النص المفهرس
صفحات 361-380
بيان معنى القطع وتخصيصه بالكلب وغيره ، والصلاة فى الثوب الواحد ٣٦١ ( باب ما جاء فى الصلاة فى الثوب الواحد ) حدثنا قتيبة نا الليث عن هشام - هو ابن عروة - عن أبيه عن عمر بن تفصيله فى " المقاصد الحسنة" ( ص - ١١٨). وأما الحمار فنهيقه عند رؤية الشيطان كما روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر، وفيه: ((وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنه رأى شيطاناً)) فلكل من الثلاثة نحو علاقة بالشيطان ، فإن قيل : الشيطان نفسه لو مر بين يدى المصلى لم تفسد صلاته كما ورد فى "الصحيح" فى حديث التثويب بالصلاة: ((فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرأ ونفسه))، وفى حديث آخر فى "الصحيح": ((إن الشيطان عرض لى فشد على)). وفى حديث آخر عند النسائى: ((فصرعته فخنقته)) وغير ذلك مما يدل على ذلك ، فما بال الكلب الأسود أو المرأة المشبهان بالشيطان . قلت: يمكن أن يقال: إن ذلك أمور معنوية، والمرأ مكلف بالأمور. الحسية التى هى فى مقدرته ، فالإنسان يقدر على أن بدرأ الحمار والمرأة والكلب، وكل منها حسى ولا يقدر أن يدرأ أمراً غير حسى إلا بما أرشد إليه الشارع ، فلكل شئ وظيفته ولكل حين شغله . وبالجملة فالمرأ غير مكلف فى الشرع بما لا يطيقه ، ومسألة إمكان ذلك خلافية بين المتكلمين وكلامنا فى الوقوع لا غير. وبالجملة فالشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم فكيف يأمن من مروره وخطوره بخلاف ما هو كالشيطان فى الحبث والأذى من الأمور الحسية المقدورة والله أعلم بالصواب . وفى " الدر المنثور" (٤ - ١٨٤): أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضى الله عنهما: (( كل شئ يسبح بحمده إلا الحمار والكلب)) فهذا ما يدل على أن الحمار والكلب لا يسبحان . -: باب ما جاء فى الصلاة فى الثوب الواحد :- حاصل حديث الباب كما قال الطحاوى ما ملخصه : أن غرض الشارع ( ٢ - ٥٥ ) ٠ : ٣٦١ معارف السنن ج ـ ٣ فى سلمة: ((أنه رأى رسول اللّه عَ لّ يصلى فى بيت أم سلمة مشتملة فى ثوب واحد )) . أن لا يبقى الثوب مهملاً من غير فائدة بل يتوشح به إذا كان واسعاً . وانظر تفصيله فى ( باب الصلاة فى الثوب الواحد) من " شرح الآثار" (١ - ٢٢١) وما بعدها، وتلخيصه بلفظ الحافظ فى " الفتح" (١ - ٣٩٩) مانصه: وجمع الطحاوى بين أحاديث الباب بأن الأصل أن يصلى مشتملاً فإن ضاق ازر اهـ . قال : ونقل الشيخ تقي الدين السبكى وجوب ذلك عن نص الشافعى واختاره ، لكن المعروف فى كتب الشافعية خلافه الخ . ثم إن مذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمة جواز الصلاة فى ثوب واحد من غير كراهة وإن كان قادراً على الثوبين إلا عند أحمد وطائفة من أهل العلم، فإنه تكره عندهم عند القدرة على الثوبين. أنظر "العمدة" (٢ - ٢٢١). والتوشح هو المخالفة بين الطرفين، ويسمى الالتحاف والاشتمال أيضاً، وكل هذه الألفاظ الأربعة ورد فى طرق حديث الباب وحديث جابر فى الباب فى الأمهات الست ، وتجدها مجموعة فى " شرح معاني الآثار" للطحاوى. وكذلك فسر بذلك فى " صحيح البخارى" من قول الزهرى. وفى " العمدة" (٢ - ٢١٩). قال ابن سيدة : التوشح أن يتوشح بالثوب ثم يخرج الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقد طرفيها على صدره .... وقال ابن بطال: وفائدة هذه المخالفة فى الثوب أن لا ينظر المصلى إلى عورة نفسه إذا ركع . قلت : يجوز أن يكون الفائدة أيضاً أن لا يسقط إذا ركع وإذا سجد انتهى كلام " العمدة". فيتوشح به إذا كان أوسع ويعقده على القفا إذا كان وسيعاً وإلا فیزر . فكانت ثلاث صور فى أصنافه الثلاثة ، ثم العقد على القفا صرح به فى حديث سهل فى "صحيح البخارى" وغيره قال: ((كان رجال يصلون مع النبى ◌َلّ عاقدى أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان الخ ) . ٣٦٣ بيان معنى الاشمال والصلاة فى الثوب الواحد وبيان الأقوال فيه وفى الباب عن أبى هريرة ، وجابر، وسلمة بن الأكوع . وأنس، وعمرو بن أبى أسيد. وأبى سعيد، وكيسان، وابن عباس، وعائشة، وأم هانئ، وعمار بن ياسر، وطلق بن على ، وعبادة بن الصامت الأنصارى . قال أبو عيسى: حديث عمر بن أبى سلمة حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبى ◌َّةٍ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا: لا بأس بالصلاة فى الثوب الواحد . وقد قال بعض أهل العلم : يصلى الرجل فى ثوبين . وأما اشمال الصماء وهو اشتمال اليهود فقد صرح الحنفية بكراهته ، وهو أن يشتمل فى الثوب الواحد ، ولفظ الزيلعى شارح "الكنز" كما فى "رد المحتار»: وقيل: أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه إزار وهو اشتمال اليهود آهـ. وله تفسير آخر كما قاله ابن عابدين وغيره: أن يأخذ بثوبه فيخلل به جسده كله من