النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ تحقيق مذهب مالك فى مسألة القراءة وهذا أصح. والعمل على هذا الحديث فى القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ والتابعين وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق: برون القراءة خلف الإمام أن نحمله على ما تقرر سابقاً فى الشريعة وهو السر فى وقت السرآهـ بقى حديث أبى قتادة وعبد الله بن عمرو فأقول : أما حديث أبى قتادة فأخرجه البيهقى فى كتاب القراءة من حديثه أن النبي ◌َّ له قال: ((أنقرمون خلفى ؟ قلنا : نعم ، قال : فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ) قال الراقم : وهو بسياقه نظير حديث عبادة فيه استثناء من الحظر وهو للإباحة المرجوحة ، فجوابه جواب حديث عبادة مع ملاحظة سائر ما ذكر هناك. فأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البخارى فى "جزء القراءة" والبيهقى فى "كتاب القراءة" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ : "مضطرب جداً" ففى لفظ للبخارى: ((كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهى مخدجة)). ولا حجة فيه فإنه لا علاقة له بالمأموم خاصة ، وإنما هو فى الصلاة نفسها نظير حديث عبادة فى الصحيحين ونظير حديث أبى هريرة فى السنن وغيرها ، وفى لفظ لهما من طريق عكرمة بن عمار عن عمرو بن سعد: ((أتقرؤن خلفى؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه إنا لهذه هذاً، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن)). وعكرمة الكلام فيه، وتضعيف يحيى بن سعيد القطان إياه معروف، علا أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه أيضاً كلام طويل فى محله من الانقطاع والإرسال والله أعلم . قوله : وهوقول مالك بن أنس الخ . هذا خلاف الواقع فإن مالكاً لا يقول بالقراءة فى الجهرية كما هو صريح فى "مؤطئه" ( ص - ٢٨) فى (باب القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة ) ويعلم من "المدونة" (١ - ٧٠) أنه ر" ٢٤٢ معارف السنن ج - ٣ لا يقول بالوجوب فى السرية . وكذا مذهب ابن المبارك لا يوافق الشافعى فى القراءة فى الجهرية . ذكر البخارى فى "جزء القراءة" مذهبه القراءة فى السرية فقط . وكذلك مذهب أحمد يخالفه ، كما صرح به الترمذى أيضاً فيما بعد . وقد تبين فى الخارج أن مذهب اسحاق بن راهويه يخالف مذهب الشافعى فى الجهرية. حكى شيخنا عن البهكلى وغيره فى تعليقات " الآثار" أن مذهب اسحق بن راهويه مذهب مالك . وقد تقدم فى تعليقاتنا فى أول الباب حكاية ذلك عن الموفق ابن قدامة صاحب " المغنى"، وعن شارح "المهذب"، وعن الخطابى والحازمى وغيرهم .. فبناء على ذلك لا يصح ما ذكره الترمذى من المذاهب فى المسألة إلا أن يحمل على أنهم قالوا بها فى الجملة واتفقوا على قراءتها إجمالاً، وإن كان هناك اختلاف فيهم تفصيلا ؟! فصلنا كل ذلك فى أول الباب تفصيلً . ٢٤٣ بحث ترك القرأة خلف الإمام فى الجهرية (باب ماجاء فى ترك القراءة خلف الامام اذا جهر بالقراءة) حدثنا الأنصارى نامعن نامالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثى عن أبى هريرة: ((أن رسول اللّه عَلَّكُلّ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معى أحد منكم آنفاً ؟ فقال رجل : نعم -: باب ما جاء فى ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر بالقراءة :- هذا الباب للعراقيين بل للجمهور عامة كما عرفت من قبل ، وأخرجه مالك، وحسنه الترمذى، وصححه أبوحاتم . قال فى " فصل الخطاب" ( ص - ٣٣): صححه أبو حاتم كما فى "الجوهر" و "تفسير ابن كثير". وآخرون ، ولم يتأخر عن تصحيحه إلا من اختار القراءة خلف الإمام فسرى فقهه إلى الحديث آهـ. وصححه ابن حبان كما فى "المرقاة" القارى (١ - ٥٣٤). قوله: من صلاة الخ .. وعند أبى داؤد وغيره فى لفظ: ((صلى بنا رسول اللّه عَ ل صلاة نظن أنها الصبح)). وعند ابن عبد البر مجزوماً به كما فى " شرح الموطأ" الزرقانى، حكاه الشيخ فى " فصل الخطاب". قوله : هل قرأ الخ. نص فى أنه لم يكن فى قراءة المقتدى تشريع من صاحب الشريعة . لافى الجهرية ولا فى السرية ، بل كان التشريع فى خلافه ،. لأن قوله : وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا نزل بمكة كما هو عند الجمهور ، وفى الصلاة كما نقل عليه الإجماع أحمد ، والواقعة هذه فى الباب. ٢٤٤ معارف السنن ج - ٣ يا رسول الله، قال: إنى أقول: مالى