النص المفهرس

صفحات 461-480

تحقيق ان فى الكوفة ترك الرفع وفى بقية الامصار كلاهما الرفع والترك ٤٦١
كل أهل الكوفة فكفينا عهدة استقرائهم وناقض عبارات البخارى ، وهكذا
يقع الأمر فى المبالغات. وتفهم أن فى غير الكوفة من الأمصار شاركهم تاركون .
وفيه عن أبى عمر لم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع ممن لم يختلف عنه فيه
إلا ابن مسعود وحده ، وروی الکوفیون عن على مثل ذلك وروی المدنیون عنه
الرفع .... وكذلك اختلف على أبى هريرة. قال الراقم: وما حكاه الشيخ
من لفظ ابن المروزى عن " تعليق الموطأ" هو كذلك عند العراقى فى " شرح
التقريب" (٢ - ٢٥٥) فما ذكره الحافظ فى " الفتح" (٢ - ١٨٢)
لفظه : أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة اهـ . وتبعه
الشوكانى فى "الدرارى المضيئة" و"نيل الأوطار" (٢ - ٦٨) فليس حكاية
اللفظ بل هو اختصار مخل للفظه يكاد يكون تحريفاً فرحم الله من أنصف ، و
قد عبر الشيخ أيضاً فى " نيل الفرقدين" و "كشف الستر" عن ذلك بتحريف
العبارة وقال فى ( ص - ٤٧ ): ليس عند الكوفيين عن أبى بكر شئ ، ولعله
ليس عند غيرهم أيضاً ما يكون ثابتاً عنه وسيظهر عند الكوفيين عن عمر أثبت
مما عند خصومهم كما ذكره ابن بطال أنه لم يختلف عنه فى ذلك كما فى "الإنحاف"
عن "شرح التقريب" للعراقى. قال الراقم : وهو فى " شرح التقريب"
المطبوع اليوم ( ٢ - ٢٥٤ ) وما ذكر فيه العراقى أجاب عنه الشيخ فى " نيل
الفرقدين " فراجعه . وقال فى ( ص - ٤٨): وكذا عند الكوفيين عن على
.. وهو الذى عرف من أمره فى الكوفة كما فى
أثبت مما عند خصومهم .
" مختصر المشكل " ولا حق لأحد فى الكلام فى ما نقلوه عنه وتوارثوه حين
كونه بين ظهرانيهم ومن زاحمهم فيه فقد عدا طور الحق وسلك سبيل العسف
والخسف . وأما علم ابن مسعود فهم فيه منفردون لا يشاركهم فيه أحد .
وأما عن ابن عمر فهو عند المدنيين أثبت مما عند الكوفيين ، ومع هذا لا وجه
لرد ما رووه عنه من الترك أيضاً فخذ هذا ملخصاً محققا فقد وقع فى البحث

٤٦٢
معارف السنْن
ج - ٢
بخس كثير يهولون بسرد أسماء من يعلم لأنه لم يختره ويتعلل فيه بغير نصفة وليس
من الإنصاف أن يقتصر فى الباب على نقول الشافعية فقط وما سلموا وما ردوا؛
فإن المالكية أيضاً شطراً من العلم والنقل والله الموفق . وقال فى " بسط اليدين"
(ص - ١٦) بعد تحقيق مذهب مالك وأحمد : والبخارى لا يجزم بما ليس
من شرطه غالباً ، وليس فى "جزئه" عن ابن مسعود عمله. ولا يرفعون إلى
التعامل رأساً فهذا صنيعهم وإن أدى إلى ايفاء الواقع والحقيقة . والذى وقف
الأمر على الإسناد يصنع هكذا ، وإنما حدث الاسناد كما فى مقدمة "مسلم"
لئلا يدخل فى الدين ما هو خارج منه وما ليس منه وكان مهماً . لكن قد أدى
إلى إخراج ما هو داخل وكان متواتراً فصار آحاداً كالإجماع المنقول بالآحاد
فاعلمه اهـ . وقال : ولا علم لأهن المدينة بما عن على بعد ما خرج منهم .
ويعلم من "التهذيب" أن وائلً لم ير علياً بعد ما خرج إلى الكوفة اهـ. وقال
فى " نيل الفرقدين" ( ص - ٨٠ ): ليس عند البخارى فى " جزئه" شئ
عن ابن مسعود فى الترك إلا الحديث المرفوع عنه وقد أعله فدرج على أن الترك
لم يثبت عن أحد من الصحابة إنما هو عن بعض أهل الكوفة أى كإبراهيم ومن
بعده. وهو فى غاية العجب عنه فإنه قد تواتر عن ابن مسعود وأصحابه وعن على
وأصحابه عند أهل الكوفة طبقة بعد طبقة وتوارث. وفوق كل ذي علم عليم اهـ .
و قال فی ( ص ۔۔ ٥٥) من " پسط الیدین": والذى يدور بالبال وقد
يقبله من له بالٍ أن الترك قد كان كثيراً فى نفسه ، وقل أسانيده كالأمر العدمى
فلما ظهرت أحاديث الرُّفع اعتنوا بها وجعلوه سنة قد ترك أو أميت وكذلك
يجرى في الوجودى والعدمى . ثم جاء آخرون فشددوا وجعلوه فاصلاً
بين أهل السنة وغيرهم وهكذا يقع فى غير الزمان وعبره .
* والدهرأرود ذ وغير *
.. وقال فى " نيل الفرقدين" ( ص - ٥٦) من الحاشية: وينبغى أن

