النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ بيان الكيفيات الواردة فى الجلوس فى التشهد قام من السجدتين رفع يديه يعنى إذا قام من الركعتين )) . فى (باب سنة الجلوس فى التشهد) بلفظ "المؤطأ". فإذا ضممنا رواية النسائى إلى روايتى مالك دلنا ذلك على أمور : الأول : إن ابن عمر كان يتربع فى الأولى أيضاً كما كان يتربع فى الثانية ، فإن العذر فيها واحد الثانى: إن الرجل الذى نهاه عن التربع وأرشده إلى سنة الجلوش من الإفتراش كان يتربع فى الرابعة، فعلم أن سنة القعود الأخير أيضاً الافتراش. الثالث : إن لفظ "الموطأ" لم يذكر ما يفعل بعد ما يثنى رجله اليسرى، ورواية النسائى صرحت بالجلوس عليها، فثبت الافتراش دون التورك، فهكذا انسحب حكم سنة الافتراش على القعدتين جميعاً . ومن لفظ الشيخ فى "تعليقاته على آثار السنن" (١ - ١٢١): وعند مالك ((إن الرجل تربع فى أربع، وقال لا بن عمر: فإنك تفعل ذلك، فقال عبد الله بن عمر: إنى أشتكى)). فعلم أن ابن عمر كان يشتكى ويتربع فى الأخيرة ، ثم قال فى سياق الرواية الأخرى لابنه عبد الله أيضاً: ((إنما سنة الصلاة آه)) بالعموم والقصر، فإذن فى الأخيرة الافتراش هو السنة عنده، وما علمه عبد الله بن عبد القاسم ، وحدثه أن أباه كان يفعل ذلك فإنما هو فى الجواز، ولعل الرجل المتربع هو عبد الله بن دينار كما فى "المؤطأ" من العمل فى الدعاء. وبالجملة فما ذكره ابن عمر من سنة فهولنا، ويحمل فعله على حاجة ؛ فإن ابن عمر وإن كان يتربع أو بتورك على ما فى "المؤطأ" لكن الذى سماه سنة هو الافتراش عند النسائى، ثم رأيت فى "المصنف" (ص - ٣٩٠) عن المغيرة بن حكيم الصنعانى قال: «رأيت ابن عمر متربعاً فى آخر صلاته حين رفع رأسه من السجدة الأخيرة، فلما صلى قلت له، فقال: إنى أشتكى)) وعن ابن سيرين: ((نبئت أن ابن حمر سى ( ٢ - ٢١ ) ١٦٢ معارف السنين ج - ٣ متربعاً وقال: إنه ليس بسنة، وإنما أفعله من وجع)). وراجع ما فى "المصنف" ( ص - ٥٣٦) عن ابن مسعوداهـ . قال الراقم : ولعله يشير إلى ما أخرجه البدر العينى فى "العمدة" ( ٣ - ١٦٧) وابن حجر العسقلانى فى " الفتح" (٢ - ٢٥٢). كلاهما عن ابن أبى شيبة أنه روى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ((لأن أقعد على رضفتين أحب إلى من أن أقعد متربعاً فى الصلاة))، وعزاه فى " الزوائد ". (٢ - ١٣٩) إلى " كبير الطبرانى" عن الهيثم بن شهاب قال: وقد وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. فهذه أقل أحواله أن التربع ليس بسنة، وإن كان ثبت فيكون بياناً للجواز أو محمولاً على العذر ، فلينظر القارئ أن القوة فى أى جانب بالأخذ ، وهل ورود شئى فى "صحيح البخارى" من حكاية لا عموم لها أولى بالعمل أم العمل بما يدعيه ابن عمر عند النسائى وابن أبى شيبة أنه السنة - أى منته ◌َّله الجارية المستمرة -، وأضف إلى ذلك مارواه أحمد فى "مسنده" ( ٣ - ٢٣٣) عن أنس بن مالك: ((إن رسول الله حَ لاءُ نهى عن الإقعاء والتورك)). ورواه ابن السكن والبيهقى أيضاً كما فى "التلخيص الحبير "، ورمز عليه فى " الجامع الصغير" بالصحة، ثم ما ذكر فى "المسند" بعد رواية الحديث قال عبد الله: ((كان أبى قد ترك هذا الحديث ١ هـ) فلعله تركها نفقهاً ذهاباً منه إلى جواز التورك. وبالجملة لا حجة لهم فى ذلك على الخصم بعد صحة الحديث واستقامة اسناده ، وعزاه فى "الزوائد". (٢ - ٨٦) إلى " البزار " عن شيخه هارون بن سفيان، قال: ولم أجد من ذكره ، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ . قال الراقم: ورجال أحمد على شرط مسلم ، فلا ريب فى محته ، وفى " الزوائد" (٢ - ٨٦): وعن سمرة: ((إن النبى ◌َلَّ نهى من التورك والإقعاء، وأن لا نستوفز فى صلاتنا)) رواه البزار والطبرانى فى البحث فى ترجيح الافتراش أو التورك * الأوسط "؛ وفيه سعيد بن بشير، وفيه كلام آ هـ . قال الراقم : إن كان هو الأزدى مولاهم أبو عبد الرحمن وهو المتبادر فهو من رجال الأربعة ، وقد وثقه دحيم ، وقال شعبة : صدوق الحديث . كما فى "التهذيب" (٤ - ٩) وإن كان الأنصارى البخاري فهو مع كونه محمولاً أخرج له أبو داؤد حديثاً واحداً والله أعلم. فتلخص من هذه الحجج أن ما ذهب إليه أبو حنيفة هو الطريقة المثلى وهو الأحوط وبالله التوفيق . ثم إنه وقع فى رواية مالك عن عبيد الله بن عبد الله مصعراً وهو غلط، والصحيح ما فى رواية "البخارى" و"النسائى"" (١ - ١٧٣) (باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد ) من طريق عمرو بن الحارث عن يحيى عن القاسم عن عبد الّه بن عبد الله بن عمر الخ. وبالجملة ثبت الافتراش بحديث النسائى فى "سننه"، وثبت التورك