أنازع القرآن، قال : واقعة المدينة ألبة ، فإن راويها أبوهريرة متأخر الإسلام بعد غزوة خيبر . وفى الحديث إيماء لطيف إلى أن من قرأ خلفه كان واحداً أو فى قلة ولم يكن ذلك عن جمهرتهم ، ولعل القارئين قرءوا خلفه اجتهاداً منهم ذاهبين فيها إلي الأحاديث العامة فى قراءة الفاتحة . قوله : مالى أنازع القرآن، قال الشيخ: قال بعض العصربين من فضلاء الحنفية: دل لفظ "مالى أنازع" على أن القراءة منصب الإمام ووظيفته، وليس ذلك المقتدى ، فالمقتدى إذا قرأ فكأنه اختلس شيئاً ليس حقه ولا وظيفته ، فإن المنازعة هى المخاصمة فى حق الغير. قال الشيخ: هذا وإن كان له وجه تخمير إنى لا أجزم به فإن المتنازعة ربما تأتى المنهوبة فى الشيئى . وهو استعمال فصيح ، قال الحويدرة أو الحادرة : وإذا تنازعك الحديث رأيتها - حسناً تبسبها لدية المكرح وكما يقول الأعشى : فازعتهم قضب الريحان متكئاً . وقهوة مزة راووتها محضل ذكره فى "لسان العرب" (٧ -٢٧٧) فى مادة (مزز) فالمتنازعة هنا بمعنى المعاطاة - أى التداول والإعطاء على التناوب كما فى قوله: هويتنازعون فيها كأساً)، أى يتعاطون، وقد ذكره فى " اللسان" (١٠ - ٢٢٩) فى مادة ( نزع ) ثم إن صاحب "اللسان" ذكره فى معنى الحديث ما لفظه: ((مالى أنازع القرآن أى أجاذب فى قراءته ، وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءته فشغله فنهاه عن الجهر بالقراءة فى الصلاة خلفه اهـ . قال الراقم : وفى نص الحديث غنی عما ذكره ، فالحدیث بنصه يدل على أن المنازعة كان لأجل القراءة نفسها ، ومن أجل ذلك صرح فيآخره ٢٤٥ تحقيق قوله " فانتهى الناس عن القراءة " فافتهى الناس عن القراءة مع رسول اللّه عَّاهُّ فيما يجهر فيه رسول اللّه صَ لهه من . ( الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله بقوله: ((فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله عَ ليه الخ))، وليس فيه فانتهى الناس عن الجهر بالقراءة . قوله : فانتهى الناس عن القراءة الخ. قال الحافظ فى "التلخيص الحبير" ( ص - ٨٧): وقوله: "فانتهى الناس" إلى آخره مدرج فى الخبر من كلام الزهرى ، بينه الخطيب واتفق عليه البخارى فى " التاريخ" وأبو داود ويعقوب ابن سفيان والذهلى والخطابى وغيرهم آهـ. وغرضهم أن هذا القدر مرسل حيث لم يدرك الزهرى تلك الواقعة . وسيظهر حاله قريباً. قال أبوداؤد فى "سفنه": قال مسدد فى حديثه قال معمر: ((فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول اللّه حَُّ))، وقال ابن السرح فى حديثه قال معمر عن الزهرى : قال أبو هريرة: ((فانتهى الناس). وقال عبد الله بن محمد الزهرى من بينهم، قال سفيان: وتكلم الزهرى بكلمة لم أشمعها ، فقال معمر : إنه قال : فانتهى الناس ، قال أبو دائرد: ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى وانتهى حديثه إلى قوله: "ما لى أنازع القرآن الح". قال الراقم: والجواب عنه أولاً: إنه لا يضر كونه قول الزهرى ، فإنه لما رأى عمل الصحابة على الترك ذكر ذلك فهو بيان الحال من الراوى ، فيكون مغشأ الاختلاف فيه أنه ليس من المرفوع ، فيكون إذن تفتناً فى القسمية والتعبير، علا أنه لو كان مرسلاً فى الحقيقة لم يضر أصلا، فإنه مرسل متاقى من التوارث . وفرقى بين مرسل يكون متلقى من التوارث وبين مرسلى مجرد عنه كما تقرر فى عمله . وثانياً أن ما ذكروه من أنه قول الزهرى تعلل فقط بل يكاد يتعجب منه فإن الغرض الواضح أن الزهرى حدث بالحديث كله على أصحابه ولم يسمع بعضهم فوله: فانتهى الناس عن القراءة الخ فسأل عن ٢٤٦ معارف السنن ج - ٣ الآخر عما ذكره الزهرى فى روايته ، والقبس عليه ولم يسمعه أو لم يفهمه ، فأجاب بأن الزهرى قال فى روايته فزعموا أنه مقولة الرهرى نفسه وإنما هو مقولة أبى هريرة يرويها الزهرى عنه روايته سائر الحديث ، وما قاله ابن السرح فى حديثه كما ذكره أبوداؤد صريح فى ذلك . فالغرض أن بعضهم لم يسمعه من شيخه الزهرى، فثبته فيه أحد أصحابه وشركاء مجلسه فى سماع الحديث وهو معمر، ولذلك نظائر كثيرة قد اعترفوا هناك بمثل ما قلت . فمنها ما عند البخارى ( ٢ - ٦٠٠) فى غزوة الحديبية: حدثنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا سفيان قال سمعت الزهرى حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتنى معمر الخ . ومنها ما عند الترمذى من ميراث الجدة - فى الجزء الثانى - قال سفيان: وزادنى فيه معمر عن الزهرى ولم أحفظه عن الزهرى