٤٦٣
تحقيق أن أحاديث الرفع الصحيحة اثنا عشر حديثا لا غير
يعد من دلائلنا رواية كل من استقصى صفة الصلاة ولم يذكر رفع اليدين الخ.
وفى " بسط اليدين" ( ص - ٣٣): وجريان البحث والمناظرة فى عهد نحو
الأوزاعى وابن المبارك وابن عيينة والشافعى يدل على أنه لم يجر قبله ، ثم جاء
بعض المتشددين فجعلوه فاصلة بين السنة والبدعة ؛ وإنما جرى البحث والتكير
من عهد الأئمة كالشافعى والكرابيسى وأحمد لا عند مالك ، ثم أخذوا من الشافعى
ومن نحا نحوه . وابن المبارك فيه لين بخلاف الأوزاعى وقائل بالوجوب أيضاً
وعدوه من الشذوذاه . وفى " نيل الفرقدين" ( ص ـ ٥١ ): وأما حديث
عبد الله بن الزبير من رواية أبى داؤد ففيه ابن لهيعة وحاله معلوم ، ثم ميمون
الكوفى فيه يقول لابن عباس : إنى رأيت ابن الزبير يصلى صلاة لم أر أحداً
يصليها ووصفت له هذه الإشارة فهذا انكان دل على ترك الجمهور .
تنبيه : أحاديث الرفع يقول البخارى : رواه سبعة عشر رجلاً من
الصحابة ونقلوه عن ابن عبد البر رواته نحو ثلاثة وعشرين ، وعن البيهقى نحو
ثلاثين ، وادعى الحاكم وابن منده أنها ممن رواها العشرة المبشرة ، وأوصلها
العراقى شيخ الحافظ ابن حجر إلى خمسين حديثاً كما تجده فى "الفتح" فتعرض
إليه الشیخ فى " نیل الفرقدین" فى (ص - ٢٢ و٢٥ و٢٦ و٢٧ و٥٣ و٥٤
وغيرها ) وكذا فى "كشف الستر". وملخص ما أفاده أن عد الخمسين فى هذا
الموضع تخليط وإنما الخمسون بصح ذكره فى رفع الإفتتاح فقط لا فى الرفع
فى المواضع الثلاثة ، وأما ثلاثین البيهقى فقد وقع فى كلام البيهقى نفسه أن خمسة
عشر منها بأسانيد صحيحة يحتج بها فقد ترك النصف ولا يسلم له الخصم ذلك
أيضاً ففيه أشياء فقد اسقطت أربعة من عشرة فى حديث أبي حميد وتبين كلام
فی حديث أبىبكر وعمر مرفوعاً ، وکذا فى حديث أنس وحديث أبىموسى
فبقى نحو اثنى عشر لا أزيد. فذهب فى المبالغات نحو ثلاثة أرباع الجمسين
. وبقى نحو ربع وحصلنا من الخمسين على نحو اثنى عشر وإن أخذنا بلفظ :

٤٦٤
معارف السنن
ج - ٢
٠٠((كل خفض ورفع)) فعدد الرفع أزيد منهم وخلص من عدد الأحاديث نحو
خمسة أو ستة وهى : حديث على مع اختلاف فى ذكر الرفع ، والساكتون
أُثبت ، وحديث ابن عمر وحديث مالك بن الجويرث على وجوهها ، وحديث
وائل على اختلاف فى ألفاظه ، وحديث أبي حميد على اختلاف فى الذكر وعدمه ،
وحديث جابر، وفى كل من حديث ابن عمر من طريق نافع وحديث أبى هريرة
وحدیث وائل وحديث جابر جاء فی کل خفض ورفع وفی حدیث مالك بن
الحويرث بعضه وإنما يخلص من ذلك حديث أبى حميد فقط . وقد عمل به أحمد
مراراً فكيف بالإعلال . وبالجملة فمثل هذا العدد فى ترك الرفع فى جانب آخر
بل هى سبعة ، نعم طرقها قليلة، وقال فى (ص - ٨٧ ): وكذلك ثبت الترك
عندنا عن عمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة وابن عمر والبراء بن عازب و
كعب بن عجرة عملاً أو تصديقاً منه وآخرين ممن لم يذكر أسمائهم ومن لم يعينوا ومن
التابعين عن جل أصحاب على وابن مسعود وجماهير أهل الكوفة وكثير من أهل المدينة
فى عهد مالك أو أكثرهم بل يكاد يكون عمل أهل المدينة كلهم كما ينقله المالكية
واعترف به ابن القيم وإن لم يجعله حجة . وكذا فى سائر البلاد تاركون لم يسموا
كما يقع كثيراً فى التعامل والتوارث أن لا يأتى فيه اسناد لكونه غير عزيز عند
المتقدمين ولكونه أمراً لا يعتنى به حينئذٍ أو يعوز الإسناد فيه ثم يأتى الخلف
ويتطلبون الإسناد ، وإذا لم يجدوا أنكروا التواتر العملى ، وكثيراً ما يقتحمه ابن
حزم فى" محلاه " كأنه لم تقع عنده فى الدنيا وقائع ما لم يكن هناك إسناد ، وهذا
قطعى البطلان أو بديهيه كأنه لا يوجد فى الدنيا المحكى عنه ما لم توجد الحكاية
فينكر كثيراً من الإجماعيات المنقولة بالآحاد ، ويخرب أكثر مما يعمر ، وهو
ضرر عظيم . وهذا القرآن العظيم كيف توائز على وجه البسيطة عند المسلمين
تواتر طبقة بعد طبقة بحيث لا يوجد أحد منهم لا يعلم أن كتاباً سماوياً نزل على
النبى ◌ٍُّّ وأنه بأيدينا، ومع هذا لو طلبنا تواتر إسناد كل آية منه لأعوزنا ذلك

٤٦٥
تحقيق مبالغات فى أحاديث الرفع ولم تصح عن العشرة
الأمر وعجزنا ، وهكذا فعل ابن القيم فى " إعلام الموفقين" فى بعض نظائر
مسألة الزيادة بخبر الواحد على القاطع كما فعل فى حديث حرمة الجمع بين العمة
وابنة أخيها ، وبين الحالة وابنة أختها فإنه متواتر من حيث التوارث والتعامل
خبر واحد اسناداً . ثم إنه ليس هو زيادة أيضاً على القاطع بل تنقيح مناط
لقوله تعالى: (.وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) فا علمه آه . وما
نقله الحاكم وغيره عن الخلفاء والعشرة فأجاب عنه الشيخ تقي الدين فى " الإمام "
بأن جزم الحاكم برواية العشرة ليس عندى بجيد ؛ فإن الجزم إنما يكون حيث
يثبت الحديث ويصح ، ولعله لا يصح عن جملة العشرة (ص - ٥٤) (حكاه
المغنى ) وكذا ما قاله الفيروزآبادى فى " سفر السعادة" وروى عن العشرة
المبشرة وأنه حل لم يزل على هذه الكيفية حتى رحل عن هذا العالم . فقد رده
الشيخ هاشم السندى فى "كشف الرين" بأن ما نقله الفيروزآبادى عن العشرة.
المبشرة وفى دوام فعله ◌َُّلِّ الرفع إلى وقت وفاته فلم يصح فيه حديث
واحد فضلاً عن رواية العشرة، نعم وقع ذلك فى رواية واحدة عن ابن عمر
عند البيهقى لكن سنده غير صحيح ، ومن ادعى صحته وصححة غيره فعليه البيان
انتهى كلامه. وفى ( ص - ٢٧ ) من " نيل الفر قدين": وما قاله الفيروزآبادي
فى "سفر السعادة" بعد وقد صح فى هذا الباب أربع مائة خبر وأثر اهـ فباطل
لا أصل له أصلاً. وقال فى ( ص - ٥٤): وأما رمى ابن عمر بالحصى لمن لم
يرفع فيكون كإصراره على الجهر ببسم الله وإن كان ذلك فى الصدر الأول خاملة
وهذه أذواق . ثم ما ذا كان يصنع برمی الحصى إن كان أراد أن يرفع فىالوقت،
فأی زمان يتمادى حتى يتداركه التارك وإن كان تقدمهم به فأراد التنبيه إذن ؛
فإنهم على هذا لم يطيعوه فى الأمر فكان عندهم على الإباحة لا غير . أو أراد
التنبيه أن هذا موضعه حتى لا يتركه فى ما يستقبل . ثم ابن عمر لو رآه قليلا
من النبى معَّ ل والتزمه هو لاستقام له لأنه وجهة عبادة. وكما التزم الله اكبر