بحديث الباب، والحديثان كلاهما صحيح ، بقى الكلام فى الترجيح وأمره أهون ، وإنما رجحنا رواية الافتراش لأن ابن عمر أطلق عليه لفظ السنية، وأما الحافظ ابن حجر فى " الفتح" (٢ - ٢٥٢) فقد استدل لترجيح التورك بما رواه مالك فى " مؤطئه" : عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس فى التشهد فنصب رجله اليمنى وثى رجله اليسرى وجلس على وركه الأيسر ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أرانى هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وحدثنى أن أباه كان يفعل ذلك اهـ . قال الشيخ رحمه الله: التورك وإن فعله ابن عمر ولكن الذى أطلق عليه لفظ السنية إنما هو الافتراش لا غير. أقول وفيما قاله الحافظ نظر من وجوه : الأول : إن رواية القاسم هذه عارضها ما عند النسائى عن القاسم نفسه عن عبد الله بن عبدالله بن عمر، وفيه تصريح بالجلوس على اليسرى وإنه من السنة. والثانى: إن القول يرجح على الفعل وبالأخص إذا أطلق عليه أنه السنة . ١٦٤ معارف السنن .ج - ٣ الثالث : إن التورك فعله واعتذر " بأن رجلى لاتحملانى"، والتربع المذكور هو أحد أقسام التورك ، فكيف يقاوم الفعل المحض مع القول المصرح بأنه" سنة؟ ، وبالأخص إذا كان الفعل لأجل العذر والله أعلم . قنبيه : إنما قلت التربع المذكور هو أحد أقسام التورك أى ليس معناه ما هو المعروف . الجلوس متربعاً بأن يجلس على الوركين ويمد اليمنى إلى اليسار واليسرى إلى اليمين ، كما زعم بعض شارحى " الموطأ" فإن هذه الهيئة لم تثبت فى رواية، وإنما الغرض من التربع ما ذكر فى حديث عبد الله بن الزبير عند "مسلم": ((إن النبى حَ لّ كان إذا قعد فى الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى)) فهذا أيضاً تورك ، ولكنه أشبه بالتربع المعروف ، ولذا أطلق عليه التربع ، وهذه الصفة هى المختارة عند الحرفى كما هو فى "المغني" (١ - ٥٨١). والثانى: نصب اليمنى وافتراش اليسرى والجلوس على الورك كما هو المنقول عن مالك ، وهو المذكور فى "المدونة" ، وهورواية الأثرم عن أحمد کما فى"المغنى" على وفق حديث أبى حمید عند البخارى . والثالث : أن يميط الرجلين جميعاً فيخرجها عن وركه الأيمن ويفضى بمقعدته الأرض ، كما ذكره أبوعمر عن الشافعى ، حكاه فى " العمدة" ( ٣ - ١٦٦)، وهى المذكورة فى حديث أبى حمید عند أبى دائد ، وهو المسنون عندنا للمرأة ، فهذه ثلاث صفات فى ثلاثة أحاديث ، وإلى كل ذهب ذاهب ، والكل حسن عندهم ، كما فى "المغنى" ( ١ - ٥٨٢) وأما الجواز فلا ننكره أيضاً، وإنما الخلاف فى الاختيار عند الأئمة الأربعة . قال فى "البحر" (١ - ٣٢٣): وهذا بيان السنة حتى لوتورك جازاهـ. ونظراً إلى هذا التفصيل يقوى احتجاجنا بحديث عائشة عند مسلم ، واعترف النووى بأنه حجة لأبى حنيفة . ولعل البخارى لم يخرجه لعدم ثبوت سماع أبى الجوزاء عن عائشة بيان إختلاف البخارى ومسلم فى إمكان اللقاء أو اشتراط السماع ١٦٥ كما ذكر فى "التهذيب" (١ - ٣٨٤)، وحكى عن ابن عبد البر فى "التمهيد " أيضاً أنه لم يسمع منها، ولكن ذكر ابن الأثير الجزرى فى " جامع الأصول " أنه سمع عائشة وابن عباس وابن عمر وابن العاص ، حكاه النيموى فى " تعليق آثاره " . قال الراقم : والحافظ أيضاً جوز الاتصال على شرط مسلم فى إمكان اللقاء فى "التهذيب" ، وهذا على مذهب البخارى فى اشتراط السماع وعدم الاكتفاء بالمعاصرة، ولكن مسلماً وجمهور المحدثين على خلاف ما ذهب إليه البخارى، فرواية الثقة الغير المدلس بالعنعنة محمولة على السماع عند مسلم وجمهور المحدثين اكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء ، ويشترط عند البخارى وطائفة من المحدثين لحمله على السماع ثبوته فى رواية ما ، والمسألة مفروغ عنها فى مقدمة مسلم وشروحه وكتب المصطلح، وصرح العراقى فى " شرح ألفيته" (١ - ٧٧ ٧٨): بأن الصحيح الذى عليه العمل وذهب إليه الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم : أنه من قبيل الإسناد المتصل بشرط سلامة الراوى الذى رواه بالعنعنة من التدليس وبشرط ثبوت ملاقاته لمن رواه بالعنعنة ، وادعى ابن عبد البر وأبو عمرو الدانى إجماع أئمة الحديث على ذلك ، ولكن اشترط الدانى أن يكون معروفاً بالرواية عنه اهـ . وحديث مسلم أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" باسناده ومتنه، وظاهره يخالفنا ، غير أن فيه سقطاً من الناسخ فلينظر فيه . قال الشيخ رحمه الله فى تعليقاته على "الآثار": وعند ابن أبى شيبة (ص - ١٩١): ((قالت كان النبى مَ﴾ إذا سجه فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوى جالساً)) ، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى )) فجعله لما بين السجدتين ، وهو عند الشافعية بالافتراش ، فلا بدرى أروايته مختصرة من رواية مسلم أوهى محمولة عليها والله أعلم ؟ . والذى يظهر أنه سقط من رواية ابن أبى شيبة جملة "وكان يقول فى كل ركعتين التحية" من البين ١٦٦ معارف السنن ج - ٣ حدثنا محمد بن بشار والحسن بن على الحلوانى وغير واحد قالوا : نا أبو عاصم نا عبد الحميد بن جعفر نا محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أباعبد الساعدى فى عشرة من أصحاب النبي ◌َّامٍ فيهم أبو قتادة بن ربعى، فذكرنحو حديث يحيى بن سعيد بمعناه ، وزاد فيه أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر أو سقط من الناسخ. وراجع "الإتحاف" (٣ - ٩٧) انتهى كلامه. ثم الفريقان من الشافعية والحنفية تعرضوا لترجيح معارهم من جهة المعنى ، فقال الشافعية : الحكمة فيه: أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأولى تعقبه حركة بخلاف الثانى ، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به ، كذا فى "فتح البارى" (٢ - ٠٢٥٥)، ومثله فى "شرح المهذب" (٣ - ٤٥١ ) وغيرهما من كتبهم . قال الشيخ : وقال الحنفية : كل ماتكرر فى الصلاة تكون على شاكلة واحدة ، كالسجود والركوع وغيرهما . قال الراقم : لم أقف على مأخذه فيما عندى من المراجع . قوله : والحسن بن على الحلوانى ، هو أبوعلى الخلال الحلوانى ، بضم المهملة نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين - أى بعد المائتين - كما فى " التقريب ". وقال المحدث الفتنى فى " المغنى": الحلوانى بضم مهملة وبعد الألف نون، ومنه الحسن بن على صاحب السنن، سمع عنه الشيخان، ومنه الخلال أبو محمد الحسن بن على الخلال الحلوانى اهـ . الحلوانى هذا منسوب إلى بلدة . قال صاحب "القاموس": وحلوان بالضم بلدان وقريتان ١ هـ وليراجع " أنساب السمعانى " و" التاج " الزبيدى و " معجم البلدان" لياقوت الحموى حتى يتبين من أى حلوان هو؟ . وأما شمس الأئمة الحلوانى فليس منسوباً إليها كما زعم ، بل منسوب إلى الحلوى ، ويقال ١٦٧ تحقيق نسبة الحلوانى - واطلاق التشهد على الأذان هذا الحرف قالوا: صدقت، هكذا صلى النبى ◌َ﴾ . فى النسبة: الحلوانى بضم الداء المهملة وفتحها، والحلاوى والحلوانى، قال فى "المغنى": الحلوانى بفتح حاء نسبة إلى عمل الحلواء ، وأثبت السمعانى النون بعد الألف، ولا يصح إلا أنه تبع السماع منه عبد العزيز بن أحمد الجنفى، نفقه على أبى على الحسين النسفى المتوفى سنة - ٤٤٨ - ٨ ٢١. وفى " القاموس": ونسبة إلى الحلاوة شمس الأئمة عبد العزيز ابن أحمد الحلوانى، ويقال بهمز بدل النون اهـ. قال الراقم : فالنسبة غير قياسية كالطبرافى إلى الضربة . قتبيه: راعيت فى شرح الحديث ما تعرض إليه الشيخ رحمه الله فى " أماليه" على "الترمذى" ولم أتعرض لبقية الشرح إلا ما ضنت أنه فى غاية من الأهمية ، وذلك لأمرين: أما أولاً". فالإقتصارنا على ما هو الأهم. أو عنى ما خفى، وثانياً: فلما بسط فيه الكلام الشارحان البدر والشهاب، وحديث رفاعة وإن لم يخرجه الشيخان فقد وقع شرح أكثر كلماته عند الشارحين تبعاً ، علا أن الراقم ذكر فى غضون البحث ما يحتاج إليه، ثم إن قوله فى حديث رفاعة: ((ثم تشهد فأقم أيضاً ، وقع كذلك عند أبى داؤد من طريق عباد بن موسى الختلى عن إسماعيل بن جعفر لكنه بحذف "أيضاً"، والمراد بالتشهد الأذان، وإنما سمى به لاشتماله على الشهادتين، ويناسبه أن يكون المراد من " فأقم " الإقامة. ولكن فيه أن الأذان والإقامة لم يقل بهما أحد للمنفرد إلا بالندب ، ولا يلائمه ظاهر الأمر ويمكن أن يكون المراد بالتشهد : شهادة أن لا إله إلا الله الخ. بعد الوضوء ، كما ورد فى الحديث ، وإذن يكون " فأقم" أمراً بإقامة الصلاة، ولكنه لا يلائمه كلمة " أيضاً " عند الترمذى، ولم أقف على هذه الزيادة عند غيره فالله أعلم، ولم يسكن القلب فى شرحها إلى جهة فليحقق، وقد ذكر الشرحين القارى فى " المرقاة" ( ١ - ٥٠٧ ) A ١٦٨ معارف السنن ج - ٣ ( باب ما جاء فى القراءة فى الصبح ) حدثنا هناد نا وكيع عن مسعر وسفيان عن زياد بن علاقة عن عمه قطبة ابن مالك قال: «سمعت رسول اللّه عَلَّ بقرأ فى الفجر " والنخل باسقات" فى الركعة الأولى ». قال: وفى الباب عن عمرو بن حريث، وجابربن سمرة وعبد الله بن السائب وأبى برزة ، وأم سلمة . قال أبو عيسى : حديث قطبة بن مالك حديث حسن صحيح . وروى عن النبى ◌َُّل أنه قرأ فى الصبح " بالواقعة". وروى عنه أنه كان يقرأ فى الفجر من ستين آبة إلى مائة . وروى عنه أنه قرأ " إذا الشمس كورت ". وروى عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى : أن اقرأ فى الصبح بطوال المفصل . -: باب ما جاء فى القراءة فى الصبح :- الغرض من هذه الأبواب بيان ما روى فى تقدير القراءة بعد الفاتحة فى الصلوات ، وتقدم بعض تفصيل فى حكم القراءة ، وجملة القول فيها أن ضم السورة أو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة واجب فى ركعتى الفرض عند أبى حنيفة ، وسنة عند الجمهور ، وفى الأخريين أو ثالثة المغرب فلا يسن عند أبى حنيفة ومالك وأحمد ، ويسن عند الشافعى فى المشهور . أنظر "شرح المهذب" (٣ - ٣٨٦) و"المغني" (١ - ٦١٨). ثم إن القدر المستحب فى القراءة فى الصلوات كلها يكاد يكون أمراً متفقاً بينهم كما وردت به السنة كما هو ظاهر من " المغنى" من كتب الحنابلة ، و"شرح المهذب" من كتب الشافعية، و "البدائع" و" فتح القدير" وسائر متون الحنفية، بل يكاد يتفق ألفاظهم فى التعبير. أنظر لفظ " مختصر الخرفى" من " المغني" (١ - ٦١١)، ولفظ "المهذب" من "شرحه" (٣ - ٣٨١)، ولفظ " الكنز" و"الوقاية" من ١٦٩ بيان اختلاف تقدير الكمية فى القراءة بالآيات والسور قال أبو عيسى: وعلى هذا العمل عند أهل العلم. وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعى . كتب الحنفية مع اختلاف فى تعبير طوال المفصل وأوساطه وقصاره فى المذاهب كلها ما هو مبسوط فى كتب الفته ، ومع اختلاف يسير فى الظهر والعصر على حسب اختلاف الروايات واختلف عبارات كتبنا فى تقدير كمية القراءة ، فاعتبر بعضهم بالسور وبعضهم بالآيات ، ففى "الوقاية" و" النقابة" و"الكنز" وأكثر المتون قدرها بالسور ، والمنقول فى " الجامع الصغير" و"الأصل" للإمام محمد و" المجرد" لحسن بالآيات . أنظر تفصيل ذلك فى " البحر الرائق" من آخر صفة الصلاة ( ١ - ٣٤٠). كما أن الأحاديث الواردة فى الباب مختلفة فى بيان كميتها بالآيات والسور كل ذلك مذكور فى الصحاح فى الأحاديث التى أشار إليه الترمذى فى الباب ، وجملة منها ذكرها النووى مجموعة فى كتابه " هموء"" (٣ - ٣٨٢) وما بعدها، والزيلعى فى "نصب الرأية" (٢ - ٤) وما بعدها. قال الشيخ : ومولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى كان يعتبر بهما جميعاً أقول : كان الشيخ رحمه الله استفتى الشيخ المحدث الخنكوهى عن سبب تحديد الفقهاء القدر المسنون بالآيات بعد تحديدهم بالسور : ما الذى دعاهم إلى ذلك ؟ فأجاب رحمه اللّه بأنه فى الأوساط ما هو من الطوال وبالعكس ، فاحتاجوا إلى التحديد بالآيات كى ينكشف الحال ، هكذا أحفظ فما رأيت ذلك الاستفتاء والفتوى بخطها قبل عدة سنين، فلعل شيخنا أشار إلى هذا والله أعلم . ثم إن المراد من المائة أو الستين فى الفجر فى الركعتين جميعاً . قال ابن الهمام فى "الفتح" (١ - ٢٣٦): المراد أن الأربعين والخمسين والستين والمائة منقسمة على الركعتين اهـ . وحجتنا فى استحباب قراءة طوال المفصل فى ( ٢ - ٢٢ ) ١٧٠ معارف السنن ج - ٣ ( باب ما جاء فى القراءة فى الظهر والعصر ) حدثنا أحمد بن منيع نا يزيد بن هارون ناحماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة: ((أن رسول اللّه حَلّه كان يقرأ فى الظهر والعصر "بالسماء ذات البروج"، "والسماء والطارق" وشبهها)). الصبح والظهر وأوساطه فى العشاء والعصر وقصاره فى المغرب أثر عمر الفاروق فيما كتبه إلى أبى موسى إلى اليمن، وهو ما أشار إليه الترمذى، ورواه عبد الرزاق فى " مصنفه " من طريق الثورى عن على بن زيد بن جدعان عن الحسن وغيره ، قال كتب عمر إلى أبى موسى : أن اقرأ فى المغرب بقصار المفصل ، وفى العشاء بوسط المفصل ، وفى الصبح بطوال المفصل . ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" مختصراً، وكذا البيهقى فى "المعرفة"، وفى معناه مرفوعاً حديث سلمان بن يسار عند النسائى وابن ماجه وابن حبان . أنظر تفصيل كل ذلك فى "نصب الرأية" ( ٢ - ٥) وصححه ابن خزيمة وغيره كما قاله الحافظ فى " الفتح" وغيره، وصححه النووى فى "شرح المهذب" (٣ - ٣٨٣)، وجرى بذلك تعامل الأمة من غير خلاف كما أشرت إليه من قبل . -: باب ما جاء فى القراءة فى الظهر والعصر :- قال أبو حنيفة وأبو يوسف: تطال أولى الفجر فقط دون بقية الصلوات ، كما فى سائر كتب الحنفية ، وبين فى " الكافى" التفاوت بقدر الثلث والثلثين: الثلثان فى الأولى والثلث فى الثانية، واختار فى " الخلاصة" التفاوت بقدر النصف، حكاه ابن نجيم فى "البحر الرائق" (١ - ٣٤١). وعند الشافعى: تطال الأولى مطلقاً فى قول، وهو المختار عند الخراسانييز وبالأخص فى الفجر ، كما فى " شرح المهذب" (٣ - ٣٨١). وبه قالـ الثورى ، ومن أئمتنا محمد بن الحسن، وبه قال أحمد كما فى " المغنى " ١٧١ بيان نطويل الأولى على الثانية