ولكن حفظته من معمر الخ. ومنها ما فى " فتح البارى" (١٢ - ١٢٦) - (باب الاعتراف بالزنا) عن سفيان قال : أنينا يعنى الزهرى فقال : إن شئتم حدثتكم بعشرين حديثاً أو حدثتكم بحديث الثقيفة فحدثهم بطوله فحفظت منه شيئاً ثم حدثنى ببقيته بعد ذلك معمر الخ ومنها ما فى "مشكل الآثار" للطحاوى (٣ - ٢٤٣): قال سفيان: انتهى حفظى من الزهرى إلى هذا، وكان طويلاً فثبتنى معمر الخ . فهذه نظائر ذلك من أن بعض أصحاب الشيخ لم يحفظ أو لم يسمع سماعاً تاماً فثبته بعض أصحابه ومثله كثير جداً. ومن العجيب أن النظائر كلها من تثبيت معمر نفسه من أصحاب الزهرى كما هو مهنا وذلك بدلنا ثانياً على ما ذكره أحمد وابن معين من أن معمراً أوثق الناس فى الزهرى ، فإذا اختلف هو وأصحابه فالقول قوله، ٢٤٧ بيان نسخ إباحة الفاتحة للمأموم فكان إسناد القول إلى معمر أو الزهرى لهذا لا أنه قول الزهرى من تلقاء نفسه كما زعم هؤلاء الأعلام، فتبين أنه فى الأصل موصول وإن ظهر بادى الرأى أنه قول الراوى . فسبحان من لا يسهو ولا بنسى . علا أن الزهرى أدرك بعض الصحابة وإن كان فى روايته عنه اختلاف ، فإذن هو متصل إن كان من تلقاء نفسه أيضاً فليعلم . ثم بعد البحث والتفتيش ينكشف أن حديث ابن أكيمة هذا بنسخ ما كان ثبت من إباحة الفاتحة للمأموم فى حديث الإختلاط كما يقوله الشيخ المحدث الكنكوهى: فحديث عبادة: ((لعلكم تقرءون خلف إمامكم)) وحديث أنس: ((أتقرءون فى صلاتكم خلف الإمام والإمام بقرأ))، وحديث رجل من الصحابة: ((لعلكم تقرءون والإمام يقرأ)) السؤال فيها جميعاً عن العادة لا عن الواقع . وفى حديث ابن أكيمة ولاسيما بلفظ البخارى فى "جزء القراءة" وأبى داود فى " سننه": ((هل قرأ أحد منكم معى آنفاً)) ليس فيه السؤال عن العادة بل عن الواقع على عكس حديث عبادة وغيره ، فكان حديث ابن أكيمة عن أبى هريرة فى واقعة أخرى ، وحكى الحازمى فى "الاعتبار": إن المانعين عن القراءة يقولون: إن حديث ابن أكيمة ناسخ . وهو الذى بنى عليه المالكية والحنابلة خلافاً للشافعية ولو كان عند أبى هريرة ٠! عند عبادة من حديث الإختلاط لما عدل فى فتواه : "اقرأ بها فى نفسك يا فارسى" عن نص الإباحة إلى الاستنباط من حديث قسم الصلاة وعنده مع هذا القراءة فى الجهرية مرجوحة فإنه قيد فى فتواه الأخرى القرءاة بغير الجهرية أو يحمل قوله ذلك على السرية كما قدمناه ، فلا جرم أن حديثه هذا بعد حديث عبادة، وحينئذ يكون انتهاء الصحابة عن القراءة فيا جهر فيه رسول الله حَ لّ واضحاً. ولو كانت هذه الأحاديث فى واقعة وكان تطرق إلى الألفاظ تصرف من الرواة فوجهه أن استنكاره بَّ القراءة خلف الإمام واضح فى (م - ٣٢) .. ـي ٢٤٨ معارف السنن ج - ٣ عدم وجوبها بل مرجوحيتها وقد راوضهم على الترك فانتهوا، ولذا جاء بلفظ الانتهاء ؛ فإنه يدل على أن الأمر استقر بعد مراوضة منه على الترك وبعد تدريج كما ذكروا فى قوله تعالى: ( فهل أنتم منتهون ) حتى قال عمر بعد آية ( المائدة": انتهينا انتهينا، وإن لم يكن هناك نهى صريح وتعنيف، وبقى عبادة رجح جانب الفعل . ثم إن فى روية البخارى فى "جزء القراءة" زيادة قوله: وقرءوا فى أنفسهم صراً فيما لا يجهر فيه الإمام ، فإذن بطل أن يراد أنهم انتهوا من الجهر بها لأنه تفوت المقابلة حينئذ بين الجهرية وبين السرية وقد قابل بينهما، وكذلك ذهب بعض المتقدمين إلى أن المنازعة نفس قراءتهم معه . قال الباجى فى شرح " المؤطأ": . أن لا يفردوه ومعنى ذلك فى الحديث - أى حديث ابن أكيمة -... بالقراءة ، ويقرءون معه ، فيكون ذلك منازعتهم له فى القراءة ، وروى نحوه عن عيسى بن دينار آهـ . وهو الذى قرره ابن عبد البر فقال فى "الإستذكار": فقه هذا الحديث الذى من أجله حيثى به هو: ترك القراءة مع الإمام فى كل صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة ، فلا يجوز أن يقرأ معه إذا جهر لا بأم القرآن ولا غيرها على ظاهر الحديث وعمومه آهـ . وأما إرادة أنهم انتهوا عما فوق الفاتحة كما يتأولونه فلا أثر له فى الروايات أصلاً، وإنما هو مشى على ما ألفوه قبل هذا ، ولا دليل عليه فى سياق العبارة ولا مذاق الكلام ، ومن ادعى فعليه البيان . وبالجملة فيحديث الباب هذا حجة فى ترك القرءاة فى الجهرية وفيه أدلة أخرى : منها : حديث أبى موسى من طريق جرير عن سلمان التيمى عن قتادة زيادة: ((وإذا قرأ فانصتوا" عند "مسلم" فى (باب التشهد فى الصلاة) وسلمان لم يتفرد بها كما زعم بل تابعه