النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
بحث الاخفاء بالتأمين والجهر به
عن حجر أبى النفس عن علقمة بن وائل عن أبيه: ((أن النبي صَلّ قرأ غير
حجر الخ. قال الدار قطنى: هذا صحيح. فرواية محمد بن كثير عند أبى دائرد
والدارمى ، ورواية وكيع والمحاربى عند الدارقطنى كلهم عن الثورى عن
سامة عن حجر أبى العنيس فانفق رواية الثورى وشعبة. وما قبل إن كنيته أبو السكن
فلا مانع أن يكون الرجل كنيتان . قال الحافظ فى " التهذيب": حجر بن
العنيس الحضرمى أبو العنبس، ويقال: أبو السكورة الكوفى وحكى الشيخ
التيموى لفظ ابن خبان من كتاب الثقات هكذا: حجر بن العنبس أبو السكن
الكوفى ، وهو الذى يقال له أبو العنبس اهـ. ولفظ العينى فى " العمدة"
(٣ - ١١٠) عنه: كنيته كاسم أبيه آهـ . وعند الحافظ أبى البشر الدولانى
فى "الأسماء والكنى" (١ - ١٩٦) عنيس الثقفى قال سمعت وائل بن حجر
الحضرمى الخ.
وأما عن الثانى: فإن حجراً سمع الحديث على علقمة كما هو منصوص
فى رواية أبى داود الطيالسى فى "مسنده" ( ص - ١٣٨): حدثنا شعبة
قال أخبرنى سلمة بن كهيل قال سمعت حجراً أما العنبس قال سمعت علقمة بن
وائل يحدث من وائل وقد سمعت من وائل: ((أنه صفى مع رسول الله.
فلما قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين خفض بها صوته)) اهـ
فانزاحت هذه العلة أيضاً. ومثله عند البيهقى فى " سننه الكبرى" (٢ - ٥٧)،
ومثله عند أحمد فى " مسنده " كما فى " ترتيب المسند" (٣ - ٢٠٥) ولكنه
بلفظ: سمعت علقمة يحدث عن وائل ، أو سمعه حجر من وائل بكلمة "أو"،
وكذا رواه أبومسلم الكجى فى " سنته" كما حكاه البدر العبنى. نصحت
روايته بكلتا الطريقين وبهذا اندفعت العلة الرابعة من الانقطاع فى حديث
علقمة حيث ثبت موصولاً من طريق فلا بضر انقطاعه من طريق آخر . علا
( ٢ - ٥١)

٤٠٢
معارف السفن
ج - ٢
المغضوب عليهم ولا الضالين فقال: آمين وخفض بها صوته)). قال أبوعيسى:
أن هذه العلة سخيفة جداً حيث ثبت سماع علقمة عن أبيه عند الهخارى نفسه
فى " جزء رفع اليدين"، وعند مسلم فى " صحيحه" من حديث القصاص ،
ومن حديث وضع اليمنى على اليسرى ، وعند النسائى فى ( باب رفع اليدين )
والترمذى صرح بسماع علقمة عن أبيه فى كتاب الحدود من "جامعه" كما فصل
كل ذلك الشيخ النيموى فى "آثار السفن" (١ - ٩٨). ثم إن من ولد بعد
موث أبيه بستة أشهر هو أخوه عهد الجهار بن وائل لا علقمة وهو أيضاً مختلف
فيه بل رواية محمد بن جحادة عن عهد الحبار عند أبى داؤد فى رفع اليدين
بدل صريحاً على أنه أيضاً ولد فى حياة أبيه ، فكيف بعلقمة وهو أكبر سناً
منه، فيقول عبد الجبار: "كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبى" الخ ومن الغريب
إذا كان الحديث فى ما يوافقهم كرفع اليدين فتقول على علاتها ويتناسى كل علة
فيها ، وإذا كان فى الآخفاء بآمين أو فيما يوافق الجنفية فينقلب الموضوع ويصير
الصحيح ضعيفاً ، وتجد كلّ منهم أحفظ ما يكون لعلله فرحم الله من أنصف.
وأما عن الثالث: فأجاب الشيخ ابن الهام فى "الفتح" (١ - ٢٠٧)
بالجمع بين اللفظي فقال : ولو كان إلى فى هذا شى لو فقت بأن رواية الخفض
يراد بها عدم القرع العنيف ، ورواية الجهر بمعنى قولها فى زير الصوت و
ذيله آهـ. قال الشيخ: وهذا التوفيق هو مآل مذهب الشافعى، وظن بعض
أن الشيخ يجعل الحديث حجة الحنفية بتأويله وليس كذلك . وقد فهم صاحبه
المحقق ابن أمير الحاج أيضاً بأنه جمع بما بوافق الشافعية حكاه الشيخ اللكنوى
فى "تعليق الموطأ" ولفظه: ورجح مشائخنا ما للمذهب مما لا يعرى عن
شئ لمتأمله فلاجرم أن قال شيخنا: ولو كان إلى الخ ثم ذكر عبارته وقد ذكرناها.
وفى " مجمع الزوائد" (٢ - ١١٢ و١١٣) لحافظ نورالدين الهيثمى فى حديث
طويل من حديث معاذ عند الطبرانى فى " الأوسط" قال: واسناده حسن اهـ

٤٠٣
بقية بحث الاخفاء بآمين وتحقيقه
سمعت محمداً يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة فى هذا ، وأخطأ
ما ظاهره بؤيد الشافعية حيث قال فيه : وحسد يهود للمسلمين فى ثلاث :
رد السلام، وإقامة الصفوف ، وقولهم خلف إمامهم فى المكتوبة آمين. ولهذا
الحديث قصة طويلة من كونه محّ لة فى بيت بعض أزواجه وعنده عائشة
فدخل نفر من اليهود فقالوا : السام عليك يا محمد قال: وعليكم إلى آخر
القصة وهى مذكورة بالاختصار فى الصحاح أيضاً. وروى على عائشة أيضاً
مع اضطراب أخرجه فى " الزوائد" عن " مسند أحمد" (٢ - ١٥ و١١٢)
وقال : وفيه على بن عاصم شيخ أحمد ، وقد تكلم فيه بسبب كثرة الغلط و
الخطأ ، قال أحمد : أما أنا فأحدث عنه اهـ. قال الشيخ: ولكن الاستدلال
بمثله لا يستقيم بحال ، كيف ! وقد ورد فى رواية فى " السنن الكبرى "
البيهقى: ((حسد اليهود على قوله: اللهم ربنا ولك الحمد)) كذا أخرجه فى
"كنز العمال" (٤ - ١٠٥) عن عائشة: ((لم تحسدنا اليهود بشئ ما حسدونا
بثلاث: القسايم، والتامين، وأللهم ربنا ولك الحمد)) (هق). قال الشيخ: ولم
يقل بجهره أحد فكما أن حسدهم على هذا لا يستلزم الجهر به فكيف يصح
القول باستلزامه فى التأمين ، وأيضاً يؤيد ما قلنا ما ذكره السيوطى فى "الخصائص
الكبرى» (٢ - ٢٠٥) عن " مسند الحارث بن أبى أسامة" حديثاً وفيه :
، وأعطيت آمين ولم يعطها أحد من كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها نبيه
هارون فإن موسى كان يدعو اللّه ويؤمن هارون)) . وهذا بدل على أن اليهود
علموا تأمين المسلمين والجهر بها خارج الصلاة مثل تأمين هارون عليه السلام
على دعاء موسى عليه السلام ، فكيف يثبت الجهر بها داخل الصلاة . وكذا .
فى "شرح المواهب" (٥ - ٣٧١) من طريق الحارث بن أبى أسامة وابن
مردويه عن أنس مرفوعاً: ((أعطيت ثلاث خصال: أعطيت الصلاة فى
الصفوف، وأعطيك السلام وهو نجية أهل الجنة، وأعطيت آمين ، ولم يعطها