والمذاهب فيه قال : وفى الباب عن خباب، وأبى سعيد ، وأبى قتادة ، وزيد بن ثابت ، والبراء . قال أبو عيسى : حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح . وقد روى عن النبي صَلّم: ((أنه قرأ فى الظهر قدر "تنزيل السجدة")). وظاهر الحديث يؤيده أى حديث أبى قتادة عند الشيخين، وفيه: «يطول فى الركعة الأولى ما لا يطول فى الركعة الثانية. وهكذا فى صلاة العصر وهكذا فى الضبح)). واختاره ابن الهمام فى "الفتح". وعند المالكية: يستحب تقصير الثانية زمناً ولو قرأ فيها أكثر كما فى "كتاب الفقه على المذاهب الأربعة" (١ - ١٧٦)، وقول الشافعى الآخر المختار عند العراقيين : التسوية بينها فى الكل . ويمكن أن يجاب عن جهة الإمام أبى حنيفة بأن التطويل كان لأجل الثناء والتعوذ . ولفظ صاحب "الهداية": والحديث محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية ولا معتبر بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات لعدم إمكان الاحتراز عنه من غير حرج اهـ. قال صاحب "البحر": وبحث فيه المحقق فى "فتح القدير" بأن الحمل لا يأتى فى قوله: و"هكذا الصبح" وإن حمل على التشبيه فى أصل الإطالة لا فى قدرها فهو غير المتبادر، ولذا قال فى "الخلاصة": إنه أحب اهـ. ثم ذكر ما تعقبه به تلميذه ابن أمير حاج الحلى ، وقوى مذهب الشيخين، وضعف قول صاحب "المعراج" من أن الفتوى على قول محمد. أنظر " البحر الرائق"، واستدل لمذهب إمامنا أبىحنيفة و منتابعه ومن وافقه بحديث أبىسعيد الخدرى عند "مسلم" (١ - ١٨٦): ((إن التى ◌َّ } كان يقرأ فى صلاة الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر ثلاثين آية الخ )) وهو نص فى المساواة كما يقوله صاحب "البحر الرائق" والخلاف فى الأولوية لا غير . تنبيه : تعيين الطوال والقصار والأوساط من المفصل للصلوات مستحب ١٧٢ معارف السنن ج - ٣ وروى عنه أنه كان يقرأ فى الركعة الأولى من الظهر قدر ثلاثين آية ، وفى الركعة الثانية قدر خمسة عشرآية))، وروى عن عمر: ((أنه كتب إلى أبى موسى أن (اقرأ فى الظهر بأوساط المفصل))، ورأى بعض أهل العلم أن قراءة صلاة العصر كذلك الحكم عند الكل ، غير أنه لا يتعين سورة مخصوصة إلا إذا كانت مأثورة فيها خاصة . قوله : كان يقرأ فى الركعة الأولى الخ. المراد من الركعة الأولى الشفعة الأولى أى الركعتين الأوليين كما صرح بذلك فى حديث أبى سعيد الخدرى عند مسلم فى "صحيحه" (١ - ١٨٦) (باب القراءة فى الظهر والعصر)، وكذلك ما فى "سنن ابن ماجه" (ص - ٦٠) (باب القراءة فى الظهر والعصر) يحمل على ما فى مسلم، وفيه أيضاً "الركعة الأولى" بدل "الركعتين"، و"الركعة الأخرى" بدل " الأخريين" . قوله : أن قراءة صلاة العصر كنحو القراءة فى صلاة المغرب ، المستحب عندنا قراءة أوساط المفصل فى العصر وقصاره فى المغرب ، فظاهره يخالفنا غير أن الفرق يسيروالأمر قريب من السواء ، هذا مذهب بعض أهل العلم ، ولاحجة فيه على أحد ، والحنفية ما تقدم ذكره ، ويكفى أثر الفاروق حجة فى الباب وفارقاً بين مراتب الصواب . وأما سبب اختلاف ما نقل عنه عَّ اختلاف أحواله عَلّ حضراً وسفراً. قال النووى فى" شرح المهذب": واختلاف قدر القراءة فى الأحاديث كان بحسب الأحوال، فكان النبي ◌َّ الج يعلم بحال المأمومين فى وقت أنهم يؤثرون التطويل فيطول، وفى وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه فيخفف، وفى وقت یرید إلحالتها فيسمع بكاء الصبي كما ثبت فى «الصحيحين" اهـ. قال فى "البحر": واختار صاحب "البدائع" أنه ليس فى القراءة تقدير معين، بل يختلف باختلاف الوقت ١٧٣ اختلاف مقدار القراءة فى الحضر والسفر فى الصلوات كنحو القراءة فى صلاة المغرب ، يقرأ بقصار المفصل . وروى عن ابراهيم النخعى أنه قال : تعدل صلاة العصر بصلاة المغرب فى القراءة . وقال ابراهيم تضعف صلاة الظهر على صلاة العصر فى القراءة أربع مرار وحال الإمام والقوم . والجملة فيه أنه ينبغى للإمام أن يقرأ مقدار ما يخف على القوم ولا يثقل عليهم بعد أن يكون على التمام ، وهكذا فى " الخلاصة" اهـ. أنظر " البدائع" (١ - ٢٠٦) وقد أيد ذلك بأدلة كثيرة ، وقد ثبت عنه عَ لٍ فى السفر قراءة "المعوذتين" فى الصبح، روى ذلك أحمد فى "مسنده" وابن أبى شيبة فى " مصنفه"، وأبو داؤد والنسائى فى "ستنيهما"، وابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى " مستدركه"، والطبرانى فى "معجمه" كلهم من حديث عقبة بن عامر قال: ((كنت أقود برسول اللّه عَ ل فى السفر. - إلى أن قال -: فلما نزل لصلاة الصبح صلى بهما صلاة الصبح للناس الخ » وهذا لفظ النسائى فى "سننه" (٢ - ٣١٢) فى كتاب الإستعاذة فى