عليها عمر بن عامر وهو من رجال مسلم. وقابعه سعيد بن أبى عروبة عند الدار قطنى وغيره من طريق سالم بن نوح العطار ٢٤٩ بيان أدلة ترك القراءة فى الجهرية وهو أيضاً من رجال مسلم. وتابعه أبو عبيدة عند أبى عوانة فى "صحيحه" وهو مجاعة بن الزبير أبو عبيدة العتكى الأزدى كما فى "الأنساب" السمعانى من الجنديسابورى وقال: مستقيم الحديث عن الثقات. فهؤلاء سلمان، وعمر بن عامر، وسعيد بن أبى عروبة ، وأبو عبيدة الأزدى كلهم يروى هذه الزيادة ، ثم لم يتفرد جرير عن سليمان بل قابعه معتمر بن سلمان عند أبى دائرد، وتابعه سفيان الثورى عند الدار قطنى. فهو حديث صحيح، قال شيخنا فى " فصل الخطاب": صحه امماق وأحمد بن حنبل وصاحبه أبوبكر بن الأثرم ثم سهم ثم النسائى من حيث إخراجه إياه فى " مجباء " ثم ابن جرير فى " تفسيره" وابن خوحد ثم أبوزهر ابن عبد البر وأبو محمد ابن حزم ثم المنذرى ثم ابن تيمية ثم الحافظ فى "الفتح" وآخرون وجماهير المالكية والحنابلة، وقال الشيخ عبد العزيز السهالوى فى جلشية " نسب الرأية " (٢ - ١٥): ثم أبوزرعة على ما فى " مقدمة الفتح " (ص - ٣٤٥) والقسطلانى (١ - ١٨)، وفى " توجيه النظر " (ص - ٢٤٠) قال بعضهم: أراد سلم بالاجماع فى قوله: " ما أجموا يصبح أربعة الي الحديث: أحمد بن حنبل وابن معين وعثمان بن أبى شيبة وضعيد بن منصور الخراسانى اهـ . ومنها : حديث أبى هريرة عند النسائى وأبى دائرد وابن ماجه وغيرهم وأوفى سياق له عند ابن ماجه من طريق أبى بكر بن أبى شيبة، قال قال رسول الله 03: هلفا جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين الخ، وهو من رواية في خالد الأحمر - سلمان بن حبان الأزدى - عند أبى داود وغيره عن ابن عنجلان وهو مع كونه ثقة احتج به الشيخان لم ينفرد بهذه الزيادة بل تابعه عليها من ابن عجلان محمد بن سعد الأنصارى عند النسائى، وحسان بن إبراهيم الكرمانى كما ذكره البيهقى فى "كتاب القراءة" (ص - ٩٠) وهو من رجال الصحيحين، ٢٥٠ معارف السفن ج - ٣ وتابعه إسماعيل بن أبان الغنوى ، وتابعه أبوسعد الصاغانى محمد بن مبشر عند أحمد فى "مسنده" (٣ - ٣٧٦). ومحمد بن عجلان صدوق من علماء المدينة وأجلائهم ومفتيهم كما فى "الميزان" من ترجمة عبد الله بن ذكوان، وفيه أيضاً أنه ثقة مأمون . وبالجملة فهو حديث صحيح أيضاً. صححه مسلم لما سئل واعتذر عن عدم وضعه فى "صحيحه"، وصححه ابن حزم فى " المحلى" (٣ - ٣٤٠) كما فى حاشية " نصب الراية" وأحمد كما فى " الجوهر النقي". قال الحافظ ابن تيميه: وهى زيادة من ثقة لا تخالف المزيد بل توافق معناه، فإن الإنصات إلى قراءة القارئ من تمام الإتمام به فإن من قرأ على قوم لا يستمعون لقراءته لم يكونوا مؤتمين به اهـ. وقال أيضاً: فالمقصود بالجهر استماع المامومين ، ولهذا يؤمنون على قراءة الإمام فى الجهر دون السر الخ . وقال: قد أمر الله ورسوله بالإنصات للإمام إذا قرأ وجعل النبى نَّالم ذلك من جملة الإتمام به، فمن لم ينصت له لم يكن قد اتم به الخ . قتبيه : للشيخ رحمه الله فصل مستقل فى "فصل الخطاب" ( ص - ٢٨ وما بعدها ) حقق فيه أن حديث الإيتمام وإن لم يكن فيها : "وإذا قرأ فانصتوا" فهى مبنية على ترك القراءة من المقتدى فى الجهرية من وجوه ، وفلخص لك وجوها منها : فمنها : إنه ترك ذكر الفاتحة للمقتدى، وذكر سائر الأشياء حتى القعدة أيضاً فى حديث أبىموسى وهذا سكوت فى معرض البيان فليتركها المقتدى حيث ما تركها الشارع . ومنها : إنه انتقل فى السياق من التكبير إلى التأمين فلينقل المقتدى كذلك .. ومنها : إنه قد ورد فی کل من حديث أبىموسى وأبى هريرة ما يغنى عن قوله : فانصتوا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين ، فأحال قوله عليه . ٢٥١ بحث أن حديث الإيتمام مبنية على ترك القراءة من المقتدى ومنها : إنه قاسم بينه وبين الإمام فى الوظيفة فلا يخالفه . ومنها : إنه جعل موضع الإلتقاء مع الملائكة والإمام فى التأمين فلينتظره. ومنها : إنه سمى الإمام قارئاً فى حديث إذا أمن القارئ فليس المقتدى قارئاً بل منصتاً ومجيباً . ومنها : إنه جعله مستمعاً فلا ينصب نفسه قارئاً . ومنها : إنه لم يقل فى أحاديث الإيتمام: وإذا قرأ فاقرءوا وإنما قال : فإذا كبر فكبروا ، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا : آمين . قال ابن عبد البر : فيه دليل على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر لا بأم القرآن ولا غيرها ، لأن القراءة بها لوكانت عليهم لأمرهم إذا فرغوا من الفاتحة أن يؤمن كل واحد بعد فراغه من قراءته ؟ لأن السنة فى من قرأ بأم القرآن أنه يؤمن عند فراغه منها ، ومعلوم أن المأمومين إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام لم يسمعوا فراغه من قراءة الفاتحة ، فكيف يؤمرون بالتأمين عند قوله ولا الضالين ويؤمرون بالاشتغال عن سماع ذلك ، هذا لا يصح ، وقد أجمع العلماء على أن لا يقرأ مع الإمام فى ما جهر فيه بغير الفاتحة والتأمين أن الفاتحة وغيرها سواء لأن عليهم إذا فرغ إمامهم منها أن يؤمنوا ، فوجب أن لا يشتغلوا بغير الاستماع اهـ. كما فى "شرح المؤطأ" الزرقانى ، وقد وجد النقل عن أكثر من روى حديث الإيتمام كأبى هريرة وعائشة وأنس وجابر فى الأصول ، وابن مسعود فى " الزوائد"، وابن عمر فى " الكنز" بترك القراءة . فى الجهرية . وبالجملة فأحاديث الإيتمام كيف ما تراها ظهراً لبطن مبنية على ترك القراءة. ٢٥٢ معارف السنن ج - ٣ فى الجهرية . هذا ملخص ما ذكره رحمه الله منقحاً واضحاً ومن شاء مزيد البيان فليراجعه ، والله ولى التوفيق وعليه التكلان . قال الراقم : فأصبح أحاديث الإيتخام من غير هذه الزيادة نظير ما حقق أن حديث عبادة وإن لم يكن فيه زيادة: " فصاعداً" فهو ملحوظ لامحالة كما ذكرناه من قبل إحالاً فى الباب السابق وتفصيلاً فى باب القراءة . ومنها : حديث أبى هريرة عند البيهقى فى "كتاب القراءة" (ص - ٩٩) قال أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد الحمامى المقرى أنا أحمد بن سلمان الفقيه فا ابراهيم ابن الهيثم نا آدم نا ابن أبى ذئب عن محمد بن عمرو عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبى هريرة قال قال رسول الله خليج: «١٠ كان من صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة فليس لأحد أن يقرأ معه )). قال البيهقى: وهذه رواية منكرة لم أجدها فيا جمع من هذه الأخبار ، فإن صحت فالمراد بها: فليس لأحد أن يجهر. معه ، أو فليس أن يقرأ معه السورة . قال الشيخ رحمه الله: رجاله ثقات، وحكمه بكونه منكراً غير صحيح ، علا أن كلامه يزمى إلى مصته ولم يهزم هو نفسه بنكمه ذلك فتصدى للتأويل وقد عرفت سلله فيما تقدم من نظائره فأقول: أبو الحسن على بن أحمد ترجمه السمعانى فى "الأنساب" ووصفه بالجميل من مادة الحمامى، وأحمد بن سلمان وفى كثير من الراضع أحمد بن سليمان بالياء هو: أبو بكر السيار ترجم الذهنى فى " تذكرة الحفاظ " (٣ - ٨٥) وهو الرئوى لكتاب" الناسخ والمنسوخ" من أى دائره السجزى كما فى "التهذيب" من ترجمة أبى داود، وإبراهيم بن الهيثم ثقة مسمح له الذهبى فى "التذكرة" (١ - ١٦٣) وقد مر البيهقى على إسناد فيه ابراهيم ابن الهيثم وقال: رواته ثقات، كما فى " الجوهر التي" (١ - ١٠) وكذا الدار قطنى فى " سفته " (ص - ١٨) وسأر الرواة بعده معروفون دوارون ٢٥٣ بیان أُقوی ما يستدل به فى الباب فی الکتب ، فآدم هو ابن إياس من رجال "الصحیحین"، و کذلك ابن أبي ذئب من رجال الشيخين ومحمد بن عمرو من رجال مسلم، والظاهر أنه محمد بن عمرو ابن عطاء القرشى العامرى المدنى ، وهو من رواة الستة ، وهو الذى يروى عنه ابن أبي ذئب كما فى " التهذيب" (٩ - ٣٠٤) وإن كان غيره فلم أعرفه والله أعلم ومحمد بن عبد الرحمن ثقة من رواة الستة . فحكم الافكار على مثله خلاف الاحتياط بل جراءة، وله الشواهد من المراسيل، ذكرها الشيخ فى " فصل الخطاب" ( ص - ٣٧ ). قال الشيخ: ولترك قراءة المقتدى فى الجهرية أدلة كثيرة أخرى لا حاجة إلى استقصائها هنا وفما ذكرنا كفاية ، ومن أقوى ما يستدل به فى الباب قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) وذكر الزيلعى نقلا عن البيهقى أنه أخرج عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الآية فى الصلاة اهـ. وعارضه الشافعية بآثار متعارضة بحيث تعتدل الكفتان ولكن رجحنا قول أحمد فى نقل الإجماع كما يحكيه البيهقى وغيره، وما أجاب به بعض (١) من أنه لم نجد ذلك فى كتب البيهقى التى بأيدينا من "كتاب القراءة" و"كتاب المعرفة" و "السنن الكبرى" فهى غفلة، فإن الزيلعى لم يعزه إلى هذه الكتب، والبيهقى كتب غيرها، والزيلعى رحمه اللّه متثبت فى النقل باعتراف الخصوم وكثيراً ما يحكى ما يخالفه من غير أن يتعقبه بشئى كما اعترف به الحافظ ابن حجر أنظر ترجعه من مقدمة " نصب الرأية" . حلا أن الحافظ أباعمر ابن عبد البر حكى كذلك عن أحمد