
قول قائل ، أعنى أنه ليس ينسب إلى الإجماع من لم يعرف له قول فى المسألة
اهـ. فينبغى أن يزن الناظر قول ابن حزم بهذا الميزان والله يقول الحق وهو
يهدى السبيل .
وقال مالك : لا يصح اقتداء القائم خلف القاعد أصلاً ، بل يصلى خلف
من يقدر على القيام إلا أن يكون المقتدى مثل الإمام غير قادر على القيام ،
هذا هو المشهور عن مالك، رواه ابن القاسم كما قاله ابن رشد، واحتج برواية فيها
الجعفى مع ارسالها: ((لا يؤمن أحد بعدى جالساً، فلم تصح عندهم كما فى "العمدة"
(٢ - ٢٧٥) و(٢ - ٧٤٦) و"الفتح" (٢ - ١٤٦)، وإليه ذهب محمد بن
الحسن من أصحاب إمامنا أبى حنيفة ، بل كره ابن القاسم ومحمد بن الحسن وأكثر
المالكية إمامة القاعد للقاعدين من المرض أيضاً، ومنعها بعضهم كما فى "شرح التقريب".
وقال أحمد : يجوز الإقتداء ولكنه يجب أن يقعد إلا أن يكون عذر قعود
الإمام طرئً خلال الصلاة فإنه يصلى خلفه قائماً . وقد قيل : إن مذهبه أقرب
إلى نصوص الأحاديث حيث جمع بين أحاديث القصتين بتنزيلها على الحالتين ،
ولذا اختاره جماعة من محدثى الشافعية كابن حبان وابن المنذر وابن خزيمة ومحمد
ابن نصر كما فى "الفتح" وغيره، وبه قال الأوزاعى وحماد بن زيد واسحاق كما فى
"المغنى"، وجعله الشوكانى مذهب الظاهرية وابن حزم. قال الراقم: ومذهب ابن
حزم يختلف عنهم بعض اختلاف من قيام من يسمع التكبير كما حققه العراقى .
والحاصل أنهم اتفقوا على أنه ليس للصحيح أن يصلى الفرض قاعداً إذا كان
منفرداً أو إماماً ، ثم اختلفوا فى المأموم إذا كان قادراً على القيام خلف إمام

٤١٦
معارف السنن
ج -. ٣
لا يستطيع القيام على ثلاثة أقوال. فقال مالك: لا يصح اقتداؤه خلفه. وقال
أبو حنيفة والشافعى وأصحابها : يصح ويصلى قائماً . وقال أحمد ومن وافقه :
يصح ويصلى قاعداً . ثم إن ابن قدامة فى "المغنى" ذكر فى قعود المأموم عند
قعوه الإمام الوجهين: الوجوب والندب، فإن كان القعود مندويهاً فقل الإختلاف
إذن، وحكى فى " أوجز المسالك" عن " الروض المربع " الندب فقط.
وإذن الترجيح لمذهب الجمهور ظاهر كما سيتضح إيضاحاً .