إحدى طرقه، وثبت فى حديث عبد الله الجهنى أن رجلا من جهينة أخبره: ((أنه سمع النبي عَلـ يقرأ فى الصبح: "إذا زلزلت الأرض" فی الر کعتین کلتیها. فلا أدری أنسى رسول اللّه ◌ٍَّ أم قرأ ذلك عمداً؟)) رواه أبو داؤد فى " سننه" فى (باب الرجل يعيد سورة واحدة فى الركعتين) (١ - ١٢٥)، وإسناده صحيح كما قاله النووى فى "شرح المهذب" (٣ - ٣٨٤). وقراءة " والتين والزيتون" فى العشاء أخرجه الشيخان من حديث البراء قال: ((إن التى بَّ ◌َلّ كان فى سفر فقرأ فى العشاء فى إحدى الركعتين "بالتين والزيتون")) وهذا لفظ البخارى فى (باب الجهر بالعشاء ) (١ - ١٠٥) من " صحيحه". ثم اعلم أن ضم السورة فى الأخريين فيه ثلاثة أقوال لمشائخنا ، ذكرها ابن عابدين الشامى : الأول : لزوم سجدة السهو بالضم . والثانى: إنه مكروه ١٧٤ معارف السنن ج - ٣ ( باب فى القراءة فى المغرب ) حدثنا هنادنا عبدة عن محمد بن اسماق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أمه أم الفصل قالت: ((خرج إلينا رسول الله تَّله وهو عاصب ولاسهو فيه. والثالث: أنه مباح ليس بسنة ولا مكروه. واختاره فخر الإسلام، أفاده الشيخ رحمه الله، ولم أر الأقوال الثلاثة منقحة هكذا عند ابن عابدين فى "رد المحتار" من صفة الصلاة ، ومن سجود السهو وغيرهما . وذكر صاحب " البحر " فى قول صاحب "الكنز": واكتفى فيما بعد الأوليين " بالفاتحة" من صفة الصلاة القولين الأخيرين، وحمل ما فى "السراج الوهاج" معزياً إلى الاختيار من كراهة الزيادة على الفاتحة على كراهة التنزية، وقال : والظاهر أن الزيادة عليها مباحة - إلى أن قال ـ: ولهذا قال فخر الإسلام وتبعه فى "غاية البيان": إن السورة مشروعة نفلاً فى الأخريين حتى لوقرأها فى الأخريين ساهياً لم يلزمه السجود، وفى " الذخيرة": وهو المختار. وفى " المحيط": وهو الأصح، وإن كان الأولى الإكتفاء بها لحديث أبى قتادة السابق آهـ وإليه جنح شيخنا رحمه الله، وحديث أبى قتادة أخرجه الشيخان، البخارى فى عدة أبواب فى الصلاة، ومنها ما أخرجه فى ( باب يقرأ فى الأخريين بفاتحة الكتاب) وفيه: ((وفى الركعتين الأخريين بأم الكتاب الخ ) . -: باب فى القراءة فى المغرب :- قوله: أم الفضل، هى والدة ابن عباس. واسمها: لبابة بنت الحارث زوجة العباس، وهى أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ◌َّ له ، كما فى "العمدة" (٣ - ٧٩ ) . قوله: خرج إلينا رسول اللّه عَ ل الخ. واقعة حديث الباب واقعة مرضى مونه عَ الجِ، وحديث الباب هذا دل على أنه فَّ له صلى صلاة ١٧٥ بحث صلوانه حَلٍّ فى مرضه المغرب هذه فى المسجد وإنه آخر صلاة صلاها رسول اللّه عَلَه، وحديث عائشة بدل على أن التى صلاها النبى فَّ ه مع أصحابه فى المسجد هى صلاة الظهر، رواه البخارى فى عدة أبواب من الصلاة والطهارة ، منها فى ( باب وإنما جعل الإمام ليؤتم به ). ورواه مسلم فى ( باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر) وفيه: ((فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر))، والكلام فى عدة أيام مرضه عّ لّ، ومن أى يوم ابتدأ مرضه. وكم مرة خرج إلى المسجد وصلى فيه ، وفى أية صلاة كان إماماً ، وفى أيتها كان مأموماً ، والكلام فى تعيين هذه الصلوات وترتيبها، وما إلى ذلك من أمور واسع جداً . والخلاف فى الروايات شديد، وأقوال العلماء فى الترجيح أو الجمع والتوفيق مختلفة ، وتحقيق الكلام فيه يحتاج إلى تأليف مستقل ليس هذا موضع انصرام البحث ، ومن أهم المسائل المتعلقة بهذه القصة مسألة اقتداء القائم خلف القاعد، ويأتى الكلام فيها مستوعباً فى بابه، ومسألة ركنية الفاتحة فإنه بجد خالٍ أخذ القراءة من حيث انتهى أبو بكر ، كما فى رواية ابن ماجه، وهو حديث صحيح باعتراف الحافظ ابن حجر ؛ والشيخ رحمه الله استوفى الكلام فيها فى رسالته ((خاتمة الخطاب فى فاتحة الكتاب))، وعسى أن أعود إليها فى مسألة الفاتحة خلف الإمام فى الباب بعد باب وبمر عليك نتف من ملتقطات لها علاقة بالبحث من غير خوض كثير فى غماره وبالله التوفيق وقال البدر العينى فى "العمدة" (٣ - ٧٩) وابن حجر العسقلانى فى "الفتح" (٢ - ١٤٥ و٢٠٤ ) . إن الصلاة التى حكتها عائشة كانت فى المسجد ، والتى حكتها أم الفضل كانت فى البيت ، واحتجا فى ذلك برواية النسائى فى «سننه" فى (باب القراءة فى المغرب بالمرسلات ) (١ - ١٥٤) حيث جاء فيها فى حديث أم الفضل : صلى منا فى بيته)، وتأولا فى لفظ الترمذى فى الحديث (( خرج إلينا)) أى خرج من مكانه الذى كان راقداً فيه إلى من فى البيت فصلى بهم . وحكى ١٧٦ معارف السنن ج - ٣ الحافظ فى " فتح البارى" (٢ - ١٤٥) عن الشافعى أنه حَّل﴾ لم يصل بالناس