فى " كتاب التمهيد". قال الراقم : حكى الحافظ ابن قيمبة ذلك أيضاً فى " فتاواه " فى (١) وهو الشيخ عبد الرحمن المبارك بورى، ذكره فى " تنقيح الكلام فى الفاتحة خلف الإمام " فى الجزء الثانى . ٢٥٤ معارف السنن ج - ٣ فى موضعين (٢ - ١٤٣ و ٤١٢)، وكذا فى "تنوع العبادات" (ص - ٥٨) والمبارك بورى كثير الإتباع بل التقليد للحافظ ابن تيمية وكذلك ذكر قبله الموفق ابن قدمة فى " المغنى" (١ -- ٦٠٥ ) قال أحمد فى رواية أبى داؤد: وأجمع الناس على أن هذه الآبة فى الصلاة اهـ. وقال قبله أيضاً: قال أحمد : فالناس على أن هذا فى الصلاة اهـ. ونقل ابن عبد البر: حكاه الزرقانى فى "شرح المؤوطأ"، والشيخ اللكنوى فى "إمام الكلام". فإذن لا عبرة للنافى والعلم عند المثبت وجهل أحمد لا يقوم حجة على علم غيره. وهذا ما كان يتعلق بعدم القراءة فى الجهرية ، ولا حاجة بنا إلى تطويل البحث فيه ، فإن ذلك مذهب الجمهور كما تقدم تحقيقه . وأما أدلتنا فى عدم القراءة فى السرية ففيها أحاديث ثلاثة وليلاحظ ثانياً أن الذى حققناه فيما سلف أن مذهب الإمام أبى حنيفة عدم جواز القراءة فى الجهرية ، وعدم اختيارها فى السرية لا عدم جوازها فهى جائزة جوازاً غير مرضى ؛ وحان لنا أن نتعرض إلى الأدلة . فمنها: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" وهو حديث صحيح له طرق كثيرة وشواهد ، رواه أبو حنيفة وغيره مسنداً مرفوعاً من حديث جابر بن عبد الله كما هو فى "كتاب الآثار" لأبي يوسف (ص - ٢٣) و "كتاب الآثار" لمحمد بن الحسن (ص - ٢٠) و"المؤطأ" له، وفى " مسند الإمام الحارثى" وغيرها من " مسافيد الإمام" كما فى " عقود الجواهر" الزبيدى، وسياق إسناد " الموطأ": أخبرنا أبو حنيفة قال حدثنا أبو الحسن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله عن النبي صَلّ أنه قال: ((من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة)». وأخرجه الزيلعي في "نصب الرأية" (٢ - ٦ وما بعدها) والبدر العينى فى " العمدة " من حديث جابر ، وابن عمر ، وأبى سعيد ، وأبى هريرة ، وابن عباس ، وأفس بن ٢٥٥ تحقيق حديث جابر : من كان له إمام الخ مالك مع البحث فى أسانيدها بكل تفصيل ، وأشار ابن الجوزى فى "كتاب التحقيق " إلى روايته عن على وعمران بن حصين أيضاً كما فى " غيث الغمام ". وقد استوعب الشيخ اللكنوى فى " إمام الكلام" والشيخ أحمد حسن السنبهلى فى " شرح مسند أبي حذيفة" أسانيدها وطرقها مع نقل كل ما قيل فيها من شاء فليراجعها . فإذن جميع ما فى الباب رواه من الصحابة ثمانية، وأقواها حديث جابر. وأقوى سنده عندهم طريق أحمد بن منيع فى "مسنده" كما سيأتى، ثم طريق عبد بن حميد فى " مسنده"، وطريق ابن أبى شيبة ، وكلها من غير طريق أبى حنيفة، وليس فيه جابر الجعفى ولا ليث بن أبى سليم ولا الحسن بن عمارة ، وما قيل فى بعض طرق جابر من الإنقطاع فقد أجاب عنه الحافظ علاء الدين الماردينى كما سيأتى بعدم انقطاعه وصحة اتصاله على أصولهم ، وغاية ما يكون من المزيد فى متصل الأسانيد. قال شيخنا : وأجل أسانيده وأحسنها عندى هو إسناد الطحاوى من طريق ابن وهب عن الليث بن سعد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة الخ ، كما سبقت إليه الإشارة من الشيخ فى الباب السابق ، وقد اجتمع فيه أربعة أئمة فقهاء محدثون قلما يوجد له نظير فى العالم ، ولاحظ فى ذلك ما ذكرته فى ختام بحث رفع اليدين من كلام الحاكم فى علوم الحديث ، وكلام غيره من المحدثين حتى يتجلى لك الحق فى أصفى مرائيها . وبالجملة الكلام فيها واسع جداً مفروغ عنه فى مواضعه ، ويتلخص أنه لاريب فى صحة بعض طرق حديث جابر ، والباقى يصلح إما شاهداً أو تابعاً ، وبالجملة فالحديث مرفوع مسند ، فما يدعيه الدار قطنى فى " سننه" ( ص - ١٢٣) والبيهقى فى " سننه" (٢ - ١٥٩) وكذا فى " المعرفة" و "كتاب القراءة " له من إرساله فيجاب عنه بوجوه ثلاثة نذكرها فيما يلى : الأول : إن أبا حنيفة لم ينفرد فى رفعه مسنداً بل تابعه على ذلك سفيان ( م - ٣٣ ) 12 ٢٥٦ معارف السنن ج - ٣ وشريك عن موسى بن أبى عائشة عند أحمد بن منيع شيخ البخارى فى" مسنده" بسند على شرط الشيخين كما نقله الشيخ ابن الهام فى " الفتح" (١ - ٢٣٩) قال أخبرنا اسحاق الأزرق قال ثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول اللّه عَلَهُ: ((من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له)). قال الشيخ : وهذا الحديث من