رأسه إلى قدمه ولا يرفع جانباً يخرج يده منه سمى به لعدم منفذ يخرج منه يده كالصخرة الصماء اهـ. ثم النهى عن اشتمال الصماء منصوص فى حديث أبى هريرة وأبى سعيد فى "صحيح البخارى" وغيره، وفيه اختلاف فى تفسيره فليراجع "العمدة" و"الفتح" و"المغنى" (١-٦٢٦). ورجح ابن قدامة تفسير الفقهاء وقال: والفقهاء أعلم بالتأويل اهـ. ولا بأس به فى الثوبين، ويستدل له بما فى "سفن أبى داؤد" فى حديث وائل بن حجر: ( باب تفريع استفتاح الصلاة) ( ١- ١٠٥) ((فكان إذا كبر رفع يديه، قال: ثم التحق ثم أخذ شماله بيمينه وأدخل يديه فى ثوبه الخ)) وبما يدور بالبال أن المتبادر أن هذا الإلتحاف هو التغطى والتستر لا مخالفة الطرفين والله أعلم ومذهب أحمد ابن حنبل فساد الصلاة بكشف المنكبين جميعاً إذا كان الثوب واسعاً يمكن به الستر ، كذلك مذهبه فى "المغني" (١ - ٦٢٣) وذكر أن مذهب مالك والشافعى وأصحاب الرأى وأكثر الفقهاء أنه لا يشترط ذلك . واعلم : أنه تستحب الصلاة فى ثلاثة أثواب : الرداء والإزار والعمامة ، ٣٦٤ معارف السنن ج - ٣ ( باب ما جاء فى ابتداء القبلة ) حدثنا هناد نا وكيع عن اسرائيل عن أبى اسحاق عن البراء بن عازب قال : (( لما قدم رسول اللّه وَالجُ المدينة صلى نحوبيت المقدس أو القميص والسراويل والعمامة ، صرح به فى " البحر" وغيره من شروط الصلاة ولا نكره الصلاة من غير عمامة ولو كان إماماً لا تحريماً ولا تنزيها ، وقد صرح الفاضل اللكنوى فى "عمدة الرعاية" أن القول بالكراهة إذا كان الإمام مكتفياً بالقلنسوة والمؤتم معتماً من قول العوام فلاعبرة به . سمعت شيخنا رحمه الله سنة ( ١٣٤٧ هـ ): أنه لم يصرح أحد بكراهة صلاة الإمام إذا لم يكن معتماً بعمامة إلا صاحب " الفتاوى الأمينية" فإنه صرح بكراهة التنزيه . ثم قال شيخنا : يخص ذلك بالبلاد التى جرى العرف فيها بكون الإمام معتماً انتهى كلامه . -: باب ما جاء فى ابتداء القبلة -: أى كيف ومتى فرض التوجه إلى القبلة فى الصلاة بعد الهجرة إلى المدينة. والقبلة فى الأصل اسم للحالة التى عليها المقابل نحو الجلسة، وقيل: هى الجهة التى يستقبلها الإنسان. والعرب تقول: ((ما له قبلة ولا دبرة)) إذا لم يهتد لجهة أمره، ثم صار فى العرف علماً للمكان الذى يتوجه إليه المصلى من عين الكعبة أو جهتها . هذا ملخص ما فى " بغية الأربب فى مسائل القبلة والمحاريب " ( ص - ٢٥) من تأليف الراقم ولتراجع للتفصيل . قوله : بيت المقدس ، المقدس مفعل بكسر الدال من المجرد أى بفتح الميم وسكون القاف ، مصدر ميمى كالمرجع ، أو اسم مكان من القدس، والمشهور فيه الإضافة ، ثم قيل: فيه إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع ، وجاء المقدس بوزن صيغة المفعول من التفعيل ، وبصيغة إسم الفاعل منه ، فالتركيب ٣٦٥ تحقيق وقوع النسخ فى القبلة وهل هو مرة أو مرتين توصيفى لفظاً ومعنى، أو إضافى لفظاً توصيفى معنى . هذا ملخص ما فى " العمدة" (١ - ٢٨٢ و٢٨٣) وغيرها. اختلف العلماء فى نسخ القبلة، هل وقع مرة أو مرتين ؟ فطائفة إلى الثانى بأن الكعبة كانت قبلة بمكة ثم نسخت عند مقدم المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً وأمر بالتوجه إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك بالاستقبال إلى الكعبة زادها اللّه شرفاً . وطائفة إلى الأول بأن القبلة كانت قبل الهجرة بمكة القدس أيضاً غير أنه لم يظهر ذلك لأنه كان عليه السلام يقف بحيث يستقبلها معاً ، ذكر القولين السهيلى فى "روض الأنف"، ثم الحافظ فى " الفتح" (١ - ٩٠ ). وانظر بعض تفصيله فى " بغية الأريب" (ص - ١٤٤) وما بعدها . وفى استقبال بيت المقدس بمكة يحكى الزهرى خلافاً فى أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره بأن يكون الميزاب خلفه ، أويجعلها بينه وبين بيت المقدس بأن يصلى بين الركنين اليمانيين، كما فى "الفتح" (١ - ٩٠) وعلى هذا فالقول باستقبالهما معاً توفيق بين القولين على أحد الوجهين، ويؤيده رواية قوية عن ابن عباس قال: ((كان رسول اللّه ◌َ الّ يصلى وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه)). رواه أحمد والطبرانى فى "الكبير" والبزار قال الهيثمى فى "الزوائد": ورجاله رجال الصحيح. وكذا ما ورد فى "صحيح البخارى" فى (باب الفرق) من كتاب اللباس عن ابن عباس قال: ((كان النبى عَ ل﴾ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه اهـ)) (٢ - ٨٧٧) . وما عدا ذلك من روايات ، غير أنه يرد عليه ما ورد فى طرق حديث إمامة جبريل عنه باب البيت ، ومعلوم أن البيت شرق فالتوجه إلى المغرب فكان القدس عن يمين المصلى إذن ، والحديث رواه الشافعى والطحاوى فى " المشكل" والبيهقى. أنظر بعض تفصيله فيما تقدم فى المواقيت أنه أمه عند باب الكعبة ، وإذن لا يمكن استقبال القدس ولم يتوجه إليه أحد ، نعم فى "الفتح" (١ - ٩٠): ويؤيد ٣٦٦ معارف السنن ج - ٣ حله -- أى استقبال الكعبة بمكة ـ على ظاهره إمامة جبريل، ففى بعض طرقه أن ذلك كان عند باب البيت اهـ ، لكنه لم يفصل النزاع القائم بقول فصل، ويقول ابن كثير فى "تفسيره" (١ - ٣٢٩) على هامش "فتح البيان": وحاصل الأمر قد كان رسول اللّه عَّ أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلى بين الركنين فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما فأمره اللّه بالتوجه إلى بيت المقدس ، قاله ابن عباس والجمهور آهـ . قال الراقم : والذى تنقح عندى أمام الروايات. والأقوال المأثورة عن السلف أن القبلة كانت هى الكعبة ، وهى القبلة الإبراهيمية . وهى التى عليها الأمة القرشية جمعاء الذين كانوا يدعون التدين بالملة الإبراهيمية . ولم تكن من الحكمة والمصلحة أن يؤمر بالتوجه إلى بيت المقدس ويولى ظهره إلى الكعبة ، بل الحكمة كانت داعية إلى استقبال الكعبة كما كانت هى داعية إلى استقبال القدس فى المدينة ابتداء تأليفاً لليهود ، وعلى ذلك وقع حديث إمامة جبريل لإظهار أن الغرض فى التولى إلى القبلة الكعبة نفسها. ثم إن النبى معَ الّ اختار اجتهاداً منه أن يقف بين الركنين أحياناً أو دواماً جمعاً بين الفضيلتين ، وقد حكى القرطبى فى "تفسيره" (٢ - ١٣٧) عن الحسن وأبى العالية وعكرمة: أن التوجه إلى بيت المقدس كان عن رأى واجتهاد منه فضَّ ل﴾. والأولى أن يحمل ذلك على عهد مكة ابتداء لا فى مقدم المدينة، فإن سياق القرآن الكريم يأبى عن ذلك، فإنه إذا كان استقبال القدس باجتهاد منه عند قدوم المدينة فكيف يرضى غيره حيث يقول سبحانه وتعالى: ( فلنولينك قبلة ترضاها ) . وبالجملة لا حاجة إلى الفرار عن النسخ مرتين والتكلف بتأويل نص صريح فى الباب، وأى حرج فى النسخ مرتين إذا جاز مرة لمصلحة وحكمة ، فلا مانع من أن يصبح شئى سبباً للنسخ ثانياً كما أصبح سباً فى الأول ، نعم القول ٢٦٧ تحقيق النسخ فى القبلة وإن الكعبة قبلة الأنبياء بتقليل النسخ أولى إذا لم يلزم منه خلاف الأولى فى أمور أخرى . والحاصل أنه لابد أن يقال هناك نسخان نسخ سنة بسنة ونسخ سنة بقرآن ، على أن استقبال اليهود الصخرة عند بعضهم لم يكن عن وحى بل كان لأجل أن تابوت السكينة كان عليها فلما رفع توادعوا وتشاوروا واصطلحوا على استقبال الصخرة من بيت المقدس ، وإن الكعبة هى قبلة الأنبياء جميعهم كما فى " بدائع الفوائد" و "السيرة الحلبية" و" نسيم الرياض" وغيرها، أنظر " بغية الأريب» (ص - ١٤٧) وما بعدها، وأيضاً يشكل القول عليه بأن عادته تعالى تخصيص كل قوم بقيلة وشريعة ، وأيضاً بأباه سياق النصوص، وابن القيم نفسه يعترف فى "هداية الحيارى" و"بدائع الفوائد": بأن بيت المقدس قبلة داؤد، وقبلة من قبله من الأنبياء الكعبة، وفى "شرح المواهب" (١ - ٣٩٩) ما يدل على أن بين العلماء خلافاً فى أن قبلة الأنبياء كلهم هل هى الكعبة أو بيت المقدس فليلاحظ . ثم سمعت شيخنا العثمانى شارح "مسلم" يقول: إن استقبال النبى عَّالِ الكعبة فى الصلاة وكذا إمامة جبريل عند باب البيت لم يكن عن تشريع خاص ، وإنما كان ذلك قبل نزول حكم يتعلق باستقبال قبلة ، فكان يستقبل الكعبة لأنه كان قبلة ابراهيم عليه السلام وقبلة قريش كلهم. فأحب أن تكون الكعبة قبلته اقتداءً بابراهيم عليه السلام ولم يكن منها مانع، ثم نزل الأمر باستقبال القدس وكان خلاف ما يرضاه طبعاً فكان تشريعاً له فى القبلة ، غير أنه لما كان من السهل أن يستقبلهما معاً كان يستقبلها، واستمر على ذلك إلى مقدم المدينة ، ثم لم يكن من الممكن استقبالهما معاً فى المدينة، وكان يشق عليه ذلك طبعاً كما يشير إليه سياق آيات القبلة ، ثم نسخ ذلك بالتشريع إلى استقبال الكعبة فكان النسخ مرة، وأيده حديث ابن عباس عند أبى داؤد كما تقدم ولم يكن حديث إمامة جبريل مزاحماً لهذا ، لأنه كان عمل على إباحة أصلية سابقة لم يكن فيه تشريع جديد ٣٦٨ معارف السنن ج - ٣ ستة أو سبعة شهراً، وكان رسول اللّه فَلّ يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل بعد والله أعلم. ثم رأيت فى " فيض البارى" (١ - ٣٣) أن شيخنا رحمه اللّه صاحب " الأمالى" اختار أن القبلتين كانتا على تقسيم البلاد ، فالكعبة كانت قبلة لبنى اسماعيل ، وبيت المقدس لبنى اسرائيل بالشام وبالمدينة ، فاستقبل 00 الكعبة بمكة وبيت المقدس بالمدينة تبعاً لسنة جرت قبل ذلك ، ولم يكن ذلك عن تشريع خاص له ثم نزل الأمر باستقبال الكعبة بتاتاً ، وراجعه للفصيل والله أعلم بالصواب . وبالجملة فقد تنقحت هناك أقوال أربعة ، والأدلة فى الكل تكاد تكون متكافئة غير أن الراجح عندى إلى الآن هو ما ذكرته، والعلم عند الله تعالى . وبالحملة الفرار من النسخ مرتين يوقع فى عدة إشكالات ، والنسخ مرتين بل ثلاثاً له نظائر فى الصلاة والصيام فلا استبعاد مع أنه إذا كان