النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ تحقيق حديث ابن مسعود وعادات المحدثين فى تصانيفهم الاجتزاء بأذان الجماعة وهى عند مسلم وغيره ، وقد رأينا الرواة يعتنون بما هو مختارهم أزيد. ولا يرغبون فى غير مختارهم لا لكمان بل لأنه عندهم مرجوح . وما تقول فى ترك المصنفين ما لايختارونه كما يترك البخارى بعض الأحاديث رأساً . وكما جعل مالك فى حديث ابن عمر وجوهاً ، والبخارى فى "فصاعداً" و" أنصتوا"، وما فعلوا فى الرفع بين السجدتين وبعد الركعتين. ويراجع "المستدرك" (٢ - ٢٢٦) فى كثرة تعارض حديثين صحيحين عند مثل مسلم . فإن أخذه ابن إدريس مرجوحاً أو رخصة أو من فعل ابن مسعود لا نقلاً للشريعة فقد يبنى عليه تركه فلا ترقب وإن فى المعاذير لمندوحة وكانوا تارة يروون لتعليم ما يختارون العمل به ، وتارةً لاستيفاء الواقع لا غير ، فليكن منك على ذكر وهون من نفسك آه . وقال فى ( ص - ٧٠ ) : وعبد الله بن إدريس كان فى المسائل على مختار أهل المدينة ذكره فى "التهذيب" فلعله لم يجمع ما هو مختار أهل الكوفة بخلاف سفيان فكان ما ذا فافهم فإن فى الزوايا خبايا ، وفى الناس بقايا . ثم إن أحمد قد أخرج فى " مسنده" حديث ابن مسعود فى مواضع وجعل كما فى "العمدة" ( ١ - ٧٠٦) کتابه أصلاً فيما هو ثابت وفيما هو غير ثابت ، وبوب عليه النسائى وشرطه معلوم اهـ. وقال ( ص - ٧١ ): ثم إن مذهب عاصم بن كليب كما فى " العمدة" وسفيان ووكيع ترك الرفع فيكونون اعتنوا بحديثه أشد الاعتناء وبنوا مذهبهم عليه ، وسفيان إذا روى لهم الجهر بآمين كان أحفظ الناس . ثم إذا روى ترك الرفع صار أنسى الناس آهـ . وفى " بسط اليدين" ( ص - ٣٥): وعبد الله بن إدريس يفضل سفيان عليه كما فى " التهذيب" من ترجمة شعبة اهـ. وقال فى ( ص - ٧٦ ): ثم يتبادر من سياق ابن إدريس أن فاعل التطبيق هو النبي ◌َّله وعليه بنى أبوحاتم كلامه و هو الظاهر فيه ، وعلى هذا هو فاعل فلم يرفع يديه إلا مرة عنده فى لفظ سفيان ٤٨٢ معارف السنن ج - ٢. فأعله ، وسفيان يجعله فعل ابن مسعود وهو أقرب ، وعند الحازمى عن ابن سبرين جعل الفاعل هو النبى ◌َ﴾ ولكنها رواية مستقلة لم يروها عن ابن مسعود. وإذا كان الأمر أن الفاعل فى سياق ابن إدريس هو النبي ◌َّ} وهو فى سياق سفيان ابن مسعود لم يتعارضا وكان وصفاً قولياً فى التطبيق وفعلياً فى ترك الرفع فاحفظه ولا تفسنا. وقد نقل الآخرون من الرواة أيضاً قولاً وفعلاً منه فى التطبيق فاتفقوا فى المآل ولم يبق اضطراب أصلاً والله أعلم بحقيقة الحال آهـ. وقد ذكروا وجوهاً أخر لترجيح رواية سفيان على رواية ابن إدريس تركناها اختصاراً فليراجع ( ص - ٧٧ و٧٨) من " نيل الفرقدين " ومواضع من " بسط اليدين ". قال الشيخ: والحافظ ابن حجر وإن لم يظهر رأيه فى التصحيح فى "الفتح" ولكن يلزمه تصحيحه حيث جعله دليلاً على عدم وجوب الرفع . قال الراقم: حيث يقول فى "الفتح" (٢ - ١٨٢): وقد صححه بعض أهل الحديث لكنه استدل به على عدم الوجوب اهـ . فانظر كيف يصححه للاستدلال على عدم وجوب الرفع ويقول عند استدلال الخصوم به لعدم الرفع ورده الشافعى بأنه لا يثبت اهـ . ثم إن ما ذكره البخارى من الطعن فى حديث البراء من تلقين يزيد بن أبى زياد وأشير إليه فى " العرف الشذى" فسنرجع إليه فى آخر الباب إن شاء اللّه تعالى . ولما انتهى بنا الكلام إلى حديث ابن مسعود وددنا أن نلخص كلاماً فى تقوبة حديث ابن مسعود من "نيل الفرقدين " التقاطاً منه فى بعض مواضع أو اختصاراً فى بعضها كما وعدنا سابقاً فى التنبيه حيث أصبح عماداً للتاركين فى الباب وبالله التوفيق . فاعلم أن إعلال حديث ابن مسعود بلفظ: ((ألا أصلى بكم صلاة رسول اللّه عَّ ل فصلى فلم يرفع يديه إلا فى أول مرة)) لا يمكن لأنهم قد صرحوا أن ابن مسعود لم يثبت عنه الرفع كما فى " الإستذكار" و"الفتح" فلو أعلوه لزمهم ادعاء أنه كان يرفع ، وقد تواتر نقل العلماء عنه خلافه فإذا وجه ابن المبارك ٤٨٣ تحقيق ثم لا يعود ولم يرفع إلا فى أول مرة فى رواية عبد الله انكاره كما عند الترمذى إلى لفظ آخر وهو قوله : قد روى عن ابن مسعود أيضاً: ((إن النبى معَّل﴾ لم يرفع إلا فى أول مرة)) وكذا نقله الدارقطنى عنه فى " سننه" وأصرح منه عبارة البيهقى وبنحو هذا اللفظ من قول ابن مسعود بناءً على كونه ناقلا فعله ◌َّل أعله أبو حاتم كما نقله ابنه عنه فى " العلل" فخرج كلاهما عما نحن فيه . ولذا لما أخرج الترمذى حديثه الآخر من فعله بعد ذلك حسنه ، وصنيع الترمذى باختلاف اللفظين وتضعيف الأول بقول ابن المبارك وتحسينه الثانى ثم تأييده بعمل غير واحد من الصحابة والتابعين أوضح دليل على ما ذكرنا ( وعلى الأخص صنيعه فى نسخة الجامع للشيخ عبد الله بن سالم البصرى بمكتبة بير جهنذا بالسند ، وفى نسخة الشيخ عبد الحق الدهلوى كما فى " شرح سفر السعادة " حيث نقل كلام ابن المبارك وختم به الباب ثم بوب بقوله : ( باب من لم يرفع يديه إلا فى أول مرة ) وذكر فيه حديث ابن مسعود و حسنه ، وهو الموافق لعادته فى المسائل الخلافية بين الحجازيين والعراقيين بافراد الباب لكل منهم كما فى تعليقات الشيخ عبدالعزيز الفنجابى على "نصب الراية". وبالجملة فهذا ما صنعه ابن المبارك ثم استأنفوا العمل فكل من البخارى وأبى حاتم ثم الدار قطنى ثم البيهقى ثم ابن القطان كل يستأنف عمله ويستدرك على من قبله . فاين القطان فى "كتاب الوهم والايهام" صحح الحديث باللفظ الأول وأعل بلفظ ثم لا يعود لأن وكيعاً كما قال يقولها من قبل نفسه ، وتارة اتبعها الحديث كأنها من كلام ابن مسعود فإذا جعله من كلام وكيع نقل كلام ابن مسعود ، وإن ضمير لا يعود عائد على النبى ټ ◌ّ أمكنه اعلاله وإلا لم يمكنه وهو كما ترى ، وكذا انكار الدار قطنى وغيره راجع إلى أن يكون ابن مسعود نقله من فعله ◌َّجِ صريحاً. واما أن يكون قال أولاً: ألا أصلى بكم .... ثم صلى ولم يرفع هو - أى ابن مسعود - يديه إلا فى أول مرة. فلا يمكنهم ( م - ٦١ ) - ٣٣ - ٤٨٤ معارف السن ج - ٢ إعلاله ؛ وإلا لكانوا التزموا خلاف الواقع . وكذا ما ذكره الحافظ فى "التلخيص": إن أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن آدم قالا: هو ضعيف نقله البخارى عنها اهـ . فهو من الحافظ عجلة تأخذ المرأ عند الظفر بالمقصود من غير أن يمعن نظره فى الكلام وأين ذلك فى كلامهما ، وإنما الذى حكاه البخارى فى الجزء هكذا : قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم نظرت فى کتاب عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه " ثم لم يعد " اهـ. ثم تكلم البخارى من قبل نفسه فلا دخل لأحمد وشيخه بالتضعيف كما يريده الحافظ نعم والعجلة تعمل العجائب فالحاصل أنه لم يمكنهم الإعلال مطلقاً وإنما أمكنهم بلفظة: ((لا يعود)) أو ((فلم يعد)) ولكنه ما ذا ينفعهم بعد ثبوت ما يساويها معنى و حكماً ، وأحمد نفسه أخرجه فى " مسنده" بلفظ: ((فلم يرفع يديه إلا مرة)) فى مواضع ، وكتابه أصل فيما هو ثابت عنده . والمحدثون فى باب الاعلال یتقیدون بالألفاظ شديداً ، فلا ينبغى أن یعدو الناظر إلى غيره ولا إلى جر شئ إلى سياق آخر بعد ثبوته فى سياق ، فالوصف الفعلى منه أمر آخر والتعليمى القولى بالرفع الصريح أمر آخر. وكم بينهما فى السياق وإن كان المآل متحّاً و وتثبتهم فى ذلك معروف . ثم إنه مم نشأ الفرق بين وجوب الرفع فى التحريمة کما یقول به الأوزاعى وآخرون واستنانه فيما عداها حتى إنه عند ابن حزم كذلك فليس إلا لثبوت الترك وتوارثه ، فلزم الحافظ فى " الفتح" تصحیحه من حيث لم يشأ . فلهم فى الحديث لهجتان : جهر باعلال فى مقابلة التاركين ، واخفاء بالتصحيح فى مقابلة الموجبين ، وفى الذكر فى النفس منه تضرع وخيفة . ثم إن سفيان هو الذى يروى أحاديث الرفع من حديث وائل وجابر فيستحيل عادة أن لا يثبت فى حديث الترك ويختاره لعمله ولا يذهب ذهنه إلى التعارض أو طلب الراجح ووجه التوفيق ، وكيف لا وهو الذى نقله البيهقى مناطرته فى الترك مع الأوزاعى بل مذهب رواة الاسناد خمستهم وكيع وسفيان وعاصم ٤٨٥ تحقيق أن لابن مسعود حديثين وصف فعلى وقولى ابن كليب وعبد الرحمن بن الأسود وعلقمة كلهم ترك الرفع فهو مهم به عند هؤلاء ففصلوا وجعلوه محطاً للسياق فمن الخطأ البين القول بوهم وكيع أو سفيان أو غيرهما بعد ما فحصوا وبحثوا واختاروه مذهباً وتوارثوه طبقة بعد طبقة ولا سيما ذلك الحكم يصدر ممن بعدهم بحقبة من الدهر أو أحقاب أو إلزام بحديث آخر قد علموه وبحثوه قبلهم بزمان . والحاصل أن ابن المبارك أنكر الوصف من ابن مسعود ، ولم يتعرض للوصف الفعلى بالافكار بل رواه بنفسه عند النسائى، ويكون عنده فيه إحتمال أن يكون الاحالة على صلاة النبي عَل؟هل فى أشياء أخر غير ترك الرفع . ولم يتعرض لفعل ابن مسعود بنفسه . ثم جاء البخارى وأراد إعلال الوصف الفعلى أيضاً واستشعر أنه لا يمكن إلا أن ينفى ثبوت الترك عن أحد من الصحابة فادعاه وأصر عليه فكان تصحيح الحديث أشد من انكار الواقع ، فأنكر الواقع ليمكنه إعلال الحديث ؛ مع أن الترك متواتر عنه ، وعن على عند أهل الكوفة . لا حق لأحد أن يزاحمهم فى ذلك . ثم جاء آخرون فقلدوها ولم يشعروا بما يقولون فصححوا قول ابن مسعود : ((ألا أصلی بکم» الخ وإذا صحح هذا القدر منه وسلموه و کان الواقع أنه لم یکن يرفع كما تواتر عنه فإذن لا يكون الرفع فى تلك الصلاة إلا مرة فما ذا صنعوا وما ذا فهموا . وبالجملة لا يستقيم لهم الإعلال إلا أن يحجروا على ابن أم عبد أن يقول طول عمره: ((ألا أصلى بكم صلاة رسول اللّه عَلّ)) الخ فإذن ينفعهم ولكن كيف السبيل إليه فإنه إذا قال: ((ألا أريكم)) الخ ثم ترك ولم يرفع إلا مرة ثبت الترك مرفوعاً فافهمه . وفى هذا القدر هنا مقنع . ثم إن ما ذكره الفقيه أبو بكر بن اسحاق الشافعى وتبعه البيهقى فى " سننه " ثم ابن عبد الهادى