٤٠٤
معارف السنغ
ج -١
شعبة فى مواضع من هذا الحديث فقال: عن حجر أبى العنبس وإنما هو
أحد)) الخ. قال شارح "المواهب": فعلم أن الحصلتين الأوليين من خصوصيات
هذه الأمة مطلقاً ، وكذا الثالثة بالنسبة لغير هارون فى غير الصلاة اهـ . وجزى
الله شيخنا فما أوسع نظره وأدق فكره ، ويقول رحمه الله فى "كشف الستر
من مسألة الوتر" (ص - ٦٦): فما عند ابن ماجه عن عائشة عن النبى معَاء}:
((ما حسدتكم اليهود على شئ ما حسدتكم على السلام والتأمين)) وعن ابن عباس:
((فأكثروا من قول آمين))، يريد به الإكثار فى المواقع اللائقة بها وإلا فهى
فى الصلاة محدودة فكيف اكثارها .. وما فى الحديث الآخر: ((وعلى قولنا
خلف الإمام أمين)) فلا يريد به أن أغيظوهم بهذا المحل فقط بل اغاظتهم
بالاكثار فى مواقعها ، ولما كان فى خاصة أنفس المسلمين وفى حقهم هذا أيضاً
من المواقع المساوكة لها ذكرها فى ذيول مراده وإلا فحسدهم على ظهور آمين عند
المسلمين واستعمالهم إياها واغاظتهم باكثارها فى المواقع المناسبة، وفى الواقع هى
فى صلاتنا أيضاً فيحصل رغمهم به أيضاً وإن لم تحصل الاغاظة به فالإغاظة بالعموم،
وذكر الصلاة لأنها محل مشهور فيما بين المسلمين فى معاملة أنفسهم ، وإن لم
يتعلق هذا المحل باليهود كثير تعلق هذا هو المراد فوقع فى الألفاظ اختصار
يرول بالتأمل إبهامه . وبالجملة: فذكر الصلاة لأن هذا المحل منے جنس ما
يحصل اغاطتهم به لا أنه هو المدار فقط ، أعنى أنها أى آمين شئ واحد حيث ما
وقعت ، فلهذه الوحدة ذكر جزئى الصلاة . وإذا كان الشىء واحداً والمقاصد.
المطلوبة منه متعددة فقد يراعى تميز المقاصد ، ولا يذكر أحد المحال فى موضع
الآخر . وقد براعى وحدة الشئ فى ذاته فيذكر أحد المحال فى موضع الآخر
ولا يضر كما استشهد فى قراءة أم القرآن ف الإمام بها فى غير هذه الحالة
لكونها شيئاً واحداً ذاتاً وإن تعددت الأحكام فكيف بالأغراض الخارجية فقط آه.
وقال رحمه الله أيضاً فى "كشف الستر" ( ص - ٧٠): وليعلم أن أحاديث

٤٠٠
بيان أدلة الاعفاء بأمين
حجر بن العنبس ويكنى أبا السكن ، وزاد فيه عن علقمة بن وائل وليس فيه
حبد اليهود على التأمين أحاديث متعددة بألفاظ متنوعة ليس حديثاً واحداً ،
وقد سقط من بعضها ما قد ذكر فى الآخر ، وقد وقع فى بعض ألفاظها
ترتيب شئ على غير سببه وإلا فأين كانت اليهود يتناوبون المسلمين فى الصلوات
الليلية وهى الجهرية ، والمنافقون الذين كانوا يربدون كتمان حالهم على المسلمين
كان أثقل الصلوات عليهم صلاة الفجر والعشاء فكيف باليهود ، وهذا الذى
أشكل على الحافظ ابن حجر حتى حكم على لفظ: ((وعلى قولنا خلف الإمام
آذان، بتفرد الراوى فيه كما ذكره فى "شرح المواهب" فإن كان سقط شئ من
الراوى ، أو وقع ترتيب شئ على غير سببه فذاك وإلا فهو من ذكر محل من
جنس ما يحمدونه لا أنه هو المحسود عليه، وقد يقع ذلك فى الأحاديث كما
وقع فى التأمين من وجه آخر فجاء بلفظ: ((إذا أمن الإمام فأمنوا)) و
بلفظ: ((إذا أمن القارى)) وبينها فرق فلم يقدر البخارى على النعيين ووضع
التراجم على كل احتمال من الصلاة والدعوات . وفعل مثله فى حديث إنظار
الموسر والتجاوز عن المعسر، وقد وقع فيه من الرواة ترتيب شئ على غير ما
يناسبه وكذا ترتيب كل عمل كفارة إلا الصوم، وأصله كل عمل ابن آدم . ومثله
فى ( باب ما وطئ من التصاوير) و ( باب من كره القعود على الصور ) و
إذا تقرر هذا فنقول : الأصل فى الأذكار والأدعية هو الإخفاء والجهر لمقاصد
صيحة لا غير ، ويكفى لعلم اليهود الجهر فى بعض الأحيان وهو عندهم أيضاً
كذلك فحاله فى الصلاة كحاله خارجها وسائر الأدعية وجهر القرآن لحفظه ،
ولذا ورد فى الحديث: ((وعلى قولنا خلف الإمام)) لا بلفظ الجهر فدل حكايته
عَّله على الحقيقة المقصودة، وهذا هو المناط وضها أنه لم يثبت جهر المأموم
فى مرفوع ثم إلى قد شاع أيضاً فى أشعار الجاهلية وفى " التوراة" فى تحريم
مواضيع وغيره فكان موضعها معلوماً وهو دعاء يوم الأحد، وموافقة الآخر