استقبال الكعبة قبل الهجرة بعادة البلاد والأقوام كما أشار إليه إمام العصر شيخنا ، وكذا شيخنا العثمانى رحمهما الله، فيه مخلص من النسخ مرتين ويكون النسخ مرة واحدة فقط والله ولى التوفيق . قوله : ستة أو سبعة عشر شهراً الخ. الروايات الواردة فى اختلاف العدد كلها تبلغ إلى نحو عشرة ، ذكرها البدر العينى والشهاب العسقلانى والزرقانى ، والصحيحة منها ثلاثة والبقية شاذة لا عبرة لها . أما الصحيحة فرواية الشك من طريق الزهرى عند البخارى ، ومن طريق اسرائيل عند الترمذى والبخارى كلاهما عن أبى إسحاق، ووقع عند مسلم من طريق أبي الأحوص عن أبى اسحاق: ((ستة عشر شهراً)) من غير شك، ومثله عند النسائى وأبى عوانة وغيرهما ، ووقع عند أحمد بسند صحيح من حديث ابن عباس: (( سبعة عشر شهراً)). فاختلفوا فمنهم من اختار الترجيح ومنهم من ذهب إلى الجمع ، ثم من ذهب إلى الترجيح اختلفوا؛ فجزم النووى بصحة "ستة عشر"، والقاضى ! تمحيص الروايات فى مدة استقبال بيت المقدس وبيان محل التحويل ٣٦٩ الله تعالى: ( قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فوجه إلى الكعبة ، وكان يحب ذلك، عياض بصحة "سبعة عشر". وجمع البدر والشهاب بأن من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً وألغى الأيام الزائدة فيه ، ؛ من جزم بسبعة عشر عدهما معاً، ومن شك تردد فى ذلك . وذلك أن القدوم كان فى ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل فى منتصف رجب من السنة الثانية على الصحيح عند الجمهور، وذلك قبل بدر بشهرين ، لأن بدراً كانت فى رمضان من السنة الثانية. وانظر التفصيل فى "العمدة" (١ - ٢٨٥) و""فتح" (١ - ٨٩) و "الزرقانى على المواهب" (١ - ٣٩٩ و ٤٠٠ ) . قوله: تقلب وجهك فى السماء، كان التفائه بَخّ إلى السماء فى الصلاة لأجل ضرورة ، وهو التطلع إلى الوحى والإنتظار إلى نزول جبريل ، ويحتمل أن يكون هذا التقلب فى السماء يكون خارج الصلاة لا فى الصلاة وهو الظاهر ، فلا يرد ما فى مسلم من النهى عنه - والله أعلم - فى (باب النهى عن رفع البصر إلى السماء فى الصلاة ) من حديث جابر بن سمرة وأبى هريرة مرفوعاً، ولفظ حديث جابر: ((لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم، إلى السماء فى الصلاة أو لا ترجع إليهم اهـ)» . واختلفوا فى تعيين موضع التحويل: فقيل: هو مسجده عَ لّ بالمدينة، وقيل : هو مسجد القبلتين، وهو التحقيق. قال الحافظ فى " الفتح" (١ - ٩٠): والتحقيق أن أول صلاة صلاها فى بنى سلمة لما مات بشر بن البراء ابن معرور الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوى العصر، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء اهـ. وقال ابن كثير فى "تصب بره": وذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن تحويل القبلة نزل على رسول الله عَ لٍ وقد ( م - ٥٦ ) ٣٧٠ معارف السنن ج - ٣ صلى ركعتين من الظهر ، وذلك فى مسجد بن سلمة فسمى "مسجد القبلتين". الخ . واختار كذلك ابن سعد والواقدى ثم ابن عبد البر أن التحويل وقع فى صلاة الظهر فى بنى سلمة كما فى "شرح المواهب" و "فتح البارى" وغيرهما . وقول الواقدى وروايته حجة فى المغازى والسير كلها . وانظر تفصيل الروايات الواردة فى الباب فى "الوفا" (١ - ٢٥٦ وما بعدها و٢ - ٤٨) فاستدار النبى معَّ ◌َّ وأصحابه إلى الكعبة عن بيت المقدس فى الصلاة، ووقع بيان كيفية التحول فى حديث تويلة بنت أسلم عند ابن أبى حاتم وقالت فيه: (( فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الجرام)) ذكره الحافظ فى " الفتح" وابن كثير فى " التفسير ". وتويلة بالتاء المثناة الفوقانية ، وقيل: بالنون كما فى "الإصابة" ، ووقع فى "الفتح" بالثاء المثلثة خطأٌ فى الطبع. وقال الحافظ برهان الدين الحلبى الشافعى (١) فی شرح له علی "البخاری": إن التحويل وقع فى ر کوع الثالثة، حکاه الزر قانی فی "شرح المؤطا" عنه، وحكاه فى "شرح المواهب" (١ - ٤٠٣) عن النور، والسيوطى فيه كلام ذكره صاحب "روح المعانى" (٢ - ١٠ ) طبع المنيرية، وحاصله رد وقوع التحويل فى صلاة الظهر فى بنى سلمة ولم يكن فيه عَ لَه إماماً ، واختار ما فى حديث أبى سعيد بن المعلى عند النسائى فلبراجع ، وذكر أنه أقوى فى الباب فلا يعول على خلافه . قال الراقم : حديث أبى سعيد بن (١) هو الشيخ ابراهيم بن محمد الحلبى المعروف " بسبط بن العجمى" توفى سنة ٨٤١ - ٨ وسمى شرحه " التلقيح لفهم قارئ الصحيح" كما فى "كشف الظنون ". وانظر ترجمته فى " شذرات المذهب" ( ٧ - ٢٣٧ ) و " ذيول تذكرة الحفاظ" (ص - ٣٠٨) وما بعدها. و"الضوء اللامع" وغيرها. وهو شافعى كما فى " ذيل السيوطى لطبقات الحفاظ" لا حنفى كما فى تعليقات " فيض البارى" . ٣٧١ بيان المساجد التى وقع فيها التحويل فصلى رجل معه العصر ثم مر على قوم من الأنصار وهم