٤٦٦
معارف السنن
ج - ٢
كبيراً آه وإن قاله رجل عند الافتتاح مرة كما عند النسائى ..... وكإلتزامه
نزول منازل نزلها النبى ◌ّ له فى السفر اتفاقاً انتهى كلامه. قال الراقم: و
ليس فى لفظ أثر ابن عمر أى دليل على أنه رماه بالحصى فى ترك الرفع عند
الركوع ولم يكن الرفع عنواناً لهذا الرفع الخلاف عند ذاك حتى يستقيم به
الإستدلال . ولفظه فى " التلخيص" عن " مسند أحمد": أنه كان إذا رآى
مصلياً لا يرفع حصبه . فيحتمل أن النكير منه على الترك عند التحريمة لا مطلق
الرفع وتأكد الرفع عند التحريمة ظاهر ، وقد ذهب إلى افتراضه طائفة كما
تقدم وإن كان ذلك شذوذاً . فتلخص مما التقطناه ههنا أمور نذكرها فيما يلى كى
يسهل ضبطه على من أراد وبالله التوفيق :
الأول : إن الترك متواتر عملا كما أن الرفع متواتر ، وتوارث العمل
بكل من الرفع والترك من لدن عصر النبوة إلى عهدنا هذا من غير نكير . و
التعامل المتوارث أقوى حجة فى الباب ، ومن توخى عنعنة الإسناد مع وجود
التواتر فقد استضاء بالمصباح عند منتصف النهار . من رجح الآحاد على
التعامل المتواتر أو جعلها ناسخة له فقد قلب الموضوع وجعل القطعى ظنياً .
الثانى : إن البلاد قاطبة فيها الرافعون وفيها التاركون ما عدا الكوفة
فإنهم بأجمعهم تعاملوا بالترك ، وبالترك كان تعامل أهل المدينة فى عهد مالك
كما ينقله المالكية، وعليه بنى مالك مذهبه ورجحه على الخبر المرفوع ، نعم
من اختار جانباً يقلل خلافه وذلك من الجانبين ، ولذا لم يبق فيه تاريخ واضح
ونقل ظاهر وإنما بقيت هناك قرائن ومخائل .
الثالث : إن ما يدعيه البخارى فى " جزئه" من عدم سمة الترك عن
الصحابة فهو من المبالغة على عادته فيما لم يجزم به، ومع هذا فقد ناقضه خليفته الإمام
الترمذى فى " جامعه" وكذا محمد بن نصر المروزى وغيره ، وقد ثبت عند
أهل الكوفة عن عمر وعلى وعبد الله والأسود وعلقمة والشعبى والنخعى وكثو

تلخيص البحث السابق فى الرفع وعدمه وأن أحاديث الرفع سنة ٤٩٧
من الصحابة والتابعين بأسانيد قوية ، ولا يمكن لأحد أن يزاحمهم فيما توارثوه
طبقة بعد طبقة وتخصصوا به .
الرابع : كان الناس فى عهد الخلفاء الراشدين على الاختيار والارسال
فى الجانبين ولم يقع البحث فيه فى عهدهم وإنما نشأ ذلك فى عهد الأئمة كسفيان
والأوزاعى وأبى حنيفة ، وشدد فيه الأمر الشافعى والكرابيسى وغيرهما و
من بعدهم .
الخامس : إن الاختلاف فيه وإن ظهر فى الأئمة غير أنه صرح كبار
علماء المذاهب على الاختلاف فيه فى الأولوية والإباحة لا ينبغى أن يعنف أحد
على الفعل أو الترك، فمن الحنفية الحافظ أبوبكر الجصاص فى " أحكام القرآن" ،
ومن المالكية الحافظ أبو عمر ابن عبد البر ، ومن الحنابلة ابن تيمية وابن القيم .
السادس : إن ما ذكره العراقى من أن رواة الرفع خمسون صحابياً فلا
يصح إلا فى الرفع حالة الافتتاح فقط ، وقد اعترف البيهقى بأن ما يحتج 4
قدر خمسة عشر ولكن بعد النخل والسبر تبقى عندهم ستة أحاديث فقط مع
الاختلاف فى الرفع والوقف وغيره من وجوه الاختلاف فى اللفظ والمواضع
فى أكثرها، نعم طرقها كثيرة لكثرة رواة " المؤطأ" وكثرة "المؤطآت".
وإن الترك رواته نحو سبعة ، نعم طرقها قليلة فاستوى الميزان من الجانبين علا
أن الترك عدمى والرفع وجودى ويكثر النقل فى الوجودى ويندر ويقل فى
العدمى فإن الاعدام لا تنقل إلا بداعية .
ثم إن ضم مع أحاديث الترك أحاديث صفة الصلاة التى لم يتعرض له
الراوى مع تعرضه لسائر الأفعال والآداب كثر عدد الترك وعالت كفة التاركين
وخفت كفة الرافعين فليحفظ .
السابع : إن ما ادعاه الحاكم الرواية فيه عن العشرة المبشرة فقد رده
( م - ٥٩ )
- ١٧ -