٤٠٦
معارف السّن
ج - ٢
عن علقمة، وإنما هو حجر بن عنيس عن وائل بن حجر وقال ؟ وخفض
كالتسمية وصار كحديث التأمين الداعى مع أن الأمر بالدعاء وقع باخفائها فى
قوله : (أدعوا ربكم تضرعاً وخفية ) فيعلم بالقرائن، وقد يجهر بها فى الجملة
انتهى كلامه بتغيير بعض الكلمات وتلخيص بعضها . قال الشيخ رحمه الله: وقد
يجاب عن الجهر بأنه كان للتعليم. وقال فى " فصل الخطاب" (ص - ٣١)
وفى تفسير الفاتحة والبقرة لصاحب " الطريقة المحمدية" من محققى المتأخرين من
الحنفية: وما روى عن النبى عَلٍ أنه رفع صوته بعد ولا الضالين فمحمول
على التعليم اهـ. قال: وهو كما ذكره صاحب "الهداية" فى الجهر بالبسملة.
وقال فى "الهدى" من بحث القنوت: فإذا جهربه الإمام أحياناً ليعلم المأمومين
فلا بأس بذلك فقد جهر عمر بالافتتاح ليعلم المأمومين ، وجهر ابن عباس
بقراءة الفاتحة فى صلاة الجنازة لوعلمهم أنها سنة ، ومن هذا جهر الإمام
بالتأمین آهـ . ولفظ أبی داؤد فى « سننه» (١ - ١٣٥) (باب التأمين وراء
الإمام ) وأخرجه " ابن ماجه" أيضاً: ((حتى يسمع من ياهه من الصف
الأول)) يشير إليه ، وفيه بشر بن رافع وهو متكلم فيه. قال فى" التقريب":
ضعيف .
قال الشيخ : ويؤيده ما أخرجه الحافظ أبو بشر الدولابى فى كتاب
"الأسماء والكنى" (١ - ١٩٧) من حديث وائل وفيه: ((وقرأ غير المغضوب
عليهم ولا الضالين فقال: آمين يمد بها صوته ما أراه إلا ليعلمنا)). فهذا
القول منه صريح فى أنه أراد أن يعلمهم سنة التأمين ، وفيه يحيى بن سلمة بن
كهيل مختلف فيه وثقه الحاكم فى "المستدرك" ولكن تساهله فى " المستدرك "
مشهور ووثقه حيث ذكره فى الثقات ، ثم رأيت أنه ذكره فى الضعفاء أيضاً
وهو ربما يذكر راوياً فى الكتابين جميعاً حتى قيل أنه ينسى ذكره فى الأول
فتؤددت فيه حتى رأيت فى "كتاب الضعفاء" له ترجمة ابراهيم بن طهان ما
.

٤٠٧
بحث اختلاف شعبة والثورى فى حديث التأمين
بها صوته وإنما هو مد بها صوته . قال أبوعيسى : وسألت أبا زرعة عن هذا
حاصله: أن له دخلاً فى الضعفاء والثقات جميعاً فذكرته فى الكتابين جميعاً
فانزاح ما اختاج فى صدرى. وقد تمسك ابن خزيمة برواية فيها يحي بن
سلمة بن كهيل، أنظر تفصيله فى " التلخيص الحبير" و "الهدى" (١ - ٨٠).
وبالجملة فقد احتج به ابن خزيمة فى "صحيحه" فإنه عقد باباً لوضع البدين
قبل الركبتين فذكر حديث وضع اليدين بعد الركنين بسند جيد ثم عقبه
بحديث وضع البدين قبل الركبتين وجعله ناسماً للأول وفيه يحيى بن سامة
هذا . وضعف ابن القطان رواية سفيان كما حكاه الزبلعى فى " التخريج"،
وقد بين فى حديث وائل اضطراباً من أربعة وجوه كلها يرجع إلى اختلاف
الثورى وشعبة فى الإسناد والمتن وقال فى آخره : والحديث إلى الضعف أقرب.
منه إلى الحسن اهـ. أنظر "نصب الراية" (١ - ٣٦٩ و ٣٧٠) ولكن بقول
البدر العينى فى " العمدة" (٣ - ١١١): وطعن صاحب "التنقيح" فى
حديث شعبة هذا آهـ . والظاهر أن طعنه فى كليهما بالإضطراب .
قال الشيخ : غير أن الجمهور بصححون حديث الثورى ويضعفون
حديث شعبة. والقاضى عياض صمح الحديثين كما فى "الأبى" (٦ - ٦٠٨)
وحكى البدر العينى تصحيحها عن البعض، ولفظه : وقد قال بعض العلماء :
والصواب أن الخبرين بالجهر بها وبالمخافة صحيحان آه . وهو عين ما حكاه
المارديني من لفظه فى "الجوهر التى" كما تقدم. قال الراقم: والظاهر من
سياق عهارته أنه بريد به ابن جرير الطبرى . وقد تقدم عن ابن جرير الطبرى
تصحيحها ، واخثار الاخفاء لكون أكثر الصحابة والتابعين عليه . قال الشيخ:
وقد تأول بعضهم فى قوله : " ومد بها صوته" فى رواية الثورى بأن المراد
مد الألف لا رفع الصوت وليس بصحيح فإن رفع الصوت بها مصرح فى
الصحاح ، ففى رواية أبى داؤد من حديث وائل: ((ورفع بها صوته)، وفى
٦