ركوع فى صلاة المعلى الطويل لم يخرجه النسائى فى "الصغرى" إلا قوله: ((كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول اللّه بح كي فنمر على المسجد فنصلى فيه)). فلعل حديثه الطويل مع القصة فى "الكبرى"، وعزاه الهيثمى فى "زوائده" (٢ - ١٣) إلى البزار، والطبرانى فى " الكبير"، ثم ذكر أن فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث ضعفه الجمهور، فإذن لا حجة السيوطى فيه، وأما ما استدل على حديث أنس عند أبى داؤد وفيه: ((مررجل من بنى سلمة فناداهم وهم ركوع الخ )) فلعل فيه خطأ ، والصحيح ما فى مسلم فى "صحيحه" وكذا أبو داؤد فى " سننه" فى (باب من صلى لغير القلبة ثم علم) (١ - ١٤٩): ((مررجل من بنى سلمة فناداهم الخ ))، ولا يلزم أن يكون مروره بمسجد بن سلمة حتى يلزم المحذور ، بل محتمل أن يكون هو مسجد آخر كمسجد بنى حارثة أو قباء . وبالجملة فما اختاره الحافظ يكاد يكون أقوى سنداً ومتناً مما اختاره السيوطي والله أعلم . قوله: فصلى رجل معه العصره . أى فى المسجد النبوى بعد ما وقع التحويل فى الظهر فى مسجد القبلتين . قوله : على قوم من الأنصار ، قال فى " العرف الشذى": أى فى مسجد بنى عبد الأشهل ولم أر من ذكره، واختار الحافظ فى "الفتح" (١ - ٤٢٤) أن ذلك فى مسجد بنى حارثة داخل المدينة ، وذلك فى أول يوم النسخ ، ثم رأيت قصة مسجد بنى عبد الأشهل فى "الوفا" (١ - ٢٥٧) وليس فيه تعيين الصلاة، والظاهر أنه العصر : وذلك الرجل المار هو : عباد بن بشر، قاله ابن عبد البر وابن بشكوال: وقيل : هو : عباد بن نهيك ، وقيل : عباد ابن وهب، وقيل : عباد بن نصير، ذكر الحافظ الأولين، والهدر العينى الثلاثة الأول، والزرقانى الأربعة . ثم إنه هو الذى أخبر أهل قباء أو غيره، وجنح الحافظ ٣٧٢ معارف السنن ج - ٣ العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول اللّه عَِّ لّ وإنه قد وجه إلى الكعبة . قال: فانحرفوا وهم ركوع)). فى "الفتح" (١ - ٤٢٤) إلى التعدد والله أعلم. وذكر أصحاب السير أى ابن هشام وغيره، واختاره ابن سعد والواقدى وغيرهما كما تقدم أن أول صلاة وقع فيها التحويل صلاة الظهر. وفى رواية "الصحيحين": أنها العصر، ووفق المحدثون بينها: بأن الظهر وقع التحويل فى وسطها ، وصلاة العصر أول صلاة أديت كاملة بعد التحويل، فلا تنافى بينهما ، كذا جمع الحافظ البدر العينى والحافظ الشهاب العسقلانى فى " شرحى الصحيح" فى الإيمان وفى الصلاة. ثم إن فى رواية الباب: ((مر رجل على قوم من الأنصار فى صلاة ٠ العصر)) وفى رواية أخرى: ((فى صلاة الفجر))، والجمع بينهما بأن قصة العصر فى مسجد بن حارثة ، وقصة الفجر فى مسجد آخر وهو مسجد قباء ، نقدم ما يتعلق به والروايتان كلتاهما أخرجه الترمذى فى الباب ، وأخرجها الشيخان كذلك . قوله : فانحرفوا وهم ركوع، وتصويره كما قال الحافظ فى "الفتح " ( ١ - ٤٢٤) أن الإمام تحول عن مكانه فى مقدم المسجد إلى مؤخره لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس وهو لو دار فى مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف ، ولما تحول الإمام تحول الرجال حتى صاروا خلفه وتحول النساء حتى صرف خلف الرجال . قال الحافظ: وهذا يستدعى عملا كثيراً فى الصلاة . ويحتمل فيحتمل أن يكون وقع ذلك قبل تحريم العمل المذكور . أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة ، أولم تتوالى الخطأ عند التحويل بل وقعت متفرقة والله أعلم اهـ . بحث وتحقيق : فى حديث الباب إشكال أصولى بأن الخبر المقطوع به . لا ينسخ بأخبار الآحاد، وكان حكم استقبال بيت المقدس فى الصلاة قطعياً لأهل بحث العمل بخبر الواحد والنسخ به وحكم أحاديث الصحيحين ٣٧٣ وفى الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وعمارة بن أوس، وعمرو بن عوف المزنى، وأنس. قال أبوعيسى : حديث البراء حديث حسن صحيح . وقد روى سفيان الثورى عن أبى اسماق . مسجد قباء وبنی عبد الأشهل أو مسجد بنی حارثة ، فکیف تركوه بخبر رجل واحد لا يفيد القطع، ومن ههنا استدل القاضى أبوبكر الباقلانى والباجى والغزالى وحدة من المحققين أن العمل بخبر الواحد مقطوع به . أنظر " العمدة" ( ١ - ٢٨٨). قال شيخنا : وأجاب عنه الحافظ زين الدين العراقى كما حكاه الحافظ فى "الفتح" بقوله: وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزاً فى زمنه في كل مطلقاً وإنما منع بعده . قال الحافظ : ويحتاج إلى دليل . والصحيح فى الجواب عندى أن أخبار الآحاد نفيد القطع إذا احتفت بالقرائن كما نشاهد ذلك فى عرفنا فى أمور كثيرة. قلت : وبه أجاب فى "الفتح" (١ - ٤٢٥) فذكره وقال: فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم اهـ . وقال فى " شرح النخبة": الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم خلافاً لمن أبى ذلك اهـ. قال