وذكروا أن واقعة السقوط عن الفرس كنت فى السنة الخامسة . قال
الحافظ فى " الفتح" (٢ - ١٤٩): أفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت فى
ذى الحجة سنة خمس من الهجرة اهـ. ويأتى من الحافظ ما يعارضه، وما يختاره
الشيخ رحمه الله. وأقام فعَّ الّ فى المشربة فكان يصلى ثمه، ولم تقف فى رواية
على من كان إماماً فى المسجد النبوى فى هذه الواقعة. قال فى "العمدة" (٢ -
٧٤٧ ) : لكنه لم ينقل أنه استخلف، ومن ثمه قال عياض: إن الظاهر أنه صلى
فى حجرة عائشة واثتم به من حضر عنده ومن كان فى المسجد، وهذا الذى قاله
يحتمل؛ ويحتمل أيضاً أن يكون استخلف وإن لم ينقل آهـ . ومثله فى "الفتح"
. (٢ - ١٤٨). ثم إنه يدل ما فى "سنن أبى داؤه" و"مسند أحمد" على تعدد
واقعة الصلاة بأنها كانت مرتين ، وإنهم صلوا قياماً خلفه فى النافلة وقعوداً فى
المكتوبة بعد ما أومى إليهم بالقعود . أخرج أبو داؤد فى " سننه" من (باب
يصلى الإمام من قعود) (١ - ٨٩) من حديث جابر وفيه: ((فأتيناه نعوده فوجدناه
فى مشربة لعائشة رضى الله عنها يسبح جالساً قال: فقمنا خلفه فسكت عنا ،
ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالساً فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا
الخ)). وأخرجه ابن حبان فى "صحيحه» كما فى "نصب الرأية" (٢ - ٤٤)
و "العمدة"، وأخرجه ابن خزيمة فى " صحيحه" هما فى "الفتح" (٢ -
١٤٨)، وابن أبى شيبة كما فى " الكنز" (٤ - ٢٥٨)، ورواه البيهقى فى

٤١٧
بحث صلاة القائم خلف القاعد
"الكبرى" (٣ - ٨٠) والدار قطنى فى " سننه" (ص - ١٦٢) وإسناده صحيح
كما فى "الفتح" (٢ - ١٤٨). وكذلك استدل به الحافظ فى "الفتح" (٢ -١٥١)
على تعدد قصة الصلاة من النافلة فى المرة الأولى والمكتوبة فى الثانية . وأما
حديث أحمد فأخرجه فى " مستده" (٣- ٢٠٠) من حديث أنس بن مالك من
طريق يزيد بن هارون عن حميد عن أنس وفيه: ((فصلى بهم قاعداً وهم قيام،
فلما حضرت الصلاة الأخرى قال لهم: ائتموا بإمامكم فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً الخ))
وإسناده صحيح كما ترى . واستدل أحمد ومن وافقه بحديث الباب . وأجاب
الحنفية والشافعية ومن تابعهم بأنه منسوخ بحديث صلاته فى المرض الذی توفی فیه،
وإنها آخر صلاة صلاها رسول اللّه فَّلَهُ، وتأول بعضهم فى قوله: ((وإذا
صلى قاعداً فصلوا قعوداً)) بأنه إذا كان فى حالة القعود كالتشهد ونحوه فاقعدوا
كما حكاه العينى فى "العمدة" (٢ - ٧٤٩) والعراقى فى "شرح التقريب "
(٢ - ٣٣٨) قال: وحكاه ابن حبان فى " صحيحه" عن بعض العراقيين ممن
كان ينتحل مذهب الكوفيين الخ. وذكره فى " الفتح" (٢ - ١٥١ ).
وتعقبه ابن دقيق العيد فى " شرح عمدة الأحكام" وحكاه العراقى ثم البدر العينى
عنه. أنظر "شرح التقريب" و "العمدة" بأن هذا بعيد لأن سياق طرق الحديث
بأباه، ولأنه لو كان المراد بالجلوس فى الركن لقال: "وإذا جلس فاجلسوا" ليناسب
قوله: "وإذا سحد فاسجدوا"، فلما عدل عن ذلك إلى قوله : " وإذا صلى جالساً"
كان كقوله: "وإذا صلى قائماً" اهـ . وأجاب الحنابلة عنى قصة مرض الموت بأنه
لا حجة فيه حيث كان قعود الإمام طارئاً خلال الصلاة ، ولا يلزم حينئذ قعود
المأموم. قال الشيخ: ولنا أن نقول: لم يقم دليل على هذا الفرق بين القعود الإبتدائى
والطارئ بعده، وإنما هو زعم تزعمونه، لم يدل عليه نص من الشارع . قال العراقى
فى " شرح التقريب" (٢ - ٣٣٦). بعد ما نقل وبجه الجمع بين الروايتين
( ٢ - ٥٣ )

٤١٨
معارف السنن
ج - ٣
من الحنابلة : لكن إنما يقوى إذا ظهر لهذا الحمل وجه مناسب ، وإذا كان
المقتضى للجلوس وراء الإمام الجالس متابعته فى حالته التي هو عليها فلا فرق بين
أن يجلس فى ابتداء أو فى أثنائها، ثم إنه برده أن فى حديث عائشة وجير: «إنه
عليه السلام أشار إلى أصحابه بالقعود بعد أن كانوا ابتدءوا الصلاة قياماً )) إلا أن
يقال: كانوا قد لزمهم الجلوس لجلوس إمامهم بخلاف قضية اقتدائهم بالصديق،
فإن إمامهم فى ابتداء صلاته كان قائماً فكان القيام لازماً لهم فاستمروا عليه اهـ .