٤٦٨
معارف السنن
ج - ٢
حدثنا قتيبة وابن أبى عمر قال ثنا سفيان بن عيينة عن الزهرى عن سالم عن
الحافظ ابن دقيق العيد بأنه لا يثبت عنهم بطرق قوية ، وأما دوام العمل بالرفع
فلم يثبت عن واحد منهم فضلاً عن العشرة . فلا عبرة لما يقوله الفيروزآبادي
فى " سفره " .
الثامن : أن ما نقلوه عن ابن عمر من النكير فبعد تسليمه إنما هو من
ذوقه الخاص بين الصحابة من شدة تمسكه بآثار النبى محّ له وإن كان فعله مرة
وكانت سنة غير مقصودة ، ومع هذا لم يتابع على ذلك فى عهده وإلا لعرف .
ويحتمل أن يحمل فكيره على عدم الرفع عند التحريمة لا عند الركوع وبعده کما
هو فى رواية أحمد .
التاسع : إن ما رواه ابن القاسم عن مالك ترك الرفع فلم ينفرد هو
بنقله بل تابعه الإمام الشافعى على ما فى " مبانى الأخبار" للعينى لا كما يدعيه
ابن عبد الحكم ، ودليل مالك فى عدم الأخذ برواية ابن عمر فى الرفع لاختلاف
نافعٍ وسالم فى الوقف والرفع فوقفه نافع كما يقوله أبوبكر الأصيلى ، وأيضاً
لم ير مالك عليه العمل فى المدينة كما يقوله ابن رشد ، ومن أجل هذا اختار
الترك من كبار المالكية الحافظ أبو عمر ابن عبد البر كما هو فى نقل المارديني فى
"الجوهر النقي" وهو الصحيح لا كما نقله الحافظ فى "الفتح". وقد أخطأ
فى فهمه ، وعبارة "شرح التقريب" للعراقى شيخ الحافظ ترد على نقل الحافظ .
ثم إن هذا كله كالفهرست لما بسطه الشيخ فى " نيل الفرقدين " و"بسط اليدين"
فى شعبة واحدة ، وأما الكلام فى سائر شعب الموضوع من البحث فى أدلة
الفريقين فسيأتى لبابه فيما بعد ولله الأمر من قبل ومن بعد .
فائدة: قال الإمام الترمذى: وبه - أى بترك الرفع - يقول غير"
واحد من أصحاب النبي ◌َُّلّ والتابعينآه. قال الشيخ: فإذن لا يحتاج إلى

بيان حديث ابن عمر فى الرفع وحديث الرفع بين السجدتين وبعد الركعتين ٤٩٩
أبيه قال: ((رأيت رسول اللّه ◌َؤُلّ إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذى
منكبيه وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع)، وزاد ابن أبى عمر فى حديثه :
(( وكان لا يرفع بين السجدتين)). قال أبو عيسى: ثنا الفضل بن الصباح
اثباته بالاسناد فإنه ليس مما يخفى على الناس بل هو أمر ظاهر يؤتى به على رؤس
الأشهاد كل يوم عشرات من المرات ، فمع كونه أمراً ظاهراً معمولاً به بين
أعين الناس لم يعمل به كثير من الصحابة والتابعين كان ذلك دليلاً على التخيير
بين الرفع. والترك .
قوله : حتى يحاذى منكبيه ، عندنا يجعل الكفان حذاء المنكبين والأصابع
حذاء الأذنين ، وكلام الشافعى فى مصر يوافق ذلك ، وقد أسلفنا تفصيل ذلك
فى ( باب نشر الأصابع عند التكبير ) . وإنما اختار الحنفية ثم الشافعى ذلك
جمعاً بين الروايات .
قوله : وكان لا يرفع بين السجدتين . لا حجة لأحد فى ذلك بعد ما
ثبت الرفع بين السجدتين عند النسائى من حديث مالك بن الجويرث من طريق .
سعيد عن قتادة فى ( باب رفع اليدين للسجود ) ومن طريق هشام عن قتادة
فى ( باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى ) . وتابع سعيداً وهشاماً
همام عند أبي عوانة کما فى " الفتح" وعند أحمد کما قاله النیموی ، وقد عمل به
غير واحد من كبار التابعين كما فى " تعليقات آثار السنن" فلا يمكن إعلاله ولا
القول بشذوذه .
وقال الحافظ فى "الفتح" فى ( باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين )
(٢ - ١٨٥) وهو أصح ما وقفت عليه من الأحاديث فى الرفع فى السجود.
قال الشيخ : والحافظ صنيعه على النقد فى كتاب النسائى جزئياً جزئياً. وقد
صرح ابن عدى الجرجانى وابن منده وغيرهما بأن "سنن النسائي" كله صحيح

٤٧٠
معارف السنن
ج - ٢
البغدادى ثنا سفيان بن عيينة ثنا الزهرى بهذا الإسناد نحو حديث ابن أبى
عمر . قال : وفى الباب عن عمر وعلى و وائل بن حجر ومالك بن
فإذن ما رواه صحيح ولا يحتاج إلى النقد أيضاً. كما قال الحافظ فيما حكاه السيوطى
فى "زهر الربى": قد أطلق اسم الصحة على كتاب النسائى - أى الصغرى -
أبو على النيسابورى وابن عدى والدار قطنى والحاكم وابن منده وعبد الغنى بن
سعيد وأبويعلى الخليلى وابن السكن والخطيب وغيرهم آهـ .
قوله : وفى الباب عن عمر وعلى الخ . حديث عمر أخرجه الزيلعى عن
ابن عمر عن عمر وأعله المحدثون وصحجوه عن ابن عمر عنه عَلَّ ولم يثبت
عن عمر غير هذا . قال الشيخ فى "نيل الفرقدين" (ص - ٤٩): وأما حديث
عمر فقد أشار إليه البخارى فى الجزء فى موضعين ، وفى " الجوهر النقي " و
"تخريج الزيلعى" عن أحمد والدار قطنى أنه غير محفوظ ووهم . وأما عند
الدار قطنى فى " غرائب مالك " عن عمر ففى " التخريج" عنه أنه قال هكذا قال
عن عمر ولم يتابع عليه . وفيه أثر آخر عن عمر عند الزيلعى فيه رشدين بن
سعد آه ملخصاً . وراجع ( ص - ١٠١ و ١٠٦ ) من " نيل الفرقدين " .
وحديث على فحكى الشيخ نفسه عن " التلخيص" فى " نيل الفرقدين " ( ص
- ٢٤ ) ما رواه أبو داؤد وصححه أحمد فيما حكاه الخلال . وقال فى " نيل
الفرقدين " ( ص - ٤٨): تفرد بالرفع عن على ابن أبى الزناد وخالف
سائر الرواة فى حديث الأذكار، وقد تكلموا فى ابن أبى الزناد كلاماً منتشراً و
تكلم فيه أحمد فتصحيحه الذى نقلوه عن " علل الجلال" إنما هو بالنسبة إلى حديث
الأذكار إن شاء الله فسردوه فى الرفع بناء على وحدة الحديث عندهم وليس
هذا الصنيع بصواب راجعه للتفصيل وكذا (ص - ٣٣) من " نيل الفرقدين "
و (١ - ٤١٢) من " نصب الرأية". وثبت عندنا عن عمر وعلى ترك
الرفع فيما رواه ابن أبى شيبة عن الأسود قال: ((رأيت عمر بن الخطاب يرفع