٤٠٨
معارف السين
ج - ٢
الحديث فقال : حديث سفيان فى هذا أصح
رواية النسائى من حديث عبد الجبار عن أبيه: ((يرفع بها صوته)) وفيه روايات
أخرى فى " التخريج" للزيامى لا يخلو جلها عن كلامه.
ثم إنه بعد تسليم المحدثين تصحيح الروايتين إما أن يكون التوفيق بينهما
كما قاله الشيخ ابن الهمام ( تقدم نصه من كتابه " فتح القدير") وإما أن يكون
الجهر للتعليم ، وقد ثبت الجهر بالأذكار فى الصلاة كجهر عمر بالثناء كما فى
"كتاب الآثار" وجهر ابن عباس بالفاتحة فى صلاة الجنازة عند النسائى، و
ـهر أبى هريرة بالتعوذ كما فى " الأم" (١ - ٩٣) وكإسماع النبي عَلَا}
إياهم الآية أحياناً فى الصحاح وكإسماع أبى بكر فى واقعة السقوط عن الفرس
مع أنه كان مقتدياً فلا ببعد أن يكون الجهر بآمين من هذا القبيل ، وعليه بحمله
صاحب " المدى" كما مر، وصلى المسور بن مخرمة أى صلاة الجنازة فقرأ
بالفاتحة وسورة قصيرة رفع بها صوته فلما فرغ قال : لا أجهل أن تكون هذه
الصلاة عماء ولكنى أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة كما فى " العمدة" (٤ -
١٥٦) ((وقد مد النبى عَ ل صوته بقوله ربنا لك الحمد ملأ السماوات والأرض)) الخ
كما فى "كنز العمال" ( ٤ - ٢١١). ويقول الإمام الشافعى فى " الأم"
(٧ - ١٧٣): ولا نرى بأساً أن تعمد الجهر بالقراءة ليعلم من خلفه أنه
يقرأ اهـ. ويؤيد ذلك قدوم وائل بحضرته عَّ ل مرتين فلعله جهربها ليعلمه. كما
فی " سنن أبى داؤه" فى ( باب رفع اليدين) وفيه: ثم جئت بعد ذلك فى
زمان فيه برد شديد آهـ . ففيه قدومه مرتين ، وأمخرجه " النسائى» فی ر ہاب
موضع اليدين عند الجلوس للتشهد) ولفظه فيه: ((ثم أتيتهم من قابل فرأيتهم
يرفعون أيديهم فى البرانس ) اهـ .
وكذلك يؤيده رواية وائل فى " معجم الطبرانى" قال: «رأيت النبى
عَ لّ دخل فى الصلاة فلما فرغ من فاتحة الكتاب قال: آمين ثلاث مرات ).

٤٠٩
تحقيق أن الجهر بآمين كان التعليم
قال : روى .
قال فى "الزوائد" (٢ - ١١٣): رواه الطبرانى فى " الكبير" ورجاله
ثقات اهـ .
قال الحافظ: الظاهر أنه رآه فى ثلاث صلوات فعل ذلك لا أنه ثلث
التأمين اهـ. حكاه فى " شرح المواهب" (٧ - ١١٣) فى الفرع الثالث فى
قراءة الفاتحة وقوله آمين بعدها. فهذا يدل على أنه كان جهر بها لأجل التعليم،
ووقع فى رواية عند الطبرانى فى "معجمه " زيادة ، رب اغفرلى)) قبل
آمين. قال فى " الزوائد" ( ٢ - ١١٣): رواه الطبرانى ، وفيه عهد الخهار
العطاردى وثقه الدار قطنى وضعفه جماعة اه ملخصاً. وفى "سنن الدار قطنى
عن عبد الرحمن بن مهدى أنه قال: أشد شئ فيه - أى حديث سفيان - أن
رجلاً كان يسأل سفيان عن هذا الحديث فأظن سفيان تكلم بيعضه والرجل
ببعضه . قال الدار قطنى : قال أبوبكر هذه سنة تفرد بها أهل الكوفة .
قال الشيخ: ومما يؤيد الحنفية أن مذهب السفيان الاخفاء بالتأمين مع
رواية مد الصوت وجهره . أقول : وهذا فى غاية القوة .
قوله : وقد روى الخ. ولهم فى الباب حديث متابع آخر عند النسائى
فى (رفع اليدين حيال الأذنين) (١ - ١٤٠) ولفظه: «فقال آمين يرفع
بها صوته)). وكذا عند النسائى فى ( قول المأموم إذا عطس خلف الإمام) و
لفظه هناك: ((قال: آمين فسمعته وأنا خلفه)). لم يحتجوا به وهذا اللفظ يكاد
يكون حجة عليهم لا لهم لأنه أدل على الاخفاء منه على الجهر حيث لا يثبت
الجهر بسماع رجل خلفه كما سيتضح. وإذن يصح أن يدعى أحد أن لفظه
الصحيح هذا ، ومن رؤى خلافه فلعله رواه بالمعنى فلا يبقى حجة لهم فى
اللفظ الذى يتمسكون به وقد أجابوا عن لفظ: ((فجهر بآمين )) عند أبى داؤد
( م - ٥٢)

٤١٠
معارف السنى
ج - ٢
. العلاء بن صالح الأسدى عن سامة بن كهيل نحو رواية سفيان.
أنه رواية بالمعنى، والصحيح "مد" أو " رفع" دون "جهر" والله أعلم. وفى
سنده عهد الجبار بن وائل عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه . قال النووى فى
" شرح المهذب" (٣ - ١٠٤): الأئمة متفقون على أنه لم يسمع من أبيه
شيئاً ، وقال جماعة : إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر اهـ. قال الراقم :
ونقل الاتفاق على عدم السماع غير صحيح وإن كان هو الراجح والقول بولادته
بعد موت أبيه ضعيف أيضاً وإن كان مختلفاً فيه أنظر " التهذيب" (٦ - ١٠٥)
غير أنه يكفى المتابعة من غير شك حيث يروى على أبيه بواسطة أخيه علقمة
كما يروى عنه حديث رفع اليدين وحديث وضع اليدين عند الصدر وقد
احتجوا به هناك .
قوله: العلاء بن صالح، علاء بن صالح هذا ضعيف . قال فى «التقريب":
صدوق له أوهام . وفى " الميزان": قال أبو حاتم : كان من عنق الشيعة،
وقال ابن المدينى : روى أحاديث مناكير آهـ . قال الشيخ ووقع عند أبى داؤد
فى "سلته" فى (باب التأمين وراء الإمام) بدله: على بن صالح من طريق
مخلد بن خالد الشعيرى عن ابن نمير وهو ثقة ولكنه خطأ ، والصحيح فيه
العلاء بن صالح. قال الراقم: صرح به الحافظ فى " التهذيب" (٨ - ١٨٤)
قال : العلاء بن صالح التيمى ويقال الأسدى الكوفى ، وسماه أبو داؤد فى روايته
على بن صالح وهو وهم . وكفى بقول الحافظ وبصيرته فى هذا حجة . ويقول
الشيخ التيموى فى "آثاره": لقد أخرج أبوبكر بن أبى شبية عن ابن نمير عن
العلاء بن صالح . والترمذى عن محمد بن أبان عن ابن نمير عن العلاء بن صالح
عن سلمة بن كهيل فاختلف القول فى على والعلاء ، وأبوبكر ابن أبى شيبة ومحمد
ابن أبان أحفظان من الشعيرى والحفاظ كالبيهفى وغيرهم لم يذكروا فى متابعة
الثورى إلا العلاء بن صالح لا على بن صالح ، فلو كان ما يوجد فى النسخ
٠