قال الراقم : وما أفاده العراقى لطيف لا يمكن دفعه ، وسيتضح ذلك إن شاء
الله أكثر من هذا .
قال الشيخ : وكنت أقول فى الجواب : بأن قصة حديث الباب واقعة
النقل غالباً . أى للمأمومین وإلا فقد تبين من رواية جابر عند أبىداود وغيره
ومن رواية أفس عند أحمد: أنه كان عَُّّ يصلى مكتوبة فى المرة الثانية. وإذا
كان القعود جائزاً للمتفل من غير عذر فكان المطلوب إذن التشاكل بين الإمام
والمأموم كما ذكر قاضى خان فى " فتاواه" مانصه: فإن صلى الإمام التراويح
قاعداً بعذر أو بغير عذر واقتدى به قوم قياماً قال بعضهم : يصح عند الكل
وهو الصحيح ، وإذا صح اقتداء القائم بالقاعد ، قال بعضهم : المستحب أن
يقعدوا احترازاً عن صورة المخالفة انتهى كلامه .
فهذا دليل على مرغوبية التشاكل بين الإمام والمأمومين ، قال الشيخ :
حتى رأيت أن ابن القاسم صاحب مالك حمل حديث الباب على النافلة . قال
الراقم : وقول ابن القاسم حكاه القاضى عياض عنه كما فى "العمدة" (٢ -
٧٤٩) و " الفتح" (٢ - ١٥١) غير أنه يرد عليه ما مر من حديث عند
أحمد وأنى داؤد من أن انثانية كانت مكتوبة وفيها أمر بالقعود . والجواب عنه
أنها كانت مكتوبة له بِّلهٍ ، وأما لهم فالغالب أنها كانت نافلة، فإن الظاهر
أنهم صلوا فى المسجد ثم حضروا للعيادة فوجدوه يصلى مكتوبة ، وعند الطحاوى

٤١٩
تحقيق جواز صلاة القائم خلف القاعد
أنها كانت ظهراً كما فى "شرح الآثار" (١ - ٢٣٤) (باب صلاة الصحيح
خلف المريض). أخرج حديث جابر من طريق أبي الزبير وفيه: ((قال:
صلى بنا رسول اللّه عَنْتَّ الطهر وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول اللّه ◌َ له كبر
أبوبكر ليسمعنا الخ))، والحافظ فى " الفتح" ذكره ظناً مستدلاً بحديث أنس
وفيه: ((فصلى بنا يومئذ)). قال الحافظ : فكأنها نهارية الظهر والعصر ،
ورده البدر العينى فى " الحمدة" بقوله: ولم لا يجوز أن تكون التى صلى بهم
يومئذ نفلآ اهـ. قال الراقم: وكأنه كبا نظرهما عن رواية الطحاوى وخفى
عليهما ما ظهر لشيخنا. قال: وهى كانت مكتوبة الظهر له عجّ ل فيحتمل أن
تكون لهم نافلة والله أعلم. قال الشيخ رحمه الله. فى "تعليقاته" على " الآثار"
بعد الإشارة إلى حديث الطحاوى ذلك: وهو عند النسائى ( ١ - ١٣٨) فى
الإنتمام بمن يأتم بالإمام إن لم يكن دخل حديث مرض الموت فى حديث السقوط
عن الفرس ، قال : أو المراد أنهم أعادوا الظهر نفلا وهذا أقرب آهـ.