٤٧١
تحقيق عدة أحاديث وآثار فى ترك الرفع
الحويرث وأنس وأبى هريرة وأبى حميد وأبى أسيد وسهل بن سعد ومحمد
بديه فى أول تكبيرة ثم لا يعود)) وكذا رواه الطحاوى وهو أثر صحيح وراجع
للتفصيل "نيل الفرقدين" (ص - ٩٩ وما بعدها) وأما أر على فرواه
ابن أبى شيبة والطحاوى عن عاصم بن كليب عن أبيه: ((إن علياً كان يرفع
يديه فى أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد)) قال الزيلعى: هو أثر صحيح.
قال البدر العينى: صحيح على شرط مسلم ، وقال الحافظ فى " الدراية":
رجاله ثقات . انظر للتفصيل " نيل الفرقدين" ( ص - ١٠٩ وما بعدها )
و (ص - ٩٩ من الحاشية ). وأما حديث أنس فقد صح موقوفاً لا مرفوعاً
كذا قال الدار قطنى ، رواه ابن خزيمة فى "صحيحه" والبخارى فى " جز ئه "
وابن ماجه فى " سننه" والبيهقى فى " الكبرى" مرفوعاً كذا فى " نيل الفرقدين"
(ص - ٢٤) ثم تكلم عليه الشيخ طويلا فى " نيل الفرقدين" (ص - ٤٣)
وحكى عن الطحاوى والدار قطنى تصويب وقفه وتضعيف رفعه فراجعه .
وأما حديث أبى هريرة فقد صح عن عمله الرفع مرة وتركه أخرى ،
رواه أبوداؤد ، وفى " التلخيص": رجاله رجال الصحيح. وتكلم عليه
الشيخ فى " نيل الفرقدين" ( ص - ٤٩ و٥٠ ) قال: وأعله الدار قطنى فى
"علله" وقال: إنه فى التكبير لا فى الرفع .... وله طرق وبحث عنها فى
"نيل الفرقدين" فراجعه. وفى (ص - ٥٣) منه من كلام ابن عبد البر: وكذا
اختلف عن أبى هريرة . أى فى الرفع والترك وفى ( ص - ٥٧ ): وقد كان
أبو هريرة قد لا يرفع، ذكره فى " الاستذكار" آه. ويدل ما فى " المؤطأ"
للإمام محمد بن الحسن عنه فى ( باب افتتاح الصلاة ) عن أبى جعفر القارئ أن
أبا هريرة كان يصلى بهم فكبر كلما خفض ورفع . قال أبو جعفر : وكان يرفع
يديه حين يكبر ويفتتح الصلاة اهـ .
وأما حديث أبى موسى فأخرجه البخارى فى "جزئه" معلقاً وهى صحيحة
٣١

٤٧٢
معارف السنن
ج - ٢
ابن مسلمة وأبى قتادة وأبى موسى الأشعرى وجابر وعمير الليثى . قال أبو عيسى
كذا فى "التلخيص" كما فى "نيل الفرقدين" (ص - ٢٥) رواه الدار قطنى
ورجاله ثقات اهـ . وقد تكلم عليه الشيخ فى " نيل الفرقدين" ( ص - ٥٠ و
٥١) . وملخصه أنه اختلف على حماد بن سلمة فيه فى رفعه ووقفه فرفعه نضر
ابن شميل وزيد بن الحباب عن حماد . ووقفه عبد الله بن المبارك وغيره عن حماد
على أبى موسى فالأكثر على وقفه ، وجعله ابن حزم موقوفاً فى " المحلى " اهـ.
ورواية جابر بن عبد الله غير محفوظة قاله الشيخ . وقال فى " تعليقات الآثار"
رواها ابن ماجه والحاكم والبيهقى ، وصححه البيهقى كما فى "التلخيص" وأعله فى
" التهذيب " من ابراهيم بن طهمان . قال الراقم : وقال الزيلعى فى " نصب
الرأية " ( ١ - ٤١٤): وذكر ابن عبد البر فى " التمهيد ": أن الأثرم
رواه عن أبى حذيفة فلم يذكر فيه الرفع من الركوع اهـ . فلعل الشيخ يشير
إلى هذا وذاك بقوله : غير محفوظة والله أعلم. ورواية عمير الليثى لا تصلح
لأن يشير إليها الترمذى فإنها تكاد تكون موضوعة . قال فى " نيل الفرقدين "
( ص - ٥١ ) : وأما حديث عمير بن حبيب عند ابن ماجه فقد ذكره فى
"التهذيب " من عمير ومن رفدة بن قضاعة وأسقطه وأنه منکر . وصوب فى
نسب عمير أنه عمير بن قتادة الليثى وإن ابن ماجه وهم فيه . ثم فيه: يرفع
يديه مع كل تكبيرة فى الصلاة . انتهى كلامه . قال الراقم : ومن العجيب
أن الحافظ فى "التلخيص" عزاه إلى ابن ماجه وسكت عليه كأنه مما يحتج به عنده
على دأبه فى السكوت .
تنبيه : لم يتكلم الشيخ رحمه الله فى " أماليه " على " جامع الترمذى " على
حديث الباب أى حديث ابن عمر ولا على حديث أبى حميد وغيره ؟! تكلم على
.عدة أحاديث أشار إليها الترمذى ، أو الضابط قصر فى ضبطه وقد حقق فى
كتابه "نيل الفرقدين" تلك الأحاديث بما لم يدع مجالاً للبحث عند المنصف فقد