الشيخ: ومن هناك أقول: أن أحاديث "الصحيحين" تفيد العلم القطعى لأهله ، غير أنه لا بحيث لا يزول بتشكيك المشكك لا كما يقول الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح حيث قال : إن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته والعلم القطعى حاصل فيه ، وقد اشتد افكار ابن برهان على ما قاله، وخالف ابن الصلاح النووى وهو تلميذه، وكذا خالفه ابن عبد السلام وجمهور المحدثين ، غير أنه وافق ابن الصلاح طائفة من المحدثين من أرباب المذاهب المختلفة كأنى اسحاق وأبى حامد الإسفرائينيين ، وأبى الطيب ، وأبى اسحاق الشيرازى من الشافعية ، والسرخسى من الحنفية ، والقاضى عبد الوهاب من المالكية ، وأنى يعلى . وأبى الخطاب وابن الزغوانى من الحنابلة ، ولذا قال الحافظ ابن حجر : فقد وافق ابن الصلاح أيضاً محققون كما فى "التدريب" (ص - ٤٢). والحافظ برهان الدين البقاعى من أرشد ٣٧٤ معارف السنن ج - ٣ حدثنا مناد نا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: ( كانوا ركوعاً فى صلاة الصبح)). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح . أصحاب ابن حجر ألف فيه كتاباً سماه: ((الإفصاح فى المحاكمة بين النووى وابن الصلاح)) . وكلام ابن حجر فى "شرح النخبة" صريح فى إفادة ما أخرجه الشيخان العلم النظرى وجعل الخلاف لفظباً بعد التحقيق ، لكن رد ذلك بأن الخلاف معنوى. أنظر " شرح الألفية" للعراقى والتعليقات عليه (١ - ٢٧) و "التدريب" (ص - ٤١ و ٤٢). نعم ربما يختلف ذلك العلم فى أحاديث بسيرة. قال العراقى فى "شرح ألفيته" (١ - ٢٨)): ولما ذكر ابن الصلاح أن ما أسنداه مقطوع بصحته . قال : سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد كالدار قطنى وغيره، وهى معروفة عند أهل هذا الشأن انتهى آهـ . قال الراقم: وقد تصدى للجواب عنها الحافظ العراقى فى كتاب مستقل، والحافظ ابن حجر فى مقدمة "الفتح"، ومع هذا نزل مرتبة هذه عن التى لم يتكلم فيها أحد وقلقاها الأمة بالقبول كافة وإن كان الصواب فيما ذهب إليه الشيخان فى ذلك أيضاً والله أعلم. قال الشيخ: وذلك مثل حديث " ثمن البعير فى ليلة البعير". قال الراقم: أشار به إلى حديث جابر: ((أنه كان يسير على جمل له قد أعيا الخ)) أخرجه البخارى فى نحو عشرين موضعاً من " صحيحه" منها فى (باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى) من كتاب الشروط (١- ٣٧٥) وفيه اختلاف شديد فى ثمن البعير ما لا يكاد ينفصل . وبالجملة فهكذا يفعل من يكون له مراس وتجربة بأحوال الرجال وذوق بالروايات وحذاقة فى الفن . بحث آخر: قال الجمهور: إن حكم الناسخ لا يثبت فى حق المكلف حتى يبلغه . تقدم تفصيله فى (باب ما جاءكم فرض الله على عباده من الصلوات) فراجعه . وقال بعضهم: لا حاجة إلى تبليغ المكلفين، وإنما يكفى نزوله على الشارع ٣٧٥ بحث العمل بالمنسوخ قبلى العلم بالتاسخ وباب القبلة ( باب ما جاء أن مابين المشرق والمغرب قبلة ) حدثنا محمد بن أبىمعشرنا أبى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة عليه السلام ، وعلى هذا فيشكل أن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك بصلوات - أى صلاة العصر والمغرب والعشاء فى أول يوم النسخ - ثم هذا الإشكال على القول الثانى لا الأول، بل دليل الجمهور هو قصة صلاة أهل قباء حيث لم يؤمروا بالإعادة مع نزول الحكم قبل إعلامهم. أنظر " فتح البارى" (١ - ٤٢٥). نعم إن قلنا يكفى مبفيغه أحداً من المكلفين فيلزم كلهم كما هو مذهب لبعضهم فيشكل عليهم أيضاً كما أشكل على الفريق الثانى . وراجع ما فصلناه فى ( باب فرض الصلوات ) وجوابه: أن أمثال هذه الضوابط يعمل بها بعد زمنه فَّ لمِ، وأما فى عهده عَلّ فله أن يفعل كما شاء والتشريع أمره مفوض إليه، ويدل على ذلك عدة وقائع فى عهده عَ﴾ تقدم بيان بعضها فليراجع. ويحتمل أن يقال: إن العمل بتلك الضابطة كان يجب عليهم إذا لم يتكلف الشارع أخبارهم بذلك خاصاً بإرسال رسول إليهم ، وأما إذا تصدى لأخبارهم وتكلف بعث رجل إليهم ليخبرهم، فإذن لا يلزمهم شئى قبل بلوغ الأمر إليهم ، ودل على ذلك رواية الدار قطنى فى "سننه" من حديث أنس بن مالك (ص - ١٠٢): (جاء منادى رسول اللّه ◌َلي فقال: إن القبلة قد حولت إلى الكعبة الخ)) وحديث أنس هذا أخرجه أحمد ومسلم وأصحاب السنن بلفظ غير هذا اللفظ . فعلم أنه بعث إلى الناس رسولاً يعلمهم بذلك فلا يلزم شئى قبل الإعلام فإذن انحل الإشكال . -: باب ما جاء أن مابين المشرق والمغرب قبلة (١ ) :- اختلفوا فى مراد الحديث ، والصحيح أن المذكور فيه قبلة أهل المدينة (١) من شاء أن يقف على شرح هذا الحديث سنداً ومتناً ثم حديثاً وفقهاً بكل دقة فليراجع إلى ما ذكرناه فى "بغية الأريب" من ( ص - ١٠٢ إلى ١٢٤) بل الرسالة كلها شرح لأحاديث القبلة . ٣٧٦ معارف