فى تنقيحه كما حكاه الزيلعى فى " التخريج" من عدم علمه بنسخ التطبيق وغيره ثم قياسه على ذلك نسيانه للرفع وظنوا التلازم بين الأمر أى نسخ التطبيق وترك الرفع وابتهج بذلك من خلفهم فتمطقوا بحكابته فقد ٤٨٩ معارف السنن ج - ٢ أجاب عنه الحافظ علاء الدين فى " الجوهر النقي " وشيخنا فى أواخر "كشف الستر" وفى " نيل الفرقدين" والشيخ عبد العزيز فى حاشية " نصب الراية " من شاء فليراجعها . ومن المؤسف أنهم تبعوا أبا بكر بن اسحاق فى هفوته و كبوته ولم يدروا أن لكل جواد كبوة وابتهجوا بها لموافقتها آراءهم وغفلوا عن جلالة قدر أم عبد بما شحنت بها أسفار الأحاديث من جليل مناقبه وغفلوا عن كثرة اطلاعه بالسنة كما شهد به أصحاب محمد عَلّمٍ وهو الذى بعثه أمير المؤمنين عمر إلى أهل الكوفة ليعلمهم أمور دينهم وكتب إلى أهل الكوفة : إنى والله الذى لا إله إلا هو آثرتكم به على نفسى فخذوا منه. كما فى "طبقات ابن سعد" (٣ - ١١١) وفى (٥ - ٧): بعثت إليكم بعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً وآثرتكم به على نفسى فخذوا عنه (٢ - ١٠٥ ق ٢) : كنيف ملئى علماً - وفى رواية - فقهاً آثرت به أهل القادسية اهـ. وقال فيه عمر لما جاءه وينظر إليه ويتهلل وجهه : کنیف ملتى علماً ، كنيف ملئى علماً ، كنيف ملثى علماً، كما فى "الطبقات" (٣ - ١١٠) وهو الذى يشهد مثل على رضى الله عنه فيه بقوله : فقيه فى الدين عالم بالسنة كما فى " الطبقات". وقال : أما ابن مسعود فقرأ القرآن وعلم السنة وكفى بذلك كما فى "الاستيعاب" لابن عبد البر ، وهو الذى قال فيه حذيفة : ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد قَ الٍ أنه من أقربهم إلى الله زلفى كما عند الترمذى بسند صحيح. وهو الذى أصبح سادس ستة فى الإسلام ، وما على الأرض مسلم غيرهم كما فى "الإصابة" وأصبح سادس ستة فى العلم بين الصحابة كما يقول مسروق ذلك التابعى الكبير: شاممت أصحاب محمد عَّ الج فوجدت علمهم ينتهى إلى ستة إلى على وعمر وعبدالله وأبى الدر داء وزيد بن ثابت وأبى بن کعب - وفى رواية: أبموسى الأشعرى بدل أبى الدر داء - ويقول: ثم شاممت هؤلاء فوجدت علمهم ينتهى إلى على و عبد الله كما ذكره الحاكم فى "المستدرك" والعراقى فى "شرح ألفيته" (٤ - ٣٨) و ٤٨٧ حديث عبد الله والبراء وشئ من مناقب عبد الله حدثنا بذلك أحمد من عبدة الآملى ثنا وهب بن زمعة عن سفيان بن عبد الملك عن عبد الله بن المبارك . حدثنا هناد نا وكيع عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبدالرحمن بن الأسود عن علقمة قال قال عبد الله بن مسعود: ((ألا أصلى بكم صلاة رسول اللّه عَلَا﴾ فصلى فلم يرفع يديه إلا فى أول مرة )) قال : وفى الباب عن البراء بن عازب . كذا السخاوى فى شرحهوابن القيم فى " اعلامه " و" هداية الحيارى" له وروى عن الشعبى ذلك الحبر الجليل مثل قول مسروق كما فى شرح " الأنمية" (٤ - ٣٩). وفى "الطبقات" (٢ - ١٠٥) باسناد صحيح عن مسروق: لقد جالست أصحاب محمد عَّ فوجدتهم كالإخاذ فالاخاذ يروى الرجل والإخاذ يروى الرجلين والإخاذ يروى العشرة والإخاذ يروى المائة والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم فوجدت عبد اللّه ابن مسعود من ذلك الإخاذ اهـ . ولا حاجة بنا إلى ما روى فى الأمهات الست من جليل مآثره ومفاخره. و بالجملة أساءوا فى قولهم ذلك إلى علمهم كل إساءة سامحهم الله بفضله ووفقنا لاتباع الحق واجتناب الهوى وهو ولى التوفيق، وراجع من تقدمة "نصب الرأية" للشيخ الكوثرى منزلة الكوفة من علوم الإجتهاد كى يتجلى لك الحقيقة بأجلى مظاهرها . قوله : عن البراء بن عازب . أخرجه أبوداؤد فى " سننه" وتكلم فيه ، فأخرجه من طريق شريك عن يزيد ومن طريق سفيان عن يزيد وقال : روى هذا الحديث هشيم وخالد وابن ادريس عن يزيد بن أبى زياد لم يذكروا («ثم لا يعود)» . ثم أخرجه من طريق وكيع عن ابن أبى ليلى - وهو الصغير- عن عيسى أخيه عن الحكم الخ ( كذا فى الأصل والصحيح عن عيسى أخيه والحكم ) وقال بعده : هذا الحديث ليس بصحيح . وأخرجه الطحاوى من طرق والدار قطفى ٣٢ ٤٨٨ معارف السفن ج - ٢ قال أبوعيسى : حديث ابن مسعود حديث حسن . وبه يقول غير واحد وابن أبى شيبة . وظهر من تطريق أبى داؤد وكلامه أن حكمه بعدم الصحة إنما هو فى طريق ابن أبى ليلى الصغير لأنه ضعيف وإنما تكلم فى الطريقين قبلها بالتفرد ، وسينكشف حاله . وبالجملة ليس نقل عدم تصحيحه مطلقاً صحيحاً كما اغتروا به ولم بمعنوا النظر فى سياقه . قال الشيخ: والتبس على الحافظ فحکی كلامه فى حديث البراء فى حديث ابن مسعود حيث قال فى " التلخيص": قال أبو داؤد وليس هو بصحيح اهـ . ذكره بعد تخريج حديث ابن مسعود. قال الشيخ فى " نيل الفرقدين" ( ص - ٦٣): وما ذكره فى " التلخيص " من تضعيف أبى داؤد حديث ابن مسعود فإنما هو فى النسخ لحديث البراء كما فى "التخريج" و"شرح المهذب" آهـ ونقل