وبالجملة فاقتدوا به فيها وهم متنفلون، وظاهر أن المسجد النبوى لابد أن تقام
فيه الجماعة فيصلون فيه ، لا أنه كان متروكاً فى هذه الصلاة لم يصلوا فيه .
وعلى كل حال المذكور هذا هو احتمال لا يشفى ، والبحث طويل ، وعجز
الحافظ ابن حجر فاعترف بأن المستفاد هو استحباب القعود دون الوجوب ،
واستدل له على حديث مرسل لعطاء وفيه: ((وصلى الناس وراءه قياماً فقال
النبى عَله: لواستقبلت من أمرى ما استدبرت ما صليتم إلا قعوداً فصلوا صلاة
إمامكم ما كان ، إن صلى قائماً فصلوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً، أنظر
"الفتح" (٢ - ١٤٨) ، وقد ساق مرسل عطاء فى سياق قصة مرض موت النبى
حَّله، وبه يتم ما يستفيد منه الحافظ، وإن حمل على وقعة السقوط، ثم على المرة الألى
كما تقدم فإذن لا حجة فيه للإستدلال على القعود، وليس ببعيد أن يدخل ألفاظ إحدى
القصتين فى الأخرى لتشا كلها فى أمور، فالتمسك برواية واحدة مرسلة فى أمر أساسي

٤٢٠
معارف السنن
ج - ٣
ثبت حكمه بنص مقطوع ليس بهين ، ويحتاج إلى ترو كثير وتفكير طويل ،
ثم ذلك فى حين ترى الروايات المتصلة المسندة المخرجة فى الصحاح خالية عن
ذلك ، علا أن مرسلات عطاء ليست عدادها عندهم فى المرسلات القوية،
بل ذكروا أنه ليس فى المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن
أبى رباح، كما فى "التدريب" وغيره، وذكره الخطيب فى " الكفاية"
(ص - ٣٨٨) والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
قال الشيخ: وفيه نظر فإن قوله ◌َّ ذلك لم يكن فى قصة مرض موته
بل إنما ذلك فى قصة السقوط عن الفرس، وقامت عليه قر أن عندى منها رواية
"جمع الجوامع" السيوطى. أقول: وبالأسف إن الشيخ أجمل الأمر هكذا ولم يبين
رواية "جمع الجوامع" و"جمع الجوامع" هو الذى بوبه الشيخ على المتفى مع زيادات
وسماه: "كنز العمال" فرجعنا إلى "كنز العمال" فوجدنا فيه (٤ - ٢٥٨) مرسل
عطاء برواية ابن جريج عنه مرموزاً إلى عبد الرزاق قال: ((اشتكى النبى حَالجه
فأمر أبا بكر أن يصلى بالناس فصلى النبى عَُّ للناس قاعداً وجعل أبابكر وراءه
بينه وبين الناس فصلى الناس وراءه قياماً فقال النبى حدّ﴾ الخ)» كما تقدم:
وأخرج فى " الكنز" ( ٤ - ٢٥٦) فى المسبوق عن ابن جريج عن عطاء
مرموزاً إلى عبد الرزاق: ((كان الناس لا يأتمون بإمام إذا كان لهم وتروله شفع
يقومون وهو جالس ويجلسون وهو قائم حتى صلى ابن مسعود وراء النبى حدّ؟
قائماً فقال النبى عٍَّ: إن ابن مسعود سن لكم سنة فاستنوا بها ١هـ)). فلعل
الشيخ يريد إن الإقتداء بقيام الإمام وقعوده إنما هو فى مثل صلاة المسبوق
حيث لم يكونوا يقتدون الإمام فى هيئته ، فربما يكون أحدهم قائماً والإمام
قاعداً وبالعكس، فأمرهم النبى فّلهٍ باقتداء حال الإمام قياماً وقعوداً بعد ما استن
لهم عبد الله، وإذن لابد أن يكون دخل كلمات من قصة فى قصة كما ذكرت
بنابقاً. ثم رأيت للشيخ كليمات فى "تعليقه" على " الآثار": وأما مرسل.