فى مرض موته فى المسجد إلامرة . وهذا صريح فى أن الشافعى قائل بوحدة القصة دون التعدد ، ولكن الحافظ نفسه يحكى عنه فى " المقدمة" - أى "الهدى" - (ص - ٢٥٩) القول بالتعدد دون الوحدة، فيقول: وقد حمل الشافعى رحمه اللّه الاختلاف فى كونه (جَ لّ) كان الإمام وأبو بكر يصلى مع الناس خلفه أو كان أبوبكر الإمام ورسول اللّه حَ لّ يصلى خلفه على التعدد؛ لأنه جَّاجِ مرض أياماً، واستخلف فيها أبابكر ، فلا يبعد أن يكون خرج إلى الصلاة مراراً والله أعلم انتهى كلامه . ويمكن أن يحمل قوله بنفى التعدد بعد الغيبوبة لا فى المرض مطلقاً والله أعلم. وقال البيهقى ما ملخصه : حَد ◌ُّ صلاتين فى المسجد فى مرضه : صلاة الظهر إنه صلى رسول الله يوم السبت أو الأحد وكان فيها إماماً ، وصلاة الصبح يوم الإثنين وكان فيها مأموماً مسبوقاً بركعة ، وكان فيها أبوبكر إماماً ، وهى آخر صلاة صلاها رسول اللّه صَ لّ ١ هـ. قاله فى " المعرفة"، حكاه الزيلغى فى " نصب الرأية" (٢٠ - ٤٤ و ٤٥) ثم البدر العينى فى "العمدة" (٢ - ٧١٩ )، وحكى العينى هذا التفصيل عن نعيم بن أبى هند . قال : وبه جزم ابن حبان ١ هـ. وبه جزم ابن حزم كما فى "شرح المواهب" (١ - ٣٨٤)، ووافقه الزبلعى فى "نصب الرأية" (٢ - ٤٨ )، وتبعه ابن الهام فى "الفتح" (١ - ٢٦٢). قال الراقم: ولكن الحافظ ابن كثير رد كلام البيهقى فى "البداية والنهاية" (٥ - ٢٣٥ و٢٣٦) ما ملخصه: إن صلاة الصبح لم يصلها مع القوم فإن حديث أنس بن مالك صريح فى أنه لم يقدر عليه أن يصليه مع القوم، وإنه عَُّلّ انقطع عنهم ثلاثاً، فكيف يصح أن يصلى الظهر يوم السبت أو الأحد؟ وإنما يصح أن آخر صلاة صلاها معهم الظهر كما فى حديث عائشة ، ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ولا يوم الأحد، ١٧٧ تحقيق تعداد صلواته حّ له فى مرضه مع الجماعة وإن صلاة الصبح من يوم الإثنين يوم الوفاة صلى فى بيته لا مع الجماعة ، وقد أخذ البيهقى هذا من مغازى موسى بن عقبة وهو ضعيف ، علا أنه تابعى ويقدم قول الصحانى على التابعى اهـ ، وقال الضياء المقدسى وابن ناصر: صح وثبت أنه حَكلٍّ صلى خلف أبى بكر مقتدياً به فى مرضه الذى توفى فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له بالرواية، كما حكى عنها العينى فى "العمدة" (٢ - ٧١٩)، واختاره ابن الملقن وقال: وقد نصر هذا القول غير واحد من الحفاظ ، منهم الضياء وابن ناصر ، كما فى "المواهب اللدنية"، وابن ناصر هذا هو محمد بن ناصر السلامى محدث العراق، وليس الشمس الدمشقى كما نبه عليه الزرقانى شارح " المواهب"، وقد حكى هو أيضاً عن الشافعى الحمل على التعدد على وفق ما حكينا عنه من كلام ابن حجر فى المقدمة ، ولكن كلامه فى "الأم" (٢ - ١٨٥) كما حكاه فى حاشية " نصب الرأية" صريح فى نفى التعدد والله أعلم. قال الشيخ: والذى تحقق أنه فَ الجُ صلى أربع صلوات فى مرضه مع الجماعة والكلام فيه طويل ، وألقيته على الطلبة فى تدريس " صحيح البخارى ". أقول: وفى " فيض البارى" من أماليه على "صحيح البخارى" (١ - ٢٩٨) ما حاصله : إنه اشترك فى أربع صلوات : الأولى : العشاء فى أول غيبوبته التى أغمى عليه من ليلتها فخرج إلى المسجد وصلى بهم وخطبهم . والثانية : صلاة الظهر كما هو مصرح فى رواية " الصحيحين". و"الثالثة: صلاة المغرب كما فى حديث أم الفضل . والرابعة : صلاة الصبح كما فى " مغازى موسى بن عقبة" ، وما يوهمه رواية البخارى - ومسلم - من أنه لم يصل معهم ، فالتوفيق أنه لم يخرج إلى المسجد بل اقتدى خلف أبى بكر فى بيته ، فهذه أربع صلوات فى مرضه مع الجماعة ، أى فالثلاث فى المسجد ( ٢ - ٢٣ ) ١٧٨ معارف السنن ج - ٣ والرابعة فى البيت والكل مع الجماعة . قال : والذى تأول فيه العينى وابن حجر بالخروج من مكان الرقاد استدلالاً برواية النسائى فغير صحيح عندى . ورواية النسائى هذه فيها علة عندى ، وقال فى " تعليقاته " على " آثار السنن" ( ٢ - ٦٠): وما عندى النسائى ( ص - ١٥٤) والطحاوى ( ص - ١٢٥) فلعله دخل على عبد العزيز ابن أبى سلمة حديث أنس هذا ( أى صلى رسول اللّه ◌ٍَّ فى مرضه خلف أبى بكر قاعداً فى ثوب واحد متوشحاً فيه ) وأيضاً بين حميد وأنس ثابت كما ذكره الترمذى ، وإنما حديث أم الفضل عند ابن عباس لا غير انتهى كلامه ، بريد الشيخ أن كل من أخرج حديث أم الفضل فإنما أخرجه من حديث ابن عباس عن أم الفضل ، وتفرد النسائى فى إخراجه من طريق عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن حميد عن أنس عن أم الفضل ، فلعله دخل على الماجشون حديث أنس المذكور وهو حديث آخر ، فيكون ملفقاً ، ورواية الطحاوى أصرح فى التلفيق من رواية النسائى