بعضهم عن بعض نسخ " سنن أبى داؤد" بعد رواية الحديث - أى حديث عبد الله -: هذا حديث مختصر من حديث طويل وليس هو بصحيح على هذا اللفظ اهـ . فقال الشيخ فى " نيل الفرقدين » ( ص - ٧٠ ): وأخرج أبوداؤد حديث إدريس - أى ما فيه ذكر التطبيق - قبل باب لم يذكر الرفع متصلاً فليس ما فى بعض نسخه من العبارة مناسباً ، قال إنه مختصر من حديث طويل ، والمقام مقام التعريف، ولو کان لکان فی کل النسخ لكونه مهما کعامة ما يقوله فی کتیه ، وما قال فى حديث يزيد بن أبى زياد وقد بوب على الترك واهتم بذكر ألفاظهم . وإن ثبت من قوله فهو يريد أنه اختصار مخل جعل المسوق له هو هذا المقدار فقط لا يريد الكلام على الترك فقط ولذا قال على هذا المعنى اهـ. وكذا انعكس الأمر على صاحب " مشكاة المصابيح" حيث قال : وقال أبوداؤد ليس هو بصحيح على هذا المعنى اهـ. وقد علمت آنفاً ما أفاده الشيخ، وهو لو صح لصح على ذلك اللفظ لا علی ما حکاہ الجافظ مع أن أبا دائؤد تكلم فی حدیث البراء لا فی حدیث ابن مسعود ، وقد حكى بعضهم كلامه عن " التمهيد" بلفظ: قال هذا حديث ٤٨٩ حديث البراء فى ترك الرفع وتحقيقه من كلام إمام العصر من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّجُ والتابعين وهو قول سفيان وأهل الكوفة . مختصر من حديث طويل وليس بصحيح على هذا المعنى . وقال البزار فيه أيضاً: أنه لا يثبت ولا يحتج بمثله اهـ. قال الراقم: ولفظ البزار حكاه-فى " العمدة" (٣ - ٨). قال البزار : لا يصح حديث يزيد فى رفع اليدين ثم لا يعود اهـ . ونريد أن نلخص كلام الشيخ فى " نیل الفر قدین" من ( ص - ٩٤ - إلى ٩٨ ) و"بسط اليدين" مع بعض زيادة فى حديث البراء حيث طال كلامهم فى تضعيفه ، فاعلم : أن سياق حديث الدارقطنى فى " سنته " (١ - ١١٠) من طريق شعبة عن يزيد بن أبى زباد قال سمعت ابن أبى ليلى يقول سمعت البراء فى هذا المجلس يحدث قوماً منهم كعب بن عجرة قال : ((رأيت رسول اللّه عَ له حين افتتح الصلاة يرفع يديه فى أول تكبيرة)) وفى رواية الطحاوى من طريق سفيان عن يزيد وفيه: ((ثم لا يعود)). فهذه رواية شعبة وسفيان من قدماء أصحاب يزيد ، وشعبة يقول فى أول تكبيرة فیکفى فى المراد وإن لم يقل ثم لا يعود . وسفيان قد قاله وقد تابعه فى هذه الزيادة هشيم من قدماء أصحابه وشريك عند ابن عدى فى "الكامل" كما فى "الجرهر النقى " ، واسماعيل بن زكريا عند الدار قطنى ، واسرائيل بن يونس عند البيهقى فى " الخلافیات" کما فى "الجرهر التقی" و" مبانی الأخبار"، وابن أبى ليلی من كتابه كما فى "جزء البخارى" أى محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وهو أيضاً من قدماء أصحابه ، وحمزة الزيات عند الطبرانى فى " الأوسط" كما فى " مبانى الأخبار»، فهؤلاء سفيان الثورى وابن أبى ليلى وهشيم وشريك واسماعيل بن زكريا واسرائيل بن يونس وحمزة الزيات كلهم يروى عن يزيد بلفظة (( ثم لا يعود)) وشعبة يروى عنه ما يرادفها ويساوقها فهل من الإنصاف إسقاط مثله،." وما ذلك إلا أنه يخالف مسلكهم . فالحق أن ذلك ما هو بممكن لهم كلاثم كلا . وضم إلى ذلك أن ف،و واية شعبة قصة ما يدل على تثبت الراوى قال أحمد: إذا ٤٩٠ معارف السنن ج - ٢ كان فى الحديث قصة دل على أن راويه حفظه . والمراد بالمجلس الذى حدثهم به هو مسجد الكوفة كما فى حديث كعب فى كفارة الأذى من " صحيح البخارى" (٢ - ٦٤٨) وفيه عن عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة فى هذا المسجد أى مسجد الكوفة فسألته عن فدية من صيام الخ . ثم إن هذا المسجد هو الذى أدرك فيه ابن أبى ليلى مائة وعشرين من الأنصار أى واحداً بعد واحد كما عند ابن سعد ، وهو المسجد الأعظم فى الكوفة فى عهد الصحابة ولها الرحبة ، وقد ذكر المسجد الأعظم البلاذرى والطبرى ، ويكون الترك فى ذلك المسجد من العادات المعروفة كما يعرف المساجد بالعادات المعروفة . ونظيره إخفاء القنوت للمنفرد بتوارث مسجد أبى حفص الكبير كما فى "فتح القدير". ثم البراء يحدث فى مثل هذا المسجد قوماً منهم كعب بن عجرة فهذا كحديث أبى حميد فى عشرة ، والبراء سكن الكوفة ، وكذا كعب بن عجرة ، فلو كان البراء روی ما يخالف مختار هم وبالأخص عند رواتها کعبد الرحمن بن أبی لیلی لكان اشتهر ، وهو من رجال الكوفة ، ولعله يختار الترك ، ولظهر ما يجيبون به عنه كما ظهر ذلك منهم فى حديث وائل ممن نزل الكوفة ( حيث قال ابراهيم: إن كان رآه وائل مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك ؟! أسنده الطحاوى) وقد توطن الكوفة ألف وخمسون رجلاً من أصحاب النبي و ◌َلاَ﴾ وفيهم أربعة وعشرون من أهل بدر، فهذه الجنود المجندة لم يغمز أحد منهم إياهم بالترك ، وإلا لاستفاض وشاع . وكل ذلك من القرائن القوية المعنوية لصحة الحديث فضلاً عن تقوية اسناده بما تقدم، ثم إن يزيد لم يتفرد به بل تابعه عيسى بن عبد الرحمن والحكم بن عتيبة عند البخارى فى