طريق أحمد بن منيع مما زاد الشيخ ابن الهمام على تخريج الزيلعى ولم يأت هو بالزائد على ما فى تخريجه إلا بعدة أحاديث منها هذا ، ومنها حديث فى مسألة مقدار المهر ، ذكره فى ( باب الكفاءة ) وسيأتى إن شاء الله تعالى فى موضعه ، ومنها فى (باب التطوع) لعله ما ذكره فى أفضلية النافلة فى البيت . وكذا أخرجه ابن الهمام بسند آخر من " مسند عبد بن حميد" قال حدثنا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن أبى الزبير الخ. فرجال الإسناد الأول: اسماق الأزرق (١) من رجال الشيخين . وسفيان هو الثورى كذلك من رجالها . وشريك هو ابن عبد الله النخعى من رجال مسلم. وموسى بن أبى عائشة ثقة من رجال الستة . وعبد الله ابن شداد وجابر محابيان ، ومن أجل هذا جعله ابن الهام على شرط مسلم. وأما الإسناد الثانى فقد روجع فيه الحافظ ابن حجر فغمزه. قال الشيخ أبوالحسن السندى الكبير فى " البدر المنير" فى الكشف عن مباحث "فتح القدير" - وهو تعليق ضخم له عليه - : قال تلميذ المحقق - أى ابن الحمام - الشيخ قاسم : سقط من نسخة الشيخ بعد الحسن بن صالح جابر الجعفى ، وراجعت المصنف فى ذلك فقال: هكذا نقلته من خط البوصيرى مما جمعه فى "مسانيده" - "اتحاف ( ١) هو اسحاق بن يوسف المخزومى الواسطى المعروف بالأزرق من رجال الستة . ٢٥٧ رد قولهم إن أبا حنيفة تفرد فى هذا الحديث المهرة (١) بزوائد المسانيد العشرة" - فيه أنه جعل الإسناد الأول على شرطه دون الثانى، أنظر "فتح القدير" (١ - ٢٣٩) بعد سؤالى عن ذلك مع أن الحافظ البوصيرى ذاكر فيه حافظ العصر ابن حجر قال : فلما ساق له السند قبل قراءة المتن فقال: هذا رائحة حديث: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)»، وعجب الحافظ البوصيرى من ذكاء الحافظ ابن حجر تغمدهما الله برحمته ، وهذا سند البوصيرى فى " مسند ابن حميد" له انتهى كلامه أفاده الشيخ . وقال: ذكرت الحكاية بحضرة شيحنا شيخ الهند محمود حسن الديوبندى فقال: يدل هذا على أن الحافظ ابن حجر لم يرض به فغمزه. قلت: وإن لم يرض به ولكنه سكت عن بيان علة فيه فلعله لم يكن هناك علة صريحة ، قال فى " الجوهر النقي": قلت فى "مصنف ابن أبى سيبة": ثنا مالك بن اسماعيل عن حسن بن صالح عن أبى الزبير عن جابر عن النبى حَله: ((من كان له إمام فقراءته له قراءة)). كذا رواه أبو نعيم عن الحسن بن صالح عن أبى الزبير ولم يذكر الجعفي كذا فى "أطراف المزى". وتوفى أبو الزبير سنة ثمان وعشرين ومائة (١٢٨ هـ)، وحسن بن صالح ولد سنة مائة وتوفى سنة سبع وستين ومائة، وسماعه من أبى الزبير ممكن. ومذهب الجمهور إن أمكن لقاءه لشخص وروى هذه فروايته محمولة على الإتصال، فحمل على أن الحسن سمعه من أبي الزبير مرة بلا واسطة ومرة أخرى بواسطة الجعفى وليث اهـ ببعض تلخيص وبالجملة فالاعتماد على الطريقة الأولى ، فقد تابع أبا حنيفة سفيان الثورى وشريك عند ابن منيع ، فبطل ما زعم الدار قطنى وابن عدى والبيهقى من تفرد أبى حنيفة والحسن بن عمارة بوصله، وبطل من قال أنه لم يروه إلا جابر الجمعفى وهو ضعيف، وربما يتشبث بكلام الحافظ أبى عمر فى " التمهيد" بعد كلام ابن (١) تنبيه: اختلفوا فى اسم الكتاب المذكور فقيل " إتحاف المهرة" وقيل : " اتحاف الخبرة" وقيل: " اتحاف الخيرة، والمشهور هو الأول ٢٥٨ معارف السنين ج - ٣ عدى والدار قطنى والبيهقى فنأتى بكلام أبى عمر ثم الجواب عنه . يقول أبو عمر فى "التمهيد" (١) : "واحتجوا بحديث جابر عن التى حَ ل﴾ أنه قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)). وهذا حديث رواه جابر الجعفى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى ◌َّ ل، وجابر الجعفى ضعيف الحديث مذموم المذهب لا يحتج بمثله وإن كان حافظاً ، وقد روى هذا الحديث أبو حنيفة عن موسى ابن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله عن النبى وَّةٍ ولم يسنده غير أبى حنيفة وهو سئ الحفظ عند أهل الحديث. وقد خالفه الحفاظ فيه سفيان الثورى وشعبة وابن عبينة وجرير ، فرووه عن ابن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا، والصحيح فيه الإرسال ، وليس مما يحتج به ، وقد رواه الليث بن سعد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبى الوليد عن جابر بن عبد الله فأدخل بين عبد الله بن شداد وبين جابر أبا الوليد هذا وهو مجهول لا يعرف، وحديثه هذا لا يصح". فتلخص من إيرادات هؤلاء المحدثين على أسانيد