٤١١
تحقيق التطبيق بين لفظ شعبة وسفيان
قال أبوعيسى : ثنا أبوبكر محمد بن أبان نا عبد الله بن نمير عن العلاء بن
المتداولة من "سنن أبى داؤد" من ذكر على بن صالح صواباً لذكروه فى متابعة
الثورى لأنه أثبت من العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة اه. وما يذكرونه من
متابعة محمد بن سلمة عند الدار قطنى فلا حجة فيه أيضاً حيث قال الذهبى فى
"الميزان": قال الجوز جاني ذاهب واهى الحديث، ومثله فى " اللسان" (٥ -
١٨٣) و"فتح البارى" (٢ - ٢١٥) وأقوى من هذه المتابعات ما أشار إليه
شيخنا غير أنه مع انقطاعه وارساله ليس فيه حجة لهم لما ذكرته ، ثم رأيت فى
كلام الشيخ فى "تعليقاته" على " الآثار" إشارة لما أوضحته فسررت به و
الحمد لله ولفظه: ولكن هناك متابع آخر عند النسائى فى رفع اليدين حيال
"الأذنين أول كتاب الافتتاح، ولعله عن عبد الجبار عن علقمة فإنه أكثر ما
يرويه عن أهل بيته . وجوابه عنده فى قول المأموم إذا عطمن خلف
الإمام بعد (باب فضل التامين) . وهو عند ابن ماجه بزيادة فسمعناها منه ، و
هذا يدل على رفع يسير ومثله ما فى " الكنز" (٤ - ٢١٠) قال: آمين حتى
يسمعنا اهـ .
قال الشيخ : ثم الظاهر عندى تساهم صحة كلتا الروايتين والتوفيق بين
اللفظين أو حمل حديث سفيان على التعليم والتمسك فى المسألة على تعامل جمهور
الصحابة والتابعين كما يقوله ابن جرير الطبرى وهو مذهب عمر وعلى كما فى
" معانى الآثار" فى (باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم فى الصلاة) (١ -
١٢٠) من طريق أبى سعيد عن أبى وائل قال: ((كان عمر وعلى لا يجهران
يسم الله الرحمن الرحيم ولا بالتعوذ ولا بالتأمين)) اهـ. ومن طريقه ابن جرير
فى "تهذيب الآثار" حكاه فى "العمدة" (٣ - ١١١) وفى سنده أبو سعيد
وهو سعيد بن مرزبان البقال متكلم فيه . قال الماردينى فى "الجوهر النقي" (٢
- ٢٠٩): والبقال متكلم فيه، قال ابن معين: ليس بشئ، وقال الفلاس:

٤١٢
معارف السنه
ج - ٢
صالح الأسدى عن سلمة بن كهيل على حجر بن عنبس عن وائل بن حجر عن
متروك، وقال أبو زرعة : مدلس ، وقال البخارى: منكر الحديث ، وقال
اللسائى: ضعيف آه. ويقال: أبو سعد بغير الياء، وأخرج له الترمذى فى «جامعه»
فى ( أبواب الديات ) فى ( هاب ) من غير ترجمة بعد ( باب ما جاء فيمن
یقتل نفساً معاهداً ) (١ - ١٦٨) وقال: حديث غريب لانعر فه إلامن هذا
الوجه . وحسن له فى بعض المواضع فى (باب ما جاء فى الدعاء إذا أصبح و
إذا أمسى ) فأخرج لأبى سعيد بن المر زبان عن أبى سلمة عن ثوبان ثم قال :
هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (٢ - ١٧٥ ). وقال الشيخ فى
"تعليقاته " على "الآثار": وقد وقع فى "الفتح" (٦ - ١٨٦) تحسين
حديث بدور على أبى سعيد البقال كما فى (٢ - ٢٠٩) من "الجوهر النقي"
و "المشكل" (٢ - ٤١١) ووثقه فى "الزوائد" (ص - ١٨٤ طبع الهند).
وراجع "التلخيص" (ص - ٣٠٣) و "الأدب المفرد" (ص - ٢٣٤) و
"تعجيل المنفعة" ( ص - ٣٨٠) وحاشية " الدار قطنى" (ص - ٢٧٢ )،
وقد أخرج الطبرانى جزء لأبى سعيد البقال كما فى " تذكرة الحفاظ" من ترجمة
الطبرانى اهـ. قال الراقم: ولفظ "الجوهر النقى": وقد روى عن الشافعى
أنهم کانوا أهل کتاب فهداوا وأظنه ذهب فى ذلك إلى شئ روى عن على من
وجه فيه ضعف بدور على أبى سعيد البقال اهـ.
وقال الترمذى فى " العالم الكبرى": قال البخارى هو مقارب الحديث
حكاه الزيلعى فى " نصب الرأية" (٤٠ - ٣٦٦) وذكر أيضاً: وقال ابن
عدى : هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم أهـ : فعلم من ههنا أن الهخارى
يوثقه وينقلون عنه فى كتب الرجال تضعيفه إياه، وأخرج له ابن جرير وصححه .
قال الشيخ فى " تعليقات الآثار": صمح له ابن جرير فى " تاريخه" (١ -
٢٩ و٢٨ و٢٥ و١١). قال الراقم: وفى " الزوائد" (٢ - ١٠٨) فى