٤٧٣
تحقيق وجوه الإختلاف فى حديث ابن عمر المرفوع وهى ستة
حديث ابن عمر حديث حسن صحيح . وبهذا يقول بعض أهل العلم
من أصحاب النبي ◌َُّ منهم ابن عمر وجابر بن عبد الله وأبو هريرة و
شفى وكفى غير أن حديث ابن عمر لما كان ملاكاً للأمر وعماداً للعمل أحببت أن
أذكر فيه كلاماً محرراً بضوء ما أفاده الشيخ وغيره من الأعلام و
بالله التوفيق .
حديث ابن عمر وما فيه من وجوه الاختلاف فى
: الرفع والترك رفعاً ووقفاً ، أخذاً وتركاً
حديث ابن عمر الذى أخرجه الترمذى فى الباب من طريق سالم ورواه الجماعة
وهو أوثق حديث عندهم فى الباب وهو حجة عندهم على الخلق كما يقوله ابن المدينى
غير أن اللتاركين وجوهاً قوية فى ترك العمل به وكم من أحاديث تركوا العمل بها بأقل
مما ههنا فالحديث مع كونه غير معمول به فى المدينة فى عهد مالك كما اعتذر منه
المالكية ومع كونه معارضاً بأثر مجاهد عن ابن عمر عند ابن أبى شيبة والطحاوى بإسناد
صحيح كما اعتذر منه الحنفية فيه من صنوف الاضطراب ما يأتى على ستة وجوه :
الأول : بذكر الرفع فى الافتتاح فقط كما فى " المدونة الكبرى ". عن
مالك وسرده مدونوها فى أدلة الترك أنظر " المدونة" (١ - ٧١).
الثانى : بذكر لرفع فى الافتتاح وبعد الركوع ، وهو سياق " المؤظأ"
لمالك أى فى الموضعين ولم يذكر الرفع عند الركوع ، وهو رواية يحيى وتابعه
القعنبى والشافعى ومعن وابن نافع الزبيدى وجماعة كما يقوله ابن عبد البر ، و
قد تابع مالكاً ابن عيينة ويونس وغيرهما عن الزهرى .
الثالث : بذكر الرفع فى المواضع الثلاثة ، وهو رواية ابن وهب ومحمد
ابن الحسن وابن القاسم وجماعة عن مالك ، وليس فى " المؤطأ". من رواية
المصمودى

٤٧٤
معارف السنن
ج - ٢
أنس وابن عباس وعبد الله بن الزبير وغيرهم . ومن التابعين الحسن
البصرى وعطاء وطاؤس ومجاهد ونافع وسالم بن عبد الله وسعيد بن جبير
الرابع: بزيادة الرفع بعد الركعتين ما عدا المواضع الثلاثة من طريق نافع عند
البخارى فى " صحيحه" فيكون الرفع فى أربعة مواضع وهو وإن اختلف فيه
رفعاً ووقفاً لكن الحافظ فى " الفتح" يرجح الرفع ويزعمه ابن خزيمة سنة،
ويلزم ابن دقيق العيد الشافعى به لقاعدته بالأخذ بما ثبت وصح من الزيادة .
الخامس : زيادة الرفع للسجود ما عدا المواضع الأربعة عند البخارى
فى "جزئه" من طريق نافع فيكون الرفع فى خمسة مواضع.
السادس : بذكر الرفع فى كل خفض ورفع وركوع وسجود وقيام و
قعود وبين السجدتين عند الطحاوى فى " مشكل الآثار" كما حكاه الحافظ فى
"الفتح" ( ٢ - ١٨٥ ).
وبالجملة حديث ابن عمر على ستة أوجه سياق " المدونة "، وسياق
" المؤطأ" لمالك، وسياق " المؤطأ" لمحمد، وسياق البخارى فى "صحيحه "
من طريق نافع ، وسياق البخارى فى " جزئه" بذكره للسجود، وسياق
الطحاوى فى "مشكله" . وهذه وجوه فى حديث سالم ونافع عن ابن معمر
مرفوعاً . ثم اختلفوا فى أصل الحديث وقفاً ورفعاً ، فرواه عبد الوهاب الثقفى
والمعتمر كلاهما عن عبيد الله عن نافع وكذا الليث بن سعد وابن جريج ومالك
كلهم عن نافع موقوفاً على ابن عمر ، ورواه عبد الأعلى عن عبيد اللّه عن نافع
مرفوعاً ، وربما يخال أن الاختلاف فى الرابع أى من زيادة الركعتين راجع "الفتح"
(١ - ١٨٦ و ١٨٤ ).
وبالجملة رجح أبو داؤد فى " سنته" الأول ، والبخارى فى " جزئه"
وفى " صحيحه " الثانى. وهذا اختلاف على نافع نفسه فى الرفع والوقف. و

٤٧٥
بحث اختلاف نافع وسالم فى حديث ابن عمر وقفاً ورفعاً
وغيرهم . وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعى وأحمد واسحاق . وقال
كذلك اختلف سالم ونافع فى الرفع والوقف ، ومن أجل هذا يقول الحافظ
الأصيلى : ولم يأخذ به مالك لأن نافعاً وقفه على ابن عمر وهو أحد الأربع التى
اختلف فيها سالم ونافع . والترجيح لبعضها وإسقاط بعضها مما لا يمكن . فإن
الأول جرى به العمل فى المدينة والكوفة كافة وليس بلد إلا وفيها عاملون به .
وكذا الثانى لا يمكن القول بإسقاط مالك وإيهامه فقد روى سفيان بن عيينة عن
الزهرى عن سالم عن أبيه قال: ((رأيت رسول اللّه عَّ له يرفع يديه إذا كبر
وإذا رفع رأسه من الركوع » الخ وكذا رواه يونس عن الزهرى به ، وكذلك
رواه نافع من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع ، هذا كله فى " جزء
البخارى" فاتفق نافع وسالم فى ترك الرفع عند الركوع ، وقد تابع مالكاً ابن عيينة
ويونس وأيوب . وبالجملة ليس القول بإيهام مالك صحيحاً بل وجه عنده كما
ذكره صاحب " إكمال الاكمال". وإليه يشير كلام الشافعى فى " اختلاف
الحديث" ( ٧ - ٢١٧) على هامشٍ " الأم". وكذلك لا يمكن إسقاط الرابع
فإنه مروى عن ابن عمر وابن عباس وطاؤس ونافع وعطاء ؟! أخرجه
عبد الرزاق فى " المصنف" بأسانيد قوية ، وقد قال به من الشافعية ابن المنذر،
وابن خزيمة ، وأبو على الطبرى ، والبيهقى ، والبغوى ، وغيرهم كما ذكره
الحافظ . وكذا الخامس معمول فى السلف، وكذا لا يمكن القول بشذوذ السادس
كما أطاقمه عليه الحافظ حيث حصلت متابعته من مجموع ما ورد فى المسألة
مرفوعاً وتعاملاً ، وقد جوزه أحمد بن حنبل كما فى " المغنى" و"بدائع الفوائد"
فانظر غيف اختلفت الروايات والرواة والناس فيه كلهم على آراءهم يتعللون
فيما لم يأخذوا به ويناضلون عما أخذوا به فأنت ترى الإمام الشافعى لم يأخذ بزيادة
الرفع بعد الركعتين ولا بزيادته عند السجود فى حديث ابن عمر مع صحة الحديث
( م - ٦٠.)
- ٢٥ : -