حديث جابر أمور : الأول: إن الحديث بالأسانيد الصحيحة مرسل حيث اتفق ثقات أثبات على روايته عن عبد الله بن شداد مرسلاً وليس بمسند. الثانى : إن من أسنده من الرواة ففيه انقطاع بين ابن شداد وبين جابر . . الثالث: إن من رواه موصولاً فأثبت بين ابن شداد وبين جابر أباالوليد وهو مجهول . الرابع : إن من رواه موصولاً مسنداً ففيه إما مثل جابر الجعفى وهو ساقط أو مثل الليث بن أبى سليم أو أبى حنيفة أو الحسن بن عمارة وهم ضعفاء ، (١) مخطوط ( ٣ - ٢٢٤) فى مكتبة بير جهندا فى السند . ٢٥٩ الجواب عما أوردوا فى هذا الحديث وبالجملة فالحديث إما مرسل وإما منقطع وإما معلول ضعيف الرواية من فيه ضعف . والجواب عن الأول : أن المرسل حجة عند الجمهور ولا سيما إذا كان الراوى المرسل عن الصحابة، وهنا كذلك حيث إن عبدالله بن شداد صحابى صغير له رواية لبس له سماع كما حققه الحافظ فى " الإصابة" فالمتروك صحابى وهو المتبادر ومثله حجة عند المحدثين قاطبة وعن الثانى والثالث : إنه ليس الإنقطاع فيه ، وأبو الوليد كنيته عبد الله ابن شداد ووقع بدلاً بإعادة الجار فليس بمجهول، وأما جهالة طلحة فى رواية البيهقى فى " كتاب القراءة" فأيضاً ليس بصحيح بل المتبادر أنه طلحة بن أبى سعيد الاسكندرانى، فإن الليث يروى عنه فإذاً هو من رجال البخارى. وراجع لمزيد البيان " فصل الخطاب " لشيخنا إمام العصر ( ص - ٩٦ و ٩٧ ). وعن الرابع: فإن هناك أسانيد ليس فيها الجعنى، وليث بن أبى سليم متحمل ليس بساقط ، وأبو حنيفة مع كونه ثقة عند ابن معين وشعبة وابن القطان وغير واحد من أعلام الجرح والتعديل كما حققه ابن عبد البر فى "الإنتقاء " وفى " جامع بيان العلم ": ليس بمتفرد بل تابعه سفيان عند ابن منيع وكذلك شريك القاضى عنده وهو من رجال " مسلم". والحسن بن عمارة وإن ضعفه شعبسة فقد اتضح وجه تضعيفه مما رواه الرامهر مزى فى " المحدث الفاصل " وهو وجه غير قوى، وعبارة "المحدث الفاصل" نقلته من نسخة مخطوط بالقاهرة مطبوعة مع " نصب الرأية". واسناد ابن أبى شيبة قوى لا غائلة فيه ، ليس فيه أبو حنيفة ولا لیٹ بن أبى سليم ولا جابر الجعفى، وهو متصل على رأی الجمهور ، ووقوع الجعفي فى بعض طرقه ليس بضائر حيث إنه من قبل المزيد فى متصل الأسانيد كما أسلفنا تحقيقه عن " الجوهر النقي" فخذ الكلام محرراً وملخصاً وكن من الشاكرين . ٢٦٠ معارف السنن ج - ٣ ويقول الحافظ ابن قيمية فى " فتاواه": وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة ، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسله من أكابر التابعين ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم الخ . ثم أقول بمزيد الإيضاح والبيان أن ما ذكره الدار قطنى من تضعيف أبى حنيفة والحسن بن عمارة : فأما تضعيفه أبا حنيفة فقد وافاه البدر العينى كيلو بكيلٍ وصاعاً بصاع فى "العمدة" (٣ - ٦٦)، والحافظ الزيلعى فى بحث الجهر بالبسملة من كتاب " نصب الراية". والمحشى على كتابه الشيخ عبدالعزيز فى هذا البحث كل كشف النقاب ى مثله عن دخائل الدار قطنى . فمن كان تأذى بهفوة الدار قطنى فليجبر فؤاده بما ذكروه . ولسنا فى حاجة أن نخوض فى غمار مناقب أبى حنيفة الإمام الذى طبق عدمه الشرق والغرب واشتهر صيته فى الآفاق علماً وفضلا وورعاً وزهداً وأمانة وديانة مما امتلأت به كتب التاريخ وأجزاء المناقب من علماء المذاهب الأربعة . ويقول ابن نديم فى " كتاب الفهرست" الذى أصبح منهاجاً ونبراساً لمن بعده فى ( ص - ٢٨٥): والعلم براً وبحراً شرقاً وغرباً بعداً وقرباً تدوينه - أى أبى حنيفة رضى الله عنه - أهـ . ويقول المحدث الحافظ ابن الأثير الجزرى الشافعى فى مقدمة " جامع الأصول " ما معناه: لو لم يكن له سرخفى لما كان شطر هذه الأمة من أقدم عهد إلى يومنا هذا يعبدون الله سبحانه على مذهب هذا الإمام الجليل اهـ . حكاه الكوثرى فى مقدمة " نصب الرأية" (ص - ٣٩). ويقول ابن حجر المكى الشافعى فى "الخيرات الحسان": قال بعض الأئمة لم يظهر لأحد من أئمة الإسلام المشهورين مثل ما ظهر لأبى حنيفة من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع العلماء وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وبأصحابه فى تفسير الأحاديث المشتبهة والمسائل المستنبطة والنوازل والقضاء والأحكام اهـ . وهذا كتاب " الانتقاء" المحافظ أبى عمر ابن عبد البر الأندلسى المالكى بين يدى كل أهل علم راجعه واقرأ فيه ثناء