أقول : وهذا إنما يتم إذا كان "فى بيته" فى حديث أنس المذكور ، ولم أجده مع اعتبار أكثر طرقه من " مسند أحمد" من الجزء الثالث وغيره والله أعلم . وربما بخطر بالبال أن الحديث بهذا الاسناد والمتن رواه موسى بن داؤد عن عبدالعزيز بن سلمة عند أحمد (٦ - ٣٣٨) والنسائى والطحاوى ، وتفرد به ولم يتابعه أحد على هذا الإسناد ، ولا على هذا المتن ، وموسى بن داؤد وإن أخرج له مسلم حديثاً واحداً ولكن قال أبو حاتم : شيخ فى حديثه اضطراب ، كما فى "التهذيب" فلا يبعد أن يكون هذا منه شاذاً والله أعلم بالصواب . قال الشيخ : وبعد تسليم كونها صحيحة أقول : "فى بيته" حال عن ضمير المتكلم المجرور أى أم الفضل، لا عن الفاعل أى النبى ◌َله. فالمراد أنه عَل كان صلى فى المسجد واقتدت أم الفضل به من بيته . وروى عن مالك (( أن ١٧٩ الدلالة على مواطن البحث عن صلواته عَل: رأسه فى مرضه فصلى المغرب فقرأ " بالمرسلات" فاصلاها بعد حتى لقى الله عز وجل » . الناس كانوا يقتدون بالإمام من حجرات أمهات المؤمنين )) يشير إلى ما فى "المدونة" (١ - ٨٢). قال ابن القاسم: قال مالك: وقد بلغنى أن داراً لآل عمر بن الخطاب وهى أمام القبلة كانوا يصلون بصلاة الإمام فيها فيما مضى من الزمان اهـ . فائدة : من أراد أن يقف على تفصيل أطراف هذا الموضوع من وفاته وصلواته فى مرض مونه ◌َّ فليراجع "عمدة القارى" من الجزء الثانى ( ص - ٢٧٤ و٢٧٥ و٧١٨ و٧١٩ و٧١٤ و٧١٥ و٧٣٥ و٧٤٥) ومن الجزء الثالث (ص - ٧٩) ومن الثامن (ص - ٤٣٧ و٤٣٨)، ومن " فتح البارى" من الثانى: ( ص - ٢٠٤ و١٢٩ و١٣٠ و١٣١ و١٤٤ و١٤٥ و١٣٨) ومن الأول: (ص - ٢٦٢) ومن الرابع: ( ص ـ ٢٥٦) ومن الثامن ( ص (ص - ١٠٨) ومن المقدمة (ص - ٢٥٩). ومن "شرح المواهب" (١ - ٣٨٣) ومن "نصب الرأية" مع تعليقاتها (٢ - ٤٤) وما بعدها ، ومن "البداية والنهاية" (٥ - ٢٣٢) وما بعدها ، ومن "السيرة الحلبية" من أواخر الثالث . وهذا ما وقفنا عليه وقرأناه بدقة وتفكير واقتنعنا الآن بالإجمال بالدلالة على مآخذ البحث إعانة لمن أراد التحقيق وبالله التوفيق . تنبيه : رقم صفحات "الفتح" طبع الميرية، و"العمدة" طبع الآستانة ، و "نصب الرأية" طبع المجلس العلمى. قوله : فقرأ بالمرسلات . هذا دليل الجواز عندنا فى المغرب ، واستدل به وبأمثاله بأن وقت المغرب ممتد ، وبأن له وقتين، كما ذكره الخطابى وغيره وجنح إليه الحافظ فى " الفتح". ولكن المستحب عتدنا فيه قصار المفصل ١٨٠ معارف السنن ج - ٣ وفى الباب عن جبيربن مطعم، وابنعمر ، وأبى أيوب. وزيد بن ثابت . قال: حديث أم الفضل حديث حسن صحيح. وروى عن النبى معَ المُ: ((أنه قرأ فى المغرب " بالأعراف" فى الركعتين كلتيهما)). وروى عن النبى بَلٍ: ((أنه قرأ فى المغرب " بالطور". وروى عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى: ((أن اقرأ فى المغرب بقصار المفصل)). وروى عن أبى بكر أنه قرأ فى المغرب بقصار المفصل )) . قال : وعلى هذا العمل عند أهل العلم . وبه يقول ابن المبارك وأحمد وإسحاق . وقال الشافعى: وذكر عن مالك أنه يكره أن يقرأ فى صلاة المغرب بالسور الطوال نحو: " الطور" و"المرسلات". قال الشافعى: لا أكره ذلك بل أستحب أن يقرأ بهذه السور فى صلاة المغرب . وكذلك عند الجمهور كما تقدم ، وطائفة من التابعين والظاهرية قالوا : باستحباب ما ورد من " الأعراف" و"الطور" و"المرسلات"، كما فى "العمدة" (٣ - ٨١ و٨٢)، وفى " فتح البارى" (٢ - ٢٠٦): وقال الشافعى : لا أكره ذلك بل استحب ، وكذا نقله البغوى فى "شرح السنة" عن الشافعى، والمعروف عند الشافعية: أنه لا كراهة فى ذلك ولا استحباب . وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها - أى فى الكراهة - قال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل القراءة فى الصبح وتقصيرها فى المغرب ، والحق عندنا أن ما صح عن النبي ◌َّ لّ فى ذلك وثبتت مواظبته عليه فهو مستحب وما لم تثبت مواظبته عليه فلا كراهة الخ. وأكثر عادته فَ الج قراءة القصار فيه وإن قرأ أحياناً غيرها . وحجتنا فى استحباب القصار ما تقدم من كتاب عمر إلى أبى موسى الأشعرى وهو فى اليمن ، ومال الطحاوى فى أمثاله إلى أنه قرأ ببعضها لأكلها ، وذكر ذلك فى " شرح معاني الآثار" (١ - ١٢٥ ) فى حديث جبير بن مطعم: ((أنه مَّلَّ قرأ فى المغرب " بالطور")) وادعى أنه لا دلالة فى شئ من الأحاديث على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون قرأ بعض السور ، واستدل له بما رواه هشيم عن الزهرى فى حديث جبير بلفظ : ((فسمعته يقول: إن عذاب ربك لواقع الخ)) وإليه مال ابن الجوزى كما فى " الفتح" والكرمانى كما فى "العمدة".