٤١٣
بيان أن الاخفاء بأمين مذهب جمهرة الصحابة والتابعين
النبى عَالٍ نحو حديث سفيان عن سلمة بن كهيل
حديث ابن عباس فى ترك الجهر بالبسملة قال: وفيه أبو سعيد البقال وهو
ثقة مدلس وقد عنعنه اهـ. فالحاصل أنه وثقه البخارى والترمذى وابن جرير
والطبرانى ثم الهيثمى فى " الزوائد" والحافظ فى " الفتح" بل كلام أبى زرعة
عند المارديني يؤمى إلى توثيقه فإنه طعنه بالتدليس فقط . وبالجملة بضعفه الجمهور
ويوثقه طائفة. وكذلك الاخفاء بالتأمين مذهب عبد الله بن مسعود كما ثبت
عنه بسند صحيح. قال فى "الزوائد" (٢ - ١٠٨): وعن أبى وائل ة ل:
(( كان على وعبد الله لا يجهران يبسم الله الرحمن الرحيم ولا بالتعوذ ولا بالتأمين)
رواه الطبرانى فى "الكبير" وفيه أبو سعيد البقال وهو ثقة مدلس ١ هـ . وفى
" كنز العمال" (٤ - ٢٤٩) عن إبراهم قال قال عمر: ((أربع يخفيهن
الإمام: التعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم ، وآمين، واللهم ربنا ولك الحمد)
( ابن جرير ) فتلخص أن إخفاء التأمين هو مذهب عمرو على وعبد الله وإبراهيم
النخعى وجمهور الصحابة والتابعين وسائر أهل الكوفة .
: تذييل وتكميل :--
ولما انتهى بنا الكلام إلى ههنا أردنا أن نتحف حضرات الناظرين بنتفت
من كلام حضرة الشيخ فى اختلاف شعبة وسفيان فى رسالته " كشف السفر »
و "تعليقاته على الآثار" كما أتحفناه سابقاً فى هذا البحث ورغبنا فيه تذييلاً
للبحث وإشباعاً للموضوع وتعديلاً لكفة الميزان بين خلاف شعبة وسفيان
بغاية من النصفة كما هى من خصائص كلام الشيخ رحمه اللّه ولم أتحاش من
تكرار فى بعضها فإنه المسك ما كروته بتضوع قال : فاعلم أن لفظ سفيان
(( رفع بها صوته)) ولفظ شعبة ((خفض بها صوته)) فى حديث وائل
ابن حجر لابد فى الحديث من كليها ، وهوحديث واحد لا حديثان ذكر كل

٤١٤
معارف السند
ج - ٢
ما لم يذكره لآخر لأنه لولا أصل الرفع أى شئ منه لم يسمعه وائل وقد سمعه،
ولولا شئ من الخفض لما قال وائل كما عند النسائى من (قول المأموم إذا عطس
الإمام: ) ((فلما قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين فسمعته وأنا
خلفه، يوجه مو سماعه، وكذا ما عند أبى دود عن أبى هريرة (( حتى يسمع
من يليه من الصف الأول )، ثم التعبير بالرفع والجهر والمد بالصوت أو الخفض
والاحفاء به تعبيرات عن هذه الحقيقة، وأمر حكاية الواقع كأمر نقل.
القرآن الحكيم قصص الناس وحكاية وقئهم على الماصدقات لا على خصوص
الألفاظ كما ذكره بعض المحققين ، فالظاهر أنه كان مد نفس لاجهراً معروفاً
وأشكل على الرواة ضط مرتبته فاضطر،وا ودل بمد النفس أن الأصل فيه هو
الإخفاء ويقال فى العدو علا نفسه كما وقع لأبى بكرة فقال : أيكم صاحب
هذا النفس .
وما عن شعبة فى السن - أى " الكبرى للبيهقي" - من طريق ابراهيم
ابن مرزوق ((قال: آمين رافعاً بها صوته )) فأولاً : لا بد من شىء من
الرفع حتى يتأتى سماعه. وثانياً: هو من زيادة متأخرى الرواة مع خلو
رواية المتقدمين ، ومثله فى حديث وضع اليدين على الصدر، ولفظ : (لا
صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام)، كما فى " الكنز"، وعمل السلف
فيها أقدم من هؤلاء الرواة . ثم هذا الجمع كما جمعوا بين أحاديث الاستدارة
فى الأذان ونفيها واثبات رفع اليدين فى الدعاء ونفيه . ومن العجيب أن هذه
السنة مما تعم به البلوى ثم لم تصل مرفوعة إلى الحجازيين إلا من طريق وائل
. وعداده فى أهل الكوفة . قال الدار قطنى: قال أبو بكر هذه سنة تفرد أهل
الكوفة اهـ. ثم لا يشفى ما أعله به البخارى وأبو زرعة فإن عادة البخارى
إذا اختار جانباً ذهب بهدر خلافه ، ويصير إلى جانب واحدٍ والذي يظهر
من المسند أن أحمد توقف فيه وهو الاعتدال ثم إذا خرجت الأجوبة عما أعله

٤١٥
منقطات كلام إمام العصر فى بحث التأمين
البخارى به عن ثلاث علل بالنقول الصريحة (وقد تقدم بيانها ) فكيف الجزم
فى العلة الرابعة وهى الإعلال بلفظ الخفض ومن أدرى أن الرابعة واقعة ولاد
حكماً على الغيب ! ولعلها كالثلاثة أيضاً والأمر فى حد الجهر والاخفاء عسير .
وفى " الطبقات الشافعية" (٦ - ١٢٨): سمعت شيخنا الإمام أبا الفتح ابن
دقيق العيد فى درس الكاملية : يقول : أقمت مدة أطلب الفرق بين الجهر
والاسرار فلم أجد إلا قوله: ما أسر من أسمع نفسه ، ولم يأت فيه فى الحديث
شئ وهدى القرآن الحكيم إليه بقوله : ( واذكر ربك فى نفسك تضرعاً و
خيفة ودون الجهر من القول ) ونهى الجهر فإن جهره يوهم أنه غائب ، و
بقوله: ( وادعوا ربكم قصرعاً وخفية) . ودعاء المسألة لا يحتاج إلى الجهر
وغيره فإن معنى الدعاء بالفارسية " خواندن" وقوله تعالى: (ولا تجهر
بصلوتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً ) وذكر الطرفين وترك الأوساط
وأشار إليها بما يناسب خال النهارية والليلية بقوله : ( وابتغ بين ذلك سبيلاً).
والمخافة أدنى من اسماع النفس ، وليس فى الآية تقسيم على الصلوات بل قدر
مشترك فيه غرض بصدق ذلك على كلها وقد اختلفوا فى وجوب الجهر و
المخافتة على المنفرد كما فى " حاشية البحر" من سجود السهو عن كتب عديدة ،
ومن الجهر والاخفاء. وفى " البدائع" (١ - ١٦١) ذكر أبوبوسف فى
" الاملاء" إن زاد على ما يسمع أذنيه فقد أساء اهـ. وعن ابن مسعود: ((لم
يخافت من أسمع أذنيه)، كما فى " تفسير ابن جرير" (١٥ - ١١٦) وكان
المخافتة عنده عدم السماع نفسه كما فى "روح المعانى" من قوله: (ولا تجهر بصلوتك)
وما فى كتب الفقه من حد الخافتة فمشهور: أن أدنى الخافتة إسماع نفسه ومن
يقربه فلو سمع رجل أو رجلان لا يكون جهراً. وبالجملة فرفع الصوت قليلاً
لا ينافى الاخفاء والاسرار فلا مانع أن يسمعه من يليه ولا يكون جهراً مصطاحاً
فكيف بصح به الاستدلال الجهر المتعارف .