السفن ج - ٣ قال قال رسول اللّه عَ لَ﴾: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) حدثنا يحيى بن موسى نا محمد بن أبى معشر مثله . قال أبوعيسى : حديث أبى هريرة قد روى عنه من غير وجه . وقد تكلم بعض أهل العلم فى أبى معشر من قبل حفظه، واسمه: نجيح مولى بنى هاشم. قال محمد : لا أروى عنه شيئاً وقد روى عنه الناس . قال محمد : وحديث عبد الله بن جعفر المخرمى عن عثمان بن محمد الأخنسى عن سعيد المقبرى من أبى هريرة أقوى وأصح من حديث أبى معشر . ومن على سمتها. حكى ذلك عن مالك، وأحمد، والأثرم، وأحمد بن خالد الوهبى، وأبى الوليد الباجى ، وابن عبد البر ، والقاضى أبى بكر بن العربى ، والبيهقى ، والتور بشتى. والمقريزى، والزيلغى، والبدر العينى، والطيبى، والشعرانى وغيرهم. أنظر نصوصهم فى " بغية الأريب" مجموعة فى صعيد واحد متلقاة عن مظان مختلفة . ويؤيده حديث أبى أيوب الأنصارى فى " الصحيحين"، وحديث ابن عمر: ((ارتقيت فوق بيت حفصة الخ)) عند "الصحيحين"، وسأر الآثار التى أشار إليها الترمذى فى الباب من آثار عمر بن الخطاب وعلى وابن عباس وابن عمر، وتجدها مخرجة فى "البغية"، ويؤيده موقع المدينة ودلالة الحال. ولم تكن هناك داعية إلى بيان قبلة غير الدبنة ، فكان سوق الحديث لبيان قبلة أهل المدينة ، وانسحب على من كان فى سمتها ومحاذاتها . ثم المراد أن القبلة واقعة بين مشرق المدينة ومغربها ، فإن الكعبة جنوبية عنها ، وعلم منه أن الجهة كافية فى استقبال القبلة ، وعلم أن فيها سعة وإن مثل هذه السعة فى جميع جهات القبلة ، والقول، باكتفاء الجهة للغائب والغير المعائن قول الجمهور : أبى حنيفة ومالك وأحمد ، ونسبوا إلى الشافعى القول باستقبال عين الكعبة للغائب وهو مشكل فإن استقبال العين للغائب لا يمكن إلا بآلات فلكية وبآلات رصدية ، ولم يرد بها التكليف ٣٧٧ شرح حديث ما بين المشرق والمغرب قبلة حدثنا الحسن بن أبى بكر المروزى نا المعلى بن منصور نا عبد الله بن جعفر المخرمى عن عثمان بن محمد الأخنسى عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة عن النبى حَ لاء قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)). وإنما قيل عبد الله بن جعفر المخرمى لأنه من ولد المسور بن مخرمة. قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح . وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي عَ لٍ: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) منهم عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وابن عباس. وقال ابن عمر: ((إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق من يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة)) . فى الشرع ، غير أن التحقيق أنه قائل بالجهة مثل الجمهور إلا أنه يجتهد للعين بقدر ما أمكن له من إعطاء النظر فى الأدلة والأمارات ، وهو مضاد عباراته فى كتاب "الأم" وكتاب " الرسالة" كما أوضحته فى " بغية الأريب"، ثم إنه قدر تلك السعة فى الجهة بقدر ربع الدائرة . وصرحوا بفساد صلاة من خرج عن مقدار الربع ، وإذن يتحمل الإنحراف فى الجهة عن الكعبة نفسها نحو خمس وأربعين درجة كما حققه الغزالى وغيره من المحققين ، ونظراً إلى تعريف الفقهاء الجهة قدر المحقق اسماعيل بن مصطفى الكلنبوى فى رسالته البديعة فى تحقيق قوس الإنحراف باثنتين وسبعين درجة ، فإذن يكون قدر الإنحراف المتحمل ستاً وثلاثين درجة . وبالجملة ليس الغرض أن القوس بين المشرق والمغرب أى نصف الدائرة تكون جهة القبلة ، ثم إن كون ما بين المشرق والمغرب قبلة للمدينة وماوالاها من بلاد الشام ، وإن استدبار القبلة استقبال للقدس وبالعكس دليل صريح فى اكتفاء الجهة، فلولم تكن الجهة كافية فى الاستقبال لم يكن بين المدينة والقدس اتحاد فى القبلة لإختلاف عروضها بعدة درجات كما لا يخفى . فالحاصل هو اتحادهما فى القبلة تقريباً أى اتحادهما فى ( ٢ - ٥٧ ) ٣٧٨ معارف السنن ج - ٣ وقال ابن المبارك: " ما بين المشرق والمغرب قبلة" هذا لأهل المشرق، الجهة الشرعية المطلوبة دون ما تثبته القواعد الهندسية والآلات الرصدية الفلكية التى يدعون أن بها من الممكن أن يخرج سمت القبلة بحيث يصل خط مستقيم من المصلى إلى الكعبة نفسها . علا أن ذلك إنما يمكن أن يخرج عرض بيت الله الحرام خاصة لا يعرض مكة ، وعرض بقعة المصلى خاصة لا عرض بلده بل موضع قيامه خاصة بالدرجات والدقائق والثوانى الخ. إخراجاً بغاية دقة بآلات فلكية صحيحة قطعوا بصحتها جزماً ، ولا يكفى فى ذلك إخراج عرض مكة وإخراج عرض بلد المصلى كما توهموه . ثم يخرج السمت بالآلات الفلكية من "الأسطرلاب" و"المقنطر" و"المجيب" وغيرها فإن غاية ذلك أن يستقبل مكة لا الكعبة نفسها . وهم يدعون ذلك وهيهات وإنما نبهت على هذه الدقيقة حيث فاننى التنبيه عليها فى رسالتى