٤٧٦
معارف السنن
ج - ٢
عبد الله بن المبارك قد ثبت حديث من يرفع وذكر حديث الزهرى عن
ومع عمل السلف به . ويعلم من كلام الشافعى فى « الأم " أنه مطلع عليه ومع
علمهٍ لم يأخذ به ولم يجعله مذهباً له فما لزم خصمه لزمه مثله ولابد . فالذى
ينبغى أن يعتقد فيه أن ما صح سنده اصطلاحاً ثم وجد عمل بعض السلف به
فهو صحيح فى الواقع لا يسمع فيه إعلال ولا تعلل كما يفعله الناس من النقد
عند الخلاف والمسامحة عند الوفاق . فلابد أن يحمل جميع ما صح على التنوع
فى هذه المسألة وثبت ثبوتاً لا مرد له . وإذن كيف يكون من الإنصاف أن
يلزم الناس العمل بطريق واحد من طرق الحديث ، ويحكمه على سائر الطرق
ويرجح بوجوه نشأت من بعد عهد السلف كإخراجه فى " الصحيحين" واتفاق
الشیخین أو وجود ضعيف فی طریق آخر بعد ما جرى به التعامل قبل وجود
الشيخين وقبل رواية ذلك الراوى مثلاً. ومع هذا كله لا حجة لأحد على من
ترك العمل بحديث ابن عمر لأجل هذه الوجوه وأخذ بحديث ابن مسعود الذى
اتفقوا على أنه لم يثبت عنه خلافه عملا كما سيتضح إنشاء الله تعالى ، ومن العجيب
أن ابن عمر نفسه مع اختلاف رواياته فيه واختلاف عمله بكلا النحوين حكوا
عنه ترك التكبير فى الخفض ، وعد فيمن لا يكبرون عند الخفض ، وظاهر أن
الرفع هو شعار التكبير ولم يثبت عندهم رفع من غير تكبير فيلزمه القول بترك
الرفع عند الركوع فكيف يسوغ لهم أن يشددوا فى الرفع ويخففوا فى التكبير
هل كل من حكوا عنه ترك التكبير فى الخفض فهم شركاء مع التاركين فى ترك
الرقع عند الركوع، ثم ابن القاسم هو الذى يروى عن مالك ترك الرفع كما فى
"المدونة" مع أنه هو الراوى فى حديث مالك الرفع فى المواضع الثلاثة ، وبالجملة
كل ذلك الانتشار لاختلاف العمل فيه وإنما يضيق الأمر فيه على بعض الناس
الذين شددوا فى الرفع ثم لم يستطيعوا العمل بكل ما ورد فجعلوا يتعللون فيه
بكل ما أمكنهم . وأما من أخذه جائزاً غير مهم فلا ضيق عليه ولا يضطر إلى

تحقيق أن الزيادة فى حديث ابن عمر كذب وتحقيق حديث ابن مسعود ٤٧٧
سالم عن أبيه ولم يثبت حديث ابن مسعود: ((أن النبى ◌َّ لم يرفع إلا فى
أول مرة» .
اعلال الأحاديث، وقد قيل: إذا اتسع الأمر ضاق وإذا ضاق اتسع. ثم إن ما يذكرونه
من الزيادة فى حديث ابن عمر: ((فما زالت تلك صلاته حتى لقى اللّه)) كما عند
البيهقى فهو كذب ففيه عبد الرحمن بن قريش اتهمه سليمانى بوضع الحديث.
وفيه عصمة بن محمد الأنصارى ، قال يحيى : كذاب يضع الحديث . وقال
الدار قطنى وغيره : متروك . ومن المولم جداً حكاية الحافظ فى " التلخيص "
إياه وسكوته على مثله وهو أعلم بمغامزه فلاحول ولا قوة إلا بالله . وأرى هذا
القدر فيه كفاية والله سبحانه ولى الأمور .
قوله: ولم يثبت حديث ابن مسعود: ((إن النبى عَ﴾ لم يرفع إلا فى
أول مرة)) . قال الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد فى كتابه " الإمام " كما حكاه
الحافظ الزيلعى فى " نصب الرأية" (١ - ٣٩٤ وما بعدها) : وعدم ثبوت
الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من ثبوته عند غيره وكيف ! وهو يدور على
عاصم بن كليب وهو ثقة من رواة " مسلم" قال: وصححه ابن القطان المغربى
فى "كتاب الوهم والإيهام"، وصححه ابن حزم الأندلسى اهـ. قال الحافظ فى
"الدراية": وصححه الدار قطنى. قال الشيخ: وحكى الحافظ فى " التلخيص"
تعليل الدار قطنى إياه ، فاضطربت فى النقل حتى رأيت فى " البدر المنير"
للزركشى أن الدار قطنى صححه فى موضع وضعفه فى آخر . وقال فى " نيل
الفرقدين" ( ص - ٥٨) و"تعليقات الآثار": قال الزركشى فى "تخريجه":
ونقل الانفاق ( أى على تضعيفه ) ليس بجيد فقد صححه ابن حزم والدار قطنى
وابن القطان وغيرهم آه حكاه السيوطى فى "اللآلى المصنوعة". ثم نقل عن
الدار قطنى اختلاف نقل عنه فيه اهـ . وقال: وقد صححه من اختار الترك كما
فى "المدونة" أو توسط كابن حزم وابن القطان وابن دقيق العيد وابن قيمية،

٤٧٨
معارف السنن
ج - ٢
وكذا النسائى والترمذى ، وجمهور المالكية والحنفية من حيث المذهب وجمهور
أهل الكوفة من حيث العمل اهـ. وقال: ثم ظهر أن أكثرهم صححه وإنما
أعلوا زيادة : " ثم لم يعد". وجوابه: أن هذا اللفظ و"فى أول مرة" و"
"مرة واحدة" و"إلا مرة" كلها بمعنى واحد اهـ. وقال: وكأن من أعل
زيادة " ثم لا يعود " انتقل من حديث البراء إلى حديث ابن مسعود لكون
الراوى هناك أيضاً سفيان ووكيعاً اهـ . ثم إن تصحيح الدار قطنى وابن القطان
وابن أبى حاتم الحديث من غير لفظة " ثم لا يعود". وقال الشيخ ظهير أحسن
النيموى البهارى الهندى فى كتابه "آثار السنن": روى عن ابن مسعود فى
الباب حديثان : أحدهما من فعله کا أخرجه أبو داود والنسائى والتر مذى و
آخرون. وثانيهما مرفوعاً إلى النبي ◌ُّالّ أنه لم يرفع إلا فى أول مرة أو نحو
ذلك كما أخرجه الطحاوى وغيره وليس هذا إلا من جهة بعض الرواة نقله بالمعنى
من الحديث الأول لقول ابن مسعود: ((ألا أصلى بكم صلاة رسول اللّه صَلا؟))
فالظاهر أن عبد الله بن المبارك إنما أنكر ما روى حديث ابن مسعود (١ ) من
فعل النبى عَلّ لا ما جاء من فعل ابن مسعود، كيف يمكن أن ينكر ابن المبارك
حديثه من فعله وهو نفسه يرويه عن سفيان عن عاصم بن كليب حديث عبدالله
من فعله عند النسائى . وهو اسناد صحيح وبوب عليه بقوله : ( ترك ذلك )
- أى الرفع للركوع - فقال : أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك
عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبدالله
قال: ((ألا أخبركم بصلاة رسول اللّه ◌َُّلي قال: فقام فرفع يديه أول مرة
(١) قلبيه: اعلم أن الشيخ حققه فى " نيل الفرقدين" بحيث أصبح
حقيقة ملموسة لا يمكن أن ينكره من عنده أدنى نصفة أو بصيرة ، وسنلتقط
منه نتفاً إن شاء الله حيث أصبح مداراً للعمل عند التاركين كما أصبح حديث ابن
عمر مداراً للرافعين .