الجزء ، و عند أبى داؤد والطحاوى والبيهقى و "المدونة الكبرى"؛ ولكنه من طريق محمد ابن أبى ليلى (وهو صدوق سئ الحفظ عسى أن يصلح للمتابعة ) وساقه فى "المدونة" فى أدلة الترك، فهذا بحث حديثى فى حديث البراء. خذه ماخصاً ٤٩١ بقية بحث يتعلق بحديث البراء محرراً راضياً مرضياً ، وأريد أن أقدم فيه الآن بحثاً تاريخياً فنقول : إن ما ذكره ابراهم بن بشار الرمادى ومحمد بن الحسن البربهارى عند الشافعى فى اختلاف الحديث والبيهقى فى السنن من ابن عيينة سمع منه بمكة من غير زيادة (( ثم لا يعود)) وبعد دخوله الكوفة تلقن هذه الزيادة . وما ذكره ابن حبان: أنه لما كبر تغير فكان يتلقن فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة فى أول عمره صحيح . وما شرحه الخطابى : أن يزيد كان روى قبل خروجه إلى الكوفة بلا زيادة فلما انصرف روى بها إلى غير ذلك من كلمانهم ، كل ذلك غير صحيح . أما أولاً : فإن مداره على الرمادى والبربهارى فالبربهارى حاله معروف فى "الميزان" وغيره . قال الذهبي : معروفٍ واه ، وقال البرقانى: كان كذاباً الخ. والرمادى قال الذهبى فى "الميزان": ليس بالمتقن وله مناكير وكان يملى على الخراسانية عن ابن عيينة ما لم يقله إلى غير ذلك من كلماتهم فيه فلا يقوم بمثل كلامهما حجة على أحد . وأما ثانياً : فإن ذلك يدل على أن يزيد كان ممن سكن بمكة وثبت هناك فى الحديث ثم لما تحول إلى الكوفة وتغير بآخره القن منهم هذه الزيادة وهذا خطأ فاحش ؛ فإنا إذا أخذنا نبحث بحثاً تاريخياً ينكشف لنا : أن يزيد بن أبى زباد كوفى واستمر بها إلى أن توفى سنة ١٣٦ - هـ وولادته سنة ٤٧ - هـ وسفيان بن عيينة ولد سنة ١٠٧ - ( بالكوفة وتوفى سنة ١٩٨ - هـ بمكة، وعمر كل منها نحو تسعين سنة وتقدمت ولادة يزيد على ولادة ابن عينة نحو ستين عاماً فأدرك سفيان من عمره نحو ثلاثين عاماً وانتقل هو - أى سفيان - إلى مكة سنة ١٦٣ - هـ وقد توفى يزيد قبله بدهر، فمن المحال أن يدرك ابن عيينة يزيد ساكناً بمكة فى أول عمره . فبالجملة هذا البحث يرشدنا إلى أن النقل بهذه السياق خطأ من الرمادى والبربهارى، نعم يمكن أن يسمع سفيان من يزيد بمكة (م - ٦٢ ) - ٤١ - ٤٩٢ معارف السنن ج - ٢ حين اجتماعها فى الموسم لا أن ابن عيينة توطن بمكة عند ذاك وكان يزيد يسكن بها أيضاً ثم تحول إلى الكوفة غير أن هذا القدر لا يجديهم نفعاً لأن سماع شعبة والثورى - وهو أسن من ابن عيينة - عن يزيد قديم قبل تغيره ألبتة ، فلو كان هو تغير لكان التغير فى عهد سماع ابن عيينة لا من كان سماعه أقدم من سماع ابن عيينة ، فلو كان احتمال الخطأ فهو أكثر فى سماع ابن عيينة منه فى سماع غيره من قدماء أصحابه فيحتمل أنه كان تثبت بالكوفة أولا ثم أخطأ فى ترك الزيادة بمكة حين كان يروى لابن عيينة ثم لما رجع إلى الكوفة تذكرها فرواها على وجهها فاستوى الطرفان إتقاناً وطرأ السهو فى الوسط ولكن الحق : أنه يرويه على الوجهين قديماً وحديثاً كما يزويه عدى بن ثابت على الوجهين عند الدار قطنى لا أنه اضطرب فيه وإنما اختصر، وليس الاختصار اضطراباً وعلى الأخص إذا كان أكثر من يروى عنه على الزيادة وهو أيضاً كان يرويها فى الأكثر وإنما تسور الخارجون عليه وعليهم ، والعبرة للداخل . وأما التغير : [فتلك شكاة ظاهر عنك عارها] ومع هذا فقد قال القائل [ومن ذا الذى يا مى لا يتغير] على أن سفيان بن عيينة أيضاً تغير فى آخره كما فى " التهذيب " فسبحان الذى يغير ولا يتغير . وثالثاً : أن البخارى فى "جزئه " أخرج عن الجميدى عن سفيان أنه لما كبر الشيخ لقنوه: ثم لم يعد اهـ . فليس فيه ذكر مكة والكوفة فهذا يدل على أن الرواية المذكورة بالسياق المذكور خطأ على أن الجميدى من المخالفين لأهل الكوفة كما فى "التاريخ الصغير" للبخارى . ورابعاً : إن سفيان مذهبه الرفع وإنه لم يجزم بالتلقن حيث قال : فظننت أنهم لقنوه ، ومع هذا فيمكن أنه قال ذلك حرزاً منه ، أو أراد ابداء احتمال بحثاً منه وابداء جواب كما يتفق كثيراً فى المجاوبات والمباحثات لا يتعين أن يكون الواقع هكذا . ٤٩٣ تصحيح حديث البراء مع تصحيح الزيادة وأما خامساً : فإن الاختلاف بين الرواة فى أمثال هذا ربما يكون منهم مشياً على مختارهم فى العمل فإنهم فقهاء علماء فيعلون ما لم يروه مختاراً ويحذفونه ويثبته آخرون لعملهم به لأدلة قامت عندهم . وبالجملة فربما يزيدون و يحذفون مشياً على اختياراتهم ، ولذلك نظائر يطول الكلام بسردها فكما لا يكون حجة فى اثبات أحدهم لا يكون حاجة فى حذف بعضهم ، وإنما ينبغى الرجوع فى مثل هذا إلى القرائن والبحث من الخارج كى يتحقق الأمر ويتبين الفجر وليس من الانصاف فى مثله تفويق السهام إلى بعضهم لأجل أنه خلاف ما اختاره والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . ثم إن البراء أيضاً تعرض لإراءة. صلاة رسول اللّه حَلٍ كما تعرض ابن مسعود فى حديثه وذلك عند أحمد فى "مسنده" (٤ - ٢٨٨) عن يزيد بن البراء قال: ((قال أبى اجتمعوا فلأريكم كيف كان رسول اللّه عَ لّ يتوضأ وكيف كان يصلى)) الخ وكذا عند أحمد فى " مسنده " ( ٤ - ٢٩٢) من طريق شعبة عن يزيد عن ابن أبى ليلى حديث آخر عن البراء يحدث قوماً فيهم كعب بن عجرة قال: ((سمعت رسول الله حَالله يقول للأنصار)) الخ وكأن هذا الحديث وحديث الترك فى مجلس واحد فدل على التثبت والاطراد فى الأمر وليس أن يقضى الواحد على الجمع من سواء الطريق ، وبالجملة فقد توارد رواة الكوفة على هذه الزيادة ونخرج الحديث عندهم فإذن لاحق لأحد أن يزاحهم فى مجلسهم ههنا أيضاً ويتحكم علیه من غیپ ، أو يحكم على الغائب . فالحاصل أنه قد آل هذا البحث التاريخى وكذا البحث الحديثى إلى صحة الاحتجاج بحديث البراء مع صحة الزيادة من غير أن يقاوم ما ذكروه فى التضعيف والله ولى الإعانة والتوفيق انتهى ما أفاده الشيخ فى كتابيه مع زيادة كلمات وإيضاحات من الراقم بترتيب وتعبير يسهل تعاطيه على الناظر . ٤٩٤ معارف السنن ج - ٢ أدلة الحنفية فى ترك الرفع ما عدا حديث ابن مسعود وحديث البراء بن عازب ولنا أدلة أخرى فى ترك الرفع غير ما ذكر نذكرها فى ما يلى : منها: ما روى الأسود قال: ((رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه فى أول تكبيرة ثم لا يعود)) رواه أبوبكر بن أبى شيبة والطحاوى (١ - ١٣٣) من طريق الحسن بن عياش وراجع للتحقيق " نيل الفرقدين" ( ص - ٩٩ وما بعدها ) قال فى " الدراية": رجاله ثقات. وبالجملة فاسناده صحيح. ومنها : ما رواه عاصم بن كليب عن أبيه: ((أن علياً رضى الله عنه كان يرفع يديه فى أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد)» رواه الطحاوى (١ - ١٣٢) من طريق أبى بكر النهشلى، ورواه ابن أبى شيبة والبيهتي قال فى "الدراية": رجاله ثقات اهـ. قال الزيلعى: وهو أثر صحيح، وقال البدر العينى: على شرط مسلم وانظر " نيل الفرقدين" ( ص - ١٠٩ وما بعدها ) فاسناده صحيح أيضاً . ومنها : ما رواه ابراهيم قال: (( کان عبد الله لا یرفع یدیه فی شئ من الصلاة إلا فى الافتتاح)) رواه الطحاوى (١ - ١٣٢) ورواه أبوبكر ابن أبى شيبة . قال النیموی : واسناده مرسل جيد اهـ . ومنها : ما رواه أحمد بن يونس قال حدثنا أبوبكر بن عياش قال : (( ما رأيت فقيهاً قط يفعله يرفع يديه فى غير التكبيرة الأولى)) رواه الطحاوى و سنده قوى (١ - ١٣٤ ) عن ابن أبى داؤد عن أحمد بن يونس الخ . وابن أبی دائود بأتى ذكره ، فصحة سنده ظاهر . ومنها: ما رواه مجاهد قال: ((صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى من الصلاة)). رواه الطحاوى (١ - ١٣٣) من بيان عدة آثار فى ترك الرفع طريق أبى بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد ، ورواه ابن أبى شيبة والبيهقى فى " المعرفة" حكاه النیموی واسناده صحيح ، وابن أبى داؤد فى اسناده شيخ الطحاوى هو ابراهيم بن أبى داؤد كما فى أوائل الطحاوى . قال فى "اللسان" من ترجمة الطحاوى عن تاريخ مصر: وسمع الكثير أيضاً من ابراهيم بن أبى داؤد الضريس وكان من الحفاظ المكثرين اهـ. حكاه الشيخ فى " نيل الفرقدين" و مثله فى كتاب " رجال الطحاوى " المطبوع . وله ترجمة طويلة فى " معجم البلدان " الياقوت وفيه: وكان حافظاً ثقة . كما حكاه الشاه إحسان الله السندى. قال الشيخ : واعترضوا بأن فى سنده أبا بكر بن عياش وقد تغير بآخره . قلت : هو ثقة وأخرج له الشيخان فى الاحتجاج ، والراوى هنا هو أحمد بن يونس وهو من أصحابه القدماء أخذ عنه قبل الاختلاط والبخارى أخرج له فى أكثر من عشرين موضعاً فالحاصل أنه روايته هنا قوية جداً . ومنها: زواه سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً قال: ((ترفع الأيدى فى سبع مواطن إذا قام إلى الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا ، والمروة ، وفى جمع ، وفى عرفات ، وعند الجمار ، واسناه حسن )) رواه ابن أبى شيبة موقوفاً والطبرانى من طريق النسائى مرفوعاً. قال الشيخ فى "قيل الفرقدين" (ص-١١٩): وقد بحث فيه طويلاً: فالاسناد قوی ومتابعته أيضاً فى التخريج - أى للزيلعى- كافية ويكفى فيه وجود النسائى ؛ فإنه على ما علم من عادته لا يروى ساقطاً ولا عن ساقط وتعلوا فيه بالاختلاف فى الوقف والرفع وبأنه ليس فيه (( لا ترفع الأيدى إلا فى سبع مواطن)). والحديث إن شاء الله تعالى خرج من مشكاة النبوة وكأنه تتمة ما أخرجوه فى ( باب السجود على سبعة أعظم ) من طريق طاؤس عن ابن عباس ، وقد روى موقوفاً ومرفوعاً على الوجهين الخ وراجع "نصب الرأية" (١ - ٣٩٠ وما بعدها ). ومنها: ما روى عن أبى هريرة («أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة و ٩٩ معارف السنن ج - ٢ يكبر فى كل خفض ورفع ويقول: إنى أشبهكم بصلاة رسول الله عَ ليه)) حكاه الحافظ أبو عمر فى "الاستذكار" كما فى " تعليق الموطأ" والبدر العينى فى "مبانى الأخيار" عن " التمهيد" كما فى "نيل الفرقدين" (ص - ١٢٢) وراجعه للتفصيل . ومنها: ما روى عن عباد بن الزبير مرسلا: ((أن رسول اللّه عَ لَّه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه فى أول الصلاة ثم لم يرفعها فى شئ حتى يفرغ)» أخرجه البيهقى فى " الخلافيات" كما فى " نصب الرأية" (١ - ٠٤٠٤) وعباد قابعی - ابن عبد الله بن الزبير - . قال الشيخ: وقد بحثت عن رجال إسناده فآل البحث إلى أنه صحيح ، والحافظ فى "الدراية" أمر بالنظر فى اسناده وقد امتثلت أمره فحققته من كتب الرجال فهو مرسل جيد أنظر ذلك التحقيق فى ( ص - ١٢٤ ) من " نيل الفرقدين". وقال الشيخ أيضاً: وهذا هو الذى وقع فى بعض كتب الجنفية منسوياً لعبد الله بن الزبير فشنع عليهم ابن الجوزى، وقد نقل عن " مجمع الزوائد" الهيثمى عن عبد الله بن الزبير، والظاهر هو عباد بن عبد الله بن الزبير ووقع فيه الخطأ من الناسمين . انظر " نيل الفرقدين". ومنها: ما روى عن ابن عمر مرفوعاً: ((إن النبى عُّلٍ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود)) رواه البيهقى فى " الخلافيات" وأخرجه الزيلعى فى "نصب الرأية" (١ - ٤٠٤) من طريق عبد الله بن عون الجراز عن مالك عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر الخ . قال البيهقى: قال الحاكم هذا باطل موضوع ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك بخلاف هذا اهـ. قال الشيخ: واسناده المذكور فى التخريج صحيح ، ولم يذكر الزيلعى أول اسناده حتى ينظر فيه غير أن دأبهم جرى على أنهم يذكرون المعلق مثله من مخرجه ولو كان قبله ضعيف فى السند لابد أن يخرجه منه كيلا يلتبس الأمر ، وقد ثبت عن ابن عمر ترك الرفع فعلاً كما تقدم فى أثر ٤٩٧ بقية البحث السابق وحديث ابن عمر فى ترك الرفع مجاهد عنه فإذن لا استبعاد فى صحة روايته المرفوعة أيضاً . قال فى " نيل الفرقدين " ( ص - ١٢٧ ): قلت هذا حكم من الحاكم لا يكفى ولا يشفى ، وعبد الله بن عون هذا بغدادى كما في " الخلاصة" من رجال مسلم أخرج عنه بدون واسطة ، ومن كبراء الرجال جده أمير مصر كما فى " التهذيب "، وهو أيضاً أمير كما فى " الخلاصة" يعد من الأبدال ورجاله يكونون معروفين وغاية ما يكون بينه وبين الحاكم رجلان كما يعلم بالتصفح فى " المستدرك " فى الطبقتين فكيف أعوز الحاكم معرفة من أوجده ولم يعينه ، والأمر أنه لم يجد أحداً يرميه فيه معيناً ، فإن هذا قد يقبح عند السامعين وخاف زحام الناس عند الغدو من المزدلفة فأدلج ورمى بالليل ليستريح وقد استراح وإذا لم يكن عنده علم بمن أوجده فهلا حملوه على أن مالكاً هو الذى فيه أوهم أى أسقط شيئاً فشيئاً حتى لم يبق فيه شيئاً لهم وقد ذكره جماعة كما مر ، والحديث قد أخرجه مدونوا "المدونة" فى أدلة الترك عن ابن وهب وابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: ((أن رسول اللّه حَ لو كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة)) اهـ ليس فيه غيره من الرفع والترك لكنهم سردوه فى أدلة الترك فليكن ههنا كذا وليس عندهم إلا استبعاد ، وليس بشئ فى الاختلاف المباح . وغاية ما يخافون زيادة ((ثم لا يعود)) ولو قبل منى الناس لسامحناهم فى هذه الزيادة وهذا الحكم منه كما فى حديث الكنز فى القراءة أوجد فيه شقوقاً يدل على أنه عزم من الأول على الاعلال كيفما كان وهو هذا انتهى كلامه . قال الراقم عفا الله عنه: سياق كلام الجاكم يدل على أنه لم يجد فى سنده مغمزاً فلذا عارضه بحديث مالك المشهور وإلا لكان الأهم الجرح فى سنده حتى يسقط ، واسقاطه بالمعارضة دليل على أنه لم يجد لاسقاطه دليلا فى الإسناد وإن المعارضة تكون عند قوة دليل الخصم كما لا يخفى . ثم إذا كان عند الراوى نصاً فى ترك الرفع ما عدا الافتتاح. فلا يبعد أن يزيد فيه ((ثم لا يعود)) تفهيماً لمغزاه ومرماه كما سبق. ٤٩٨ معارف السنن ج - ٢ إليه الإشارة من الشيخ رحمه الله تعالى والله أعلم. وقال الشيخ عابد السندى فى " المواهب اللطيفة" كما فى " التعليق الصبيح" بعد نقل كلام الحاكم هذا: قلت تضعيف الحديث لا يثبت بمجرد الحكم وإنما يُثبت ببيان وجوه الطعن . و حديث ابن عمر الذى رواه البيهقى فى خلافياته رجاله رجال الصحيح فما أرى له ضعفاً بعد ذلك اللهم إلا أن يكون الراوى عن مالك مطعوناً لكن الأصل العدم فهذا الحديث عندى صحيح لا محالة اهنم والحاصل أن ترك الرفع فيما عدا الافتتاح عمل كبار الصحابة مثل عمر وعلى وعبد اللّه وعمل كبار التابعين وتبعهم ما يكفى حجة للحنفية فى مسلكهم الذى اختاروه . قال الحافظ علاء الدين فى " الجوهر النقي" (١ - ١٣٩ وما بعدها ): وقوله: ثم عن الخلفاء الراشدين ممنوع إذ قد صح عن عمر وعلى رضى الله عنهما خلاف ذلك كما تقدم . ولم أجد أحداً ذكر عثمان رضى الله عنه فى جملة من كان يرفع يديه فى الركوع و الرفع منه ، وقوله : ثم عن الصحابة والتابعين ، فتساهل