الكفيلة بتنقيح هذه الأمور فليتنبه . قال شيخنا : وأول الحديث بعضهم على قبلة أهل الشرق بأن القبلة بين مشرق الشتاء ومغرب الصيف وبين مغرب الشتاء وشرق الصيف لم أره صريحاً هكذا. وأقرب ما ذكر إليه تفسير الشيخ محمى السنة البغوى فى "معالم التنزيل" وذكرت نص كلامه فى "البغية" (ص - ١٠٧). وكذا ما حكاه الطيبى فى "شرح المشكاة". غير أنه اختار أن الظاهر فى الحديث هو قبلة أهل المدينة . ولفظ الحديث لا يساعد هذا التأويل ولو كان الغرض ما ذكره لكان حق العبارة أن يقول : ما بين المشرقين والمغربين قبلة . وقيل: إن ما بين المشرق والمغرب قبلة أى إذا جعل المشرق خلفه والمغرب أمامه ، فإذن يكون الحديث فى قبلة أهل المشرق ، وهذا أيضاً خلاف مراده الصحيح، والصحيح ما ذكرنا من قبل. وما نقله الترمذى من أثر ابن عمر لم أقف على قائله، وكلام ابن بطال المذكور فى " العمدة" (٢ - ٣٠٠) يقر به والله أعلم، وكذا لم أقف على بعض المتكلمين الذى أشار إليه الشيخ رحمه الله . قوله : وقال ابن المبارك الخ . قال شيخنا: جعل بعض المتكلمين بتأول فى ٣٧٩ تحقيق أن الجهة تتسع إلى تسعين درجة وشرح قول ابن المبارك واختار عبد الله بن المبارك التياسر لأهل مرو . الحديث بما ذكرنا فى القول الثالث ليوافق قول ابن المبارك وهذا غير جيد، والصحيح ما ذكرنا ، ويتأول فى قول ابن المبارك بأن غرضه من أهل المشرق أهل المشرق الشمالى . قال الراقم : غاية هذا التأويل أن يصح كلام ابن المبارك لا أن يكون تفسيراً وشرحاً للحديث فإن ذلك بمعزل عنه كما عرفت آنفاً . قوله : التياسر لأهل مرو ، التياسر الميلان إلى جهة اليسار ، ومرو بلد عبد الله بن المبارك (١ ). تنبيه: قال الشيخ تقي الدين المقريزى فى "الخطط والآثار" (٢) ما ملخصه : إن الناس فى توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز . فمن كان فى الجهة الغربية من الكعبة فقبلته شرقية وبالعكس، فإذا قدرت الأرض كالدائرة فإنه تتسع عند المحيط وتتضايق عند المركز. فإذاً كان القطر بعيداً عن الكعبة، فإنها بتع فى متسع الحد ، ولا يحتاج إلى قيامن وتياسر . وبالجملة فهذا الحد فى الجهة يتسع بيعد المدى ويضيق بقربه ، وأقصى ما ينتهى إليه اتساعه ربع دائرة الأفق إلى آخر ما حققه، راجع "البغية" (ص - ١٢٩ وما عدها) وفى " العرف الشذى" من كلام الشيخ: إن الإعتبار فى المواجهة يكون الجانب الأبعد من القبلة منها كما فى " الخطط والآثار" اهـ. قلت: كلام المقريزى ما ملخصه ما ذكرته، وهذه العبارة غير واضحة المراد، وربما يدور (١) وهو بلد بخراسان، والنسبة إليه مروزى على خلاف القياس، ويجمع على المراوزة . (٢) هو كتاب الشيخ تقى الدين المقريزى فى تاريخ مصر كتاب جيد بديع فى بابه، واستطرد فيه مسألة استقبال القبلة وتكلم عليه كلاماً متيناً حديثاً وفقهاً وهيئة هندسية عند الكلام بمحاريب مصر والقاهرة وفسطاط وسائر بلاد المصرية ، وقد التقطت منه قدراً جماً مع تلخيص فى " بغية الأريب". ٣٨٠ معارف السنن ج - ٣ (باب ما جاء فى الرجل يصلى لغير القبلة فى الغيم ) على مُرْأ محمود بن غيلان نا وكيع فا أشعث بن سعيد السمان عن عاصم بن عبيد اللّه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: ((كنا مع النبي وَلَ: فى سفر فى ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة ، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما بالبال أن الشيخ يريد أن العبرة فى الإنحراف عن جهة القبلة للقدر الذى يتحقق فى منتهى البعد وهو ربع الدائرة أى أنه لما كان أقصى ما ينتهى إليه البعد هو ربع الدائرة فلا محالة يكون الفساد بالخروج عن مقدار الربع ، وإن لم يكن المصلى فى أقصى البعد فكانت العبرة لما هو منتهى الجهة من قدر الربع فى كل مكان: إذا كان الغرض هو الجهة دون العين، وإذن لاشك أن المسألة كذلك، فإن العبرة الجهة مطلقاً للغائب البعيد، والجهة أقصى ما يقع فيها الإنساع ذلك القدر فقط سواء كان البعد ألف ميل أو آلاف ميل مثلاً، فلا يختلف الحكم الشرعى الفقهى فى توسيع الجهة عند إختلاف مراقب البعد وبالله التوفيق . -: باب ما جاء فى الرجل يصلى لغير القبلة فى الغيم :- المسألة هكذا صحيحة عند الكل أى أبى حنيفة ومالك وأحمد والشافعى فى أحد قوليه كما فى "المغني" (١ - ٤٨٥) أى لا إعادة عليه. وصحح النووى قول الإعادة عند الافعى كما فى "شرح المهذب" (٣ - ٢٢٥) وجعله المذهب. وذكر إقرطى المفسر فى "أحكام القرآن" أن عند مالك تستحب له الإعادة فى الوقت اهـ . غير أن الحديث ساقط السند حيث وقع فيه أشعث السمان. قال فى "التقريب": متروك. وكذلك وقع فيه عاصم ابن عبيد الله بن عاصم المدنى. قال فى " التقريب ": ضعيف. وتابع أشعت السمان عمر بن قيس الملقب سند عن عاصم عند الطيالسى فى "مسنده" والبيهقى فى "سننه"، ولكنه ضعيف أيضاً كما فى "قوت المغتذى"