٤١٦
معارف السن
ج - ٢
وقد اجتار الناظرون فى نقل الرواة أشياء كثيرة مما يخفى قراءتها باتفاق
بينهم وهى غير محمصورة ما ذا ذريعة النقل فيها ؟ فكان هناك تعليم واسماع
وجهر فى بعض الأحيان وإعلام فى الجملة لا استنان الجهر . وكذا فى رفع
اليدين فى الدعاء والتأمين عليه . فالذى يظهر: أن الواقع هو قوله: ( فسمعته
وأنا خلفه)) ثم عبر عن هذا كل بما رآى أنه المؤدى فها كلاهما صحيحان . ولو
كان الجهر بآمين سنة راقبة لتواتر نقلاً أو عملاً ولابد كتواتر رفع اليدين وأنه
أمر وجودى لا عدمى حتى بقل فيه النقل . ثم هذا الرفع هل كان كمختار
الشافعية أدون من رفع الصوت بالقراءة أو سمع أحياناً كما سمع كثير مما يخفى به
وكثر نقله فى الحديث على مختار الحنفية كاسماع آية أحياناً، الأمر فيه دائر و
يرجع فى المسألة إلى التعامل . وقد قال فى "الجوهر النقي" عن ابن جرير!
إن عمل أكثر الصحابة والتابعين على الاخفاء . ويدل عليه اختيار مالك إياه
فإنه لا يعدو العمل مهما أمكن والله أعلم.
ثم إنه كما اختلف على سلمة بن كهيل فيه كذلك اختلف على أبى اسماقى
عن عهد الجبار عن أبيه وائل ، وإذا كان أخذه عن أخيه علقمة فالاختلاف
على عبد الجبار اختلاف على علقمة مع لفظ شعبة بالخفض عنه وبق لفظ الحجاج
عن عبد الجبار فيه ولفظ عاصم بن كليب عن أبيه وائل ، وهما يقاربان
لفظ شعبة، فتساوت المتابعات أيضاً، وهذه الألفاظ عند أحمد. وعند النسائى
ما مر لفظه . ويقاربه فى الغرض لفظ أبى بكر بن عياش عن أبى اسماق عند
ابن ماجه ، وكذا لفظ زيد بن أبى أنيسة عنه عند الدار قطنى فإن السماع أو مع
ضم مد الصوت ليس بغاية فى المسألة فقد نقلوا كثيراً مما يخفى ولا يجهر به .
وبالجملة : فحديث وائل قد رواه عنه ثلاثة حجر بن عنهس وابنا
وائل : علقمة، وعبد الجهار ، وعن حيجرا بن عنبس سامة بن كهيل ، وعنه
شعبة وسفيان ، واختلفا عليه فى الخفض والرفع . واختلف على علقمة أيضاً .

٤١٧
تحقيق التطبيق بين لفظى الخفض والجهر فى حديث آمين"
فروى أبو إسحاق عنه عند أحمد سمعت النبى معَّ لم يجهر بآمين . وروى شعبة من
طريق سلمة بن كهيل عن حجر بن عنيس عن علقمة عن وائل - إذا اعتبر
علقمة فإنه من المزيد فى متصل الأسانيد - الخفض . وكذا الإختلاف على
عبد الجبار يسرى إليه ؛ فإن عبد الجبار أخذه عن أخيه علقمة ، واختلف على
عبد الجبار فيه، فعند النسائى من طريق أبي إسماق: ((فسمعته وأنا خلفه)) و
هذا إلى الخفض أقرب. وعنه من طريق أبي إسماق عند أحمد: ٤ وصليت خلفه
فقرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال: آمين يجهر)). وعنده من طريق
الحجاج عن عبد الجبار عن أبيه (أنه سمع النبي حَ الٍ يقول آمين)). وهذا كنقلهم
کثیراً مما يخفى بالإتفاق . وهناك رابع : رواه عن وائل وهو كليب فعند أحمد
أيضاً من عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر من طريق أبى بكر بن
عياش عن أبى إسحاق عن عبد الجهار: ((فلما قال ولا الضالين قال آمين فسمعناها
منه" أقرب إلى الخفض ؛ وإلا فمن يعبر بمثل هذا العنوان فيما ثم جهره واشتهر
أمره وتقرر ذكره . وإذا علمت هذا فالحكم فى الحديث لسفهان على شعبة ليس
بناهض وكيف ؟ وعنده من طريق حجر بن عنيس عن علقمة عن وائل أيضاً
كما أنه عنده عن حجر بن عنبس عن وائل بلا واسطة . فيمكن أن يكون لفظ
علقمة هو الخفض فرواه كما سمعه ، فينبغى للناظر أن يتأنى ولا يتعجل ؛ فإن
السرعان قد يكهو وينبو. هذا وفى " فوز الكرام" للشيخ أبى المحاسب محمد
الملقب بالقائم السندى: فجمع ابن سيد الناس فى شرح " الترمذى": بأن
المراد الإطالة وهى لا تنافى الخفض، وإن كان المراد بالمد رفع الصوت فيحمل
الرفع على الرفع بالنسبة إلى ما يخافت المصلى أو الصلاة السرية والخفض على.
الخفض بالنسبة إلى ما جهر به الإمام من القراءة والتكهير . وهذا الجمع يؤمى
إليه بعض طرق الحديث كما أشار إليه المحقق فى " فتح القدير".
( م - ٥٣)