فإن فى الصحابة من قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح كما تقدم وكذا جماعة من التابعين منهم الأسود وعلقمة وابراهيم و خيثمة وقيس بن أبىحازم والشعبی وأبو اسماق وغیر هم روی ذلك كله ابن أبى شيبة فى " مصنفه " بأسانيد جيدة ، وروى ذلك أيضاً بسند صحيح عن أصحاب على وعبد الله وناهيك بهم وقد ذكرنا أكثر ذلك فيما تقدم آهـ . قال الشيخ فى " نيل الفرقدين" ( ص - ١٤٢ ): قلت وكذا هو مذهب المغيرة والحسن بن صالح وسفيان الثورى ووكيع واسماق بن أبى اسرائيل آه . و قال : فلم يكن هناك تفرد ولا شذوذ بل ما يروونه هو الواقع فى الكوفة عند رواتها تواتراً وتوارثاً مستمراً آهـ . قال الشيخ : والمسألة كانت مفروغاً عنها فى الكتب لم تكن داعية قوية لهذا الاطناب غير أنى رأيت قد طال شغبهم فيها وكثر لومهم على الجنفية فأطلت فيها بعض الاطالة تنبيهاً للقاصرين ، وقد نقل عن على رضى الله عنه : ٤٩٩ بحث مناظرة أبى حنيفة والأوزاعى فى رفع اليدين ( العلم نقطة كثرها الجاهلون)). يقول الراقم : وكذلك أطنبت وأسهبت فيها وعانيت فى انتقاء نتف مختارة من رسالتى الشيخ فيما له صلة بالمقام حرصاً على إبراز نماذج غالية من جواهر علوم الشيخ بترتيب وتأنيق قاسيت فيه بعض المقاساة ويكاد يقتنع بما فى هذه الوريقات من لم ينتهز فرصة للغوص فى عباب رسالتى الشيخ ، ومع هذا فقد أرجو القارئ الكريم المنتقد الجبير أن يطالعها بإمعان ودقة فإنهما تضمنا علماً غزيراً فياضاً يتجلى فيها ١٠ رزق الله الشيخمن الفروة العلمية والتوسع فى المادة والاكتناف بنواحى البحث القاصية ومعارفه الناضجة التى قلبتها أفكاره ظهراً لبطن كل ذلك بأسلوب يترقرق خلاله نصفة وبعد عن العصبية المذهبية ونزاهة لسان فى معترك الخصام . وأريد أن أختم هذا البحث بمناظرة الإمام أبى حنيفة فقيه الأمة والإمام الأوزاعى محدث الشام وفقيهها . ذكر الإمام السرخسى فى كتابه "المبسوط" (١ - ١٤) وابن الهمام فى " الفتح" (١ - ٢١٩) و الحارثى فى "جامع المسانيد" (١ - ٣٥٢ و ٣٥٣) والموفق المكى فى "المناقب" من طريق سليمان الشاذكونى عن سفيان بن عيينة : قال : اجتمع أبو حنيفة و الأوزاعى فى دار الحناطين بمكة فقال الأوزاعى لأبى حنيفة : ما بالكم - وفى رواية : ما بالكم يا أهل العراق - لا ترفعون أيديكم فى الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأجل أنه لم يصح عن رسول اللّه فَّ الّ فيه شئ ، قال: كيف لا يصح؟ وقد حدثنى الزهرى عن سالم عن أبيه عن رسول الله عَاءٍ: «أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه. فقال له أبو حنيفة : وحدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود : ((إن رسول اللّه ◌َ ◌ٍّ كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ولا يعود لشئ من ذلك)). فقال الأوزاعى : أحدثك عن الزهرى عن سالم عن أبيه وتقول ( ٢ - ٦٣) ٥٠٠ معارف السنن ج - ٢ حدثنى حماد عن إبراهيم ! فقال له أبو حنيفة : كان حماد أفقه من الزهرى ، وكان إبراهيم أفقه من سالم ، وعلقمة ليس بدون ابن عمر فى الفقه ، وإن كانت لابن عمر صحبة وله فضل، فالأسود له فضل كثير، وعبدالله هو عبد الله. فسكت الأوزامى" اهـ. وذكرها الشيخ عابد السندى فى " ترتيب مسند أبى حنيفة " برواية الحصكفى ( ص - ٥٠ ) وذكرها غير واحد من أرباب التآليف و المآخذ هى هذه وقد تكلموا فى الحارثى والشاذكونى، وقد تقدم الكلام فى توثيق الحارثى واستفادة الحافظ فى " التهذيب" عنه وقد ذكر فى " تذكرة الحفاظ": الشاذكونى بما يحتج به فى مثل هذه الأمور كما حققه فى "إعلاء السنن» (٣ - ٧٥ ) . وقال السرخسى بعد حكايتها وتبعه ابن الهمام فى " الفتح" أن أبا حنيفة رجح روايته بفقه الرواة كما رجح الأوزاعى بعلو الإسناد ، وهو المذهب المنصور عندنا ؛ لأن الترجيح بفقه الرواة لا بعلو الإسناد اهـ . قال الراقم عفا الله عنه : وهو مذهب الفقهاء المحدثين ويتضح ذلك مما أذكر، ويتقوى به ما ذكره الإمام أبو حنيفة . قال أبو عبد اللّه الحاكم فى كتابه علوم الحديث" ( ص - ١١) بإسناده عن على بن خشرم قال قال لنا وكيع : أى الإسنادين أحب إليك : الأعمش عن أبى وائل عن عبد اللّه أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه ؟ فقلنا: الأعمش عن أبى وائل . فقال: يا سبحان الله! الأعمش شيخ ، وأبو وائل شيخ ، وسفيان فقيه ، ومنصور فقيه ، وإبراهيم وعلقمة فقيه ، وحديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتدواله الشيوخ اهـ . وقد عقد فى ذلك فصلاً فراجعه . وذكره العراقى فى " شرح ألفيته" (٣ - ١٠٦) وفيه : سفيان عن منصور عن إبراهيم من علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه . وذكر العراقى أيضاً : روينا عن ابن المبارك قال : ليس جودة الحديث قرب الإسناد ، بل جودة الحديث صة الرجال . وروينا عن السلفى قال: الأصل الأخذ عن العلماء فتزولهم