٤٧٩
تحقيق حديث ابن مسعود فى ترك الرفع
ثم لم يعد)) (١ - ١٥٨) وفى (١ - ١٦١) فى (الرخصة فى ترك ذلك )
من طريق وكيع عن سفيان بلفظ الترمذى . وأخرجه أبوداؤد حديث وكيع
عن سفيان . وتابع وكيعاً عنده معاوية ، وخالد بن عمرو وأبو حذيفة عن سفيان
فعلم أنه لم يتفرد بذلك وكيع بل تابعه ابن المبارك عند النسائى وهؤلاء الثلاثة
عند أبى داؤد ، ثم يرويه عن وكيع أحمد بن حنبل فى " مسنده" وأبوبكر بن
أبى شيبة فى" مصنفه" ، وعثمان بن أبى شيبة عند أبى داؤد، وهناد عند الترمذى
ومحمود بن غيلان عند النسائى ، ونعيم بن حماد ، ويحيى بن يحيى عند الطحاوى
كل هؤلاء الأئمة السبعة عن وكيع فقول الدار قطنى من أنه يرويه عن وكيع
أحمد بن حنبل وابن أبى شيبة ولم يقولا " ثم لم يعد " فلا حرج حيث رويا ما فى
معناه . وبطل قول ابن القطان وغيره بتفرد و کیع ووهمه ، ويعجنی قول شيخنا
رحمه اللّه في " نيل الفرقدين" ( ص - ٦٤ ): فإن أنكر ابن القطان كونها من
ابن مسعود أن يكون تعليماً قولياً منه فليس الأمر كذلك بل هو قول من تحته
ووصف فعلى منه . وإن أراد خصوص هذه اللفظة وهو كلام الدارقطنى فى
الحديث ما يساويها وإن أراد معه فأى شئ صح ! وقد ذهب الحديث من
البين رأساً ، والحاصل أن كلامهما غير محرر كأنها لم يشعرا بما يلزمها وهكذا
يقع إذا كان الكلام فى غير محله وما وفى حق المقام . وبالجملة لم يسويا شيئاً
وأرادا إعلالاً ولزمهما تصحيحه من حيث لم يدريا أى تصحيح الترك اهـ .
وتعرض الإمام البخارى فى " جزء رفع اليدين " إلى تعليل حديث ابن مسعود
من طريق سفيان عن عاصم بن كليب ، وعلل قوله : " ثم لم يعد " بأن فى
كتاب عبد الله بن ادريس عن عاصم بن كليب ليس لفظ: " ثم لم يعد" و
الكتاب أثبت عند أهل العلم . فجعل الوهم من سفيان ، وكذا يدعى البخارى
الوهم فى لفظة " لا يعود" فى حديث البراء بن عازب بأن سفيان بن عيينة كان
برويه عن يزيد بن أبى زياد بمكة فى حديث البراء الرفع فى المواضع الثلاثة
:

٤٨٠
معارف السنن
ج - ٢
ثم سمعه منه بالكوفة : الرفع عند الافتتاح وقوله : ثم لا يعود . فيقول سفيان
ابن عيينة : فظننتهم لقنوه . فالتلقين أمارة التضعيف. راجع لصورة التلقين
" التهذيب " من ترجمة سفيان بن وكيع ، وفى " فتح المغيث " للسخاوى
• (ص - ٢٧٣) تفصيل فى التلقين فليراجعا. قال الشيخ: لا يمكن تعليل
لفظ حديث ابن مسعود فإن سفيان الثورى أثبت من إدريس ، وزيادة الثقة
مقبولة ، وأيضاً حديث ابن إدريس من كتابه هو فى " مسند أحمد" (١ -
٤١٨) حديث آخر كأن البخارى اختصره فاشتبه بحديث ابن مسعود هذا ،
وأيضاً تعليل لفظة " ثم لا يعود" كان فى حديث البراء فلما علله سرى إلى
الأذهان أن حديث ابن مسعود بهذا اللفظ أيضاً خطأ . وحديث ابن مسعود
مروى بكلتا الطريقين بلفظ الترمذى وبلفظ " ثم لم يعد " والمآل واحد فيها.
وعاصم بن كليب من رجال مسلم . قال الشيخ فى " نيل الفرقدين" ( ص -
٦٢): ومشى على توثيقه واعتبار زيادته فى "الفتح" (٩ - ٣٩٧ و١٢ -
٣٣٨ و١٣-٢٤٠) وهو الراوى زيادة "على صدره" عند ابن خزيمة فى حديث
وضع اليدين ، وكذا فى حديث رفع اليدين عن وائل اهـ . فرجال اسناده
ثقات ولذا صححه الثلاثة الذين ذكرتهم وكذا السيوطى فى كتابه " اللآلى
المصنوعة " قاله الشيخ رحمه الله. وقال فى " نيل الفرقدين" (ص - ٦٩ ):
يقول : إن سياق ابن إدريس على هذه الصورة ليس فيه "لم يعد". وأما إذا
كان السياق كسياق سفيان فلم يتعرض له ، نعم يؤمى إلى وحدة المأخذ . ثم هل
هو تقصير ممن لم يذكر أو زيادة ممن ذكر لم يتعرض له أيضاً وأثبته فى
"المسند" فلو كان تعريضاً لم يتعين. ونظر يحيى بن آدم فى الكتاب وتفتيشه
يدل على الجانب الآخر : أن هذه الزيادة كانت شاعت .
ثم إن فى الحديث أشياء فكيف كان فى الكتاب ناقصاً أيضاً والله أعلم .
فترك القيام بين الإثنين ولم يذكر الإثنين أيضاً ولا ترك الأذان والإقامة و
.+ m