٤١٨
معارف السفن
ج - ٢
وقال الحافظ فى " الفتح": إن كان هذا محفوظاً فيحتمل أن يكون
مرة سمعه جهربالتأمين ومرة أسره والله أعلم انتهى. ونحوه فى "شرح المواهب"
من الحافظ - فيما أخرجه الطبرانى فى "الكبير" عن وائل: ((قال آمين ثلاث
مراتٍ)) قال الهيثمى رجاله ثقات قاله لعله سمعه ثلاث مرات فى صلوات :
ثم إن فى نسخة "المسند" من طريق شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر أبى
العليس قال سمعت علقمة بحدث عن وائل أو سمعه حجر من وائل "بأو"
لا "بالوار" وكذا فى نسخة " سنن الدار قطنى" " بأو". وقد نقله الناقلون
" بالواو" . ثم إنه قد أخرج "الدار قطنى" حديث السكنتين عن سمرة متصلة
بهذا الباب فكأنه استشعر ورود الاعتراض بأن السكنة الثانية فيه للتأمين وهو
كذلك إن شاء الله، هذا وقد ذكرت البحث فى حديث وائل بما مر ؛ لأن
الباحثين قد أغفلوه طراً فذكرته ليتنبه الناظر وليتأهب فى الأمر للنظر الغائر
انتهى كلامه ببعض تصرف وزيادة رغبة فى زيادة الإفادة . ولا أرى حاجة
بعد ما أسهينا هذا الاسهاب إلى زيادة فإنه قد عدات الكفتان واستوت لسان
الميزان فى البحث رواية ورجحت كفة الحنفية تعاملاً ودرايةً والله أعلم .
تنبيه : بقى هنا أمر لابد من التنبيه عليه كيلا يغتر به الناظر، قال الحافظ فى
"الفتح" (٢ - ١٨١): وروى البيهقى من وجه آخر عن عطاء قال:
«أدركت مائتين من أصحاب رسول اللّه عَ لٍّ فى هذا المسجد إذا قال الإمام:
ولا الضالين سمعت لهم رجة بآمين)) اهـ. وحكى أيضاً عن عطاء: (أن من خلف
ابن الزبير كانوا يؤمنون جهراً، اهـ. وحكاه شيخنا رحمه الله فى "تعليقاته" على
"الآثار" من " السعاية" (٢ - ١٧٥) عن ثقات ابن حيان وعن " الفتح"
و "إرشاد السارى" قال: ونقل الجملة الأولى - أى فى الأول - فى
"التهذيب". ثم أفاد فى جوابه: ولا يثبت أنه أدرك مائتين: قال الراقم :
وبؤيده أن ابن كثير فى "تاريخه" يحكيه بلفظ: يقال إنه أدرك الخ فكأنه لا يجزم

٤١٩
بقية بحث التامين وأسراره
به وكذا ابن خلكان فى "تاريخ" يقول: رآى عدداً كثيراً من الصحابة ولفظه
هكذا كأنه بدل مما نقل فيه ولكنه لعدم جزمه به أبهمه ولا يعينه بالاحصاء .
قال الشيخ : فلعله ذكر من أدرك من المصلين فى المسجد لا من الصحابة فقط،
كيف ! والحسن أكبر منه ولم ير إلا مائة وعشرين صحابياً كما فى " التهذيب"،
وكذا مجاهد. أو أراد الادراك بالسن فقط ثم ذكر من رآه بصلى أنه كان
يجهر مع ابن الزبير ، وكان ابن الزبير يقنت عند محاربة أهل الشام ، وهذا
الادراك مثل ما ذكروه لأبى حنيفة لعدة من الصحابة كما فى فتوى فيه الحافظ ابن
حجر ذكره القارى فى "شرح مسند أبى حنيفة". ولا أظنه إلا عن عطاء
فى "الفتح" (٢ - ١٧٧) عن ابن جريج عن عطاء قال قلت له: ((أكان ابن
الزبير يؤمن على أثر أم القرآن ؟ قال : نعم ، ويؤمن من وراءه حتى إن
للمسجد الجة)) اهـ. فهذا مأخذه ويتقوى ما ذكرته بما فى "المصنف" من لفظى
هذا الأثر ( ص - ٥٠٢) فراجعه وراجع فى جهر ابن الزبير ببسم الله الرحمن
الرحيم وعدمه "التخريج" - أى لازيلعى -. قال الراقم: أسند عن بكر بن
عهد الله المزفى قال: ((صايت خلف عبد الله بن الزبير فكان يجهر بيسم الله الرحمن
الرحيم وقال: ما يمنع أمراءكم أن يجهروا بها إلا الكبر)) اهـ . قال إن
عهد الهادى : اسناده صحيح لكنه يحمل على الاعلام بأن قراءتها سنة ؛ فإن
الخلفاء الراشدين كانوا يسرون بها ، فظن كثير من الناس أن قرائها بدعة
فجهر بها من جهر من الصحابة ليعلموا الناس أن قراءتها سنة، لا أنه
فعله دائماً اهـ.
تنبيه آخر: قد اتضحث حال أكثر الوجوه التى ذكروها فى ترجيح
رواية الثورى على شعبة وبقى تفضيل الثورى على شعبة بما ذكروه وهذا
أمر هين لا يستقيم بمثله الحجة فى معرض الخصام ، ثم هو مفروغ عنه فلا
حاجة إلى إطالة القول فيه فراجع ما ذكره سفيان وغيره فى شعبة من الثناء

٤٢٠
معارف السن
ج - ٢
( باب ما جاء فى فضل التأمين )
عليه وإنه أمير المؤمنين فى الحديث باعتراف سفيان، وإن شعهة أثهت منه أوأنه
أحسن حديثاً من الثورى كما يقوله أحمد وإنه كان ربما خطأ فى الرجال لاعتنائه
يحفظ المتون وغير هذه الكلمات من كتب الرجال " كالتهذيب" و" تذكرة
الحفاظ " وغيرها. ثم إن شعبة كان أبعدالناس عن التدليس ومشهور منه فى " كفاية
الخطيب" و" مقدمة ابن الصلاح" وغيرهما أنه كان يقول: لأن أزنى أحب
إلى من أن أدلس، وإن سفيان ربما داس كما فى "التقريب" فرواية شعبة مسلسلة
بالتحديث عند أحمد والكجى والطيالسى والدار قطنى كما تقدم ، ورواية سفيان
معنعنة عن سلمة ولاريب أن المصرح بالسماع أولى بالتقديم وأحق بالترجيح ،
وقد ذكره الشيخ النيموى فى " آثاره" أيضاً وجهاً لترجيح رواية شعبة. وقال
الشيخ فى " تعليقاته": إن شعبة حفظ فيه زيادة علقمة فى الاسناد وهذا بدل
على تثبته فى المتن كيف! ولم يجئ فى طريق علقمة وكليب لفظ الجهر وإن جاء
فى طريق علقمة لفظ الرفع وكذا فى أكثر الألفاظ عبد الجهار وحجر بن عنبس
فعدم الاختلاف على كليب يرجح غير لفظ الجهر من لفظ المد أو الرفع . و
ليس يقال للفظ خفض أنه رواية بالمعنى إنما يقال هذا فيما إذا كان الحديث
قولياً وترجح لفظ، لا فيما إذا كان فعلياً فإنما هو رواية المعنى أى الحكاية عن
الواقعة بعبارته وليس هناك لفظ حتى يقتحم فى مضايق الترجيح إنما اللفظ لفظ
الصحابى أو الراوى ، والبحث فيه قليل الجدوى ثم هو على هذا حقيقة مذهب
الشافعى . ويبقى البحث فى كونه سنة رائية ، وقد يطلق الرفع على المد كما فى
"أحكام القرآن" (٢ - ٢٢٨) هذا والله أعلم بالصواب، وسيأتى للبحث
فى المسألة بقية فى الهاب اللاحق وبالله التوفيق .
-: باب ما جاء فى فضل التامين :-